"والذين استجابوا لربهم
وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون
صدق الله العظيم
( الشورى/ 38 )
مدخل:
حقق الإسلاميون: مفكرين و
أحزاباً، تقدماً معتبرا في اتجاه قضية الديمقراطية، وأصبح اشتراك القوى
الإسلامية في الانتخابات العامة، أو الانتخابات المحلية، مما هو مشاهد في
كل حين.
كذلك فإن قطاعا مهما من
المفكرين الأعلام في هذا التيار وصلوا إلى نتيجة مفادها أن الديمقراطية
تحقق مقاصد الشرع الإسلامي لأنها تضع قضايا الأمة في يد أبنائها، وأن ما
أصاب هذه الأمة من أنظمة ديكتاتورية، ومن تغريب قسري وعلماني، ومن تبعية
للخارج، لم يأت نتيجة سيادة أنظمة ديمقراطية، وإنما جاء بغياب هذه
الديمقراطية وبقيام أنظمة تعتمد أي مشروعية نتصورها إلا المشروعية
الديمقراطية.
وحسب رأي أحد مفكري هذا
التيار، فإن "الديمقراطية هي بضاعتنا الشورية التي زهدنا فيها" (1).
والأحزاب "الإسلامية" *
ساهمت بفاعلية في العملية الديمقراطية في معظم الأقاليم العربية و الأقاليم
غير العربية **، التي أتيح لها أو كان هناك فرصة ولو غير مباشرة للمساهمة
فيها، رأينا ذلك في الجزائر، ومصر والأردن واليمن، و غيرها من الدول .
و لقد كان يمكن الركون إلى
هذا التقدم في الوصول إلى حكم عام يشير إلى سيادة أو غلبة المفهوم
الديمقراطي في هذا التيار لولا أن هناك ملاحظتين تستوجبان التروي في
الاطمئنان إلى مثل هذا الحكم.
الملاحظة الأولى:
إنه في معظم ما كتب و قيل عن الديمقراطية من أحزاب وقوى هذا التيار و
مفكريه، ما يزال المرء يشعر بتحفظات لديهم حول نقطتين تخص الأولى منهما
حدود الديمقراطية و حدود المشاركين فيها، و هنا قد يتم جزئيا أو[1]
كليا استبعاد المرأة (2)، و كذلك ضرورة أن يكون لهذه
الديمقراطية سقف معين يحدد المسائل التي يجوز أن تحسم ديمقراطياً.
ولعل الدكتور أحمد كمال
أبو المجد استشعر خطورة هذه القضية بالذات، لذلك راح يؤكد إن موقف التيار
الإسلامي السياسي من قضية المرأة وحقها في المشاركة في الحياة العامة،
يعتبر من شروط الانبعاث العربي الإسلامي كما تتطلبها حقائق القرن الجديد،
ويطالب قيادات من هذا التيار بموقف حاسم من هذه القضية، حيث لا تزال تقف في
طريقها رؤى بعض القيادات الفكرية الإسلامية الذي انطبع فكرها ومزاجها
بأعراف محلية فاسدة لا تزال سائدة في كثير من المجتمعات، فإذا بهذه الأعراف
تقدم للدنيا كلها كما لو كانت ( حكم الإسلام ) في هذه القضية ذات التأثير
الحاسم على مستقبل التنمية الشاملة في مجتمعات العرب والمسلمين. (3)
الملاحظة الثانية:
أن القبول بأن تكون الديمقراطية أداة للوصول إلى الحكم أعم واشمل في هذا
التيار من القبول بها كوسيلة مشروعة للتخلي عن الحكم، و قد ظهر هذا على نحو
عملي في تصريحات قادة من هذا التيار إبان تجربة الانتخابات الجزائرية مطلع
التسعينات، و استخدمت هذه التصريحات بشكل حاسم و بالغ السوء من قبل القوى
الديكتاتورية حينها لإجهاض هذه التجربة، وكذلك نجدها في فلسفة الحكم في
السودان -.[2]
وهي حتى الآن فلسفة قلقة متعثرة – و الحكم في السودان يمثل – من أوجه معينة
– صورة لممارسة التيار الإسلامي للسلطة.
و خارج هذا التيار السياسي الإسلامي يجب أن لا نغفل أن
هنالك قطاعا من الحركة الإسلامية ما يزال يتحصن خلف مفاهيم أصيلة لديها
تعتبر الديمقراطية كفرا، شأنها في هذا شأن الوطنية و القومية (4)،
و غيرها من الشعارات والمفاهيم التي يسمونها بأنها غربية المظهر، و هذا
القطاع يتجسد في أحزاب و مفكرين و دول أيضا، و إذا كان نظام حركة طالبان في
أفغانستان ـ مثل في حينه ـ نموذجا للسلطة المجسدة لهذا الفكر، فإنه ليس
النموذج الوحيد.
و البناء الحزبي في
هذا الشطر من التيار السياسي الإسلامي هو على الغالب مجرد أداة للوصول إلى
الحكم و تخليص الأمة من الأحزاب و النظم الكافرة، و عند التدقيق في مفهوم
الحزب و العمل الحزبي فإنه يبدو هنا شيء آخر غير ما هو معروف ومتداول في
الفكر السياسي عموما، وما هو متداول على نطاق واسع داخل الحركة السياسية
الإسلامية أيضا.
وليس مرد هذه الخصوصية في
النظر إلى الحزب ما يتبناه هؤلاء من أفكار ومفاهيم تضع في سلة واحدة،
الرأسمالية، و الاشتراكية، و الشيوعية، و القومية، و الوطنية،
والديمقراطية، و العلمانية، والماسونية، وترميهم جميعا بالكفر و تحظر
وجودهم في المجتمع الإسلامي المنشود (5)، و إنما مرد هذه
الخصوصية أيضا الرؤية الضيقة لمفهوم رئيس الدولة – الخليفة – و صلاحياته، و
مسؤولياته، وحدود محاسبته، ومدة حكمه... الخ، مما يجعل دور الأحزاب المسموح
لها بالوجود هامشيا جزئيا ليس أكثر.
هذه الخصوصية تجعل الحوار صعبا، و يحتاج إلى مداخل أخرى و
طبيعة مختلفة، لكن مع ذلك فإن هذه المساهمة تحاول أن لا تغفل منطق هؤلاء
وهي بالتأكيد لا تنتقص من مكانتهم رغم أنها تفترض أنهم الأقل تأثيرا على
المستويين الجماهيري والسياسي و الأقل
[3]تمثيلاً للموقف الإسلامي العام.
في المادة الثانية من النظام الأساسي للمؤتمر القومي
الإسلامي، وهي مادة اختصت بتحديد غايات المؤتمر جاء مايلي (6):
"يعمل أعضاء المؤتمر من أجل التوعية بأهداف المشروع الحضاري للتيارين:
القومي و الإسلامي التي أهمها، الوحدة وتحرير فلسطين، وسيادة النظام
الشوروي الديمقراطي، و الحفاظ على حقوق الإنسان، و تحقيق العدالة
الاجتماعية والتنمية المستقلة والإبداع الحضاري".
واستجابة لهذه
المادة واستناداً إلى ماسبق من ملاحظات، فإنني أشعر أن هناك حاجة لإعادة
النظر والبحث في مسألة الديمقراطية من زاوية الفكر الإسلامي على وجه
الخصوص، و أن يكون ذلك في اتجاه المفاهيم الأساسية قدر الإمكان باعتبار أن
الوقوف على هذه المفاهيم هو ما يحمل أي حوار، وبالتالي أي اتفاق أو اختلاف
سمة التفاعل الايجابي.
إن هذا الاستهداف دفعني
لأن أحدد مساهمتي في التعاطي مع قضايا رئيسية ثلاث تولدت عن تلاقي أو تواجه
الفكر الإسلامي مع مسألة الديمقراطية، و هذه القضايا هي:
(1)
أصول الشورى و الديمقراطية.
(2)
الإسلام والحزبية.
(3)
مفهوم الشرعية و الديمقراطية.
أولا: أصول الشورى و الديمقراطية.
أظن أن من أولى دواعي التوجس من الديمقراطية إن لم أقل
رفضها، رسوخ مفهوم الشورى في الفكر الإسلامي، واعتبار المعاصرين الشورى هي
المعادل الإسلامي للديمقراطية التي هي إفراز للحضارة الغربية على امتداد
التاريخ.
و يبدو لي أن هذه المقابلة والموازنة بين الشورى و الديمقراطية غير صحيحة،
إذ تفتقد للمماثلة التي تعتبر شرطا لأي مقابلة بين موضوعين، ورغم شدة
التشابه بين الأمرين، و هو تشابه صنعه الاشتباك الفكري حولهما فإن الشورى
والديمقراطية لا يتنافسان على الأرض نفسها في جبهة الفكر، ثم أنهما ليسا
بدائل لبعضهما البعض، وحتى نتبين ما نذهب إليه لا بد من الوقوف على مفهوم
الشورى والديمقراطية كل على حدة، ثم نقف لنرصد العلاقة بينهما.
(1) الشورى.
فالشورى تعني
استخلاص العقل الجماعي الواعي تجاه مسألة من المسائل الرئيسية أو الفرعية
في الفكر الإسلامي، و في حياة المسلمين، و ذلك لاستخراج الرأي الصواب
إزاءها (7)، و هي بذلك عمل واع تجاه الآخر، أو الآخرين، يستهدف
التعرف إلى الصواب و الأخذ به (8)، و إلى ذلك أشار البيضاوي في
تفسيره بالقول: إن التشاور والمشاورة و المشورة و المشْوَرَة هي استخراج
الرأي (9).
و بذلك
فإن مبرر وجودها قائم على الاختلاف، اختلاف الآراء و الأفكار و الحلول، و
هي بذلك ذات صلة عضوية بسنة الله الاجتماعية في الاختلاف التي سطرها في
القرآن الكريم في غير آية، وإذا كانت إشارتنا إلى أن الشورى تستهدف التعرف
إلى الصواب في الآراء و الأخذ بها، فإن هذا الاستهداف يجد ارتباطه الوثيق
في قول الله تعالى: " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم
شعوبا و قبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ".[4]
و قد وردت دلالة هذا المعنى للشورى في معاجم اللغة العربية
(10)، و إلى هذا المعنى ذهبت أحاديث الرسول - ص – فعن علي – رضي
الله عنه – قال: "إن نزل بنا أمر ليس فيه بيان أمر و لا نهي فما تأمر، قال:
"شاوروا فيه الفقهاء و العابدين ولا تمضوا فيه رأيا خاصا" (11)،
و قوله – ص – " ما شقي عبد قط بمشورة، و ما سعد باستغناء رأي "، و قوله – ص
-: " ما ندم من استشار ولا خاب من استخار".
