على بساط الثلاثاء

53   

( تتمة ..."27" ...البيان ... )

( 146 ) 

 قد يواجهنا البعض باعتراض يقول ، أن البيان التأسيسي الذي يحدد منطلقات ، ومسار ، وغايات " الطليعة العربية " كي "يلتزمها الطليعيون العرب الجدد" ، لا يطيق ذلك الحديث عن الكون ، والتاريخ ، والحضارات ، والأديان ، والعقائد ... وقد يكون لهذا الاعتراض ما يبرره ، وقد يكون اعتراضاً وجيهاً .. لكن الواقع العربي المّر ، المعجون بتجارب مريرة ، ما تزال ماثلة أمام أعيننا ..، أكثر وجاهة .. فلقد رأينا بأم أعيننا مشاريع المقاومة ، والفداء ، وبرامج النهضة ، والتنوير ، وأحزاب الثورة ، والتحرير ، وحركات العدالة الاجتماعية لوضع حد لاستغلال الإنسان للإنسان .. رأينا ذلك كله ينهار ، ورأينا مؤسسات النهوض ، والمقاومة على اختلافها تتفتت شراذم متناحرة على كل شيء ، بالضبط على كل شيء ، على الإيمان من عدمه ، على الحضارة من عدمها ، على المذاهب ، والطوائف ، على الجغرافيا ، والتاريخ ، على اللون ، والعرق ، والجنس بين أهل الحضر ، والمدر ، والوبر ، والبدو ، بين أهل الريف ، وأهل المدن ، بين الذين تشردوا في الجبال ، والذين يجوبون الصحارى .. بين الدول الفعلية التي تأسست مؤخراً ، بين الذين يقفون مع الشرق ، والذين يحاربون مع الغرب ، بين الذين يلبسون الملكي ، والذين يتدثرون بالجلاليب .. بين الذين يطلقون لحاهم ، والذين يحلقون ، بين ...، وبين .. حتى بات كل عربي رافضاً للآخر ، مرفوضاً منه .. فعاد الحال إلى ما كان عليه قبل مشاريع التحرير ، والنهوض .. بل إلى ما أسوأ منه بكثير .. ذلك أن الطغاة الجدد ، والمخربون الجدد في السلطات ، وفي المجتمع ، في الفكر ، وفي الثقافة ، في الأديان ، والمذاهب ، والطوائف ، والأحزاب ، في البوادي ، والأرياف ، والمدن باتوا أكثر خبرة في أساليب النفاق ، وأسلحتهم باتت أكثر مضاء ، يسخرّون أحدث التقنيات ، ووسائل الاتصالات ، في عمليات التخريب ، والتغريب ، والتشريق ، والطغيان ، والاستبداد ، والفساد ، والإفساد ..

 إن هذا كله ، لا يبرر هذا التأسيس العميق للبناء النهضوي العربي ، وحسب ، وإنما يجعل منه شرطاً لازماً ، وملزماً ، لا تقوم " الطليعة العربية " كمشروع نهضوي  إلا به ، ذلك أن "الطليعيون العرب الجدد" قرروا أن لا يكرروا التجارب الفاشلة ، قرروا الوقوف بانتظام أمام باب " الطليعة العربية " لا يخطون خطوة واحدة إلى الداخل ، قبل أن يوقعّوا عقداً ملزماً لهم جميعاً ، بأن هذا البناء ، ملكية مشتركة ، عامة ، لكل الداخلين إليه ، غير خاضع للخصخصة ، لأي كان ، الجميع فيه متساوون أمام اللوائح ، والبرامج ، ليس لأحد منهم ميزة على أحد ، إلا بما يكلفّ به من قبل المؤسسة ، أو بما يكلف هو نفسه خدمة للأهداف المتفق عليها .. فالعمل قسمة في " الطليعة العربية " والمهام ، والمراتب ، تكليف ديمقراطي ، محدد بالزمان ، والمكان ، كل واحد منهم يؤدي دوره ، ويمضي إلى حيث تقتضي المصلحة العامة للجماعة .. والبناء ثانياً ، غير قابل للقسمة ، أو للتبعيض ، فالطليعة العربية ، حرام على أهلها ، لا يعرضوّنها للخطر ، والانقسام ، لمجرد الاختلاف ، والتنوع ، يحتكمون إلى الكلمة السواء ، بينهم ، يتسابقون لتنفيذ القرار الذي يفوز بالاختيار الديمقراطي ، ليس لأحد منهم ، أن يفرض رأيه .. وإلا ..؟! ، وإنما يعرض رأيه ، ويرضخ لرأي الجماعة ، ولو كان مخالفاً لرأيه .. بل يسابق الآخرين لتنفيذ القرار الذي تم إقراره ديمقراطياً ..

