على بساط الثلاثاء

52   

 

( تتمة ... "البيان" ...  26 ... )

 

(136 )

 

لعل العرافين ، والمنجمين أول من أوحى للعلماء بما يسمونه " الخيال العلمي " .. مع الفوارق الأساسية ، بأن العرافين ، والمنجمين يدّعون قراءة ، ورؤية ، ما لا يراه غيرهم ، بينما العلماء يضعون فرضيات ، أو يتخيلونها ، بناء على معطيات موضوعية ، ويحاولون بالبحث العلمي اكتشاف كنهها ، وبما أن معرفة البشر العلمية بالقوانين والنواميس ، والأجرام ، والكواكب ، والنجوم ، والطبيعة ، والكائنات الحية ، بل ، وحتى معارفهم بجغرافية الكوكب الذي نعيش عليه .. بدأت متواضعة ، بالقياس إلى خيال العرافين ، والمنجمين ، والمتنبئين ، ومبتدعي الأساطير ، والملاحم .. ، فإن الكلمة الأولى كانت للفريق الأخير ، لكن مع تطور الإنسان عبر قانونه النوعي "الجدل" ، وبالتالي تطور معارفه من مرحلة تاريخية إلى أخرى ، واكتشاف الكثير من المجاهيل ، والتدخل الإيجابي في تغيير الظروف الموضوعية ، والتعامل معها ، فإن تلك المعادلة كانت تتغير باتجاه هذا الفريق ، أو ذاك ، بحسب ابتداع ، أو إبداع كل فريق عبر الزمان ، وبحسب تسارع ، أو تباطؤ التقدم العلمي ، والظروف الاجتماعية ، ففي ظروف الركود ، والاستلاب ، والعجز ترتفع نغمة التنجيم .. وفي ظروف الإبداع العلمي ، والتطور ، يفرض الإبداع العلمي ذاته .. ثم ، وفي مرحلة زمنية لاحقة ، تدخلت الفلسفة ، والأديان السماوية ، لتضع رؤيتها الشاملة ، للكون ، والظواهر ، والكائنات ، والإنسان ..

ورغم انقضاء مراحل تاريخية متعاقبة منذ ما يسمونه بداية التاريخ " المعروف " حتى الآن ، فإن سائر تلك الاتجاهات البشرية ، على تنوعها ، وتعددها ، وتفرعاتها .. مازالت تتعايش جنباً إلى جنب ، فالعرافين ، والمتنبئين ، والمنجمين ، لا يزالون يشغلون أماكنهم ، ويبثون توقعاتهم على العالم ، ولا يزال العلماء في مختبراتهم ومركباتهم الفضائية يبحثون عن كنه القوانين ، والنواميس ، والمجاهيل ، يعلنون موت فرضية ، وولادة أخرى ، ولا يزال الفلاسفة يبدعون مناهج جديدة على حساب مناهج ، وفلسفات بائدة ، ولا تزال الكنس ، والكنائس ، والمساجد ، تضيق بالمرتادين إليها ، كما المعابد ، والهياكل ، والنصب ، التي تمارس فيها شتى طقوس العبادات المختلفة .. ولا يزال الذين يؤمنون بأي شيء ، والذين لا يؤمنون بأي شيء .. لا يزال حملة تلك الرؤى المختلفة ، والمتصارعة إلى حد التصادم أحياناً يتعايشون معاً ، لم يتمكن أحد أن يلغي أحداً عبر هذا الزمان الطويل .. وإن كانت الأحجام في تغير مستمر ....

على أية حال ، فإن ذلك أدى ، فيما أدى إليه ، إلى تداخل حاد بين ما هو غيبي ، وما هو ميتافيزيقي ، وبين ما هو ديني ، وما هو أرضي ، ووضعي ، فبتنا أمام رجال دين يتحدثون بالعلم ، وكأن ما هو ديني يحتاج إلى إثبات علمي ..؟!! ، كما أننا بتنا أمام علماء يتحدثون بالأديان ، وعلاقة علومهم الوثيقة بتلك الديانات ، أو على العكس يصنفون علومهم في خندق التنافس ، أو التناقض مع الأديان ، والسجال ما يزال مستمراً حتى الآن ..وربما سيستمر في ما سيأتي من الأيام ....

