صحفيون تتهددهم الأحكام القضائية.. ومسؤولون يساوون بين النقد والتجريح

مروان دراج : سيرياستيبس
غياب قانون المطبوعات المنصف لأداء عمل الصحفيين، كان وما زال يشجع البعض من داخل المؤسسات الرسمية وخارجها، على رفع دعاوي بحقهم والنيل منهم، سواء بأحكام تقضي بالسجن أو بفرض غرامات مالية باهظة، وانطلاقاً من هذه الحقيقة، فقد تعالت خلال السنوات الأخيرة، الأصوات المنادية بضرورة تعديل قانون المطبوعات الحالي والذي تنص بعض مواده ومضامينه صراحة، في إمكان فرض عقوبات تسمح بحبس الصحفي، الأمر الذي يؤرق الكثير من العاملين في المنابر الإعلامية الرسمية أو الخاصة، ويسبب لهم الإرباك وإشغالهم عن قضاياهم الأساسية من خلال مراجعة الدوائر القضائية وتكبيدهم فواتير مالية تفوق قدرة الكثيرين على تحملها..، والأسئلة التي تطرح في هذا السياق: متى سيصدر القانون الجديد الذي يمكن أن يستعيض عن أحكام السجن بعقوبات مالية.. وماذا عن مبررات التلكؤ والتباطؤ في إصداره؟!
والأهم: هل الدعاوي التي ترفع في الوقت الحالي وتطال بعض الصحفيين.. هل هي على حق أم ظالمة من ألفها إلى يائها؟!
في حال كانت الصحافة مسؤولة في بعض مهامها عن نقد الظواهر السلبية في القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والخدمية، بهدف تقويم الأداء ومواجهة ما هو سلبي، والاستعاضة عنه بممارسات صحيحة يقبلها العقل والمنطق السليم، فإنه يتعين السؤال بهذه الحالة، عن الأسباب الفعلية التي تشجع بعض القائمين على المؤسسات والشركات الحكومية، في توجيه أصابع الاتهام إلى بعض الصحفيين، والمضي إلى أروقة القضاء من أجل الاستنجاد والاستغاثة بالقانون، مع أنَّ هذا الصحفي أو ذاك، ومن خلال إعداد المادة الصحفية، لا يمس لا من قريب ولا من بعيد شخصية هذا المسؤول، لا لجهة موقعه الاعتباري ولا سمعته الاجتماعية والأخلاقية،.. الانطباع السائد وشبه أكيد، أنّ استنجاد البعض بالقضاء، يأتي على أرضية، أنَّ هذا المسؤول أو ذاك، يأخذه الاعتقاد أو الظن، أنّ دور الصحافة الوطنية ينحصر في (الصمت) أو في تدبيج مقالات الإطراء والثناء (تمسح جوخ) بحق الذين يستحقونها أو لا يستحقونها، وهؤلاء يريدون لهذا الواقع أن يستمر ويتواصل من دون النظر إلى ما تعنيه الصحافة الوطنية في متابعة ونقد الظواهر السلبية، فغالبية الدعاوي المنظورة اليوم بحق بعض الصحفيين، عنوانها الأوّل القدح والذم والتشهير، علماً أن كلَّ ما يورده الصحفي من معلومات لا تمس – كما ذكرنا – شخصية هذا المسؤول أو ذاك، وإنما تنحصر في تقويم واقع حال أداء العمل، والإشارة إلى السلوكيات والمظاهر السلبية والخاطئة في حال وجدت، ومن يتابع ما تنشره المنابر الإعلامية الرسمية، وحتى الصحافة الخاصة التي أحدثت خلال السنوات الأخيرة، سوف يلحظ ومن غير عناء، أنها لا تأخذ بمفهوم (التجني) أو الاتهامات القائمة على الفراغ، وإنما تتكئ على معلومات من شأنها توجيه أصابع الاتهام، للذين لا يقومون بواجباتهم على أكمل وجه، بهدف دعم مسيرة التنمية.
لهذا، - كما ذكرنا- فإنَ مهنة الصحافة الرسمية لا تندرج في إطار (التجني)، مثلما لا تستخف بالقانون وحصانة القائمين على تطبيقه، وإنما هناك البعض من القائمين على مؤسسات وشركات عامة، يحاولون مصادرة دور الصحافة، ويأملون بإلغائه، كي يفعلوا ما يشاؤون من دون رقابة، أو توجيه الأنظار إلى أخطاء يفترض المنطق السليم تقويمها من خلال الإشارة المعلنة إلى مكامن الخطأ.
وفي كل الأحوال، فإنَّ الهرولة غير المسؤولة لهؤلاء باتجاه القضاء لن تكلل بالنجاح، ذلك أنهم يحلمون بصحافة غير مسؤولة، دورها التستر على النواقص وكل ما يعبث بالمصالح الوطنية، وأيضاً إلغاء حق التعبير، ودعوة إلى التسيب في القطاعات التي تنتقدها هذه الصحافة، وأيضاً من المفيد التذكير، وعلى وجه التحديد الذين يقومون بإدارة دفة القانون، أنَّ تمترس هؤلاء خلف القضاء بحق أو من دونه، يشيع الخوف والاضطراب القلق لدى الزملاء الصحفيين، الغيورين على مصلحة الوطن، وكأنّ هذه المؤسسات أو الذين يقومون عليها، افتضح أمرهم فيواجهون الصحافة بالقضاء، ويعملون بطريقة أو بأخرى على (خصخصة الرقابة) التي تعني، أنّ مدير عام هذه المؤسسة أو تلك، هو الرقيب الوحيد عليها، وأنَّ على الصحافة المصادقة وبعيون معصوبة على هذه الرقابة، ودون نقد أو مساءلة.
غير أنَّ المصلحة الوطنية، كما نعلم، وفي كل زمان ومكان تقضي بوحدة الجهود الصادقة، التي ينضوي فيها مدير عام المؤسسة والصحفي والقاضي أيضاً، وإلاَّ فقد العمل الوطني معناه وتحوَّل إلى جملة من الجهود المبعثرة.
وفي كل الأحوال، فإنَّ الحاجة الماسة لتعديل قانون المطبوعات أو استبداله بآخر أكثر شفافية،.. هذه الحاجة تأتي، من كون الصحفي لا يخترع ظواهر سلبية لا وجود لها، كما أن القاضي يراجع القانون قبل أن ينظر في شكاوي المتظلمين، وانطلاقاً من ذلك فإنَّ الطرف الوحيد الذي لا يعترف بموضوعية النقد والقوانين، هو مدير هذه المؤسسة أو تلك، انطلاقاً من حسابات شخصية متخمة بالأنانية والفردية، وهو لا يساوي بين النقد والتجريح، لو كان هذا المسؤول نزيهاً في عمله وفكره، وأيضاً لما خاف أو أصيب بالفزع من النقد الصحفي، وإنما شجَّع عليه... وكذلك لما هجس بإثارة مخاوف الصحفيين من خلال المجاهرة براية القضاء... باختصار، الأمر كله يندرج في معنى المسؤولية والأخلاقية الوطنية التي ينبغي أن ينضوي تحت رايتها، الناقد والمنقود بلا تمييز!.