على بساط الثلاثاء

50
( تتمة ..."24" ...البيان....)
( 117 )
" إن الآريين لم يشيدّوا صرح الحضارة ، بل أخذوها عن بابل ، ومصر ، وأن اليونان لم ينشئوا الحضارة ، إنشاء ، لأن ما ورثوه منها أكثر مما ابتدعوه ، وكانوا الوارث المدلل المتلاف لذخيرة من الفن ، والعلم مضى عليها ثلاثة آلاف من السنين ، وجاءت إلى مدائنهم مع مغانم التجارة ، والحرب ، فإذا درسنا "الشرق الأدنى" وعظمّنا شأنه ، فإنّا بذلك نعترف بما علينا من دين لمن شادوا بحّق صرح الحضارة الأوربية الأمريكية ، وهو دين كان يجب أن يؤدى منذ زمن بعيد .."
قبل أن يتسرع أحد باتهامنا بالشوفنينة ، والعنصرية نسارع إلى التأكيد أن هذا القول ليس لنا ، وليس لأحد من بلاد العرب ، فهذا ما اكتشفه ( ول . ديورانت ) في مغامرته للبحث عن قصة الحضارة ، ويضيف : ( إن أقدم الرموز التصويرية المعروفة لدينا .. مما كشف عنه في مقابر ما قبل التاريخ في مصر ، والشرق الأدنى ، وأسبانيا .. مما يرجع في التاريخ إلى سنة 5000 قبل الميلاد .. ويقيناً أنه ما جاءت سنة 3600 ق.م – وقد يكون قبل ذلك بزمن طويل – حتى كان الناس في سومر ، ومصر قد طوروا مجموعة من الصور التي يعبرّون بها عن أفكارهم ، وأطلقوا عليها اسم " الكتابة الهيروغليفية " .. وبالتالي فإن الفينقيين لم يخلقوا أحرف الهجاء ، ولكنهم اتخذوا منها سلعة للبيع ، والشراء .. ثم صدرّوها إلى كل مدينة من مدن البحر الأبيض المتوسط .."
وإذا كان هذا ما قاله " ول . ديورانت " ، فإن المؤرخين يكادون أن يجمعوا ـ بعد الحديث عن العصور الجليدية التي يقدروّنها بـ 500000 ق. م ، والإنسان البدائي الذي يطلقون عليه أسماء مختلفة ، ومتدرجة عبر الزمان .. ـ أن " الرقم " التي كشف عنها في أوغاريت ، وأور ، وبابل ، وسبأ ، وطيبة ، وتل العمارنة .. وغيرها من مدائن العرب تدل على أن تلك الحضارات التي هي الأقدم في التاريخ البشري المعروف حتى الآن ، ليست هي الأقدم في حضارات العرب .. بل هي الحضارات التالية لما أسماه القص العربي القديم " حضارات العرب البائدة " .. التي مازالت مجهولة .. تترقب أياد عربية خبيرة للكشف عنها .. وقد تم الكشف مؤخراً في أحد المواقع الأثرية في بلاد الشام على ما يعتقد أنها أقدم لوحة فنية في التاريخ تعود إلى / 8000 / سنة قبل الميلاد ، وان البحث مازال مستمراً في الموقع المذكور ..لأن هناك كنوز مازالت مخبّأة هناك كما أن آخر الاكتشافات في أوغاريت دلتّ إلى جانب الأبجدية التي يعتقد أنها الأقدم في التاريخ البشري ، وإلى جانب الكتابة من اليمين إلى اليسار ، أو الكتابة من اليسار إلى اليمين ، على وجود كتابة عمودية من الأعلى إلى الأسفل . .. وهي التي مازالت معتمدة في دول شرق آسيا ، والصين ، واليابان ..