 

( 137 )

 

لقد تعددت المحاولات لتعريف " العلم " تعريفاً دقيقاً إلى أن وضعت تلك التعريفات على الطاولة أمام علماء العالم قاطبة في "اليونسكو" ، لمناقشتها ، فأجمعوا على تعريف موحد في الجلسة العشرين لمؤتمر اليونسكو بتاريخ 27 تشرين الثاني " نوفمبر " 1978 يقول التعريف ما يلي :

( العلم ، هو النشاط الذي يقوم الإنسان من خلاله ، بمحاولات منظمة ، لكي يدرس بموضوعية الظواهر القابلة للملاحظة ، بقصد اكتشافها ، وفهمها ، فهماً كاملاً ، وفهم أسبابها ، والعلم يجمع معاً النظم الفرعية للمعرفة الناتجة عن التفكير ، والفهم المنظم في أشكال متناسقة ، غالباً ما يعبر عنها برموز رياضية يمكن استخدامها لصالح المعرفة ، ولفهم العمليات ، والظواهر التي تحدث في الطبيعة ، وفي المجتمع ، ولا يدخل أي سعي للإنسان في سبيل المعرفة في إطار العلم ، فالعلم ، هو المبني على أساس علمي منهجي منظم ، إن فهم الظواهر ، وتفسيرها ، واكتشاف أسبابها ، لا يخضع لتقديرات شخصية ، أو لتخمينات ، أو لتفسيرات عقلية ، فقط ، وإنما يخضع لمقاييس ، وطرق بحث معينة ، وأساليب محددة ، للبرهنة ، والإثبات ، ولابد أن تكون الظواهر التي يتناولها العلم ، ويدرسها قابلة للملاحظة ، وكونها قابلة للملاحظة معناه أنها تحتاج إلى معرفة ، وفهم ، وتفسير ، وتعليل ، ومعناه أيضاً ، أنها يمكن أن تخضع للقياس ، والاختبار ، والتجريب الذي هو أساس العلم ، ومعناه ، علاوة على ما سبق ، أنها متفق عليها من الجميع ، وبالتالي فالجميع يحتاجون إلى معرفتها ، وفهمها ، وتفسيرها ، وتعليلها ، أما الظواهر ، التي لا يمكن ملاحظتها ، فهي لا وجود لها ، بالنسبة للعلم ، صحيح أن العلم قد يكتشف ظواهر لم تكن ملحوظة من قبل ، ولكنه عندما اكتشفها كان قد انطلق لدراسة ظواهر أخرى قابلة للملاحظة ، والعلم لا يبدأ من فراغ ، ولا ينتهي إلى فراغ ، إنه يبدأ من المعرفة المتاحة " كماً وكيفاً " التي سبق للعلم أن توصل إليها في موضوع ، ما ، وينتهي بإضافة نتائج دراسة الظاهرة إلى هذه المعرفة ذاتها ، بطريقة منتظمة ، ومتسقة مع ما كان معروفاً من قبل ، ولذا يوصف العلم بأنه ذو طبيعة تراكمية ، أي أنه يبدأ من المعرفة ، وينتهي بأن يضيف إلى المعرفة ، وهذه التراكمية تجعل العلم في حالة استمرارية ، وديناميكية ، أي أن مسيرة العلم مستمرة ، ومتسعة كماً ، وكيفاً مع الزمن ، لذا يجب أن تصاغ الأشكال المتسقة مع المعرفة في رموز رياضية ، لأن الرياضيات لغة عالمية متفق عليها ، وما تقوله المعادلات الرياضية ، يمكن أن يفهمه كل أهل التخصص ، ويمكن أن يعاودوا اختبار ما تقوله للتأكد منه . ) ..

                 انتهى تعريف " اليونسكو " للعلم ، ونلاحظ أن هذا التعريف قد تضمن تعريف منهج البحث العلمي ، وقد قصدنا أن نحدد تاريخ هذا التعريف الذي نسب العلم إلى  "النشاط الإنساني" في خريف 1978 ، وذلك لدراسته في نطاق البحث العلمي المقارن ، حيث أنه ، وقبل ذلك ، في عام 1965 كان عصمت سيف الدولة قد كشف عن منهج " جدل الإنسان " الذي يعّرف النشاط الإنساني الشامل ، والعلم واحد من مجالاته بما يكاد أن يكون متطابقاً مع تعريف " اليونسكو " وربما أشمل من ذلك .. لأنه شامل لنشاطات الإنسان كافة " سيكولوجياً " ، كفرد .. ، و " سيسيولوجياً " في الجماعة البشرية " المجتمع " .