و في القرءان الكريم وردت كلمة الشورى في موقعين رئيسيين
كانت في احدهما وصفا لمجتمع المسلمين، و كانت في الأخر توجيها للرسول
الكريم – ص – بإتباع سبيل الشورى مع المسلمين.
في سورة الشورى وصف الله المؤمنين المتوكلين على الله، ووصف
مجتمعهم في آيات ثلاث جاء فيها بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: { والذين
يجتنبون كبائر الإثم و الفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون 37 * والذين
استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون 38 *
والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون 39 * }.
و في سورة آل
عمران يصف الله جل و علا علاقة الرسول – ص – بالمسلمين فيقول: { فبما رحمة
من الله لنت لهم، ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك، فاعف عنهم، و
استغفر لهم، و شاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله، إن الله يحب
المتوكلين * 159 }.
كذلك وردت الشورى في سورة البقرة حينما شرع الله تعالى
علاقة الأم بوليدها، وقضية الإرضاع بعد انفصام عرى الزوجية، فكان هذا
التشريع نموذجاً من نماذج الشورى لإظهار مصلحة الصبي (12) { فإن
أرادا فصالاً عن تراض بينهما وتشاور، فلا جناح عليهما... 233 }.
و في غير هذه المواقع الثلاثة لم ترد كلمة الشورى في القرآن
الكريم، وورود ما يمكن أن[5]يؤدي
إلى معناها في أربعة مواقع أخرى (13).
و قد يغري النص القرآني في آية الشورى إلى فهم كلمة "وأمرهم" في قوله
تعالى: "وأمرهم شورى بينهم " على أنه الحكم، و السلطة، و الخلافة باعتبار
إمكانية إرجاع الأمر إلى الإمرة والإمارة، وباعتبار أن كلمة الحكم في
القرآن الكريم لم ترد أبدا بمعنى السلطة و الخلافة، و إنما عبر عنها بتعبير
أولو الأمر على الغالب (14)، لكن العودة إلى ما قاله المفسرون
(15)، في هذه الآية يظهر أن الأمر هنا يخص كل شيء في المجتمع
الإسلامي من تشاورهم على الإيمان برسول الله – ص – إلى تشاورهم في المسائل
كلها و عدم انفراد أحدهم بشيء عن الآخرين، و هو بهذا وصف لسمة من سمات
المجتمع الإسلامي.
و نحن هنا نعتبر أن الشورى في الإسلام ليست مسألة جزئية متعلقة بقضية هنا
أو هناك في المجتمع الإسلامي، و ليست قضية إجرائية أو شكلية متعلقة
بمواصفات أو شروط اختيار الحاكم، أو ما إلى ذلك من قضايا الحكم و السلطة أو
القضاء.. الخ على أهمية هذه القضايا و خطورتها في حياة المسلم و مجتمعه، و
إنما هي مسألة عامة تحيط بالمجتمع الإسلامي كله (16) و بقضايا
المجتمع الفردية و الجماعية كلها، وبالتالي فإنها – أي الشورى – مفهوم
معياري قيمي، و لذلك كانت الشورى من عزائم الأمور (17)، و إلى
هذا المعنى ذهب الشيخ محمد رشيد رضا في تفسير قول الله تعالى { و شاورهم في
الأمر } بقوله: ( وسبب هذا الأمر للرسول – ص – في المشاورة في أمر الأمة،
جعله قاعدة شرعية لمصالح العامة ) (18)، و لامس المرحوم سيد قطب
جانباً من هذا المعنى المعياري و هو يتحدث عنها في إطار الحكم والسلطة
حينما قال: الشورى أصل من أصول الحكم، أما طريقتها، فلم يحدد لها الإسلام
نظاما، و تطبيقها متروك للظروف و المقتضيات (19).
للمكانة العظيمة و الشاملة للشورى في المجتمع الإسلامي يمكن
النظر باطمئنان إلى[6]الفقه
الإسلامي باعتباره احد نتائج الشورى، ورغم أن عددا من الفقهاء رأوا أن
المشاورة و الاجتهاد لم يكن يحدث في عهده – ص- إلا في الحرب أو شؤون
الحياة، لأن الأحكام إنما هي بوحي مطلق من الله عز وجل، أو باجتهاد من
النبي – ص – على ما تجوز له الاجتهاد فإن من الثابت أنه – ص – استشار في
أساري بدر و هذه من الدين، و ترك الخلافة شورى، و هذه من الدين (20)،
و أمثلة كثيرة مما لا نص فيه(21).
و لهذه الطبيعة المعيارية للشورى فإن كل حديث روي عن رسول الله – ص –
بخصوصها أو مأثرة رويت عن الصحابة بهذا الشأن إنما عنيت بكشف أهميتها،
وتأكيد المسؤولية فيها، فالحاكم الذي لا يستشير، عزله واجب، و المستشار
مؤتمن، وللمستشار صفات و شروط، و للشورى مجالس و أوضاع (22)، و
ذلك كله بهدف أن تحقق الشورى قيمتها الحقيقية.
و نلاحظ في تتبع موقف
فقهائنا من قضية الشورى الاتفاق على ضرورة الأخذ بها، والاختلاف في إلزام
الأخذ بنتائجها، ويبدو أن الخلاف في الموقف من الشورى أنه نظر إليها من
الناحية العملية نظرة جزئية، و حصرت في الأغلب في مسألة الحكم، في حين لم
تكن هي كذلك، وإنما كما هو واضح سمة من سمات المجتمع الإسلامي، ومفهوم عام
من مفاهيم الاجتماع الإسلامي، أنها كالعدل، فكما أن العدل ليس نظاما، وإنما
مفهوم فكري وسمة اجتماعية يتحقق عبر أنظمة و إجراءات، كذلك الشورى مفهوم
فكري و سمة اجتماعية، وهي بحاجة إلى نظام و إجراءات لتتحقق في كل موقع
أردنا لها فيه أن تتحقق.
(2)
الديمقراطية.
مقابل هذا المفهوم الشامل و الكلي للشورى، فان الديمقراطية
تعني قضايا الحكم والسلطة على وجه التحديد، وهي كذلك في معناها اللغوي، وفي
ولادتها التاريخية، وإن[7]كان
البعض عمل تحويلها إلى قيمة فكرية أولا ثم إلى قيمة معيارية موجهة على صعيد
الممارسة السياسية في مرحلة لاحقة *.
فكما هو معلوم فإن الأصل اليوناني للكلمة دل على حكم الشعب،
و عني بممارسة هذه السلطة في مجتمع المدينة الإغريقية، ثم إن هذا المفهوم
عاد ليبرز ثانية في إطار ولادة النظام الرأسمالي، و عودة المدينة لتكون هي
المركز محطمة بذلك مكانة الإقطاعيات و دورها، وظهر لهذه الديمقراطية
الجديدة مفكرون و فلاسفة عملوا على تأمين أساس فكري لها يتناسب و مرحلة
التحول هذه، و كان مفهوم الحرية الغربي هو الأساس الفكري لهذه الديمقراطية
و هو أساس متناسب مع مفهوم الحرية الاقتصادية الذي شكل جوهر النظام
الاقتصادي الغربي، و برز تدريجيا المفهوم الغربي لحقوق الإنسان، ثم و بشكل
حثيث بات الحديث عن الديمقراطية أو الحرية، أو حقوق الإنسان، و كأنه حديث
عن كل هذه العناصر الثلاثة.
وتمشيا مع هذا التطور
استقرت الممارسة الديمقراطية على عدة أسس منها ما خص الفرد، ومنها ما خص
مؤسسة الدولة، ومنها ما خص المجتمع ككل، فصيانة حرية الكلام و التعبير و
الاعتقاد مما يعتبر أساسا للديمقراطية المعاصرة، وكذلك حق التجمع و
الاقتراع والترشيح وتكوين أحزاب وجمعيات، وتوليد وتوجيه الرأي العام، ثم
مبدأ فصل السلطات، ومسؤولية السلطة أمام الشعب ومندوبيه باعتبارها منتخبة
منه... الخ، وفي صميم هذه الممارسة ولدت حرية الصحافة.
إن القائمة تطول في تحديد الأشكال التي تتجسد فيها
الديمقراطية و التي تسعى جميعها إلى جعل ( السيطرة ) أو السلطة تعبير عن
رأي الجماعة أو غالبيتها، وبالتالي خلق حالة وئام بين السلطة باعتبارها
أداة تحكم و توجيه، وبين الجماعة باعتبارها موضوعا لهذا التحكم.
إن تعدد و تشعب مظاهر الوجود الديمقراطي يمكن أن يدفعنا إلى
الاعتقاد أن الديمقراطية شأنها شأن الشورى: مفهوم شامل، و كلي و الأمر
بالتأكيد ليس كذلك، ولو أننا راجعنا كل مظاهر الديمقراطية لوجدنا أنها
تنصبّ في مسألة الحكم والسلطة، لكن لأن تسيس المجتمع أصبح من أبرز مظاهر
المجتمع المعاصر فإن قضية الديمقراطية بدت على هذا التوسع و الشمول.
هذا التطور الجديد في النظر إلى الديمقراطية هو ما دفع
باحثاً إلى القول " إن الديمقراطية لم تعد تنحصر في مفهوم نظام الحكم بل
انتقلت لتصبح أسلوبا للممارسة السياسية، و صفة لأسلوب الحركة السياسية أو
الاجتماعية لفرد أو مجموعة أو نظام، بل أصبحت نمط سلوك حياتي، وصفة
للعلاقات الاجتماعية بين الأفراد أو بين المجموعات أو داخل هذه المجموعات
(23)، و اعتمدت الموسوعة العربية العالمية مفهوما للديمقراطية
على هذا النحو، إذ اعتبرت أن الديمقراطية شكل من أشكال الحكم، و أسلوب في
الحياة، و هدف، و مُثل و فلسفة سياسية (24).
و نعتقد أن مراجعة بسيطة لأشكال الديمقراطيات و لمضامينها
يؤكد ما ذهبنا إليه بشأن أن الديمقراطية قضية خاصة بأسلوب الممارسة و ليس
بجوهر ما يمارس.
فأشكال الديمقراطية متعدد من ديمقراطية مباشرة إلى
ديمقراطية غير مباشرة وكذلك ديمقراطية موجهة و أخرى نيابية و ثالثة
ديمقراطية مركزية و كذلك فإن هناك ديمقراطية مسيحية و ديمقراطية إسلامية و
ديمقراطية اشتراكية وديمقراطية اجتماعية، و ديمقراطية سياسية (25).[8]
إن ما سبق ليس تعبيرا عن
شمول الديمقراطية بقدر ما هو تعبير عن حقيقة أنها أسلوب و شكل و ليست
مضمونا.