 "الطليعيون العرب الجدد" يقررون ،  ويقرّون عند خط البداية ، وقبل الانطلاق ، بالتنوع العائلي ، والمناطقي ، والإقليمي ، والديني ، والأثني ..، وإلى آخره .. ، ويقروّن أنهم لا يتخذون من بعضهم ، لبعض أرباباً .. ويقروّن أن الانتماء للطليعة العربية لا يلغي ذلك التنوع ، وإنما يحتويه ، وينظمه ، ويطلق طاقاته ، ويرفع الحيف حيث وجد ، من أي طرف ، ليعطي " الخاص " أقصى ما يمكن من إيجاب ، وإبداع ، للعام ، والذي ينعكس بدوره إيجاباً على الخاص ، والعام معاً ، وفي الوقت ذاته تجري صياغة معادلة الجدل الإيجابي بين عناصر هذا التنوع ، حيث لا طغيان ، ولا استئثار ولا تهميش ، ولا إقصاء ، بذلك ، وبذلك فقط ، تكون " الطليعة العربية "  ، خلية نابضة بالحياة من خلايا الأمة العربية ، وعلى صورتها المرجّوة ، وليس الحالية ، بحيث تحمل " الطليعة العربية " في تكوينها ، كخلية قومية ، وفي خريطتها الجينية ، التنوع الجيني الذي يشكل الجماعة البشرية التي نسميها الأمة العربية ، بالمفهوم الحضاري ، وليس بأي مفهوم عنصري ، أو عرقي ، أو شوفيني ، أو ديني ، أو لا ديني ، وليس ، بأي مفهوم يتعلق بالجنس ، أو اللون ، وليس بأي مفهوم يتعلق بالاستعلاء ، أو الامتياز على الجماعات البشرية الأخرى في هذا العالم ، وكذلك ليس بأي مفهوم للدونية ، والانحطاط ، وإنما بمفهوم إنساني يحفظ للأمة العربية مكانتها على هذا الكوكب بين الجماعات البشرية الأخرى ، لا تعتدي ، ولا ترضخ للعدوان ، تنبذ العنصرية ، والتعصب ، تقاوم الظلم ، والطغيان ، تحمل للإنسانية رسائل الحضارة ، والتسامح ، والمساواة ، والعدالة ، تعطي الإنسانية أكثر مما تأخذ ، ترفض أن تكون عالة على الإنسانية في التقدم ، والعلم ، والحرية ، وإنما تسعى أن تكون نموذجاً يحتذى في نبذ التوحش ، والاستغلال ، والهيمنة ، والسيطرة سواء الفردية منها أو الجماعية .. و " الطليعة العربية " كخلية من خلايا هذه الأمة العربية تحمل في ذاتها هذه المعاني ، تطبقهّا على بنيتها الداخلية في " الطليعة العربية " ، وتناضل لتحقيقها واقعاً في أمتها العربية ، وتسعى لنشرها على الصعيد الإنساني الشامل لإيقاف عمليات القرصنة على هذا الكوكب .. والتي ستؤدي إلى تدميره .. إذا لم تواجه بنضال إنساني شامل .

( 147 )

لهذا كله فإن ما قلناه في الفقرات السابقة يندرج تحت عنوان رئيسي بأن الأمة العربية المدعوة للنهوض من المأزق ، وأن الطليعة العربية كخلية حية من خلاياها ، تستمد شرعيتها ، ومشروعيتها من نسغ نابض بالحياة ، متفرع من جذور الأمة الممتدة بين المحيط ، والخليج ، صاعداً إليها من الجذور الممتدة تاريخياً إلى الماضي البعيد المتنوع حضارياً ، وقبلياً ، وعرقياً ، وثقافياً ، ومن جذورها الممتدة جغرافياً عبر هذا التنوع التاريخي إلى سائر أنحاء جغرافية الوطن العربي التي انزاحت تلك الجماعات البشرية في أرجائها شمالاً ، وجنوباً ، شرقاً ، وغرباً  ، إلى أن اختصت بهذه الأرض ، دون غيرها ، والتي باتت موطن العرب ، وبالتالي وطن لأمة عربية تستحق الحياة ..

إن القول الفصل ، في نجاح "الطليعيون العرب الجدد" ، بتأسيس مؤسساتي حقيقي فاعل يستنهض مقومات الأمة ، ويساهم مع غيره من قوى النهوض ، والتنوير في هذه الأمة ، بتغيير واقع الحال المأساوي الذي استمر أكثر مما ينبغي ، يعتمد على مقدرة ، ووعي ، وصلابة ، "الطليعيون العرب الجدد" لصياغة معادلة تؤمّن انسياب نسغ الحياة من سائر الجذور ... على تنوعها إلى ساحة النهوض في الحاضر ، وبالتالي إلى المستقبل ، بحيث تضمن اللوائح الداخلية للطليعة العربية ، المساواة التامة ، فعلاً ، وموضعاً ، وليس شكلاً ، ونفاقاً .. فلا طغيان لأحد ، ولا انتقاص من حقوق أحد .. ذلك أن أي طغيان لفئة ما داخل مؤسسات " الطليعة العربية " تحت أي عنوان إقليمي ، أو ديني ، أو مذهبي ، أو عرقي .. يعني أن تلك الخلية ، التي كان من المؤمل أن تساهم في النهوض ، قد تسرطنت ، وباتت عالة على مشروع النهوض ، والتنوير ، كما أن أي استبعاد ، أو حتى إهمال ، أو إقصاء لأي مكون من المكونات الحضارية ، والاجتماعية ، والأثنية ، والثقافية ، والعقائدية يعني أن تلك المكونات ستتقوقع على ذاتها ، وتتحول بدورها إلى بؤرة للتسرطن في مواجهة مشروع النهوض والتنوير ، أياً كانت الشعارات المرفوعة ، من هنا ، أوهناك .. 

( 148 )

لهذا كله ، مرة أخرى أردنا التأكيد بأكبر قدر من الوضوح أن " الطليعة العربية " لا تعتمد معيار الأقليات ، والأكثريات الأثنية ، أو الدينية ، أو الإقليمية ، فالطليعيون العرب الجدد ، بمجرد توقيع عقد "الطليعة العربية" يقرّون أنهم متساوون في الحقوق والواجبات أمام لوائح طالطليعة العربية" بغض النظر عن أي اعتبار آخر ، وأن الطليعة العربية تعتمد مبدأ محدداً للأقلية ، والأكثرية يعتمد معيار الموقف الراهن من أمر ، ما ، في الحاضر ، والمستقبل ، في زمان ، ما ، وبالتالي فإن الأقلية قد تكون أكثرية في مرحلة لاحقة ، والأكثرية قد تتحول إلى أقلية .. وهكذا وفق المواقف وتطور الأحداث ، وليس وفق أي معيار آخر ...

