بلورة الرؤى الصحيحة وتحسين السبل العملية المفضية إلى تنشئة سياسية عصرية يتطلبان – بداية – الانطلاق من التلازم العضوي بين التربوي والاجتماعي والسياسي في المناهج الدراسية، بما يؤدي إلى تنقيتها من التصورات السلبية المتصلة بالآخر. بحيث لا تكتفي هذه التنشئة بحشد ذهن المتعلم بمعلومات حول الكرامة والحرية والمساواة والاختلاف فحسب، وإنما تقوم على أساس أن يمارس تلك الحقوق، وأن يؤمن بها وجدانيا، وأن يعترف بها كحقوق للآخرين، وأن يحترمها كمبادئ ذات قيمة عليا.

 وهكذا، يجوز اعتبار التنشئة السياسية "تنشئة عمل" أكثر مما هي "تنشئة نظر". وذلك ما يسمح باعتبار التنشئة السياسية ترمي إلى تكوين المواطن المتشبع بالقيم الديمقراطية ومبادئ حقوق الإنسان، القادر على ممارستها في سلوكه اليومي من خلال تمسكه بحقوقه واحترامه لحقوق غيره، الحريص على حقوق ومصالح المجتمع بقدر حرصه على حقوقه ودفاعه عنها.

إنها ثقافة المساهمة التي تقوم على اعتبار الأفراد مواطنين من حقهم المساهمة في الحياة العامة والتأثير على المنظومة السياسية وتوجيه عملها في أوطانهم، وهي التي تسمح بالوصول إلى الديمقراطية وتحقيقها. فالثقافة السياسية الديمقراطية هي "مزيج بين التطلعات المختلفة وأحيانا المتناقضة للأفراد والمجموعات الجزئية، بحيث تمكّن الديمقراطية من التعبير، في الآن نفسه، عن التنوع والخصوصية والوحدة من جهة، وعن الانسجام دون استسلام من جهة ثانية، وعن المساهمة والالتزام دون تهريج من جهة ثالثة. وكل هذا يعني أنّ الثقافة السياسية الديمقراطية هي ثقافة التوازن والاعتدال"(1).

وفي الحقيقة فإنّ هذا النمط من التنشئة والثقافة السياسية يندرج ضمن إطار "التربية المواطنية" التي موضوعها هو "تشكيل المواطن وتنميته". هي تربية على المواطنية وتربية في المواطنية. إنها عملية شاقة ومتواصلة، إذ ينبغي السعي باستمرار إلى تكوين المواطن وتنمية وعيه بنظام حقوقه وواجباته وترسيخ سلوكه وتطوير مستوى مشاركته في حياة جماعة المواطنين التي ينتمي إليها، وهي ليست سوى وسيلة من وسائل تنوير المواطن بحقيقته من حيث أنه عضو حرٌّ في الدولة، يتساوى مبدئيا مع سائر أعضائها في الحقوق والواجبات، ويشارك في حياتها على جميع الأصعدة.

وبداية تسعى التنشئة السياسية ذات التوجه الديمقراطي إلى تعزيز التعددية في الآراء والمواقف، وإلى تطوير السياسات التي تخدم الإنسان. ونعتقد أنّ من الصحيح القول: إنّ استقلال الفرد وحريته الفكرية وشعوره بالكرامة وقدرته على الابتكار ينبغي أن تكون من القيم الرفيعة للمجتمع البشري، وتعتبرها مجتمعات بشرية كثيرة على هذا النحو.

وللتنشئة السياسية طرق وأهداف مختلفة، وفي مقاربتنا هذه نتحدث عن الطريقة التي تقوم على الشعور بالكرامة الإنسانية، وعلى ممارسة الحرية والابتكار واستقلال الفكر، وعلى تأكيد الذات والإعراب عن الشخصية وتوكيد الحضور الذاتي، وعلى ممارسة النقد. ومن شأن طريقة التنشئة هذه أن تنشئ فردا ناقدا ومناقشا ومحاورا، مقلّبا للأمور، دارسا لها. وبطريقة التنشئة هذه يزداد إقرار الناس بأهمية الجهد الشخصي في اكتساب المكانة الاجتماعية وفي جمع الثروة المادية وفي أداء الوظائف في شتى المجالات.