( 118 )
وإذا كان المؤرخون قد تحدثوا عن حمورابي ، كأول مشرّع في التاريخ البشري ، فإن الاكتشافات في ( أور مدينة الكلدان ) دلتّ على أن ملكها ( أور – أنجور ) قد سبق ذلك ، وأعلن في جميع الدولة السومرية ، أول كتاب شامل من كتب القانون في تاريخ العالم ، حيث يقول : ( لقد أقمت إلى أبد الدهر صرح العدالة المستندة إلى قوانين شمش الصالحة العادلة ) .. وقد نشر ( أور – أنجور ) شرائعه في البلاد باسم الإله الأعظم شمش ، بعد أن رأى ما في الالتجاء إلى الدين من فوائد سياسية ، فتضاعف عدد الآلهة مراراً حتى بات لكل مدينة ، ولكل ولاية ، ولكل نوع من النشاط البشري إله موح مدبّر ، وكانت الشمس هي ( نور الآلهة ) الذي كان يقضي الليل في الأعماق الشمالية حتى يفتح له الفجر أبوابه فيصعد في السماء كاللهب ، ويضرب بعربته في أعماق القبة الزرقاء ، ولم تكن الشمس إلا عجلة في مركبته النارية .. وقد عثر في المدائن السومرية على لوحة نقشت عليها بعض الصلوات وجاء فيها : ( إن الضأن فداء للحم الآدميين به افتدى الإنسان حياته )" وقد أثرى الكهنة من تلك القرابين حتى أصبحوا أكثر الطبقات مالاً ، وأعظمها قوة في المدن السومرية ، وحتى كانوا هم الحكام المتصرفين في الشؤون ...
( 119 )
إذا انتقلنا إلى الضفة الأخرى من الوطن العربي ، واتجهنا إلى الكرنك على النيل نقرأ هذه الرسالة التي نقشتها على أحد المسلتين ، اللتين تتصدران المعبد ، الملكة حتشبسوت : ( إن هاتين المسلتين قد صنعتا من الحجر الأعبل الصلد الذي جيء به من محاجر الجنوب ، وأن رأسيهما من الذهب الإبريز .. ويمكن مشاهدتهما على النهر من بعيد ، ونورهما الساطع يشع في الأرضين ، وإذا ما لاح قرص الشمس بينهما بدا كأنه يبزغ حقاً في أفق السماء .. وأنتم يا من ترون هذين الأثرين بعد زمن طويل ، ويا من تتحدّثون من بعدي عما فعلت ستقولون : إنا لا ندري كيف أقاموا جبلاً كله من الذهب .. لقد أنفقت في تذهيبهما ذهباً كنت أكيله ، كيلاً كأنه أكياس الحب .. ذلك أني أعرف أن الكرنك أفق الأرض السماوي ..)
كانت السماء بداية الخلق عند أهل مصر ، ولم تكن الأجرام السماوية العجيبة إلا الصور الخارجية لأرواح عظيمة ، وكانت السماء قبة تقف في فضائها الواسع بقرة عظيمة هي الآلهة حتحور ، والأرض من تحت أقدامها ، وبطنها يكسوه جمال عشرة آلاف نجم ، وأن السماء هي الإله " سيبو " النائم في لطف على الأرض ، الأرض التي هي بدورها الإلهة " نويت " ومن تزاوج هذين الربين المهولين ، ولدت كل الأشياء ، ومن عقائدهم أيضاً ، أن الأبراج ، والنجوم قد تكون آلهة ، وأن ساحو وسيديت ، كانا إلهين مهولين ، وأن ساحو كان يأكل الآلهة ثلاث مرات في اليوم بانتظام ، وكان يحدث في بعض الأحيان أن إلهاً من هذه الآلهة المهولة يأكل القمر ، ولكن ذلك لن يدوم إلا قليلاً ، لأن دعاء الناس ، وغضب الآلهة الأخرى لا يلبثان أن يضطراه إلى أن يتقيأ القمر مرة أخرى ، ويعود للظهور ، وعلى هذا النحو كان عامة المصريين يفسرون خسوف القمر