 

( 138 )

 

والمجال هنا لا يتسع للفرضيات التي وضعها العلماء لنشوء الكون ، والكوكب ، والكائنات ، والإنسان ، كما لا يتسع لاستعراضها ، ونحن لسنا في وارد إثبات ، أو نفي أياً منها ، فنحن بالإسناد إلى منهجنا " جدل الإنسان " نتعامل مع الظواهر ، كما هي ، ومع القوانين ، والنواميس التي اكتشفها الإنسان ، حتى الآن ن وسنتعامل بإيجابية مع كل اكتشاف جديد ، وبناء على ذلك ، نرى أن ما يتعلق بنشوء الكون ، ومصدره ، والمآل الذي سينتهي إليه ، مازال مفتوحاً للبحث العلمي ..و "الطليعيون العرب" اعتماداً على منهجهم يرفضون ادعاء ما لا يعرفون ، ويتعاملون مع هذه المسألة ، وسيتعاملون معها ، وفق تواضع المؤمنين ، المؤمنين ، فيقولون " الله أعلم " ، وكذلك وفق منهج العلماء ، العلماء ، فيطلقون على المجهول رمز ( س ) ويساهمون مع غيرهم عن طريق البحث العلمي "العلمي" ، في الكشف عن ما يمكن اكتشافه ، ولا يخجلون من القول عن المجهول ، مجهول .. حتى يضاء بالعلم .. ، فبين العلم  والإيمان ، وبين " الغيب " دينياً والمجهول علمياً ، وفيما يتعلق بالماورائيات عموماً ، والميتافيزيقيا .. فليؤمن من يشاء ، بما يشاء ، على مسؤوليته في الدنيا ، والآخرة ، وليس لأحد ، على أحد ، وصاية بهذا الشأن .."فالبشر لا يتخذون من بعضهم على بعضهم الآخر أربابا" ، وإذا كانت الدعوة إلى الكلمة السواء مفتوحة بين البشر جميعاً ، بهذا الشأن ، لكن هذا يجب أن يكون محكوماً بشروط ملزمة لجميع الأطراف ، تنطلق من مبدأ أساسي ، فطالما أن الإنسان يعطي نفسه الحق ، بأن يؤمن ، بأمر ، ما ، أو لا يؤمن ، فإن عليه ، قبل ذلك ، أن يكون قد أقرّ بينه ، وبين نفسه ، أنه من حق الآخر ، أي آخر ، أن يؤمن بأمر مخالف .. ، والشرط الأساسي الثاني ، هو الالتزام ، باحترام الرأي الآخر ، وتهذيب الخطاب الإنساني بين البشر ، وتنظيفه من عبارات القدح ، والذم ، والشتم ، التي تعاقب عليها كافة الشرائع السماوية ، والقوانين الوضعية ، في العالم .. وأنه ليس لإنسان ، كائناً من كان ، أن يدّعي ، أنه يمتلك الحقيقة المطلقة ، فالكمال لله وحده ، كما يقول المؤمنون ، المؤمنون ، والعالم لا محدود ، وبالتالي لا يمكن أن يدركه الإنسان كما يقول العلماء ، العلماء .. ، فمعرفة الإنسان ستبقى جزئية ومحدودة .. ، وتلك هي الحدود التي لا تتخطاها "الطليعة العربية، إيماناً ، وعلماً ، على حد سواء ...

 

( 139 )

 