ولهذا أيضاً قلنا ، وبأكبر قدر من الوضوح أن " الطليعة العربية " تقاوم محاولات "فرم" التاريخ من قبل الذين "يفرمون" الحاضر ، ويسعون لفرم المستقبل .. فالطليعة العربية تنطلق ، واعتماداً على منهجها " جدل الإنسان " ، وعلى قانون التطور المتمثل بالجدل الاجتماعي ، بأن جميع المراحل التي مر بها تطور الجماعات البشرية عبر الزمان ، والتي تكونت منها الأمة العربية ، هي جزء لا يتجزأ من تاريخ هذه الأمة ، من العبث أن يتوهم أحد أنه يتمكن من إلغاء مرحلة منه ، أو تضخيم مرحلة أخرى .. إن ذلك التاريخ بحلوه ومره ، بسلبه وإيجابه ، بطغاته ومصالحه ، بثواره ورجعييه ، بنهوضه وانحطاطه ، بأعراقه ، وقبائله ، وعشائره ، وعائلاته ، ودياناته ، ومذاهبه ، وطوائفه ، بالظالمين والمظلومين ، بأنبيائه ورسله ، بالمؤمنين وبالجاحدين  ، بالعرب البائدة عاد ، وثمود ، وطسم ، وجديس ، وأميم ، وجاسم ، وعبيل ، وعبد ضخم ، وجرهم الأولى ، والعمالقة ، وحضورا ، ولقمان ، وعموّرة .... ، وبالعرب العاربة ، قحطان بن ذو القحف ، وأولاده يعرب ، وجرهم ، ويمن ، وبه سميت اليمن ، وحضرموت ، وخزاعة ، ومن أولاد يمن ، عبد شمس الذي لقب بسبأ لأنه بنى قصر سبأ ، ومدينة مأرب ، كما بنى مدينة عين الشمس في مصر ، وقد ولد لسبأ عشرة أولاد تشاءم منهم أربعة ، وتيامن منهم ستة ، أما الذين تشاءموا فهم لخم ، وجزام ، وعاملة ، وغسان ، والذين تيامنوا ، هم حميّر ، والأزد ، ومذحج ، وكنانة ، والأشعريون ، وأنمار ، وبالعرب المستعربة ويقال لهم العدنانيون وهم أولاد إسماعيل بن إبراهيم وامرأته رعلة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي ، وبقبائل العرب مضر ، وكندة ، وقيس ، وكلب ، وربيعة ، وتميم ، وغطفان ، وتنوخ ، ومعد ، والمناذرة ، والغساسنة وقضاعة ، ونزار ، وقريش ، والمدياني ، وتغلب ، وبني مرة ، والأوس ، والخزرج ، وقد ذهب بعض الباحثين في علم الأجناس البشرية إلى وجود شبه كبير في الملامح بين العرب الجنوبيين في اليمن ، والقبائل في الصومال ، وحبشة ، والنوبة ، ومصر ، وقد نسبوا ذلك إلى أن تلك القبائل عربية الأصل ، هاجرت من جزيرة العرب عن طريق باب المندب ، ونحن نضيف ، أنه قد يكون العكس .... فقد تكون تلك القبائل قد جاءت عبر باب المندب إلى اليمن ، والجزيرة العربية .. كما عثر بين قبائل اليمن العربية على جماعات لها ملامح آشورية ، وينسب بعض النسابة النزاع بين الأنصار والمهاجرين بعد الإسلام إلى كونه نزاع أهل المدر مع أهل الوبر وقد رتبّ علماء الأنساب قبائل العرب إلى مراتب هي : شعب ، ثم قبيلة ، ثم عمارة ، ثم بطن ، ثم فخذ ، ثم فصيلة ..

وقد كانت كل قبيلة تتخذ حيواناً ، أو نباتاً ، أو كوكباً ، أو أي شيء آخر ... أباً ، لها ، تعتقد أنها متسلسلة منه ، وتسمى باسمه لذلك كانت تقدسّه لأنه يحميها ، ويدافع عنها ، وبما أن القبائل ، كانت في ترحال دائم ، فإنها كانت عندما تقيم ، تجمع حجارة ، وتشّكل منها رمزاً للإله الخاص بها ، تتعبده من خلالها ، وعندما ترحل تتركه .. وتمضي .. كما كانت تؤمن بالحياة بعد الموت ، أو بالخلود الأبدي ذلك أنها كانت إذا توفي أحد أفرادها ، وهي في ترحالها تدفنه بثيابه ، وسيفه ، وتذبح ناقته على ضريحه حتى يجدها عندما يقوم بعد الممات ، ويلحق بالقبيلة .. وذات الطقوس تقريباً نجدها في الحضارات التي استقرت ، واختصت بالأرض ، بعد ذلك ، وبنت الهياكل ، والأهرامات ، والصروح لذلك . وإذا كانت بعض تلك القبائل قد انتقلت من البداوة إلى المدر ، إلى الحضر ، وبنت حضارات ما تزال أوابدها تدل عليها من سومر ، إلى آشور ، إلى الآراميين ، والسريان ، والكنعانيين ، والفراعنة ، والبابليين ، والأشوريين ، والكلدان ، والسبأيين ، والفينقيين ، والأنباط ، والحضارمة ، ومن بلقيس ، إلى زنوبيا وإلى ابنة عمتها كليوباترة ، ومن أخناتون إلى حمورابي ، إلى نبوخذ نصّر ، ورمسيس الثاني ، ومن طبرق إلى دارفور ، إلى القيروان ، ووهران ، وفاس ، والعيون ، ومن الأنباط ، والأقباط ، والحميريون ، وإلى البربر ، والأكراد ، والنوبيين ، والطوارق إضافة إلى الذين لجأوا إلى وطن العرب مؤخراً من الشراكس ، والتركمان ، والأرمن ، والأغريق ، والأفارقة ، والفرس ، فإن تلك الجماعات من عشائر ، وقبائل ، ووبر ، ومدر ، وحضر قد استنفذت خلال تطورها علاقات ما قبل الأمة فتفاعلت فيما بينها ، واختصت بالأرض ، وكونت الأمة العربية ، وبالتالي فإن التعبير عن تلك الانتماءات لا يكون ، إلا في سياق الانتماء الأرقى إلى الأمة العربية .. ذلك أن التطور صاعد أبداً ، والنكوص ، رجعية أبدا ......  