كذلك فإن تشعب
مظاهر الديمقراطية في المجتمعات المعاصرة جاء تلبية لتطور وحاجة هذه
المجتمعات و منسجما مع فلسفتها و فكرها العام، بمعنى أنها لبست ثوب تلك
المجتمعات ثم بحكم دور السيطرة و التحكم الذي تمارسه تلك المجتمعات إزاء
دول العالم الأخرى فإنها عملت على جعل ذلك الثوب هو المقياس و الحكم في
النظر إلى توفر الديمقراطية في هذا البلد أو ذاك، و الأمثلة على ما ذهبنا
إليه كثيرة، و حين ندرسها دراسة مقارنة مع حضارات العالم المختلفة سوف
يتأكد لنا أن هذا المقياس والحكم غربي صرف، و إذ نكتفي هنا بالنظر إليها
قياساً على الثوابت الإسلامية، فإننا نكتشف مظاهر عديدة من التناقض نشير
هنا إلى بعضها:
-
فمن مظاهر الديمقراطية و الحرية و
حقوق الإنسان في الغرب، و هو يُسوق الآن في إطار النظام العالمي الجديد ما
دعته مؤتمرات الإسكان الدولية بالأشكال الجديدة للأسرة، و هي أشكال تخفي،
العلاقات، الشاذة الذكورية و الأنثوية، و التي صار العالم الغربي يعترف بها
و بصونها في تشريعاته، و يجرم التعرض لها.
-
و من هذه المظاهر اعتبار أحكام
الإعدام تعدٍ على حقوق الإنسان، والدعوة إلى إلغائها، و اتخاذ هذا الأمر
معيارا للحكم على هذا المجتمع أو ذاك.
-
و منها أي من هذه المظاهر،
ما يخص مفهوم حرية الاعتقاد و حق الفرد في اعتناق ما يشاء و التحول إلى
الدين الذي يريد.
و هناك أمثلة عديدة يمكن اكتشافها من خلال البحث و التدقيق
و نكتفي هنا بالتوقف عند مفهوم حرية العقيدة لاكتشاف مدى التناقض بين
المفهوم الغربي المصدر إلينا وإلى العالم، و بين المفهوم الإسلامي.
من المعروف أن الديمقراطية تُعنى من ضمن ما تُعنى به بصيانة
" حرية الاعتقاد"وهذا على المستوى الديني يعني حرية الاعتقاد الديني، و قد
كفل الإسلام حرية الاعتقاد بنص الآية القرآنية "لا إكراه في الدين قد تبين
الرشد من الغي..." (26) وقامت دولة المسلمين أساسا على هذه
القاعدة الدينية لذلك تعايشت الأديان تحت ظل الحكم الإسلامي (27).[9]
لكن هذه القاعدة الإسلامية على سماحتها جرمت الارتداد و
الذي يعني الخروج من الإسلام إلى الكفر و جعلت جزاء المرتد في نهاية المطاف
القتل.
هذا هو المفهوم الإسلامي لحرية الاعتقاد، لكن لا يجوز أن
نقول أن ما يقابل هذا المفهوم الإسلامي لحرية الاعتقاد هو المفهوم
الديمقراطي لحرية الاعتقاد، فليس هناك مفهوم ديمقراطي لحرية الاعتقاد، و
إنما مفهوم غربي، ليبرالي مستند إلى افتراض أن الإيمان قضية ذاتية مجردة
خارج اهتمامات الدولة، و رعايتها، ومسؤوليتها، وهذا انعكاس لمفهوم
العلمانية.
هذه القضية تجسدت في هذه المرحلة التي نعيشها أي في نهاية القرن العشرين
بوجهين من أوجه الممارسة.
الوجه الأول:
وجه أمريكي إذ أصدر الكونغرس الأمريكي في العام 1998
قانوناً يتصل بالحرية الدينية في العالم بعد أن صدّر مفهوم الحرية الدينية
في الإطار الليبرالي الغربي، وأعطى نفسه حق مراقبتها ثم إنه ألزم الخارجية
الأمريكية بأن تصدر تقريراً سنوياً حول هذه المسألة كمثل تقريرها الخاص
بالديمقراطية و الإرهاب و حقوق الإنسان ثم طلب أن تتخذ الإدارة الأمريكية،
التوجيهات أو المواقف أو العقوبات ضد الدول أو المنظمات التي تنتهك هذا
المفهوم، و كان أول تقرير صدر بهذا الشأن في شهر أكتوبر من هذا العام، و
جاء فيه تعداد للدول التي انتهكت فيها الحرية الدينية و كان معظمها دول
إسلامية و عربية.
الوجه الثاني:
موقف الكنيسة في روما، و هو موقف قائم على حماية التبشير في
كل مكان في العالم و الدفاع عنه، و قد أعلن بابا الفاتيكان هذا الموقف
بوضوح و صراحة خلال زيارته إلى الهند مطلع نوفمبر من العام الجاري و قال إن
الاستهداف هو تحويل آسيا إلى المسيحية.
إن هذا المثل الذي ضربناه بوجهيه الأمريكي و الكنسي يكشف
لنا أن محاولة تحويل الديمقراطية من أسلوب و أداة إلى فكر و مفاهيم و
مضامين، لا يعدو أن يكون حرفاً للديمقراطية عن وظيفتها الرئيسية و إلباسها
لبوسا معيناً ثم إكراه الجماعات والشعوب والدول على الانصياع لهذا المفهوم.
إن إشكالية عملية تطرح هنا و هي كفيلة بكشف الفارق بين
الديمقراطية كأسلوب وأداة و بين الديمقراطية كمضامين و مفاهيم غربية، هذه
الإشكالية تكشف عن نفسها بالفرض التالي:
" في اقتراع حر، ديمقراطي لا تشوبه شائبة، أعطت الأمة رأيها
بالأغلبية الساحقة في أمرين اثنين ".
·
الإسلام دين المجتمع، و حدوده و قواعده حدود و قواعد
للمجتمع.
· فلسطين أرض
عربية إسلامية و استعادتها فريضة على كل مسلم و على كل حكم و سلطة مسلمة.
في مواجهة هذه
الفرضية ( و هي على ما أظن أكثر الفرضيات مطابقة للمكن العملي) فإن النهج
الديمقراطي يفرض التزام السلطة المنتخبة بنتيجة الاقتراع، ما دامت قد توفرت
فيه كل شروط العملية الديمقراطية بما في ذلك إتاحة الفرص العادلة للقوى
المتصارعة في شرح أفكارها و توجهاتها.
لكن في مواجهة الديمقراطية الغربية فإن هذه النتيجة يجب
وأدها ووأد القوى التي قالت بها لسببين اثنين:
أما الأول:
مخالفتها لمفهوم الحرية الدينية / الغربي.
و أما الثاني: مخالفتها لمفهوم ثقافة السلام الغربي أيضا.
إذن فإن المطلوب
إعادة النظر إلى الديمقراطية كما هي بالفعل باعتبارها طريقة في الممارسة و
العمل، وأسلوباً، و ترك الجوهر و المضمون للشعوب تستخرجه من قيمها العليا و
التزاماتها الأسمى.
(3) العلاقة بين
الشورى و الديمقراطية:
إن المؤتمر القومي الإسلامي و هو تجمع للقوى الفاعلة في
المجتمع العربي قد حدد المرجعية العامة بالإسلام و العروبة باعتبارهما في
مجتمعنا كل واحد ينهض بهما المشروع الحضاري لهذه الأمة.
إذا كان هذا صحيحاً – و هو في اعتقادي كذلك – فان مرجعية
الديمقراطية المنشودة تكون الإسلام و العروبة، و على أساس هذه المرجعية
تعزز، و تفرز و تشذب كل المظاهر التي تعلقت بالديمقراطية.
إن الالتزام الديني و الالتزام القومي، و كلاهما بالمعنى
الحضاري الذي أشار إليه المؤتمر يصبح أساس كل الحقوق و كل الممارسات و كل
القيم.
و في هذا الإطار يصبح مفهوما التحدث عن الحريات عموما من
حرية العقيدة إلى حرية المرأة، إلى حرية الصحافة، ويصبح مفهوماً الحديث عن
تعدد الأحزاب وتداول السلطة و القبول بالرأي و الرأي الآخر.
إذا أردنا أن نحدد الإطار العام للعلاقة بين الشورى و
الديمقراطية فإننا نقول إن الشورى مفهوم إسلامي أصيل، و هي قيمة معيارية،
لكنها ليست نظاما و أسلوب عمل، وهي بهذا المعنى قيمة يطلب الإسلام توفرها
في مختلف أشكال وممارسات المجتمع الإسلامي من الأسرة إلى الحكم، إنها تتلبس
المجتمع كله أفرادا ومؤسسات.
أما الديمقراطية فإنها أسلوب لمعرفة توجه المجتمع و قواه، و
جعل الحكم تعبيرا عن توجه أغلبية هذا المجتمع، و بالتالي فإن كل مجتمع
يُضَمِّن الديمقراطية ما هو مستقر لديه من مفاهيم وأفكار وقيم، و يصبح هدف
العملية الديمقراطية هو الاقتراب الصحيح من ذلك المستقر لدى المجتمع.
وإذا كان صحيحا أن المجتمعات الإنسانية تملك قيما مشتركة –
و هو صحيح بالتأكيد – فإن هذا يعني وجود قواسم مشتركة بين هذه المجتمعات
مما يفرض توفر هذه القواسم في أي عمل ديمقراطي حتى تصدق عليه هذه الصفة.
وإذا كان صحيحا أن المجتمعات الإنسانية تتباين في جانب من قيمها و عقائدها وتراثها – و هذه حقيقة ناصعة لا شك فيها – و أن من المستحيل تنميط ثقافة وحضارة هذه المجتمعات على نموذج واحد، فإن كل ديمقراطية حتى يصدق عليها هذا الوصف يجب أن تتحقق فيها خصائص التميز عن غيرها.
أن هذه العلاقة
العضوية بين العام و الخاص تكشف لنا حينما ندركها و نعتمدها زيف الحديث عن
ديمقراطية الدول الإسلامية التي اعتمدت العلمانية، و يجعلنا نكتشف بسهولة
الوجه الديكتاتوري البغيض لمثل هذه النظم، و كذلك يجعلنا ندرك زيف الحديث
عن شوروية النظم في الدول الإسلامية القائمة التي ترفض أن تجعل الشعب هو
المرجع في شرعية وجودها.
%%%
مما سبق فإن الشورى في المجتمعات الإسلامية و منها المجتمع العربي هي
القيمة المعيارية التي يجب أن تغذي الديمقراطية، والأساس الركين الذي يجب
أن تقاس عليه.