لقد تراكمت العلوم ، والمعارف عبر الزمان ، بالنسبة للإنسان ، ولعله قد مرت على الإنسان عصور ، كانت معارفه ، وعلومه متدنية إلى حد العدم ، وقد تم التعبير عن ذلك في الخطاب الديني حيث جاء في القرآن الكريم أن عصوراً مرت على الإنسان كان " نسياً منسيا " ، بينما يقول خطاب العلم ، أن الإنسان انتقل من المرحلة الشبيهة  "بالحيوانية" إلى الأنسنة عبر الزمان ، وبالتالي ، وإلى عهد قريب ، تاريخياً ، كان الإنسان يعتقد أن الأرض مسطحة ، وأن الكواكب ، والمجرات في السماء محددة ومعروفة .. ثم اكتشف الإنسان ، بعد ذلك ، أن الأرض كروية ، وأنها تدور حول ذاتها ، وحول قرص الشمس ، وفق برنامج زمني محدد ، ووفق نواميس ، بعضها بات معروفاً للإنسان ، وبعضها مازال في الحيز المجهول ، كما اكتشف الإنسان ، أن الكون لا متناه .. وإلى آخره حيث تتالت الفرضيات حول ذلك ، وفي الربع الأخير من القرن العشرين كاد العلماء أن يعلنوا ، أن الكون لا يقتصر على الأبعاد الأربعة ، وإنما هناك أثنا عشر بعداً للكون ، يتضمن أثنا عشر كوناً ، وأن تلك الأكوان متراصة بجانب بعضها البعض ، يفصل بين كل كون ، والآخر غشاء تخترقه بعض الكواكب بين الحين والآخر ، لتنتقل من كون ، إلى كون آخر .. وذلك تفسيراً لأن هناك كواكب تختفي ، وكواكب جديدة تظهر ، عبر الزمان ... وقد أطلقوا على تلك الممرات التي تبتلع كواكب من مجرات الكون ، الذي يضم كوكب الأرض ، بالثقوب السوداء حيث تتكثف مادة تلك الكواكب ، وتنطلق بسرعة هائلة عبر تلك الثقوب السوداء في ممر يؤدي إلى عالم ، و كون آخر ، مجهول ..أو إلى ما أطلق عليه العلماء ، على اختلاف بينهم ، مقبرة الكواكب والنجوم ... ،  كذلك ، هناك ثقوب بيضاء تولد من خلالها كواكب جديدة .. شاردة من أكوان أخرى ، وهكذا .. لكن ، وبعد ربع قرن من التجارب ، والأبحاث لم يتمكن العلماء من إثبات تلك الفرضية فعزفزا عنها .. ثم انتقل العلماء للحديث عن ما يسمونه النظرية الخيطية ، ويمكن تلخيصها ، بأن الفضاء يعج بكائنات خيطية دقيقة غير مرئية تتحرك وتنبعث من حركتها موسيقا لا يمكن للأذن البشرية التقاطها ، وأنهم بصدد تصميم أجهزة لالتقاط تلك الموسيقا ، ودراسة حركة تلك الكائنات الخيطية التي قد تكون أرواح للكائنات الحية ، بما في ذلك الإنسان ..

 

( 140 )

 

إذا عدنا إلى أحدث الفرضيات عن نشوء هذا الكون الذي يضم كوكب الأرض ، تصادفنا فرضيات متعددة ، تم وصفها حين ظهورها "أنها علمية" ، أهم تلك الفرضيات ، قالت ، أن هناك إنفجاراً هائلاً حدث في الشمس نفث شظايا ملتهبة في الكون ، ومنها هذه الشظية الملتهبة التي نسميها الآن ، كوكب الأرض ، وأنها بقيت مشتعلة لقرون عديدة ، ثم بدأت تبرد ، وتعرضت خلال ذلك ، إلى ما يسمونه الرجم العظيم ، من نيازك انطلقت باتجاه الأرض نتيجة انفجارات أخرى ، حصلت في هذا الكون ، وأنه أعقب ذلك عصر يسمونه الشتاء الجليدي ، ويقسمّونه إلى خمسة عصور جليدية ، ويختلف العلماء في تقدير زمن العصر الجليدي من خمسة ملايين سنة إلى خمسمائة ألف سنة ، ثم إلى عصور متعاقبة عبر الزمان ، ومتداخلة في الوقت ذاته .. ورغم أن التحولات التي جرت ، وتجري في الكون ، وفي كوكب الأرض ، والتطور في التاريخ البشري ، والأثر الذي أحدثه الإنسان على الكوكب ، والذي يتجاوزه ، هذه الأيام ، إلى الفضاء الخارجي ، لا يمكن تقسيمها ، تقسيماً تعسفياً ، إلى عصور منفصلة ..فإن ضرورات البحث العلمي ، اقتضت ، وتقتضي مثل هذا التفصيل البحثي ، بشرط ملاحظة التداخل ، والتراكم فكل عصر ، يولد في رحم العصر الذي سبقه ، مع الإضافة ، وهكذا يمكن فهم تقسيم عصر نشوء الكوكب ، إلى عصور الكوكب المشتعل ، ثم الرجم العظيم ، ثم الشتاء الجليدي ، ثم الكائنات الحية ، ثم الإنسان البدائي ، ثم العصر الحجري ، ثم عصر البرونز ، ثم  الحديد ، فالبخار ، فالميكانيك ، فالأوتوماتيك ، فالذرّة ، فعصر المركبات الفضائية ، مع ملاحظة أن العصور الأولى كانت تخضع لظروف التحولات الموضوعية في طبيعة الكوكب ، بينما العصور الأخيرة منسوبة إلى الإنسان ، واكتشافاته ، وتدخله في الطبيعة ، ومما لاشك فيه أن التطور البشري ، لن يقف عند حد ، وبالتالي فإن عصراً جديداً يتكون في رحم هذا العصر ، ليحمل أسماً جديداً في المستقبل .. وهكذا ..