( 149 )

أردنا من ذلك التأكيد أنه من حق أي أحد في الوطن العربي أن يكون مغرماً بحمورابي أكثر من أخناتون ، أو بنفرتيتي أكثر من سمير اميس ، أو برمسيس أكثر من نبوخذ نصّر ، أو بزنوبيا أكثر من كليوباترة ، أو بأنكيدو أكثر من أدونيس ، أو ببلقيس أكثر من زرقاء اليمامة ،  ومن حق أي أحد أن يطرب لغناء الجرادتين في مكة ، اكثر من غناء الموصلي في البصرة ، ومن حق أي أحد أن يؤمن بواحدة من الديانات السماوية وان يقبل الاصطفاف في أحد طوائفها ، أو مذاهبها .. ومن حق من يشاء ، أن يعتقد ما يشاء على مسؤوليته في الدنيا ، والآخرة .. ومن حق من يشاء أن ينتمي إلى أحد الفرق الصوفية ، أو غير الصوفية ، ومن حق أي أحد أن يفتخر بما يعتقد أنه أصله القبلي ، أو العرقي ..

لكن ليس من حق أحد في الوطن العربي أن يقرر أن التاريخ قد بدا من حيث يعتقد هو ، وانتهى حيث انتهى هؤلاء الذين اعتقد بهم .. فذلك تزوير من حيث البداية ، ورجعية غير ممكن الرجوع إليها ، في النهاية ..

 لهذا فإن " الطليعة العربية " كخلية حية من خلايا هذه الأمة العربية ترفض منذ البداية سائر محاولات الاستئثار ، والإقصاء ، والتفرد ، فالتاريخ العربي لا يمكن اختصاره بأحد بعينه ، نقول ذلك تمهيداً للتأسيس عليه ، وللتأكيد أن الحاضر العربي لا يمكن اختصاره ، بأحد بعينه ، أياً كان ، ومهما كان ، ومهما كان الإدعاء .. وبالتالي فإن " الطليعة العربية " التي تتعامل مع الواقع العربي ، كما هو ، ترسم خطاً واضحاً لا تحيد عنه منذ البداية إلى المستقبل ينطلق من حرية الفرد في إطار الجماعة عبر لوائح ديمقراطية لا لبس فيها ، ولا غموض ، وبالتالي فإن الشرط الديمقراطي في بناء "الطليعة العربية" ليس شرطاً تكميلياً ، وإنما هو شرط تأسيسي ، وأساسي ، وعقائدي ذلك أن "كل إناء ينضح بما فيه" ، فإذا افتقدت " الطليعة العربية " الديمقراطية في بنيانها الداخلي ، لن تعرف أبداً كيف تمارس الديمقراطية في الواقع الموضوعي ، ولن تتقدم خطوة واحدة إلى الأمام على طريق أهدافها في هذا الواقع ، فالأحرار وحدهم ، هم القادرون على حمل برنامج "الطليعة العربية" بين المحيط ، والخليج .. كما أن التجارب المرة الحديثة العهد قد أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك ، بأن الطريق إلى الوحدة العربية لا يمر عبر الطغاة ، والمستبدين ، حتى ولو كانوا "قوميين عرب أقحاح" ، والتجارب التي بلغت درجة المأساة أثبتت أن الوحدة العربية لا تتحقق بالضم ، أو بهيمنة إقليم على آخر ، أو بسطو جماعة على أخرى ، وبالتالي فإن " الطليعيون العرب الجدد " ورغم شوقهم ، وتوقهم لرؤية علم الوحدة العربية يرفرف .. فإنهم يرفضون رفضاً ، لا لبس فيه أن تقوم دولة الوحدة العربية عن طريق المستبدين ، أو بالإكراه من أي طرف ، كان ، حتى من طرفهم ، هم ، لأن الوحدة بهذه الحالة ستحمل جرثومة الانفصال لحظة ولادتها ، وبالتالي ستشّكل تجربة مريرة جديدة ، يسّتدل من خلالها ، على فشل المشروع التوحيدي العربي ، وبالتالي استمرار عصر الانحطاط ، والتجزئة عهوداً أخرى ..

( 150 )

إن هذا يرتب على " الطليعة العربية " مهام إضافية تتمثل في الانخراط ، بسائر النشاطات ، والمجالات ، والتصدي ، لمشكلات الناس على تنوعها في واقع ، ومؤسسات ، ودول تم تصميمها أساساً لمواجهة المشروع النهضوي القومي ، والتوحيدي التقدمي ، وبالتالي فإن على الطليعيين العرب أن يجيبوا على أصعب الأسئلة ، فقد تبين أن هذا الواقع لا يتم تغييره بتجاهله ، أو تجاهل ما حدث ، ويحدث فيه ، ولا يتم تغييره بالحديث المجرد ، والشعارات عالية النبرة عن إيجابيات الوحدة العربية وتآمر الإقليميين ، ووحشية الغزاة ، والصهاينة ، وقرصنة الإمبرياليين .. وتخلف البنية المجتمعية ، ومخاطر التجزئة .. بل ، أن للتغيير طريق واحد هو أن تتحرك " الطليعة العربية " بإيجابية  في إطار حاضنة جماهيرية تعرف ماذا تريد من الطليعة العربية ، وتعرف " الطليعة العربية " ماذا تريد منها ، وهذا يعني أن تكون " الطليعة العربية " في مجال الرؤية من القاعدة الشعبية لا تغيب عن ناظرها ، تشد نسيجها الاجتماعي ، وترتق ما انفتق منه ..، يترتب على هذا ، التعامل الإيجابي مع مؤسسات الدول الفعلية ، لتصويب مسارها ، ديمقراطياً ، بحيث تكون من ركائز دولة الوحدة ، التي تحتاج إلى مؤسسات لامركزية في الأقطار ، فالمطلوب بعد أن أصبحت مؤسسات الدول لأمراً واقعاً ، ليس تدميرها ، وإنما تصويب مسارها ، وتنقيتها من الفساد ، وتحويلها إلى مؤسسات وطنية ، وهذا ما عنيناه بضرورة الممارسة الديمقراطية في الواقع ، كما هو ، وهذا غير ممكن إلا بالنضال الجماهيري في سائر قطاعات المجتمع ، والدول القائمة في الوطن العربي .   