وعليه، فإن " اعتماد الديمقراطية أسلوبا في الحياة و العمل
و التقدم، قضية لا تخص المسلمين والعرب و مجتمعاتهم و سلطاتهم فحسب، وإنما
هي قضية عامة لكل المجتمعات، وتعبير عن مرحلة من التقدم والنضج الإنساني،
لكن المسلمين والعرب هم الأحق في تجسيدها، لان في عقيدتهم ما يدعم هذا
الأسلوب ويحض عليه (28).
ثانيا: الإسلام و الحزبية.
كان الشعار الأول و الأهم في مواجهة العمل الحزبي و التعدد
الحزبي هو شعار ( لا حزبية في الإسلام )، و اعتبر هذا الشعار بمثابة الحكم
الفقهي الشرعي على نظام التعدد الحزبي، و بالتالي على النظام الديمقراطي
كله.
و لا شك أن كثيرا من القوى الإسلامية غادرت هذا الشعار و
خلفته وراء ظهرها، وكونت أحزابها، و راحت تمارس دعوتها، و دورها الاجتماعي
من خلال هذه التكوينات الحزبية.
لكن هذا
الشعار ما زال يحمل في داخله جاذبية خاصة، و ليس خطأ أن نقول إن التماسك
الداخلي لهذا الشعار في الفكر الإسلامي ما زال أقوى من التماسك الداخلي
لنظام الحزبية، و التعدد الحزبي لأن التراث الفقهي يدعم هذا الشعار و يعزز
مكانته، لذلك فإننا نرى أن هناك حنيناً لتجاوز نظام التعدد الحزبي كلما بدا
النصر حليفا لهذه القوة الإسلامية أو تلك، و لعل تجربة السودان الراهنة حيث
تحكم الجبهة الإسلامية تمدنا بأكثر من معنى في هذا المجال.[10]
(1)
الوحدة و التعدد في المجتمع
الإسلامي الأول:
و احسب أن السبب في قوة شعار لا حزبية في الإسلام تكمن في
أن هذا الشعار أو لنقل الفهم المصاحب له يسترجع تجربة الإسلام التاريخية
التي لم يصاحبها تعدد حزبي كما انه لا يفرق بين الإسلام و المسلمين، و
يجعلهما شيئاً واحدا، فإذا كان الإسلام لا يحتمل الحزبية، فمجتمع المسلمين
و سلطان المسلمين هو كذلك، و يكون التعدد الحزبي خروج على منطق الإسلام، و
على وحدة مجتمع المسلمين، و على سلطان المسلمين.
فخليفة المسلمين، يمثل الأمة كلها، و طاعته واجبة، و الخروج
عليه خروجا على مجتمع المسلمين، " ومن خرج عن الطاعة و فارق الجماعة فمات
فميتته جاهلية ".
ووحدة الجماعة الإسلامية مسألة من أهم قضايا الاجتماع
الإسلامي، ويكفي الإشارة في هذا المجال إلى انه حينما وجد الفكر الإسلامي و
المجتمع الإسلامي نفسه أمام مأزق اختيار الشورى أم الجماعة لإقرار شرعية
السلطة، فإنه اختار الجماعة ووحدة الأمة، فبرزت حينذاك مفاهيم الخليفة بقوة
السيف و الغلبة.
يقول الإمام
احمد: من غلبهم بالسيف حتى صار خليفة و سمي أمير المؤمنين لا يحل لأحد يؤمن
بالله و اليوم الآخر أن يبيت و لا يراه عليه إماما عادلا كان أم فاجرا.
لكن هذه المطابقة بين الإسلام و مجتمع المسلمين، تحتاج إلى
بعض التحرير والتدقيق، و من المفيد أن نتذكر هنا أن المعارضة معارضة سلطان
المسلمين أو خليفتهم، أو بعبارة اليوم معارضة القوى القابضة على هذا الحكم
عرفت بشكلها الفردي و الجماعي في المجتمع الإسلامي منذ اليوم الأول لغياب
الرسول – ص – ولم تعتبر حينها خروجا على المجتمع الإسلامي و على الإسلام.
في أرجح الروايات و أكثرها شيوعا (29) أن علياً
لم يبايع أبا بكر الصديق بالخلافة إلى حين " و لم يجد علي كرم الله وجهه
حرجا في أن لا يبايع، و لم يجد أبو بكر الصديق – رضي الله عنه – ما يطعن في
كيان الدولة الإسلامية أن لا يبايعه علي، لكن لمكانة علي – رضي الله عنه –
كان يتطلع دائما لحصول البيعة منه، و كان سعيدا بها حينما تمت بعد مدة من
الزمن قيل أنها بلغت ستة اشهر.
ويكاد يجمع المؤرخون على معارضة سعد بن عبادة – رضي الله
عنه – لاختيار أبي بكر، ورفضه مبايعته، وكذلك رفضه مبايعة عمر – رضي الله
عنه – و استمر على موقفه إلى وفاته في الشام سنة 15 هـ على بعض الروايات
(30).[11]
و اعتبر عثمان – رضي الله عنه – الفتنة الداخلية التي عصفت
بحكمه مجرد معارضة لا أكثر، و عاملها على هذا الأساس، و لم يكن هذا الموقف
عن ضعف منه أو قصور، وإنما عن اقتناع بأنها مجرد معارضة داخلية، وما زال
المؤرخون حتى الآن يختلفون في ظروف تحول هذه المعارضة إلى ثورة مسلحة.
المهم في كل ذلك
أن هذه النماذج من المعارضة لم تعتبر أبداً خروجا على الدين و لا خروجا على
مجتمع المسلمين، و إنما خروجا على السلطان بالموقف و الرأي.
و قد يبدو ذا فائدة كبيرة في هذا المجال استعادة المحاورات
التي جرت بين وفود الخارجين على عثمان – رضي الله عنه – و شيوخ الصحابة
المدافعين عنه والمحاورين عنه.
أن هذه المحاورات تدل بشكل قاطع أن هؤلاء المعارضين كانوا
يحتجون على البرنامج السياسي و المالي و الاجتماعي للخليفة، و كانوا
يطالبون بتغيير الولاة، وتخفيف الضرائب، ووقف توظيف الأقارب و إبعادهم
(31).[12]
هذا الموقف المتعلق
بالمعارضة السلمية الفردية و الجماعية، يعني أنها لم تعتبر خروجا عن
الطاعة، و مفارقة الجماعة، و لم تعتبر عملاً يخرج الإنسان من دين الإسلام و
مجتمع المسلمين.
من المدهش أن هذا الموقف استمر ثابتا و مؤكدا حينما ظهرت
المعارضة المسلحة التي استهدفت ليس تغيير برامج و سياسات الخليفة، و إنما
تغيير الخليفة ذاته، و قد ظهر هذا التطور في ثلاثة مواقع رئيسية في معركة
الجمل، و في تمرد معاوية على علي – رضي الله عن – و في خروج القراء على علي
بعد التحكيم، وولادة حركة الخوارج، و حيثيات هذه المواقع الثلاثة كثيرة، و
الخلافات حولها متشعبة، لكن ما يهمنا هنا أن نثبت خلاصة جوهرية هي أن هؤلاء
الخارجين في مظاهر الخروج الثلاثة لم يعتبروا خارج ملة الإسلام و لم
يعتبروا أعداء مجتمع المسلمين.
و قد وجد دائما صحابة أجلاء على جانبي الصراع، و إذا
استعدنا هنا موقف المجتمع الإسلامي و السلطة الإسلامية من حركة الردة يظهر
لنا معنى ما نقول بوضوح، ويظهر اختلاف النظر إلى من هم من داخل مجتمع
المسلمين، و من هم من خارجه، أو خارجين عليه.
و استنادا إلى هذا الموقف ولد الفقه الإسلامي ما عرف باسم فقه البغاة، و
يكاد يجمع الباحثون على أن هذا الفقه جاء على يد علي _ رضي الله عنه – في
مواجهة هذه الحركة.
(2) التعدد الحزبي إسلاميا:
أن هذه الإطلالة
التاريخية لا تستهدف إثبات وجود التعددية الحزبية في المجتمع الإسلامي
الأول، ذلك أن وجود الأحزاب و المعارضة الحزبية القائمة على تعارض برامج
العمل و الإصلاح الاجتماعي و السياسي تكاد تكون وليدة المجتمع الحديث،
مجتمع الثورة الصناعية و ما تلاها، و إذ قلنا ( تكاد ) فحتى لا نغفل إشكالا
يمكن أن تصنف في إطار العمل الحزبي الديني عرفها تاريخنا لكنها حين ظهرت
كانت تمثل أما خروجا على المفهوم السائد للدولة، و هو ما مثلته حركة
التشيع، أو كانت تمثل وجودا مرحليا لغرض استلام السلطة ثم ما لبثت كعمل
حزبي أن انتهت، و مثالنا هنا الحركة العباسية، أو كانت تمثل خروجا على
الدولة و الدين بآن – و أوضح مثل لها هنا حركة القرامطة – و هذه الأشكال
الثلاثة تخرج عن نطاق حديثنا و اهتمامنا في هذا البحث.
و ليس بجائز هنا الاستدلال بغياب التعدد الحزبي عن مجتمع المسلمين الأول
للوصول إلى حكم بعدم جوازه في المجتمع الإسلامي عموما استنادا إلى ما
لمجتمع الصحابة – رضي الله عنهم – من دلالات تشريعية، ذلك أن ما يجب
التنبيه إليه ليس فقط أن العمل الحزبي على النحو الذي نعهده جديد، و إنما و
هذا الأهم، أن الشورى لم تتحول في مجتمع الخلفاء الراشدين و مجتمع الصحابة
الأول من مفهوم إلى نظام حاكم و قمعت، و لما يمض على ولادة الحكم الإسلامي
ثلاثون عاما، و قد سبق هذا القمع تراجع شديد لها.
إن إطلالتنا التاريخية استهدفت تأكيد أن الإسلام شرع تعدد الآراء و
اختلافها، و أن مجتمع المسلمين الأول عرف و قبلَ تعددَ الآراء تجاه الحكم و
الحاكم، و عرف الصراع و النزاع بالرأي و بالسلاح مع الحكم، و بقي ذلك كله
دينا وفقها تحت مظلة الدين الإسلامي و مظلة المجتمع الإسلامي.
أن فقهاء المسلمين الأوائل الذين خلفوا وراءهم مذاهب اجتمعت حولها الأمة الإسلامية اسندوا فكرهم الاجتهادي إلى قاعدة أساسية، هي: ما أقوله صواب يحتمل الخطأ، و ما يقوله غيري خطأ يحتمل الصواب، و هي قاعدة ذهبية في تحويل أي خلاف إلى أداة بناءة، و في ضبط أي خلاف من الشطط و الغرور و الانحراف.