( 141 )

 

 وبدون الدخول في التفاصيل المتاحة إلى حد التخمة ، لمن يريد ، فإننا أردنا ، من استعراض التحول في الطبيعة والكون ، واستعراض التطور في المجتمعات البشرية ، رفع الوصاية عن العقل البشري ، وإطلاق طاقة البشر إلى أقصاها على طريق المعرفة ، والتطور فلا يملك أحد أن يغلق طريق المعرفة الطويل إلى المجاهيل التي تتعلق بنشوء الكون ، وظهور الكائنات الحية ، والإنسان ، ومصدر ذلك كله ، ولا يملك أحد أن يغلق طريق المعرفة الطويل باتجاه المستقبل ، والمآل الذي يتجه إليه .. وإذا كان الإنسان خلال تطوره قد كشف الكثير من المجاهيل ، والقوانين في الاتجاهين ، فإن مجاهيل كثيرة مازالت تخضع للبحث ، والتمحيص ، وإذا كان العلم يتحدث عن نهاية كوكب الأرض ، بنفاذ الطاقة التي توّلد القوة الكهرطيسية ، التي بدورها تولد التوازن في الكوكب ، وإذا كانت الأديان السماوية تطلق على تلك اللحظة " يوم القيامة " ، فإن هذا لا يعطي الحق لأحد بالوصاية على العقل البشري ، فالفرضيات التي يضعها العلم في مختلف فروع العلوم الكلية قابلة للنقض في أية لحظة ، فبالأمس فقط في عام 2008 أعلن أكبر مركز للأبحاث البيولوجية ، والأنتربيولوجية في العالم ، ومركزه الولايات المتحدة الأمريكية ، موت نظرية داروين في النشوء ، والارتقاء ، والتي كانت إلى عهد قريب ، عنوان الكفر بالعلم لمن يرفضها ، وعنوان الكفر بالدين لمن يتبناها ، وكذلك الأمر ، ليس لأحد ، باسم الدين ،أي دين ، أن يحرّم على الإنسان البحث العلمي ، فمن الكفر أن يدّعي أحد أن الإنسان يمكن أن يعرف إلا بإرادة الله له أن يعرف ،   فحدود الغيب لا يعرفها إلا الله ، وهو لم يوّكل ، كائناً من كان ، على  أرض هذا الكوكب بحراسة تلك الحدود ، أو معرفتها ... ، وليس لأحد ، كائناً من كان ، أن يدعّي أنه يمتلك هذا السر المقدس ..  ، فهذا تجديف على أقل تقدير ....

 

( 142 )

 

وإذا كان مصطلح " علم الإنسان " ، يعود استعماله ، للمرة الأولى ، إلى عام 1739 في كتاب " معالجة الطبيعة الإنسانية " لمعتنق الاختبارية / هوم / فإن تطور الإنسان ، قد أعاقه ، ويعيقه الصراع الاجتماعي ، الذي يتأتى من السلوك السلبي للذين يقامون تطور الإنسان باتجاه المزيد من الأنسنة ، بل ، ومن استغلال التطور التفني لممارسة أعتى صنوف التوحش ، حتى تبدو أمامه عصور وحشة ، وتوحش الإنسان البدائي ، وحشية بدائية قليلة الأثر السلبي على الإنسان ، والطبيعة ، بالمقارنة مع التوحش المعولم ، والمعرفي المتطور ، ولعل أصدق تعبير عن ذلك ماجاء على لسان الفيلسوف الأباتي رينال الذي طالب بإعادة الاعتبار للمتوحشين " البدائيين " حيث يقول : " أن هناك رجالاً في ظل إمبراطورية الشرف ، والشرائع الدينية ، والمدنية ، لا تحّمر وجوههم من أن يعملوا ما لا يعمله متوحش متحرر من كل ما يمنعه من ارتكاب ما ارتكبه أولئك .. إننا لا نتعلم في الغابات احتقار الإنسان .. بل نتعلم هذا وسط المجتمعات المجهزة بالبوليس .. "