 وهكذا فإن " الطليعيون العرب الجدد " يوقعوّن منذ البداية عقداً ملزماً لهم جميعاً باحترام الرأي الآخر ، والدين الآخر ، والطائفة الأخرى ، والمذهب الآخر ، والأثنية الأخرى ، والقبلية ، والعائلية ، والمدنية الأخرى ، والثقافة الأخرى ، والفن الآخر ، واللهجات الأخرى ، والبيئة الأخرى .. وهكذا .. في جميع أطر " الطليعة العربية " وبنيانها الداخلي ، وكذلك على الصعيد الوطني داخل الأمة .. ثم على الصعيد الإنساني الشامل للبشرية جمعاء .. حيث يحتكم الطليعيون العرب الجدد للممارسة الديمقراطية وإلى الحوار ، والكلمة السواء ، وهذا لا يمكن تحقيقه إلا بتشريعه على أسس ثابتة من المواطنة الحقة ، المصانة ، حيث تناضل "الطليعة العربية" ليتمتع الإنسان في الوطن العربي ، بسائر حقوقه الأساسية في المجتمع ، ليطالبه المجتمع ، بعد ذلك ، وليس قبله بتأدية واجباته كاملة .. وهذا لا يمكن تحقيقه إلا بوضع أسس واضحة للسلوك ، والممارسة اعتماداً على معيار أساسي يكفل لكل مواطن ، ولجميع المواطنين ، على حد سواء ، ودون استثناء ، أو إقصاء ، أو إهمال ، أو استئصال يكفل المساواة التامة أمام لوائح " الطليعة العربية " ثم يناضل الطليعيون العرب لتحقيق ، وتنفيذ هذا المعيار على صعيد الوطن ، والأمة دون أي تمييز بين الانتماءات الخاصة التي يتضمنها الانتماء الوطني العام سواء كانت دينية ، أو أثنية ، أو إقليمية ، أو مذهبية ، أو طائفية ، أو اقتصادية ، أو عائلية ، أو ثقافية .. فالطليعيون العرب الجدد يحترمون كافة المكونات الإنسانية للأمة العربية ، ويحترمون خصوصياتها في الإطار الوطني للأمة ، لكن تلك الخصوصيات إذا لم توضع في هذا الإطار العام فإنها تتحول إلى قوة تدميرية لخصوصيتها أولاً ، قبل أن تكون قوة تدميرية للأمة ...

( 151 )

هل يعني هذا أن " الطليعة العربية " غير معنية بتلك الخصوصيات الدينية ، والأثنية ، والاجتماعية ..؟

أبداً ، على العكس من ذلك ، فالطليعة العربية حاضنة لتلك الخصوصيات ، وراعية لها ، ومحفزة لها للنهوض ، والاتساق في السياق العام لتطور الأمة .. والتجارب المرة قد أثبتت أن مجرد التعالي على تلك الخصوصيات ، وتجاهلها ، أو محاولة قمعها ، وإقصائها لا يحل المشكلة .. وإنما يزيدها تعقيداً ، إن على الطليعة العربية أن تتبنى مطالب تلك المكونات الاجتماعية ، وتحويلها من مطالب فئة معينة إلى مطالب وطنية عامة ، فتراث الجماعات البشرية المكونة للأمة العربية ، هو تراث الأمة كلها ،  وبالتالي فإن " الطليعة العربية " تعتمد معيار المواطنة ، كمعيار وحيد يتضمن سائر الخصوصيات المصانة الحقوق ، وهذا يقتضي التعاقد من حيث المبدأ بين كوادر الطليعة العربية على :

أولاً : أن الأمم ، والمجتمعات والدول في هذا العصر تقوم على أساس اختلاط الأجناس البشرية ، وتفاعلها ، واختصاصها بأرض الوطن ، وأنه لا يوجد في هذا العصر مجتمع واحد يتمتع بالنقاء العرقي ، ومن لا يصدق ذلك ، عليه أن يذهب إلى واحد من البنوك العلمية التي افتتحت أبوابها في بعض الجامعات العالمية ، ليخضع نفسه لفحص  الـ D.N.A حيث يمكن الوصول إلى الجد الأربعمائة .. ، فهل يقبل هؤلاء بالنتيجة ..؟

لهذا فإننا نقول لدعاة النكوص عن المواطنة ، إلى العرقية أنكم تقامرون بمستقبل ما تعتبرونه "أقليات في الوطن العربي" ، قبل أن يكون ما تقومون به اعتداء على الأمة التي احتضنت خصوصيات جميع مكوناتها ..والظلم الذي نال منكم ، نال في الوقت ذاته من الآخرين ، كل بحسب نصيبه ، ثم هل لنا أن نسأل كيف تسعون ، بأيديكم ، وأرجلكم ، لتكونوا مواطنين أسوياء في دولة الولايات المتحدة الأمريكية ، وكندا ، والدول الاسكندنافية ، والغرب ..؟ وترفضون أن تكونوا مواطنين أسوياء بين أهلكم ، أبناء أمتكم العربية ..؟ .. قد يكون الجواب على الفور ، لأننا نتعرض للظلم ، والتضييق ، وانتهاك حقوقنا ..؟ ، ونحن نقبل الجواب ، لكن هل أنتم وحدكم من يتعرض لذلك ..؟ .. أليست الأمة كلها في حالة من الاستلاب ، والقهر ؟ وهل هناك مخرج خاص لجماعة بعينها من هذا الوضع الشائن ..؟ وهل هناك وسيلة لاستمرار هذا الوضع الاستثنائي إلا بتفكيك النسيج الاجتماعي للأمة ، وبالتالي سيادة الطغاة ، والغزاة ..؟ ألا يعني هذا أن الذين يسعون لتخريب النسيج الاجتماعي للأمة ، هم الدعامة الأساسية للمستبدين ، والطغاة ، والظالمين .. ؟ ، ألا يعني هذا أن الطريق الوحيد لرفع الظلم ، والحيف عن المواطنين كافة ، وعن كل فئة بعينها ، يكمن بالتكافل الوطني ، والالتزام بالعقد الوطني ن والاجتماعي ....؟  

