قبل فترة ليست بالطويلة، استُخدمتْ لفظة "الحرب المنسية" لوصف تراجع اهتمام الأمريكان باحتلالهم العسكري لأفغانستان. قامت هيمنة الولايات المتحدة لتلك البلاد على افتراض أنها حقيقة منتهية. الآن، فإن نفس الحالة يمكن أن تنطبق على العراق، ولنفس السبب.

     أصبحت النخبة الحاكمة الأمريكية، وعلى نحو بعيد، مقتنعة بهذا الافتراض من خلال وسائل إعلامها الغوغائية  propaganda. وبدءً من إدارة اوباما لغاية المعارضين الجمهوريين ووسائل الإعلام، تولّد شعور بأن حملة زيادة القوات الأمريكية في العراق العام 2007 و 2008 قادت إلى تحقيق "النصر". وهنا صارت سياسات الجنرال David Petraeus محل ثقة، وبدرجة عالية، في تصفية قواعد "المتمردين"/ المقاومة، سحق معارضي الاحتلال- جماعة الصدر، وإقامة "ديمقراطية مستقرة" تُجسدها حكومة الاحتلال في بغداد.

     يتمثل التركيز حالياً على إدارة اوباما لإعادة توجيه سياستها المشرقية reorientation نحو أفغانستان، باكستان، وآسيا الوسطى، بعد أن كانت محل اهتمام ضعيف في عهد بوش. وهكذا اختفت حرب العراق، وعلى نحو واسع، من أخبار أجهزة التلفزيون المسائية ومن الصفحات الرئيسة للصحف. ويتضح أن المؤسسة  الأمريكية تُحاول إبعاد أية ذاكرة شعورية للرأي العام بشأن جرائم الحرب التي ارتكبتها ضد شعب العراق.

     تحققت حالة الاستقرار النسبي القائمة بعد أكثر من خمس سنوات من القمع الدمويbloody repression للمعارضة العراقية ضد الغزو/ الاحتلال الأمريكي. وتركزت أكثر فترات العنف في سنوات حملة زيادة القوات surge، حيث فقد ما لا يقل عن 1.2 مليون عراقي حياتهم، علاوة على أكثر من 4500 أمريكي وغيرهم من قوات الاحتلال. بينما تجسّد ميراث legacy الاحتلال الأمريكي في مجتمع مُحطّم مجروح shattered and traumatised.. مجتمع خرب مُدمّر في سياق تشرذم مجموعاته.. مجتمع غير قادر على مواجهة الحاجات الحياتية الأكثر ضرورة لسكانه.

     أخيراً، فإن العامل الرئيس في كبح curb التمرد (المقاومة) لم يكن الحملات العسكرية، بل حصول التشرذم المجتمعي على مستوى البلاد، بما رافقته من خطوط طائفية- إثنية. ففي شمال البلاد حقق القوميون الأكراد قدراً من الحكم الذاتي. وفي المناطق التي تُهيمن عليها طائفة (الأقلية) والتي شكلت قاعدة المقاومة، تم منح القوة لقادة المليشيات ورؤساء القبائل (في تبادل غير مُشرّف) مقابل موافقتهم على إنهاء قتال المحتل. بينما الأحزاب المتطرفة لطائفة (الأغلبية) التي هيمنت على حكومة الاحتلال، تُسيطر، بدرجة رئيسة، على بغداد فقط والمحافظات الجنوبية.

    خنوع الشراذم المتنافسة rival factions للإمبريالية الأمريكية، جسّد التنافر والعداء بين هذه المجموعات وضد بعضها البعض. تأجلت الحرب المفتوحة بين هذه الشراذم بفعل نشر 140 ألف جندي أمريكي في البلاد. كما أن واحدة من أكثر النقاط الحادة القاسية sharpest points للتوتر تتمثل في استمرارية الإصرار على استقلالية autonomous الحكومة الإقليمية الكردية KRG والتي تكسب السيطرة على حقل نفط الشمال الغني في محافظة كركوك وأجزاء من محافظتين أخريين. يعمل المالكي على إيقاف أي توسع لقوة القوميين الكرد من خلال منع محاولة تنفيذ الاستفتاء referenda في المناطق المختلف عليها بالعلاقة مع تعاظم احتمال تصويت أغلبية السكان الكرد الانضمام إلى KRG.

     إن سيطرة العرب على "الجيش العراقي" دفعت باتجاه نشر عناصر من هذا الجيش حول مدينة كركوك، حيث أخذ يُهدد بإجبار مليشيات البيشمركة الكرد على ترك المنطقة. كما وتطابقت هذه التهديدات مع إعلان وزارة النفط العراقية طرح عقود لتطوير ثمانية حقول للنفط والغاز في كركوك، مع استبعاد الشركات التي دخلت في علاقات تجارية مع KRG، وذلك في تحد منها للحكومة المركزبة.