                 على أية حال فإن العلماء في العصر الحديث أكثر تحرراً ، وعقلانية فقد كانوا في مراحل زمنية سابقة في سجال مر ، وحاد مع أفكار غيبية مطلقة ، دينية ، وغير دينية ، لهذا فقد أطلقوا على فرضياتهم ، صفة الإطلاق أيضاً ، في مواجهة الإطلاق المقابل .. فهم يقرّون ، الآن ، بأن الإنسان يعرف جزء من الكل ، لكنه لا يعرف الكل ، لأن الكل مطلق ، فالعقل البشري ، من وجهة نظرهم ، لا يمكن له أن يدرك الكل ، لأن الكل غير محدود ، ولا يمكن إدراك ما هو غير محدود ، وهذا الموقف العلمي ، يتوافق من الناحية الموضوعية ، مع مواقف الأديان السماوية من " علم الغيب " العصيّ على إدراك الإنسان ...

 

( 143 )

 

وإذا كان لا اجتهاد في معرض النص الواضح ، والصريح ، والثابت في الخطاب الديني ، فإنه لا اجتهاد في معرض القانون العلمي ، الثابت ، والصريح ، والثابت ، في الخطاب العلمي ، وبالتالي فإن الاجتهاد فيما يتعلق بالظواهر ، والنواميس الكلية ، يتعلق حصراً ، بالمجاهيل التي عجز العقل البشري ، حتى الآن ، من اكتشافها ، وبالقوانين ، والنواميس التي عجز ، حتى الآن ، عن إثباتها ..          

                 في هذا الإطار ، فإن هناك مساحة شاسعة من المجاهيل ، والأسرار التي تتعلق ببداية الكون ، والمجرات ، وكوكب الأرض ، والكائنات الحية ، وظهور الإنسان ، يمكن للاجتهاد ، وللبحث العلمي ، والخيال العلمي ، والإيمان الديني ، والبعد الفلسفي ، يمكن للعقل البشري أن ينشط في مجالاتها ، لا وصاية لأحد ، على أحد ، في ذلك ، ولا وصاية على العقل البشري ، من أية جهة كانت ...!

وكذلك الأمر ، بما يتعلق ، بالمآل الذي يتجه إليه هذا الكون ، وكيف تكون محطة النهاية ؟، وماذا بعد الموت بالنسبة للإنسان ؟، وما علاقة الروح ، بالجسد بعد الموت ؟، وأين تقيم ؟، وهل يصدق ما قاله بعض رموز المعتزلة العرب ، بأن الروح تسكن الجسد إلى أن يعطب ، وينهار ، هنا تغادره لكن إلى أين ..؟ ، وماذا بعد ..؟

هل يملك احد على أرض هذا الكوكب أن يجيب جواباً قطعياً على ذلك ..؟ ، إذا كان المؤمنين تستقر نفوسهم بالإيمان ، وفق الخطاب الديني على تنوع مصادره ، على جواب حاسم ، وقطعي ، فإن البحث العلمي سواء من يستنكر ذلك ، أو من يتبناه ، ليس لديه جواب علمي على تلك الأسئلة .. ذلك أن الظواهر بعد موت الإنسان ، وماذا يحصل للروح بعد ذلك ، وبعد أن يعود الجسد المادي تراباً .. غير معروفة للبشر،  وبالتالي هي غير موجودة بالنسبة للعلم ، كما أسلفنا تعريفه .. وهذا يعني أن هذه المسألة مفتوحة للخطاب الديني ، وللعلم ، وللفلسفة ، على حد سواء ، فليؤمن من يشاء بما يشاء على مسؤوليته في الدنيا ، والآخرة ، لا وصاية لأحد ، على أحد بهذا الشأن ... والإجابات المفترضة على تلك الأسئلة الصعبة ، أكثر من أن تحصى ، ومن سائر تلك الأطراف ، وبتفاصيل متخيلة ، لا أساس ديني أو علمي لها ،  تثير الذهول أحياناً ..، من أولئك الذين يصفون عذاب القبر ، إلى الذين يفصّلون ممارسة نعيم الجنة ، أو عذابات جهنم ، بما يتجاوز ما جاء في الرسالات السماوية ، وصولاً ، إلى تلك الكائنات الدقيقة التي تفتت الجسد البشري ، وتحيله تراباً ...