المسالة إذن ليست مسألة أقليات ، وأكثريات ، وأعراق ، وأثنيات ، ومذاهب ، وديانات .. وإنما مسألة حرية .. وحقوق أساسية لا يمكن تحقيقها للأفراد ، والجماعات إلا بحركة نهوض تنويرية شاملة تحقق المساواة ، والعدالة ، وتصون الحقوق لسائر مكونات المجتمع العربي .. وهذا ما تسعى " الطليعة العربية " لتحقيقه ، بجميع مكونات المجتمع العربي وليس بمواجهة بعضها ، بعضاً .. هل ندخل في التفاصيل ..؟ لا ، ليس مجالها هنا ، وإنما سنترك ذلك ، للنص عليه في العقود التأسيسية للطليعة العربية في الأقطار ، والدول الفعلية القائمة .. فقط نقول ، هنا ، وباختصار شديد أن البربر قدموا لهذه الأمة العربية واحداً من ابرز رموزها هو طارق بن زياد ..، وأن النصارى العرب قدموا واحداً من أشرف أبطالها هو موسى بن نصير ، الذي تربى في أحد الأديرة قبل أن يعتنق الإسلام .. وأن الأكراد منحوا هذه الأمة رمزاً من اعز رموزها .. هو صلاح الدين الأيوبي .. وان الأقباط في مصر يقدمون لهذه الأمة العربية الآن الأنبا شنودة ، الذي حرّم على الأقباط زيارة القدس قبل تحريرها من الغزاة ، رغم توقهم لذلك .. ونحن هنا لا نقارن هذا الموقف مع موقف شيخ الأزهر .. فقط نشير إلى ضرورة تحرير المؤسسات الدينية ، من سطوة الطغاة ، وغير الطغاة ... "إن الله لا يستحي من الحق" .

( 152 )

إن المسيرة العربية ، باتجاه الحرية التي انطلقت من ذي قار ، إلى القادسية ، إلى اليرموك ، إلى القيروان ، إلى الذين يتحفزّون الآن لاستئنافها ، مسيرة متواصلة ، تراكمية ، فمن ذا الذي يجرؤ أن يخوض في الدماء الذكية بحثاً عن عصبيات تدمّر الأمة التي قضوا جميعاً من أجل حريتها ، وشد نسيجها الاجتماعي ...؟ ، هل آن الأوان للخروج من هذا العبث ؟ ، هل هناك حاجة لنقول أن احمد شوقي أمير الشعر العربي ،هو لأبوين كردي وشركسية ، ولجد يوناني ...؟ هل تريدون أن نبحث بأصل ، وفصل، الفلاسفة ، والعلماء ، والأدباء ، والفنانين ، والفقهاء ، والمشرّعين ، الذين شكلوّا ، هوية هذه الأمة ، وتراثها الحضاري ...؟ ، ثم ، وبالمقابل ، هل هناك حاجة بدعوة الذين يصدرون الفتاوى بالفصل العرقي للتثبت من عرقيتهم عبر فحوص الحمض النووي ، فقد يسفكون دماء بعض أحفاد أجدادهم ن وهم لا يعلمون ...؟ .     

ثانياً : إن الحديث عن الدولة الدينية يقتضي التداعي إلى كلمة سواء بهذا الشأن ، فهل توجد دولة صافية دينياً ، بل هل ، وجدت ؟ ، خاصة بعد انقضاء عهد  الإمبراطوريات ، واستكمالاً لذلك هل يمكن الحديث موضوعياً عن دار للحرب ، وأخرى للسلم ، وهل توجد دولة في هذا العالم ليس فيها مؤمنين وغير مؤمنين ؟ ، ثم هل الفتح في هذا العصر مازال هو الأسلوب المناسب للدعوة إلى دين الله ، وبمواجهة من ؟

إنني إذ أدرك مدى حساسية هذه المسائل ، وصعوبة الخوض فيها ، فإنني أدرك في الوقت ذاته أن على الطليعيين العرب الجدد أن لا يتهربون ، ولا يتجاهلون تلك الأسئلة المتعلقة بمصير الأمة ، مهما بلغت درجة حساسيتها ، وهم لا يحتملون تكرار التجارب الفاشلة بالمضي على طريق النهوض ، والتنوير ، ثم  ، وعند أول اختبار جدي يتفرقون مذاهب ، وطوائف ،  وأعراق ..

   و بما أن المجال هنا لا يتسع للتفصيل ، فإننا نقترح أولاً اعتماد البحث الهام الذي قدمه شيخنا عصمت سيف الدولة عن العروبة والإسلام كجزء لا يتجزأ من هذا البيان تنطبق عليه كافة مفاعيله وأحكامه ونضيف :

1 – أن الديانات السماوية كما أسلفنا جاءت في السياق التاريخي لتطور الجماعات البشرية المكونة للأمة العربية ، وأنها تحديداً كانت في مواجهة الظالمين ، والطغاة ، وفي سياق متصاعد ، فمن نجاة إبراهيم الخليل من نيران النمرود ، إلى إلقاء يوسف في البئر ، إلى ملاحقة موسى ، وصلب السيد المسيح ، أو رمزية التشبيه بصلبه ، إلى محاصرة الرسول محمد بن عبد الله ، وتهجيره مع أصحابه ، وبالتالي فإن تاريخ تلك الدينات وحركة المؤمنين ، والجاحدين بها ، هو ذاته التاريخ الذي أدى تكوين الأمة العربية .. وهذا ما لم يفطن له بعمق دعاة النهضة ، والتنوير الذين ظن بعضهم أن مجرد الدعوة إلى ما أسموه " العلمانية " يحل المشكلة ، وأن رفع شعار "الدين لله والوطن للجميع" يمكن تحقيقه بنقل الحل الأوروبي لمشكلة طغيان محاكم التفتيش الكنسية ، والمتمثل بفصل الدين عن الدولة ، ولم يفطنوا إلى أن تاريخ الرسالات السماوية هنا هو ذاته تاريخ تشكل الجماعات البشرية التي تطورت إلى أن تم اكتمال التكوين القومي للأمة العربية ، وبما أنه لا يمكن فصل أمة ، ما ، عن تاريخها ، فإن القضية في الوطن العربي أعمق ، وأكثر تعقيداً ، من فصل الدين عن الدولة ، أو عن علاقة الدين بالدولة .. ذلك أن تلك العلاقة تشمل علاقة الدين بالمجتمع تأثراً ، وتأثيراً ، وتراثاً ، وتاريخاً ،ً وسنترك التفصيل في ذلك ، لبرامج أحزاب الطليعة العربية في الدول القائمة في الوطن العربي ، لأن تلك المشكلة ، تختلف تداعياتها ، من دولة إلى أخرى ، وبالتالي تختلف الحلول ، وإن كان هناك ناظماً عاماً لحلها ، تتفرع عنه حلول فرعية ، لكل حالة على حدة ..