الذي كان إلهاً ، ولعله أقدم ما عبد من الآلهة في مصر ، ولكن الشمس في الدين الرسمي كانت أعظم الآلهة ، وكانت تعبد على أنها الإله الأعلى " رع " ، الذي لقحّ الأم "الأرض" ، بأشعة الحرارة .. وكانت تصّور على أنها عجل مقدس يولد مرة في فجر كل يوم ، ويمخر عباب السماء في قارب سماوي ، ثم ينحدر إلى الغرب في كل مساء ، أو أن الشمس هي الإله "حورس" مصوراً في صورة باشق رشيق يطير في السموات بعظمة ، وجلال يوماً بعد يوم .. ولكن الاعتقاد الذي ترسّخ هو أن " رع " ، أو الشمس ، هي ، أو هو الخالق على الدوام ، ولما أشرق أول مرة ، ورأى الأرض صحراء جرداء غمرها بأشعته ، فبعث فيها النشاط ، وخرجت من عيونه كل الكائنات الحية من نبات ، وحيوان ، وإنسان ، مختلطة بعضها ببعض ، ولما كان أول من خلق من الرجال ، والنساء أبناء " رع " كانوا سعداء ، ولكن أبناءهم انحّطوا شيئاً ، فشيئاً إلى طريق الضلال ، فخسروا ما كانوا عليه من سعادة ، وكمال ، فغضب " رع " من أجل ذلك على خلقه ، وأهلك عدداً كبيراً من الجنس البشري ... وهكذا فإن المصريين لم يعبدوا مصدر الحياة ، وحسب ، وإنما عبدوا مع هذا المصدر كل صورة من صور الحياة ، فكانت بعض النباتات مقدّسة لديهم .. وكذلك كان لديهم آلهة من الحيوان ، وكانت أكثر ذيوعاً بينهم .. ثم صار الآلهة بشراً ، وكان الفرعون هو الرئيس الديني الأعلى ، ومن أجل هذا كان الكهنة في مصر دعامة للعرش كما كانوا هم الشرطة السرية .."المخبرين" ، وقد تطلب هذا الدين الكثير التعقيد ، وأن تقوم عليه طبقة بارعة في فنون السحر ، والطقوس الدينية .. وكان أهم ما يميز الدين في مصر القديمة تأكيده على فكرة الخلود ، فالمصريون يعتقدون أنه إذا أمكن أن يحيا النيل ، ويحيا النبات بعد موتهما ، فإن في مقدور الإنسان أيضاً أن يعود إلى الحياة بعد موته ، ولهذا كان الجهد منصباً على بقاء أجسام الموتى سليمة ..
( 120 )
قبل أن نختتم هذا الحديث عن الديانات المصرية القديمة لابد من الوقوف عند تجربة أخناتون ، الذي أطلق عليه البعض لقب الشاعر المارق الذي أجج نيران الثورة الدينية ، بينما يراه البعض الآخر أول داعية للتوحيد في التاريخ ...
" أمنحوتب الرابع " هو الذي عرف باسم " إخناتون " والذي لم يكد يتولى الملك حتى ثار على دين " آمون " وعلى الأساليب التي يتبعها كهنته ، فقد كان في الهيكل العظيم بالكرنك طائفة كثيرة العدد من النساء يتخذن سراري لآمون الإله ، في الظاهر ، بينما كنّ ، ليستمتع بهن الكهنة في الحقيقة ، وكان الملك الشاب "أخناتون" في حياته الخاصة مثالاً للأمانة ، فلم يرضه هذا " العهر المقدس " وكانت رائحة دم الأكباش التي تقدم قرباناً لآمون كريهة نتنة في خياشيمه ، كما كان اتجّار الكهنة في السحر ، والرقى ، واستخدامهم نبوءات آمون ، للضغط على الأفكار بإسم الدين ، ولنشر الفساد السياسي مما تعافه نفسه ، فثار ، على ذلك كله ، ثورة عنيفة ، وقال مقولته الشهيرة : ( إن أقوال الكهنة لأشد إثماً من كل ما سمعت ..) وثارت