 

( 144 )

 

                 وإذا كان هذا ما يقال عن مآل الكوكب ، والإنسان ، فإن ما يقال عن مصدر هذا الكون ، والإنسان أكثر تشعباً من إمكانية الإحاطة ، به ، وقد أشرنا إلى ذلك في الفقرات السابقة .

ما يعنينا ، الآن ، أن أغلب الأبحاث العلمية انصبت على كوكب الأرض ، كما هو الآن ، محيطات ، وبحار ، ويابسة ، وغلاف جوي ، وفضاء ، وكائنات حية ، وإنسان .. وبالتالي فإن الجهد كان منصباً عن البدايات في هذا المجال الموصوف ، والمحدد جغرافياً ...!

                 وإذا اعتمدنا ما يقال عن أن كوكب الأرض ، كان مشتعلاً ، لملايين السنين ، وأنه تعرضّ ، بعد ذلك ، لشتاء جليدي استمر ملايين السنين .. وأنه ، تعرض لرجم عظيم من النيازك ، لعشرات العقود .. فإن أحدث كشف علمي أظهر أنه تم العثور على الحمض النووي ، في أحد تلك النيازك التي ضربت كوكب الأرض منذ ملايين السنين  .. ، ونحن لا نريد أن نبني على ذلك إلا ما يقتضيه ، وفي الحدود التي مازالت قيد البحث العلمي .. في هذا الإطار ، ألا يمكن الافتراض ، وانسجاماً مع ما أثبته البحث العلمي من أن العصر الجليدي لم ينته دفعة واحدة ، وإنما تم ذلك بموجب خمسة عصور جليدية متتالية .... ، بأن الانحسار الجليدي بدأ في المناطق المنخفضة من الكرة الأرضية ، وأن تلك المناطق المنخفضة شهدت أول وجود للكائنات الحية ، وربما الإنسان ، وأن الإنسان شيّد في تلك المناطق المنخفضة ، التي تحيط بها الجبال الجليدية ، وتتخللها البراكين ، والعواصف ، والزلازل ، أول الحضارات الإنسانية ، وربما كانت حضارات مدنية متقدمة ، ثم ، وفي عصر جليدي لاحق ، تعرض كوكب الأرض لزلازل ، وهزات ، وثورة براكين ، وحرارة مرتفعة ، فتصدعت جبال الجليد ، وانهارت في الأماكن المنخفضة مما أدى إلى "الطوفان الكبير" الذي تشير إليه كافة الملاحم ، والديانات .. ، فاندثرت تلك الحضارات الإنسانية في أعماق المحيطات ، والبحار التي تشكلت نتيجة ذلك .. ونحن لا نقول هذا انسجاماً مع خيال علمي ، أو غير علمي ، ولا نقوله في سياق ما قاله العرب القدماء عن أن قاع الخليج العربي كان أرضاً غنّاء وأنهم أطلقوا عليها اسم " الجنة " وهي تمتد إلى عدن ، وأن الخليج العربي لم يمتلئ بمياه البحر إلا بعد الطوفان ، وأن هذا ينطبق على الصدع الذي حصل بين مصر والجزيرة العربية والممتد حتى البحر الميت ووادي الأردن والذي امتلأ بمياه البحر بعد الطوفان والذي يعرف اليوم بالبحر الأحمر "القلزم" ، وأن مصر كانت قبل ذلك متصلة بما يعرف اليوم ، جزيرة العرب ، ولا نقول ذلك لإثبات وجود المدينة التاريخية الواقعة على الطريق بين مصرايم ، واليونان ، والتي تقع في قاع ما يعرف اليوم بالبحر الأبيض المتوسط بين " كبرس " وصور ، والتي تحدث عنها أفلاطون ، وأسماها مدينة أطلانتك ،  ولا نقول ذلك لإثبات أن الأمريكتين كانتا قريبتين من أفريقيا ، وأوروبا ، وأن ما كان يفصلهما عن ما يسمى العالم القديم مجرد واد عميق ، امتلأ بالمياه بعد الطوفان ، وحدث الفالق الذي أبعدهما غرباً ، للدلالة على أن الإنسان الأمريكي القديم من المايا ، إلى الأنكا ، كان من ذات السلالات القديمة المتوسطية بدلالة أهرامات المكسيك ، وأبراج البيرو البابلية ، ومساكن الصخور المشابهة لما في البتراء ، ولا نقول ذلك لتفسير لغز مثلث برمودا الذي ، وإلى وقت قريب ، كان يبتلع كل ما يقترب منه ، حتى من المجال الجوي المحيط به ... وإنما نقوله في سياق التحريض للكشف عن ظواهر باتت ثابتة وهي أكثر من أن تحصى ، منها أن الإسكندرية الحالية ليست الإسكندرية القديمة التي تقع إلى الشمال في قاع البحر الأبيض المتوسط ، حيث آثارها تكتشف يوماً ، بعد يوم ، وبعد أن كان يظن أن تلك الآثار المندثرة تحت مياه البحر قد انزلقت إلى البحر نتيجة زلزال مدمر .. الآن ، يتجه البحث عن المدينة القديمة ذاتها الموجودة تحت مياه البحر .. مثال آخر مدينة صور التي حاصرها الاسكندر المقدوني ، بحدود ثلاثة قرون فقط قبل الميلاد ، بالسفن من الجهات كلها ، مما يفيد أنها كانت جزيرة في البحر .. فهل اليابسة امتدت إلى صور ، أم أن مدينة صور التاريخية اندثرت تحت مياه البحر .. ، ، وأن صور الحالية هي التي بناها الناجين من اندثارها ، والذين وصلوا إلى الشاطئ ..؟! ، في مكان آخر من العالم تحت مياه المحيط بالقرب من الهند تم الكشف عن آثار ، وأوابد مدن كاملة يتم الغوص إليها للكشف عنها .. ، إن تلك ، والكثير غيرها ظواهر يمكن للبحث العلمي أن يكشف من خلالها عوالم مجهولة أخرى ..