( 153 )

  ونحن ، سنكتفي هنا ، بالإشارة إلى الرسالة الختامية للرسالات السماوية ، والتي تضمنتها ، ولم تنقضها ، نقول ، باختصار شديد ، أن هناك من يحاول اختلاق فتنة بين العروبة والإسلام ، وكأن الإسلام الحق ليس الرافعة التي تجاوزت بها الجماعات البشرية المكونة للأمة العربية علاقاتها القبلية ، والشعوبية ، والعائلية ، والعنصرية ، والإقليمية فاكتملت بذلك تكويناً في أمة واحدة .

   قد يقول البعض أن للدين الإسلامي رجاله ، والذين يفتون باسمه ، ونحن نعترض على ذلك ، ونقول دون مواربة ، أنه لا كهانة في الإسلام ، ولا رجال دين ، ورغم النص الصريح على ذلك ، فإن انحسار المشروع النهضوي العربي أبرز على الساحة العربية ، طبقة من الذين يفتون بكل شيء ، في غياب المعايير الدقيقة ، حيث تحولت المسالة إلى ما يشبه الفتنة المتنقلة ، بين المذاهب ، والجماعات ، والشيوخ ، ادعّاء ، وتكفيراً ، ورجماً بكل الاتجاهات فضاع جوهر الرسالة ، ودورها في غمرة هذا الضجيج ...لتشويه هذا العنصر التوحيدي ، واستخدامه زوراً ، وبهتاناً ، في الفتن ، والتخريب ، والتغريب ، والتفتيت ...

 وبما أن هذه الرسالة السماوية ، وما ترتب عليها ، هي التي نقلت القبائل ، والشعوب ، والجماعات ، والعشائر ، والأعراق إلى مرحلة التكوين القومي للأمة العربية ، فإن علاقتنا بها ، لا يمكن اختزالها بما يسمونه "العلمانية" ، أو فصل الدين عن الدولة .. ذلك ، أنها كما كانت رافعة باتجاه الأمة يحاول البعض الآن تحويلها إلى عوامل تفتيت ، وفتنة مذهبية ، وغير مذهبية ، وهذا يعني أن "الطليعة العربية" معنية في تصويب هذه العلاقة ، وبالتالي أن تقدّم قراءتها الواضحة ، لأن ذلك في صلب مشروعها النهضوي التقدمي التوحيدي .. ولهذا دعونا نطرح هذه المسألة على الطليعيين العرب الجدد عبر نقاط محددة لمناقشتها :

1 – دراسة الأثر الموضوعي للرسالة ، في الواقع العربي ، وقراءة الآيات القرآنية في سياق المكان ، والزمان ، مكية ، ومدنية ، وعلاقتها بأسباب النزول ، وما يتعلق منها ، بالعبادات ، أو المعاملات ، وما يتعلق منها ، بأحداث ظرفية ، ومكانية ، وما يتعلق منها بالعقيدة العامة .

2 – دراسة دولة الرسول في مدينة يثرب ، ودستورها " الصحيفة " كدولة مدنية متعددة الديانات ، فقد جاء في الصحيفة : " ..وأن على اليهود نفقتهم ، وعلى المسلمين نفقتهم ، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة ، وأن بينهم النصح ، والنصيحة ، والبر دون الإثم ، وأنه لن يأثم أمرؤ بحليفه ، وأن النصر للمظلوم .. وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة وأن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم ، وأنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها " ومن هنا ندرك أن خرق بني قريظة لهذا العهد هو الذي أحالهم إلى التحكيم ، وما جرى بعد ذلك ، وكذلك دراسة التشريع في تلك المرحلة ، في زمانها ، ومكانها ، ومقارنتها ، بطرق الحكم السائدة في تلك المرحلة التاريخية .

3 – رغم أن دولة الرسول في يثرب ، والتي استمرت عشر سنوات كانت دولة مقاتلة فقد شهدت أكثر من  / 260 / معركة ، بمعدل 26 معركة كل عام ، بمعدل معركتين كل شهر ، ورغم ذلك ، فإن قراءة معمقة لتلك المرحلة ، نعرضها للنقاش العام داخل "الطليعة العربية" نستنتج منها : أن تلك المرحلة شهدت أول نظام للفصل بين السلطات في دولة الرسول ، فربما للمرة الأولى في التاريخ البشري كان هناك فصل بين سلطات أمير الجيش ، وسلطات القضاء ، وسلطات بيت المال ، فلم يكن للأمير سلطة على القضاء ، أو على بيت المال ، والعكس صحيح ، أما على صعيد الحكم في المدينة ذاتها فإن التشريع كان يوحى به من السماء ، عند الحاجة ، وإذا تأخر الوحي كان الأمر أن : "شاورهم في الأمر" ، وهنا لابد من التنبيه أن " شاورهم في الأمر " خاصة بالرسول وحده دون سواه .. أما مرحلة ما بعد الرسول ، وانقطاع الوحي ، " فإن أمرهم شورى بينهم " وهذه دعوة صريحة إلى البشر بعد انقطاع الوحي حيث الحاجة إلى التشريع ومعالجة الظروف المستجدة ، مستمرة ، وأن الشورى بين الجماعة هي المعتمدة .. بعد انقطاع الوحي ، وأن التشريع بعد انقطاع الوحي يعود للأمة وحدها عبر مؤسساتها الديمقراطية بالمفهوم المعاصر .