و اعتقد أننا إذا أردنا أن نؤسس منهجيا لتعدد الأحزاب في المجتمعات الإسلامية، وفي غير المجتمعات الإسلامية، فليس هناك ما هو أفضل من هذه القاعدة الذهبية، بل أنني اعتقد أن تداول السلطة سلميا، و هو الوجه الآخر للتعدد الحزبي مبني على هذه القاعدة، إذ حينما تخذل صناديق الاقتراع الحزب الحاكم أو الائتلاف الحاكم، فعليه أن يدرك أن شيئا ما خطأ لديه: في برامجه و سياساته و سلوكه، و أن عليه أن يصحح هذا الخطأ، فكلمة لا التي يقولها الصوت الانتخابي و تخرج الحزب من الحكم أقوى بكثير من كلمة نعم، لأنها تأتي في ختام تجربة و لم تستجرها وعود و برامج مطروحة.
أن التعدد
الحزبي في مجتمع المسلمين حتى يستقيم و يستقر يتطلب من فقهاء المسلمين و
خصوصا فقهاء السياسية منهم، أن يعيدوا صياغة مفهوم البيعة و مفهوم الطاعة،
و مفهوم الخليفة، لتكون هذه كلها تعبيرا عن الارتباط بالمجتمع و الوطن
ودستوره العام أو قيمه العامة، و ليس بالفرد، و ليس فيما نقوله و ندعو إليه
خليفة كان أم رئيسا أم والياً جديداً، إذا أردنا أن نصل ما انقطع بعد فترة
الخلافة الراشدة، ليس في ذلك جديد إذا أردنا أن نلتزم بمفهوم أن الرئاسة أو
الخلافة، عقد له طرفين(32)، الأول الأمة، و الثاني الرئيس، و أن
شروط العقد هي التي تحدد عناصره من حيث مدته، و حدود صلاحيته و علاقته
بأجهزة الدولة المختلفة... الخ.
نعم لا حزبية في الإسلام، فالإسلام عقيدة، و شريعة واحدة، لا يتوزع جماعات،
و لا ينقسم إلى فئات، و كل المذاهب فيه هي مجرد آراء لعلماء أجلاء يؤخذ
عنهم، و يرد عليهم دون حرج، و دون إحساس بالذنب ما دام هذا يتم وفق أصول
التعاطي مع العلماء، ووفق أدب الحوار.
لكن ما يصدق على الإسلام المنزل من لدن رب العالمين لا يصدق على مجتمع المسلمين و لا على المجتمع الإنساني عموما الذي خلقه الله على سنة التعدد و التمايز و الاختلاف و دلنا لان يكون ذلك في إطار التعارف و التعاون و بناء التقدم، لذلك فإن الحزبية و التعدد الحزبي أمر طبيعي، و نتيجة إنسانية لتعدد الآراء في كيفية إصلاح المجتمع و تحسين وضع الناس، و في كيفية ممارسة السياسة و تحديد الخيارات المستقبلية.
بل نستطيع أن نزعم أن التعدد الحزبي أصبح في هذا العصر سنة اجتماعية يجب[1]على المسلم قبل غيره تفهمها و الاعتراف بها و العمل في اتجاهها، و يبدو أن كل من سيرفضها سيعاني كثيرا قبل أن تجبره الوقائع و الأحداث على أن يأخذ بهذه السنة.
و لقد أمدنا
فقهنا و تاريخنا الإسلامي الوضاء أن يكون دليلا على هذه التعددية، والمطلوب
منا أن نبذل الجهد الفكري لنصل ما انقطع، و لنضع الأساس الفقهي المعاصر
لهذا التعدد.
ثالثا:
الشرعية و الديمقراطية.
إذا كان مما هو متفق عليه أن الشورى مفهوم رئيسي في بناء المجتمع الإسلامي وأنها ركن من أركان هذا المجتمع و دولته، فإن تجسد الشورى في الدولة، و في اختيار الحاكم كان يحتاج دائما إلى تحديد و إلى آلية تطبيق، و في هذا الإطار ظهر مفهوم أهل الشورى، ثم أهل الحل و العقد، للدلالة على الجهة التي يناط بها إعطاء الشرعية للحاكم و النظر في مشروعية أفعاله.
و رغم أننا نلاحظ الاستخدام الواسع و التكرار الدائم لعبارة أهل الحل والعقد، فلا بد أن نعترف بان هذا المفهوم و مضمونه بقي غامضا، و لم يتم الاتفاق على مكوناته في أي مرحلة، و لم يحدد له إطار، و طبيعي أن نقول أن وجوده الفعلي قد اختفى سريعا و ذلك لاختفاء الحكم الشوروي و بروز الحكم الكسروي (33).
و يكفي للتدقيق
فيما ذهبنا إليه متابعة أشكال الشورى في تنصيب الخلفاء الراشدين، ومن
المفيد أن نستعرض بعضا من آراء الصحابة و الفقهاء في أهل الحل و العقد.
(1) أهل الشورى تاريخيا:
معلوم أن جمع الأنصار والمهاجرين جعلوا الخلافة في أبي بكر الصديق – رضي
الله[2]عنه
– في اجتماع سقيفة بني ساعدة، و ما بعد هذا الاجتماع، فكان هؤلاء الصحابة
رضي الله عنهم هم أهل الشورى، ثم جعلها عمر – رضي الله عنه – في الستة
الذين اختارهم ليكون الخليفة من بينهم بعد أن استبعد ابنه عبد الله، وحينما
دخلت الأهواء و الخلافات رأى علي – رضي الله عنه – أن هذا الأمر لا يكون
إلا في البدريين من الصحابة خاصة، و اعتبر شرعية انتقال الخلافة إليه من
هذه الزاوية، إنما هذا للبدريين دون غيرهم، و ليس على الأرض بدري إلا وهو
معي، و قد بايعني و قد رضي (34).
و جعلها سليمان
بن عبد الملك حينما أراد استخلاف عمر بن عبد العزيز – رضي الله عنه – في
إخوته و عمومته و جميع أهل بيته و عظماء أجناد الشام (35)، و
استنادا إلى وقائع عهد الصحابة وضع الماوردي الشروط المعتبرة في أهل الشورى
أو أهل الاختيار كما دعاهم، فكانت ثلاثة: احدها العدالة الجامعة لشروطها، و
الثاني العلم الذي يتوصل به إلى معرفة من يستحق الإمامة على شروطها
المعتبرة، و الثالث الرأي و الحكمة (36)، و ذهب النووي إلى
أنهم:"العلماء و الرؤساء ووجوه الناس الذي يتيسر اجتماعهم حال البيعة، لان
الأمر ينتظم بهم، و يتبعهم سائر الناس"(37).
أما ابن خلدون فذهب بالشوط إلى نهايته حينما قال: أنها لأهل القدرة عليه فمن لا قدرة له عليه، فلا حل له و لا عقد لديه، لان الشورى و الحل و العقد لا تكون إلا لصاحب عصبية، يقتدر فيها على حل أو عقد أو فعل أو ترك، و أما من لا عصبية له و لا يملك من أمر نفسه شيئا و لا من حمايتها، إنما هو عيال على غيره، فأي مدخل له في الشورى (38).
أن هذا الاضطراب
البين في تحديد أهل الشورى و الحل و العقد هو احد نتائج محاولة التوفيق بين
التغييرات الجارية على الحكم، و بين ضرورات الصلاح في الحاكم و ضرورات
القبول من الرعية سواء قبول رضى أو قبول خضوع.[3]
و في كل الأحوال فإن هذا الاضطراب يأتي نتيجة عدم وجود النصوص الشرعية بشأن
أهل الحل و العقد و طرق اختيارهم و أوصافهم و ما إلى ذلك (39)،
و نتيجة عدم تجسد الشورى في مؤسسات مقننة لها تمارس من خلالها (40).
و يقول السنهوري (41) انه لو بقيت الخلافة انتخابية بعد جيل الصحابة لشعرت الأمة الإسلامية بضرورة إيجاد إجراءات منظمة و محددة لاختيار أهل الحل و العقد وتحديدهم بحيث لا تبقى هذه المسألة الجوهرية، و هي مسألة انتخاب أهل الحل والعقد، ثم انتخاب الخليفة بمعرفتهم دون قواعد محددة.
ما نحن بحاجة إلى الإشارة إليه هنا أن الدولة الإسلامية و المجتمع الإسلامي افتقد بشكل سريع ركن الشورى في بنيانه السياسي، و لما يمض بعد على بزوغ دولة الخلافة الراشدة أكثر من ثلاثين عاما، و بدأ طي هذه الصفحة المشرقة، و صدق رسول الله – ص – القائل: " الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا "(42).
و حينما جعل
معاوية ابنه يزيد خليفة من بعده دخل المجتمع الإسلامي مرحلة لم يخرج منها
بعدها أبدا، و دمرت الخلافة بمفهومها المقابل لمفهوم الملك (43).
ثانيا: دار العدل و دار الجور.
هذه الإشارة للتحول الذي جرى على مجتمع المسلمين تدفعنا إلى التساؤل عن الطريقة التي تعامل بها الفقه الإسلامي مع هذا الواقع الجديد، كيف نظر فقهاؤنا إلى الدولة الإسلامية و قد افتقدت ركن الشورى و افتقدت أي دور ذو شأن لأهل الحل والعقد قبل أن تفتقد وجودهم بشكل كلي ؟ كيف نظر علماء الدين إلى الملوك والسلاطين الذين جلسوا على[4]قمة السلطة و اتخذوا اسم خليفة المسلمين، و قد جاؤوا بالقوة أو القهر أو التوارث.
الحق أن الميزان الرئيسي في النظر إلى هذه القضية كان مصلحة المجتمع، و قد ظهرت هذه المصلحة في الموازنة بين الفتنة و بين الظلم الناجم عن لا شورية الخلافة.
و بشكل عام، الناجم عن افتقاد العدل، و اختار قطاع مهم منهم تغليب الابتعاد عن الفتنة و القبول بهذا الظلم ما دام ليس بالإمكان إزالته، و إلى هذا الرأي ذهب الشيخ محمد مهدي شمس الدين في تحقيقه لموقف الأئمة الاثنى عشر من قضية التعامل مع سلطات البغي، فكان مبرر التعامل الرئيسي المحافظة على وحدة الأمة الإسلامية وتماسك المجتمع الإسلامي السياسي، و حفظ النظام العام لحياة المجتمع، و حماية المعارضة من الاضطهاد الأمني و الاقتصادي (44)، و ذهب الخوارج و المعتزلة وبعض الشافعية و بعض الحنابلة إلى عدم مشروعية ذلك (45).
و هذه الإشكالية الفكرية ولدت في الفقه الإسلامي ما عرف باسم فقه البغاة، و كذلك خلافة أو إمارة التغلب و القهر (46)، و ارتبط وصف البغي بافتقاد العدل سواء كان ذلك عند الخارج على الإمام، أو عند الإمام ذاته (47).