روحه على الفساد الذي تدهور إليه دين شعبه ، وكره المال الحرام ، والمراسم المترفة التي كانت تملأ الهياكل ، وثار على ما كان لطائفة الكهنة المرتزقة من سيطرة على حياة الشعب .. فأعلن ، بشجاعة نادرة ، أن تلك الآلهة ، وجميع ما في ذلك الدين من احتفالات ، وطقوس كلها وثنية ، منحطة ، وأن ليس للعالم إلا إله واحد ، وحيد ، هو " الإله أتون " .. ورأى أخناتون ، أن الإلوهية أكبر ما تكون في الشمس كمصدر الضوء ، وكمصدر لكل ما على الأرض من حياة .. واستعان أخناتون ببعض الترانيم القديمة ، وبعض قصائد التوحيد ، فألفّ أغان حماسية .. وقصائد ، ننقل هذه الأبيات من أحد قصائده :
/ يا خالق الجرثومة في المرأة / ويا صانع النطفة من الرجل / ويا واهب الحياة للابن في جسم أمه / ألا ما أكثر أعمالك الخافية علينا / أيها الإله الأوحد الذي ليس لغيره سلطان كسلطانه / يا من خلقت الأرض كما يهوى قلبك / حين كنت وحيداً / إن الناس ، والأنعام كبيرها وصغيرها / وكل ما على الأرض من دابة / وكل ما يمشي على قدمين / وكل ما هو في العلا / ويطير بجناحيه / والبلاد من سورية إلى كوش وأرض مصر / إنك تضع كل إنسان في موضعه / ألا ما أعظم تدبيرك / يا رب الأبدية / أنت أوجدت العالم / وأقمت كل ما فيه لأبنك / إخناتون ذي العمر المديد / ولزوجه المليكة الكبرى محبوبته / سيدة القطرين / نفر – تفرو – أتون – نفرتيتي / الباقية المزدهرة أبد الآبدين / ..
إن تلك القصيدة ليست من أوائل قصائد التاريخ الكبرى فحسب ، بل هي فوق ذلك أول شرح بليغ لعقيدة التوحيد ..
لقد كان حلم أخناتون أن تسمو الوحدانية بالبشرية . لكنه ، وبقراءة نقدية ، لم يترك لما في دينه الجديد ، آنذاك ، من صفات نبيلة ، ليسري في قلوب الناس ويستميلها إليه على مهل ، دون قسر ، بل عجز أن يفكر في الحقائق التي جاء بها تفكيراً يتناسب مع الواقع ، فخّيل إليه ( وهنا تغّلب الفرعون على الشاعر) أنه يتمكن من فرض عقائده ، فرضاً على الناس ، فأعلن ، أن كل دين ، وكل عبادة عدا عقيدته ، وعبادته (عقيدة وعبادة اخناتون) ، فحش ، وضلال لا يطاق ، فأصدر أمره على حين غفلة ، بأن تمحى من جميع النقوش العامة أسماء الآلهة ، إلا أسم الإله " آتون " وأغفل اسم أبيه ، بأن محا كلمة " آمون " من مئات الآثار ، وحرّم كل دين ، غير دينه ، هو ، وأمر بأن تغلق جميع الهياكل القديمة ، وغادر طيبة لأنها مدينة نجسة ، وأنشأ له عاصمة جديدة في " أخناتون " مدينة "أفق أتون" ، وحرّم على الفنانين أن يرسموا صوراً "لأتون" لأن الإله الحق ، في اعتقاده ، لا صورة له ، ثم ترك الفن بعدئذ حراً طليقاً ، عدا شيئاً واحداً آخر ، وهو أن يمّثلوا الأشياء كما يرونها ، وأن يغفلوا العرف الذي جرى عليه الكهنة ، وصدع الفنانون بأمره ، وصوروه هو نفسه ، في صورة شاب ذي وجه ظريف رقيق ، رقة تكاد تبلغ حد الوجل ، وصوروا الكائنات الحية نباتية ، أو حيوانية في تفصيل ينم عن حب ، وعطف عظيمين ، ودقة ، لا تسمو عليها دقة في أي مكان ، أو زمان .....