 

( 145 )

 

بناء على ما تقدم نؤكد على ما قلناه من أن الطريق إلى الماضي مازال مفتوحاً أمام البحث العلمي ، وأمام الخيال الإنساني العلمي ، وغير العلمي ، ولا وصاية لأحد على أحد في هذا الشأن .. وبالتالي فإن كل ما قيل عن الكون ، وتشكل كوكب الأرض ، والكائنات الحية ، وبداية التاريخ ، والإنسان الأول ، خاضع للبحث ، والتمحيص .. وأن جغرافية الأرض الحالية ، من محيطات ، وبحار ، ويابسة ، حديثة العهد نسبياً ، وان ما يعرف بالتاريخ البشري المعروف ، حتى الآن ، قد يكون الجيل الثاني من البشر بعد أن اندثر الجيل الأول في قاع البحار ، والمحيطات .. ثم قد يكون ما قلناه صحيحاً ، أو بعضه ، وقد يكون غير ذلك .. المهم أن ينطلق العقل البشري بدون قيود للبحث عن ما يمكن له بحكم قدراته المحدودة ، أن يكتشفه من وقائع ، وقوانين ونواميس سواء من الماضي البعيد .. أو باتجاه المستقبل غير المنظور ..!

                 إن الاتفاق على هذه القاعدة يؤطرّ الاختلاف بين البشر ، حول تلك المسائل الشائكة ، وبالكلمة السواء يدار هذا الاختلاف الذي يؤدي إلى الجدل الخلاق ، ويحد من الانزلاق إلى الخلاف السلبي ، والمدمر للجماعات البشرية ، وتلك كانت الغاية من البحث في تلك المسائل المعقدة ، وصولاً إلى موقف متفق عليه من قبل " الطليعيون العرب الجدد " ، فلا يتوهون في صراعات وهمية ، تصرفهم عن الفعل الإيجابي في واقعهم كما هو ... لتغييره باتجاه الأهداف التي يقررونها .. لا أكثر من ذلك ولا أقل ...

( يتبع .." 27 " ... البيان ..) 

E-mail:habib.issa@yahoo.com