     أبدى القائد العسكري الأمريكي الجنرال Ray Odierno لصحيفة تايمز البريطانية في 7 إبريل قلقه بشأن التوترات العربية الكردية بقوله: "يظهر أن الخطوط تتجه نحو المزيد من الصلابة. تتطلب هذه المشاكل إيجاد الحلول لها بالطرق الدبلوماسية/ السلمية.. لا يمكن معالجتها عن طريق العنف. وهذا ما نعمل من أجله وباهتمام لنتأكد من فعاليتها." تمت زيادة القوات الأمريكية في كركوك من 900 إلى 3500. ويمكن أن يجدوا أنفسهم وسط حرب أهلية أو هدفاً للكرد إذا ما انحرفت طموحات KRG.

     كذلك تتصاعد التوترات بين الطائفتين (الإسلاميتين). فأثناء حملة زيادة القوات surge، وفي ظل توتر الحملات العسكرية الأمريكية ووحشية العنف الطائفي بين المجموعتين، اتفق عشرات آلاف المتمردين (المقاومين) لطائفة (الأقلية) مع القوات الأمريكية باتجاه إنهاء مقاومتها. تم تحويل الخلايات المشاركة في حرب العصابات لهذه المجموعة ضد المحتل الأمريكي إلى قواعد محلية لمليشيات مدفوعة الأجر من قبل الأمريكان ليشكلوا مجالس صحوة. وبالمقابل، فإن القادة الأمريكان منعوا قوى الأمن الحكومية الدخول إلى مناطق طائفة (الأقلية) لمنع ممارسات القتل الهائجة.

     في هذا الشهر تم تحويل مسؤولية دفع أجور مجالس الصحوة إلى حكومة الاحتلال في بغداد التي  تصرّ على حل مليشيات طائفة (الأقلية) ونزع سلاحها خلال عام. عبّر قادة الصحوة عن مخاوفهم بأن مجتمعات طائفة (الأقلية) ستقع مرة أخرى تحت طائلة فرق الموت لطائفة (الأغلبية). الأكثر من ذلك، أن شكوكهم تزداد بأن الحكومة سوف لن تفي بتعهداتها منح رجال المليشيات (الصحوة) فرص عمل بديلة في قوى الأمن أو الخدمة العامة. وفي رد فعل للانخفاض الكبير في ميزانية العراق، نتيجة انخفاض أسعار النفط، بدأت إدارات الحكومة الإعلان عن تجميد تشغيل عمالة جديدة أو تخفيض فرص العمل القائمة.

     إن حالة انعدام الثقة وتصاعد وتفاقم السخط والاستياء في صفوف الصحوة يمكن أن تقود إلى مقاومة واسعة. وكان Odierno  قد أعلن أصلاً أن القوات الأمريكية سوف لن تنسحب من مدن الموصل وبعقوبة في حزيران القادم بسبب مستوى الفعاليات المتصاعدة للمتمردين (المقاومة).

      وتبقى المعضلة الأكثر إلحاحاً والقابلة للانفجار متجسّدة في المظالم المكبوتة للطبقة العاملة العراقية وفقراء المدن وعلى نحو متماثل لدى كل من طائفة (الأغلبية) وطائفة (الأقلية) والقوميين الأكراد. لقد اعتبرت هذه المعضلة كمسألة معطاة من وجهة نظر واشنطن ومختلف مجموعات النخبة الحاكمة العراقية، متمثلة في  أن الأزمة الاقتصادية العالمية تعني عدم وجود موارد كافية لإعادة بناء الهياكل الأساسية/ البنية التحتية infrastructure، توفير فرص عمل للعاطلين أو رفع الناس وإخراجهم من مستنقع الفقر والحرمان.. إن الكفاح الاجتماعي ضد هذه الظروف/ المظالم التي تواجه عامة الناس في العراق هي مشكلة يتعذر اجتنابها!!

     على أي حال، فإن أغلبية العاملين في إدارة اوباما يرغبون في تغيير الأولويات. وتبقى حالة الخراب في العراق مستمرة. وإلى هذا الحد، قُتل في هذا الشهر خمسة من القوات الأمريكية في الموصل. القنابل هزّت كركوك. أُطلقت عمليات المتمردين (المقاومة) في الفلوجة. وهوجمت المنطقة الخضراء يوم أمس ولأول مرة بقنابل المورتر منذ ثلاثة أشهر. وبغية حماية مصالحها الستراتيجية في العراق والمنطقة، ستواصل الولايات المتحدة احتلالها الإجرامي criminal occupation. وهذا يتطلب تواجداً غير محدود لعشرات الآلاف من القوات الأمريكية!!

 مع التقدير لما أتى في المقالة فهي لا تعبر بالضرورة عن رأي حركة القوميين العرب

27 /4/2009

حركة القوميين العرب

E-mail: raouf-b@mail.sy