إن قراءة متعمقة لتلك التجربة الإنسانية الضاربة في القدم لا تحتمل "لو" ، وإلا لقلنا مع "ول . ديورانت" : "لو أن أخناتون كان ذا عقل ناضج لأدرك أن ما يريده من خروج على تعدد الآلهة ، القديم المتأصل ، في عادات الناس ، وحاجاتهم إلى وحدانية فطرية تخضع الخيال للعقل ، لأدرك أن هذا تغيير لا يمكن أن يتم في زمن قصير ، وإذن لسار في عمله على مهل ، وخففّ من حدة الانتقال ، بأن جعله على مراحل تدريجية ،ولكنه كان شاعراً لا فيلسوفاً ، فاستمسك بالحقيقة المطلقة .... وضرب ضربة واحدة جرد بها طائفة غنية قوية من تراثها ...، وحرّم عبادة الآلهة ... فقام الكهنة من وراء الستار يتآمرون ، ويتأهبون ، وظل الناس في دورهم ، وعزلتهم يعبدون آلهتهم القديمة المتعددة ... واعتبروا ما يقوم به أخناتون زيغ ، وضلال ، ورغم ذلك كان يعيش حياة البساطة ، والاطمئنان مع زوجه نفرتيتي ، وبناته السبع ، ومع أن القانون كان يجيز له أن يطلب وارثاً ذكراً من زوجة ثانية ، فإنه لم يقدم على هذا الحل ، وآثر أن يظل وفياً لنفرتيتي ... فقامت الثورات عليه ، وتوفي قبل أن يتم الثلاثين من عمره 1362 ق.م محطمّ القلب ، وهو على يقين أن شعبه غير جدير به ... وبعد عامين من وفاته جلس على العرش صهره ، زوج ابنته ،"توت عنخ آتون" ، حبيب الكهنة ، الذي ما لبث أن بدل اسمه إلى "توت عنخ آمون" ، وأعاد عاصمة الملك إلى طيبة ، وتصالح مع السلطات الكهنوتية ، وأعلن للشعب عودته إلى عبادة الآلهة القديمة ، وأزيلت من جميع الآثار القديمة كلمتا أتون ، وأخناتون ، وحرّم الكهنة على الشعب أن ينطقوا باسم " الملك المارق أخناتون " ونقشت على الآثار الأسماء التي محاها أخناتون ، وأعيدت أيام الأعياد التي ألغاها ، وهكذا عاد كل شيء إلى ما كان عليه من قبل .. وفيما عدا هذا حكم توت غنج آمون حكماً لا ميزة له ، ولا فضل ، ولولا ما كشف في قبره من كنوز لا عهد للناس بها من قبل ، لما سمع العالم به .. وللذين يبحثون عن أدلة على ترابط الحضارات في الوطن العربي نشير إلى أنه أعلن هذه الأيام عن العثور على تمثال "توت غنج أمون" خلال عمليات التنقيب التي جرت في بابل العراق مؤخراً ..!
وحسبنا أخيراً رغم ما آلت إليه تلك الحضارة العظيمة في مصر أن نشير إلى أن روح مصر لا تزال باقية فيما ورثه الجنس البشري من علم ، واختراعات ، وأنظمة ، وعقائد ، فالنهوض بالزراعة ، والتعدين ، واختراع الزجاج ، وأنظمة البريد ، والتعليم ، والارتقاء بالكتابة ، والنهوض بالآداب ، والطب ، والدساتير ، والعدالة الاجتماعية ، وفنون العمارة ، والنحت أضحت من التراث الثقافي للجنس البشري ، وأن ما قامت به مصر من الأعمال في فجر التاريخ لا تزال آثاره أو ذكرياته مخلدة عند كل أمة ، وفي كل جيل من الأجيال المتعاقبة على امتداد هذا العالم ..