وبإشاعة هذه الطريقة في التنشئة السياسية يزداد الوعي العام بأهمية الحوار، بوصفه وسيلة لتحقيق التماسك الاجتماعي، وبوصفه وسيلة لمحاولة التوصل إلى الأحكام السديدة الرشيدة، ويحل الحوار محل أسلوب الفرض والإملاء والاستبداد بالرأي. وبإشاعة هذه الطريقة في التنشئة يتعزز وينتشر الرأي في أنّ التوصل إلى معرفة الحقيقة هو نتيجة عملية فكرية، يستطيع أن يشارك ويسهم فيها الناس من كل الطوائف والأجناس والفئات والطبقات، وفي أنّ الملكات اللازم توفرها لاكتشاف الحقيقة ملكات تُكتسب، وفي أنه - بالتالي - يمكن لأي امرئ أن يدلي بدلوه في عملية محاولة التوصل إلى الحقيقة، ولأن يشارك في اتخاذ القرار مشاركة بنّاءة، ولأن يكون عضوا فاعلا في شؤون المجتمع الذي يعيش فيه.

ومن أجل تجديد الثقافة السياسية يمكن الإشارة إلى أهم القواعد والمبادئ المفيدة للتنشئة السياسية المعاصرة(2):

(1) - اعتبار ساحة الفعل السياسي مفتوحة على الدوام على قوى ومجموعات سياسية أخرى ذات تصورات فكرية وسياسية متباينة، سواء تم اعتبارها ضمن صنف الحلفاء أو المنافسين أو الخصوم من جهة، واعتبار التحول والتغيير - من جهة أخرى - قانونا راسخا في كل واقع سياسي. الأمر الذي يفرض على المرء اعتماد قدر كبير من المرونة في التعامل مع الشأن السياسي تمكّنه من القدرة على التكيّف مع معطيات الواقع المتحول.

(2) - ضرورة التزام الخطاب العقلاني والواقعي في العمل السياسي، لما يتيحه ذلك من إمكانية الإحاطة بالواقع الشامل والتعرف على العوامل المؤثّرة في سيرورة تطوره. إذ أنّ الواقعية والعقلانية تقتضيان تقديرا دقيقا للإمكانيات الفعلية للذات التي تتوخى الفعل والتغيير في وضع سياسي ما، ذلك أنّ تضخيم تلك الإمكانيات يترتب عنه رسم خطط وبرامج للممارسة مكلفة ماديا وفاشلة عمليا، وفي ذلك هدر للطاقات في معارك مجانية أو غير متكافئة قد تنتهي إلى كارثة محققة.

(3) - اعتماد ثقافة الحوار انتصارا لفكرة أو دفاعا عن موقف وحماية لمصلحة خاصة أو عامة. وفي سياق ذلك ينبغي الحرص على عدم اعتماد الأساليب المتطرفة في التعاطي مع قضايا الخلاف، فقد تسيء الحدة المفرطة في الجدل السياسي بين المواقف المتعارضة إلى القضية موضوع الحوار، إذا لم تعرف الأطراف المختلفة كيف ومتى تترك للمارسة هامشا يسمح باختبار مختلف الآراء والأطروحات وتمييز الصائب منها عن الخاطئ.

__________

* كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

الهوامش:

(1) - د. عبد الفتاح عمر: الثقافة السياسية والديمقراطية – عن كتاب: التربية على حقوق الإنسان والديمقراطية في الوطن العربي، منشورات المعهد العربي لحقوق الإنسان – 1994.

(2) - د. عبدالله تركماني: نحو تجديد الثقافة السياسية العربية – عن صحيفة "الوقت" البحرينية، 6 أبريل/نيسان 2006.