و فرق الفقهاء بين دار العدل و دار الجور، و عرفت دار الجور بكونها: ما كان الحكم فيها بتغلب قوة أهل العصبية من المسلمين و عدم مراعاة أحكام الإمامة وشروطها ، و لكل من الدارين أحكام، يقول الإمام محمد رشيد رضا (48): و أما دار البغي و الجور فالطاعة فيها ليست قربة واجبة شرعا لذاتها، بل هي ضرورة تقدر بقدرها ".
و رغم أن آراء الفقهاء انقسمت بين مؤيد للخروج على امام البغي و الجور، و بين معارضين لذلك، فان أهم معايير ذلك كان مصلحة الأمة و الجماعة، لذلك فان القدرة على[5]خلع امام البغي و الجور أو حدوث فتنة و عجز عن ذلك، هي ما كانت الفيصل في هذه المواقف، و لعل هذا ما يجمع الأحاديث الكثيرة التي تحث على مقاومة الظلم والأحاديث الكثيرة التي تحث على الصبر و الطاعة (49).
ان شرعية وجود الحاكم الظالم و شرعية الخروج عليه ارتبطا على هذا الأساس بالقدرة المتوفرة لطرفي العلاقة، أي القدرة على التثبيت أو القدرة على الإزاحة.
هنا نسترجع حديث الرسول – ص – بأن الخلافة بعده ثلاثون عاما، ثم تكون ملكا عضوضا، و في طور الملك العضوض، انتقل أهل الإسلام من الشورى التي أمر بها الله نبيه – ص – و لزمها الخلفاء الراشدون إلى صورة أخرى من نظام الحكم كان العرب يعرفونها بالقيصرية و الكسروية (50).
و نسترجع أحداث التاريخ الإسلامي الأول في الصراع داخل الدولة الإسلامية وثورات آل البيت على الحكم الأموي، و بما آل إليه وضع الخليفة عبد الله بن الزبير الذي دانت لخلافته أصقاع الدولة الإسلامية و أعطته البيعة – فيما عدا بعض الشام – حتى تمكن مروان بن الحكم من جمع الحزب الأموي خلف البيت المرواني ثم تمكن ابنه الخليفة عبد الملك من إلحاق الهزيمة بعبد الله بن الزبير و قتله، و استعادة السيطرة على جميع أنحاء الدولة الإسلامية (51).
و الخلاصة انه في إطار الصفة العامة للدولة بأنها إسلامية، فإن الشرعية في حسم كل نزاع على السلطة استندت إلى القوة المتوفرة لدى طرفي كل صراع فيما كانت في مرحلة الخلافة الراشدية قد استندت إلى الشورى التي تحقق القوة و تضعها تحت يد الحاكم دون حاجة إلى معارك و لا بذل دماء، و من الخلاصة أيضا أن فقهاء الإسلام عالجوا اختفاء الشورى عن رأس الحكم من خلال النظر إلى مصلحة الأمة والجماعة، و من خلال توفر القوة و كفايتها في مواجهة هذا الوضع و جبر هذا الخلل؟
أن الشرعية النظرية قائمة في كل حال على أساس من قاعدة إعمار الأرض بشرع الله، لكن الشرعية العملية لم تنظر إلى غياب قواعد رئيسية في البناء الإسلامي والشورى واحدة منها، و كذلك غياب العدل كما أمر به الله تعالى ( و أيسر هنا مجال البحث في هذا الجانب ) و لكنها نظرت إلى الجانب الآخر المتمثل في مقدار الضرر الذي سيصيب الأمة من مواجهة هذا الغياب.
(3) نظرية العصبية:
في بحثنا عن الشرعية و الديمقراطية تبرز أمامنا نظرية العصبية في بناء الدولة والسلطة، و التي قدمها عالم الاجتماع و التاريخ و المدنية عبد الرحمن بن خلدون.
و ميزة هذه النظرية أنها ولدت من رحم الفكر الإسلامي و الفقه الإسلامي، و أنها في وقتها و إلى الآن تمثل محطة بارزة من محطات الفكر الإسلامي العلمي.
و معروف أن ابن خلدون استخلص نظريته من مسار التاريخ المعروف لديه عموما، و من مسار التاريخ الإسلامي على وجه الخصوص، و كشف في هذه النظرية أهمية و مكانة العصبية في بناء الدولة، و الملك، و حمايتها، و اثر غيابها في تراخي الدولة و الملك و زوالهما.
و أهمية ما قام
به هذا العالم في ميدان التاريخ انه أزاح تراكم الأحداث و الأفكار والرؤى
عن المسار العام للتاريخ، و ذلك حين اعتمد مفهوما له قائما على اعتباره
"نظر و تحقيق، و تعليل للكائنات و مبادئها دقيق، و علم بكيفيات الوقائع و
أسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، و جدير بأن يعد من علومها و
خليق"(52).
و استنادا إلى هذا المنهج استطاع أن يستخلص هذه النظرية باعتبارها سنة[6]اجتماعية
بغض النظر عن لبوس القيم و الأفكار التي تصطبغ بها، و لذلك كان حقا أن ترى
عصبية دينية و أخرى قومية، و عصبية قبلية، و عصبية أصيلة، و أخرى مصطنعة(53).
و إذا كان الملك الطبيعي و السياسي – وفق تقسيم ابن خلدون – إنما يحصل بالتغلب، و التغلب إنما يكون بالعصبية، كذلك فان الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم، والقاعدة في ذلك " أن كل أمر تحمل عليه الكافة لا بد له من عصبية (54)، و في الحديث الصحيح ما بعث الله نبيا إلا في منعه من قومه"، و انك لتجد استشهاد المفسرين بهذا الحديث و أمثاله في تفسيرهم لقول الله تعالى على لسان لوط عليه السلام:" قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد " (55).
و هذا السند
القرآني لنظرية العصبية يتعزز بالنسبة النبوية و بواقعة سقيفة بني ساعدة
حينما اجتمع المسلمون على اختيار أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – خليفة
لهم.
و في هذا الاجتماع فان الصديق حسم الجدل الذي كان دائرا مع قادة الأنصار
بتأكيد أن هذا الأمر لا يكون إلا في قريش مبينا أن العرب لا تنصاع إلا إلى
هذا البيت منها و مذكرا بقول رسول الله – ص – قريش ولاة هذا الأمر، فبر
الناس تبع لبرهم، و فاجرهم تبع لفاجرهم "(56).
و استنادا إلى هذه الواقعة المؤسسة في الفقه السياسي الإسلامي لم يعرف
خليفة مسلم أو من تسمى بهذا الاسم إلا و له نسب إلى قريش صريحا كان هذا
النسب أو مختلفا.
و يكاد يجمع الفقهاء على أن النسب أو القرشية شرط واجب توفره في الخليفة
(57)، إلى ذلك ذهب الماوردي، و الجويني، و الفراء، و البغدادي و
لبن عابدين، و القاضي عبد الجبار، و ابن حزم، و السعد التفتنازي.[7]
و رغم إشارة عدد من الفقهاء منهم القرطبي، و الآيجي إلى وجود خلاف حول هذا
الشرط، إلا أن الماوردي و هو علم فقهاء السياسة اعتبر أن الإجماع متحقق
لهذا الشرط، و لم يكن حين قال ذلك غائبا عنه موقف بعض الخوارج الذين جوزوها
في كل مسلم، لكنه قال انه لا اعتبار لهذا الرأي، و لا يقدح في صفة الإجماع
(58).
و إلى هذا الرأي ذهب الشيخ محمد رشيد رضا، فبعد أن أورد حديث رسول الله – ص – في البخاري: " الأئمة من قريش " و أشار إلى تحقيق ابن حجر له قال (59):"فمن علم هذا لا يلتفت إلى ما يذكره بعض أهل هذا العصر من تأويل تلك الأحاديث و البحث في أسانيد بعضها أو من أن القرشية من الشروط الخلافية، و ان قال هذا بعض كبار المتكلمين، فان هؤلاء يذكرون أمثال هذه الخلافات الشاذة عن بعض المبتدعة لأجل الرد عليها".
هذا الشرط الواجب توفره في الخليفة – و هو الرأي الراجح – سلط عليه ابن خلدون ثاقب فكره، و كشف علاقته بنظريته العامة في بناء الدولة " نظرية العصبية " فوصل فيما قام به بين حديث رسول الله – ص – و بين تعليل أبي بكر الصديق لهذا الأمر بكون العرب لا تتبع إلا قريشا و بين واقع الخلافة و السلطة على مدار التاريخ الإسلامي، ثم أجرى على الوقائع التجريد اللازم لاستخلاص السنة أو القانون الاجتماعي الذي ينظمها، فتوصل بذلك إلى أن نظرية العصبية نظرية عامة، انظر إليه و هو يجري التعليل اللازم فيقول (60):
فإذا ثبت أن اشتراط القرشية إنما هو لدفع التنازع بما كان لهم من العصبية و الغلب، و علمنا أن الشرع لا يخص الأحكام بجيل و لا عصر و لا امة، علمنا أن ذلك إنما هو من الكفاية فرددناه إليها و طردنا العلة المشتملة على المقصود من القرشية و هي وجود العصبية، فاشترطنا في القائم بأمر المسلمين أن يكون من قوم أولي عصبية قوية غالبة على من معها لعصرها ".[8]
أن ابن خلدون
امتاز عن جميع أولئك الذين بحثوا في شرط النسب و القرشية بأنه لم يذهب إلى
نفي هذا الشرط و لا إلى تأكيده تأكيدا مطلقا، و إنما عمل على تحرير هذا
الشرط ووضعه في إطاره التاريخي، و تحدث عن مكان قريش من خلال العصبية
المتوفرة لها و اللازمة لقوة الحكم و شوكته، لكن لما ذهبت هذه العصبية بفعل
تطور الدولة و عجزت عن حمل الخلافة، فان ذلك أوقع بعض الفقهاء و الباحثين
فاشتبه ذلك على كثير من المحققين حتى ذهبوا إلى نفي اشتراط القرشية
(61).
و اتسقا مع هذه النتيجة الخلدونية يستخلص الجابري (62) بأن
الإسلام باشتراط النسب القرشي في الخلافة لم يعمل في الحقيقة إلا على تأكيد
الأمر الواقع في عصر معين.
التفسير الخلدوني لمسألة " شرط النسب " و تقديمه نظرية العصبية كشف عن جانب
من جوانب شرعية الدول و السلطنات التي شهدها المجتمع الإسلامي على مدى قرون
طويلة، و التي أدى كل منها في حينه ادوار مهمة جدا في التاريخ الإسلامي،
وقدم كذلك وجها إضافيا في تفسير خلافة أو إمارة الغلبة و القهر، قد تساعد
كثيرا على تفسير نضوج و نمو الحضارة العربية الإسلامية رغم افتقاد أنظمة
الحكم آنذاك لشرط الشورى و لكثير من أوجه شرط العدل.