( 121 )
إذا عدنا إلى بلاد ما بين النهرين ، وفي زمن معاصر تقريباً للحضارة المصرية القديمة ، نجد نسخة تكاد تكون مطابقة لأخناتون ، هو حمورابي الذي يتلقى القوانين أيضاً من ذات المصدر ، وهو شمش إله الشمس حيث جاء في مقدمة القوانين الحمورابية : " ولما عهد " أنو " الأعلى ، و " بل " رب السماء ، والأرض الذي يقرر مصير العالم ، لما أن عهدا حكم بني الإنسان كلهم إلى " مردوك " ، ولما أن نطقا باسم بابل الأعلى ، وأذاعا شرعتهما في جميع أنحاء العالم ، وأقاما في وسطه مملكة خالدة أبد الدهر ، قواعدها ثابتة ، بثبات السماء ، والأرض ، وفي ذات الوقت ناداني " أنو " و" بل " أنا حمورابي الأمير الأعلى ، لكي أنشر العدالة في العالم وأقضي على الأشرار ، والآثمين ، وأمنع الأقوياء أن يظلموا الضعفاء .. وأنشر النور في الأرض ، وأرعى مصالح الخلق ، أنا حمورابي الذي اختاره " بل " حاكماً والذي جاء بالخير ، والوفرة .. والذي أعان شعبه في وقت المحنة ، وأمّن الناس على أملاكهم في بابل ، حاكم الشعب الخادم الذي تسر أعماله أنونيت .."
ويختتم حمواربي قوانينه الـ 285 بالقول : " إن الشرائع العادلة التي رفع منارها الملك الحكيم حمورابي ، والتي أقام بها في الأرض دعائم ثابتة ، وحكومة طاهرة صالحة ..أنا الحاكم الحفيظ الأمين عليها ، في قلبي حملت أهل أرض سومر وأكاد .. وبحكمتي قيدّتهم حتى لا يظلم الأقوياء الضعفاء ، وحتى ينال العدالة اليتيم ، والأرملة .. فليأت أي إنسان مظلوم له قضية أمام صورتي ، أنا ملك العدالة ، وليقرأ النقش الذي على أثري ، وليلق باله إلى كلماتي الخطيرة ، ولعل أثري هذا يكون هادياً له في قضيته ، ولعله يفهم منه حالته ، ولعله يريح قلبه فينادي : حقاً أن حمورابي حاكم كالوالد الحق لشعبه .. لقد جاء بالرخاء إلى شعبه مدى الدهر كله ، وأقام في الأرض حكومة طاهرة صالحة ، ولعل الملك الذي يكون في الأرض فيما بعد ، وفي السمتقبل يرعى ألفاظ العدالة التي نقشتها على أثري .."
وقد كشف مؤخراً في تل العمارنة عن رسائل متبادلة بين البابليين ، وأمنحوتب الثالث ، وأخناتون ، للتعاون في مواجهة الغزاة ..
( 122 )
دعونا نقف عند الخطبة التي افتتح فيها نبوخذ نصّر حكمه ، وهو يخاطب (مردوك) كبير آلهة بابل حيث يقول : " إني أحب طلعتك السامية ، كما أحب حياتي الثمينة ، إني لم اختر لنفسي بيتاً في المواطن كلها الواقعة خارج مدينة بابل .. ليت البيت الذي شدته يدوم إلى الأبد أيها الإله الرحيم ، ولعلي أتمتع ببهائه ، وجلاله ، وأبلغ فيه الشيخوخة ، ويكثر ولدي ، وتأتي إلي فيه الجزية من ملوك الأرض كلها ، ومن بني الإنسان أجمعين .."
هنا نجد ذلك الطموح المبكر للسيطرة على العالم كله .. وهنا يشاهد القادم إلى مدينة بابل صرح شامخ كالجبل يعلوه برج مدرج من سبع طبقات ، جدرانه من القرميد المنقوش البّراق ، يبلغ ارتفاعه / 650 / قدماً ، فوقه ضريح يحتوي على مائدة كبيرة من الذهب المصّمت ، وعلى سرير مزخرف تنام عليه كل ليلة إحدى النساء في انتظار ..