4 – المرحلة الثانية : هي مرحلة الخلفاء الراشدين ويمكن أن نطلق عليها أنها كانت مرحلة انتقالية تجريبية ، إما لصياغة أسلوب جديد يكفل الحرية ، والحقوق ، والمساواة ، والعدالة ، في الحكم ، ويستند إلى جوهر الرسالة ...، وإما اختيار أحد أساليب الحكم التي كانت سائدة في ذلك الزمان ، وأبرزها النظم الإمبراطورية ، كسراوية ، أو قيصرية .. ، وكان انتصار أحد الخيارين ، سيحسم الكثير من المسائل ، ونلاحظ هنا أن الخيار الأول كان هو الأقوى حتى انقضاء دولة عمر بن الخطاب ، حيث عبّر عن خطورة استمرار الحاكم في الحكم لفترة طويلة ، فقال ، لعلي بن أبي طالب ، قولته الشهيرة : لقد ملني الناس يا أبا الحسن .. ثم كان موقفه الهام لحظة الاغتيال . حيث أبى التوريث ، كما أبى تسمية الخليفة ، واستحدث فكرة اختيار جماعة من الصحابة ، لاختيار خليفة ، على أن لا يكون واحداً منهم .. وكانت تلك فكرة جنينية ، لتوسيع دائرة الاختيار ، وعوضاً عن تعزيزها ..حصل ما حصل بعد ذلك ..

5 – بانقضاء عهد الخلفاء الراشدين حسم الأمر لصالح الخيار الثاني الإمبراطوري التوريثي .. من الأمويين ، إلى العباسيين ، إلى المماليك ، إلى الصفويين ، إلى العثمانيين ، وصولاً إلى المستعمرين الأوربيين ، وانتهاء بأنظمة الهلافيت المستبّدة هذه الأيام ، وتلك النظم الإمبراطورية التوريثية ، منذ ذلك الحين ، وحتى الآن ، هي التي أنتجت تلك الفتن ، وهذا الانحطاط ، والاحتلال ، والمذابح ، والتبعية ، والتخلف .

6 – إن الطليعة العربية إذ تقدّر ، وتحترم كافة المذاهب الفقهية في الإسلام ، على تنوعها .. فإنها تقرأ هذا المسار موضوعياً ، بعيداً عن الفتن ، والمذابح ، والتكفير ، والفتاوي التي غيبّت إلى حد التناقض جوهر الرسالة ، منطلقاتها ، وغاياتها .. حتى باتت رسالة التوحيد ، والتحرير ، والاستنهاض ، مذاهب ، وفرق ، وشيع تقطع أوصال الأمة ..وبالتالي فإن "الطليعة العربية" من خلال كوادرها ستعمل ، وفي كافة المواقع على فتح باب الاجتهاد ، لوضع حد فاصل بين الفقه ، وبين الفتن ، وتهذيب الخطاب مما علق فيه من عصور المذابح ، والانحطاط ، والثأر ، والتلاعن .... 

7 – إن " الطليعة العربية " لا تتعامل مع هذا الواقع العربي رغم ترديه المرير ، بأسلوب التعالي ، والرفض ، وإنما تتعامل معه ، كما هو ، لكن لغايات تقررها ، هي ، لتغييره ، واستعادة العقل ، ووضع حد للقطيعية ، وشد نسيج المجتمع من جديد ، وبالتالي فإن الطليعيون العرب الجدد ، لا يستعلون على أهلهم ، وأبناء مجتمعهم ، فهم يحملون إلى "الطليعة العربية" مشكلات الواقع ، ويعودون إلى الواقع ، بحلول مدروسة ، وفاعلة ، وإذا كان العرب المسلمين مكلفين بدعوة أهل الكتاب ، من غير المسلمين ، إلى الكلمة السواء .. فإن حالهم الآن ، فيما بين بعضهم البعض ، أولى للتداعي إلى الكلمة السواء أيضاً ، عوضاً عن فتاوي الشتم ، والتكفير ، والذبح ، والسبي ، والتفجير ، والتلاعن ..

 يقولون ، أن الإسلام دين ، ودنيا ، ونحن نقول ، نعم دين ودنيا ، لكن أي دين ..؟ وأي دنيا .. هل واقع المسلمين ، الآن ، وبالمقارنة حضارياً بشعوب العالم الأخرى يرضي أحد منهم .. هل يرضي الله ..؟!

8 – إن العصر الإمبراطوري ، قد انقضى ، وأن اليابسة مشغولة الآن بجماعات بشرية مختصة بالأرض ضمن دول ، وحدود ثابتة ، وبالتالي فإن الدعوة إلى دين الله في هذا العصر لم تعد تمر عبر الفتح ، والتفجير ، والاستبداد ، والتهديد ، والطقوس المبالغ فيها ، وإنما عبر تقديم النموذج الإنساني الحضاري العقائدي الإنساني المتسامح ، في جو من العدالة والمساواة ، واحترام الآخر ، والدعوة إلى الكلمة السواء ، ورفع الظلم ، ومقاومته ، والعمل مع قوى الأنسنة في العالم لإقامة نظام عالمي عادل لا "فيتو" ، فيه لأحد ، ولا هيمنة فيه لأحد ..

      ولينتبه العرب المسلمين ، أنهم مكلفون شرعاً ، بمقاومة الظلم ، والتصدي للظالمين .. وإذا كانت الشرائع السماوية ، والقوانين الوضعية ، تعاقب الظالم ، وتلاحقه ، فإن الرسالة السماوية للمسلمين ، العرب منهم أساساً ، تعاقب المظلومين ، إذا لم يقاوموا الظالمين ، كما جاء في الآية الكريمة : " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله أولياء ثم لا تنصرون "

إذن ، فالطليعيون العرب الجدد ينطلقون من مبدأ عدم الركون للظالمين أياً كانوا ، ومهما امتلكوا من أدوات .... أياً كانوا .. وإلى أي مصدر انتموا ..

بناء على ما تقدم من حديث ، على مدى الفقرات السابقة ، بات من الممكن طرح السؤال المركزي : هل ، آن الأوان لنضع مشروع عقد ملزم للطليعة العربية ، نناقشه فيما بيننا ..؟!

                                                    نعم ، بكل تأكيد ، فهذا أوانه ....!

( يتبع .. البيان  " 28 " ....)  

E-mail:habib.issa@yahoo.com