أن ابن خلدون
كشف الرابط بين العصبية و الاستقرار و ما يضيفيه هذا الاستقرار من شرعية
على الحكم.
بعد هذا التطواف السريع مع نظرية العصبية عند ابن خلدون، فان السؤال الذي
يُطرح يختص بما تقدمه النظرية الخلدونية لقضية الشرعية و الديمقراطية في
العصر الحديث و هو مجال بحثنا.
أن التدقيق في
مسألتي العصبية و الاستقرار بعد تحريرهما و تجريدهما إلى مستوى[9]معين
سوف يكشف لنا الصلة بينهما و بين مفهوم حكم الأغلبية الديمقراطية في
المرحلة الراهنة.
المسألة تحتاج إلى الكثير من الفقه لإدراك الصلة الموضوعية بين هذه و تلك،
ولتأصيل هذه المسألة على قاعدة من الفكر الإسلامي.
لقد جاء احد الباحثين على هذه المسألة من خلال إشارته إلى علاقة قضية
القرشية بالمفهوم الحديث لحكم الأغلبية، و خلص إلى انه يمكن القول بأن
فقهاء المسلمين كانوا أصحاب المبادرة في النضج السياسي في تأسيس مبدأ حكم
الأغلبية، فهو أيضا مبدأ فقهي مفاده " الكثرة حجة "(63).
و هذه ملاحظة مهمة جدا، لكني اعتقد أن هناك مجالا لتأصيل شامل لهذه المسألة
تصل النص النبوي بالواقع الراشدي و بالنظرية الخلدونية وصولا إلى العصر
الراهن.
الخاتمة.
هذا هو الموقف الفقهي و التاريخي و الفكري من موضوع الشرعية، أما في
العصر الراهن، فان الديمقراطية التي تعني في بعض معانيها أن السلطة للأمة،
تجعل مصدر شرعية السلطة هي الأمة نفسها عن طريق معرفة اتجاه الأمة و
خياراتها و بالتالي فان صناديق الاقتراع تصبح هي الممثل للشرعية، أي أن
القوة التي تحتاجها أي سلطة لا تعود راجعة إلى أي قوة غير قوة الناس الذين
يقفون مع هذا الحكم، و يصبح البقاء بالسلطة أو مغادرتها رهن بإرادة هؤلاء
الناس لكن لا بد من الانتباه هنا إلى أن الناس الذين نتحدث عنهم ليسوا شيئا
مجردا، و في الوقت نفسه ليسوا شيئا ثابتا لا يتغير، وإنما هم وجود اجتماعي
له أفكاره و قيمه و تكوينه التاريخي و دينه، إضافة إلى أن له رؤيته للواقع
الراهن و للمستقبل الذي يتطلع إليه.
فالناس في
بريطانيا هم بالتأكيد غير الناس في الصين، وغير الناس في جنوب أفريقيا، و
غير الناس في الوطن العربي، وفي العالم الإسلامي، ولهؤلاء الناس في كل بلد
من هذه البلدان رؤيتهم المميزة و الخاصة للوضع الراهن و لمستقبلهم.
إن إدراك هذه الحقيقة بجعل الحديث عن الديمقراطية حديث عن شيء حي يمكن من
خلاله أن نرصد الايجابيات و السلبيات لكل فكرة أو أسلوب.
كذلك فان هؤلاء الناس ليسوا شيئا ثابتا جامدا، وإنما هم وجود حيوي متحرك
يتطلع إلى مستقبل أفضل، وإلى تحسين مستمر في الوضع الراهن، وجميع الأحزاب
وقوى التغيير تعمل على هذا الجانب من الوجود الاجتماعي: الوضع الراهن،
والمستقبل.
الشيخ راشد الغنوشي في كتابه الحريات العامة في الدولة الإسلامية يطرح التساؤل الدقيق في هذا الجانب، يطرحه في حوارية واضحة مع الأحزاب الإسلامية فيقول: "بكلمة أخرى من أين يستمد الإسلاميون مشروعية حكمهم ؟ هل من صفتهم الإسلامية ذاتها و تلك هي عقلية الوصاية، أو الوصية الشيعية التي تخلصوا منها هم أنفسهم، أم من اختيار الشعب لهم (64).
و يستدرك بالقول: أن القضية لا تتعلق في النهاية بالنظرية الإسلامية في الحكم، فالجميع متفقون على أن الحاكمية للأمة في إطار الشريعة، وانه لا تجوز ولاية غير المسلم على المسلم في بلد غالبيته إسلامية، وأن سلطة الأمة لا تحل حراما، ولا تحرم حلالا، لكن الاختلاف يدور حول صاحب السلطة، أي مصدر شرعية الدولة، ما هو؟
و يصل إلى
النقطة الحاسمة والشجاعة فيقول: إذا قلنا الشعب، فقد وضعنا أنفسنا كأحزاب
إسلامية على قدم المساواة مع كل أفراده وتياراته، و إذا قلنا شيئا آخر
علينا أن نحدده و نصرح به ولا يفيد الإبهام.[10]
أن الحديث على أن مشروعية السلطة تنبع من رأي الأمة الممثلة برأي الأغلبية
الجماهيرية يعني أن هذه المشروعية تتحرك في اتجاه المواقع التي تتحرك إليها
الأمة، وهي تعني بالتحديد أنها: " أي الأمة " قد تسحب الثقة بحزب إسلامي أو
ائتلاف أحزاب إسلامية سبق أن أعطتها ثقتها وحملتها مسؤولية الحكم، وأن
الأمة و قد تعطي الثقة إلى حزب أو ائتلاف حزبي يرى الإسلاميون انه على غير
هدى الإسلام، فما هو الموقف ؟
إن هذا التساؤل هو احد القضايا الرئيسية في النظر إلى الديمقراطية وفي النظر إلى مشروعيتها، وبسبب هذه القضية جعلنا مدخلنا إلى فكرة المشروعية التطرق إلى قضية البغاة، وإمامة الغلبة والجور و نظرية العصبية، ونحن ندرك هنا أن هذا الغرض الذي أتينا عليه لا يطابق مفهوم البغاة وإمامة الغلبة والجور والعصبية تمام المطابقة، لكن الدوافع التي دفعت فقهاءنا الأوائل إلى البحث هناك عن مصلحة الأمة يجب أن تدفع فقهاءنا في هذا العصر بالتحديد للبحث عن مصلحة الأمة هنا.
و قبل تسطير الإجابة أجد نفسي مدفوعا إلى عرض نقطتين:
الأولى: أتى عليها الشيخ يوسف القرضاوي، و هي خلاصة تجربة و تاريخ، و فيها يقول: ما أصاب الإسلام و أمته و دعوته في العصر الحديث إلا من جراء الحكم الاستبدادي المتسلط على الناس بسيف المعز و ذهبه، وما عطلت الشريعة، ولا فرضت العلمانية، وألزم الناس بالتغريب إلا بالقهر والجبروت، واستخدام الحديد والنار، ولم ينتعش الإسلام، ولم تنتشر دعوته، ولم تبرز صحوته، وتعلو صيحته إلا من خلال ما يتاح له من حرية محدودة (65).
و الثانية: عرضها الشيخ راشد الغنوشي، و هي نتاج قناعة فكرية، ومعرفة وثيقة بالأمة، وإيمان مطلق بصلاحية الإسلام و دعوته و بقدرة هذه الدعوة على أن يكون لها[11]الغلبة دائما، و فيها يقول (66): يمكن للأحزاب على اختلاف توجهاتها غير الإسلامية أن تنشأ في الدولة الإسلامية بشرط الولاء للدولة الإسلامية لتساهم في مشروع التعارف بين الشعوب و الأمم و الديانات... الخ، ونحن نعتقد أن ليس لهذا الاختلاف حول شرعية وجود أحزاب غير إسلامية في دولة إسلامية من اثر يذكر على صعيد الواقع طالما أن جملة الأحزاب العلمانية اليوم تعلن انتماءها للإسلام، فإذا تمردت عليه تعرضت للعزلة والهامشية، ووجودها على السطح عندئذ أقل ضررا من عملها في السر، وحالها لن يكون أفضل من حال حزب إسلامي أو شيوعي في إنكلترا أو أمريكا.
ومع إيماني الكامل، وقناعتي العملية بصحة ما ذهب إليه الشيخ القرضاوي والشيخ الغنوشي، فان السؤال يجب أن يذهب إلى مداه، أي ما هو الموقف إذا نجح في الانتخابات حزب أو تآلف أحزاب يرى الإسلاميون أنها غير إسلامية ؟
الجواب
الديمقراطي واضح: يترك الإسلاميون الحكم ويتسلمه غيرُ الإسلاميين، وينال
هؤلاء الجدد المشروعية العملية، ويعود الإسلاميون إلى مقاعد المعارضة
ويسعون مجددا عن طريق صناديق الاقتراع نفسها لاستعادة ثقة الناس.
و حين يفعلون ذلك ليس مطلوبا منهم أن يغيروا قناعاتهم الإسلامية، ذلك أن
المعارضة حين تخسر لا تغير قناعاتها، ولا تنتقل إلى قناعات الجانب المنتصر،
وإنما هي تراجع نفسها، وتراجع أساليبها لترى أين أخطأت، ولماذا انصرف الناس
عنها.
و الجواب غير الديمقراطي واضح: يبقى الإسلاميون متشبثون بالسلطة ضاربين عرض الحائط برأي الأغلبية التي أتت بهم أصلا إلى السلطة، ويتخذون من وسائل وأدوات العنف ما وصل إلى أيديهم لتثبيت مواقعهم بدعوى أنه لا يجوز لحملة شرع الله أن يتركوا الحكم لمن يعارض شرع الله.
الحالة التي عرضت سابقا حالة افتراضية لم تشاهد أبدا في واقع الأمة، ولا في أي ظرف مرت به، بل ما كان على الدوام أن العلمانية والتغريب هو ما كان يفرض بقوة السلطة، وأوضح مثال وأقربه تركيا في ظل الحكم الديكتاتوري العلماني، وفي ظل الديمقراطية العلمانية، وقبل مثال تركيا لنتذكر أن القيصرية و الكسروية حينما حلتا محل حكم الخلافة الشورية حلتا أيضا بالسيف والقهر والقوة، ومع ذلك فإن الفرض النظري مطلوب للذهاب بالأمر إلى أبعد مدى فيه.
أن الخيار في
مصدر المشروعية ليس بين الله الخالق المالك وبين الأمة ( وهي إحدى مخلوقات
الله ) ، وإنما الخيار في حقيقته بين إرادة الطغاة والحاكمين بالقوة
والجبروت، وبين إرادة الأمة الحرة الواعية القادرة على تحديد مستقبلها وما
ينفعها، وأي تحديد غير هذا هو تستر خلف وهم يراد منه تثبيت إرادة الطغاة و
الجبابرة.
(1) أنظر:حسن علكيم: محاضرة في ندوة مشاركة الإسلاميين في
السلطة – جامعة و يستمنستر- لندن – 20 فبراير 1993.أنظر:
- راشد الغنوشي: الحريات العامة في الدولة الإسلامية
ص 295 – مركز دراسات الوحدة العربية بيروت – 1993.
· نأخذ هذه الصفة على مجرى العادة، وليس على اعتبار
الحقيقة ، انظر في توضيح هذا الأمر :
- مخلص الصيادي: المؤتمر القومي الإسلامي – ص 328، مركز دراسات
الوحدة العربية – بيروت – وثائق و مناقشات و قرارات – 1995.
** و مثالنا هنا: تركيا، وباكستان، و اندونيسيا.
(2) يقدم موقف التيار الإسلامي السني في الكويت من هذه المسألة التي
طرحها مرسوم أكير الكويت بشأن الحقوق السياسية للمرأة نموذجا أول حيث أسقط
نواب هذا التيار هذا المرسوم، و يقدم الشيخ راشد الغنوشي مثالا آخر من
دراسة أعدها أساتذة في كلية الشريعة في الجامعة الأردنية. انظر في النموذج
الثاني ، راشد الغنوشي – الحريات العامة في الدولة الإسلامية ص 128 .
(3) أحمد كمال أبو المجد: صورة الحالة الإسلامية على مشارف ألفية
جديدة – مجلة المكتب – وجهات نظر – ص 7، العدد رقم 11، السنة الأولى –
ديسمبر 1999م.
(4) تقي الدين النبهاني: نظام الحكم – ص 83 – منشورات القدس
– ط5 – سنة 1372 / 1953.
(5) تقي الدين النبهاني: نظام الحكم في الإسلام – ص250 – دار
الأمة للطباعة و النشر – بيروت 1410 / 1990.
(6) المؤتمر القومي الإسلامي الأول – وثائق و مناقشات و
قرارات ص539 – مركز دراسات الوحدة العربية – ط1 – بيروت – 1995.
(7) الجويني، أبو المعالي عبد الملك عن عبد الله الجويني – غياث
الأمم في التياث الظلم ص87 – تحقيق و دراسة عبد الملك الذيب – قطر 1400هـ.
(8) البيضاوي: عبد الله بن عمر بن محمد بن علي الشيرازي الشافعي،
ت791، أنوار التتريل وأسرار التأويل المعروف بتفسير البيضاوي – الآية159 من
سورة آل عمران، دار صادر بيروت.
(9) البيضاوي: المرجع السابق – تفسير الآية رقم 233 من سورة
البقرة.
(10) أنظر مادة شَوَرَ و استخدامات العرب لها في قواميس اللغة، و من
بينها الفيروز أبادي: القاموس المحيط ص539، مؤسسة الرسالة – بيروت
1407/1989 وكذلك مادة شَوَرَ في معجم ألفاظ القرآن الكريم – ص 647 – مجمع
اللغة العربية في مصر – 1409/1988.
(11) راشد الغنوشي – المرجع السابق – ص 123.
(12) صبحي هويدي: التفسير المعين – ص 37 – المؤسسة العالمية لعلوم
القرآن – ط5 – 1416/1995.
(13) صبحي عبد الرؤوف عصر: المعجم الموضوعي لآيات القرآن الكريم –
ص 289 – دار الفضيلة – مصر.
(14) محمد عمارة: التراث في ضوء العقل – ص 120 – دار الوحدة بيروت
– 1980.
(15) أنظر في تفسير الآية: القرطبي في الجامع لأحكام القرآن، و
الشوكاني في فتح القدير، و ابن كثير في التفسير.
(16) محمد مهدي شمس الدين – في الاجتماع السياسي الإسلامي ص 107 –
المؤسسة الجامعية للدراسات و النشر – بيروت ط1 1412/1992.
(17) الجصاص: أبو بكر احمد بن علي – أحكام القرآن ج2ص330 – دار
إحياء التراث – بيروت – 1980.
(18) محمد رشيد رضا: الخلافة – ص38 – الزهراء للإعلام العربي –
القاهرة – 1418/1998.
(19) سيد قطب: العدالة الاجتماعية في الإسلام – ص89 – 99 – دار
إحياء الكتب العربية – القاهرة 1954.
(20) مخلص الصيادي – تطور مفهوم الدولة في المجتمع الإسلامي الأول
– ص 141 – رسالة دكتوراه غير منشورة.
(21) الأمثلة أكثر من أن تحصى: أنظر مادة استشارة و مشتقاتها في
المعنى في فهرس الأحاديث النبوية حيث يمكن تتبعها بالتفصيل.
(22) صبحي هويدي: المرجع السابق – ص 37.
تمثل الولايات المتحدة أبرز نموذج لاستغلال قضية الديمقراطية
على مستوى السياسة الدولية، حيث جعلتها في هذه المرحلة قيمة معيارية في
سياستها الخارجية في إطار مفهوم خاص عرف باسم المعيار المزدوج، أو الكيل
بمكيالين.
(23) خالد الناصر: الديمقراطية و حقوق الإنسان في الوطن العربي ص28 –
مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت ط1 – 1983.
(24) الموسوعة العربية العالمية ج1ص577 – مؤسسة أعمال الموسوعة
للنشر و التوزيع – الرياض – ط2 سنة 1999.
(25) الموسوعة السياسية – مادة ديمقراطية – ج2ص751 – المؤسسة
العربية للدراسات والنشر – بيروت ط2 – 1991.
(26) سورة البقرة – أية 256.
(27) مخلص الصيادي – المرجع السابق – ص 107.
(28) مخلص الصيادي: دعوة إلى المستقبل ص177، بيروت 1994.
(29) أنظر في هذه الروايات: مخلص الصيادي، تطور مفهوم الدولة، مرجع
سابق ص165، أو في مصادرها الرئيسية: الطبري: تاريخ الرسل والملوك ج3ص209،
ابن عبد البر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب ج3ص2874، ابن الاعثم الكوفي:
الفتوح ص14.
(30) مخلص الصيادي – المرجع السابق – ص234.
(31) محمد مهدي شمس الدين – في الاجتماع السياسي الإسلامي – ص238.
(32) السنهوري : عبد الحق احمد بن احمد السنهوري – فقه الخلافة و
تطورها لتصبح عصبة أمم شرقية ، ص148 ، الهيئة العامة للكتاب ، القاهرة ،
1989 .
(33) القاسمي: ظافر القاسمي، نظام الحكم في الشريعة و التاريخ الإسلامي
– الكتاب الأول ص233 – دار النفائس – بيروت ط4 – 1403/1982 .
(34) ابن كثير: الحافظ بنا كثير – البداية و النهاية ج7ص314، دار
المعارف، بيروت، ط1984، 5.
(35) الدنيوري: أبو حنيفة احمد بن داوود، الأخبار الطوال – ص285،
تحقيق عبد المنعم عامر، دار المسيرة، بيروت.
(36) الماوردي: علي بن محمد، الأحكام السلطانية و الولايات
الدينية ص6، دار الكتب العلمية، بيروت.
(37) الرملي: محمد بن أبي العباس بن حمزة الشهير بالشافعي الصغير،
نهاية المحتاج في شرح المنهاج – ج7 ص410، مطبعة الحلبي، القاهرة، 1967.
(38) ابن خلدون: عبد الرحمن بن خلدون، تاريخ خلدون ج1ص395.
(39) أبو عيد: عارف خليل، وظيفة الحاكم في الدولة الإسلامية –
ص266، دار الأرقم، الكويت، 1405هـ.
(40) محمد جابر الأنصاري: تكوين العرب السياسي و مغزى الدولة القطرية
ص25 – مركز دارسات الوحدة العربية – بيروت ط2 – 1995.
(41) السنهوري: فقه الخلافة، مرجع سابق – ص136.
(42) ناصر الدين الألباني: سلسلة الأحاديث الصحيحة، ص741، المكتب
الإسلامي – دمشق – بيروت ط4 1405/1985.
(43) رضوان السيد: الأمة و الجماعة و السلطة – ص266 – دار اقرأ –
بيروت – 1406/1986.
(44) محمد مهدي شمس الدين، في الاجتماع السياسي الإسلامي، مرجع
سابق، ص241.
(45) أبو عيد: وظيفة الحاكم في الدولة الإسلامية – مرجع سابق،
ص166.
(46) أبو عيد: المرجع السابق – ص113.
(47) د.مخلص الصيادي – المرجع السابق – ص ص240.
(48) محمد رشيد رضا: الخلافة ، مرجع سابق ص50 .
(49) عارف خليل محمد أبو عيد: المرجع السابق – ص289.
(50) الباقوري: احمد حسن الباقوري: معاني القرآن بين الرواية و الدراية
ص262، مركز الأهرام للترجمة و النشر – القاهرة 1406/1986.
(51) ابن قتيبة: الإمامة و السياسة، ص88، تحقيق محمد الزيني،
مؤسسة الحلبي و شركاه، القاهرة، 1983.
(52) ابن خلدون – المقدمة – ص4 – دار القلم – بيروت – ط1 – 1978.
(53) ابن خلدون – المرجع السابق – ص153.
(54) ابن خلدون – المرجع السابق – ص159.
(55) انظر تفسير الآية 80 من سورة هود عند القرطبي و ابن كثير.
(56) الطبري: محمد بن جرير، تاريخ الرسل و الملوك، ج3 ص201، تحقيق محمد
أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، مصر 1962.
(57) الصيادي – تطور مفهوم الدولة، مرجع سابق – ص200.
(58) الماوردي: الأحكام السلطانية، مرجع سابق – ص6.
(59) محمد رشيد رضا – الخلافة – مرجع سابق ص28.
(60) ابن خلدون – المقدمة – مرجع سابق، ص169.
(61) ابن خلدون – المقدمة – مرجع سابق، ص194.
(62) الجابري: محمد عابد الجابري: فكر ابن خلدون – العصبية و الدولة –
ص204 – مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت – ط6 – 1994.
(63) المرزوقي: إبراهيم عبد الله المرزوقي – حقوق الإنسان في الإسلام –
ص389 – منشورات المجمع الثقافي – أبو ظبي – ط1 – 1997.
(64) راشد الغنوشي: المرجع السابق – 260.
(65) القرضاوي: يوسف القرضاوي: فتاوى معاصرة ج2ص649 – دار الوفاء
– المنصورة – مصر ط3 – 1415/1995.
(66) الغنوشي: مرجع سابق – ص299.
د. مخلص الصيادي