وهذا الصرح الشامخ الذي تجاوز أهرام مصر علوّاً ، وأعلى من جميع مباني العالم في كل العصور القديمة المعروفة .. هو ( برج بابل ) .. وعلى ربوة بالقرب من البرج أشاد نبوخذ نصّر قصره .. وبالقرب منه حدائق بابل المعلقة التي بناها نبوخذ نصّر تكريماً لزوجته ابنة ملك الميديين ، وذلك كي يخفف عنها آثار الجو الحار في بابل ..
وأقدم آلهة البابليين ، آلهة السماء ، وما فيها : " أنو " السماء الثابتة ، وشمش "للشمس" و "ننار" للقمر ، و "بعل" الأرض التي يعود كل البابليين إلى صدرها بعد مماتهم ، وكان لكل أسرة آلهتها المنزلية تقام إليها الصلاة ، وتصّب إليها الخمور في كل صباح ، ومساء ، وكان لكل فرد رب يحميه ، ويرّد عنه الأذى ، والشرور ، ورغم أننا لا نجد عند البابليين شواهد على التوحيد ، كذلك الذي شاهدناه عند أخناتون ، لكن اتساع رقعة دولتهم عقب الحروب أخضع آلهتهم المحلية لسلطات إله واحد ، وهنا لابد من الإشارة إلى عشتار الشبيهة بإيزيس آلهة المصريين ..، وعلى نموذجها صاغ اليونان الآلهة أفروديت ، وكذلك الرومان ، فينوس .. وعشتار لم تكن آلهة جمال الجسم ، فحسب ، بل كانت فوق هذا كله الآلهة الرحيمة التي تعطف على الأمومة الولود ، والموحية الخفية ، بخصب الأرض .. وكانت تصّور أحياناً في صورة امرأة عارية تقدم ثدييها للرضاع .. وكان عبادّها يخاطبونها بقولهم : " العذراء " ، و " العذراء المقدسة " ، و" الأم العذراء " ، ومع ذلك فإن جلجامش رفض الزواج بها حين عرضت عليه الزواج ، وحجته في ذلك أنه لا يثق بها ..
وللبابليين قصصهم ، وأساطيرهم عن الخلق ، والوجود .. فبعد أن فتق الإله مردوك السماء ، والأرض ، ووضعهما في مكانيهما ، شرع يعجن الأرض بدمائه ، ويصنع الناس لخدمة الآلهة ... أما جلجامش فقد كان حاكماً أسطورياً لأوروك ، وهو نجا من الطوفان ، ولم يمت قط ، ثلثاه إله ، وثلثه آدمي ، لا يماثله أحد في صورة جسمه ، يرى جميع الأشياء ، ولو كانت في أطراف العالم ، كابد كل شيء ، وعرف كل شيء ..
( 123 )
إلى شمال بابل ظهرت حضارة جديدة ، لكنها كانت حضارة عسكرية شديدة القسوة هي الحضارة الآشورية التي امتدت إلى فارس ، وسومر ، وأكاد ، وبابل ، ودمشق ، ومصر ، وعاصمتها آشور حيث خلع عليها الإله آشور أسمه ، وعمّمه على البلاد كلها ، وقد ظل ملوك آشور يتباهون بلقب ( الملك صاحب الحكم الشامل ) ، واستولى " آشور ناصر بال " على اثنتي عشرة دولة صغيرة ، ومّد : "سلما نصّر الثالث " هذه الفتوح حتى دمشق ، ثم ثار ابنه عليه ، وخلعه ، وحكمت " سمور امات " أم الملك ثلاث سنوات ، وكان حكمها هو الأساس التاريخي لأسطورة "سميرأميس " التي تجعل منها نصف آلهة ، ونصف ملكة ، أمّا "تفلث ناصر الثالث" ، فقد جيّش جيوشاً ، وحكم أرمينيا ، وسورية ، وبابل ، ودمشق ، والسامرة ، وامتد حكمه من جبال القفقاس إلى مصر ، وخلفه سرجون الثاني الذي امتد حكمه إلى قبرص ، واليونان ، وقضى ابنه "سنحاريب" على الفتن ، واشتد غضبه على بابل ، فأشعل فيها النيران ، ولم يكد يبقي على أحد من أهلها .. ، وتم تحطيم آلهة بابل صاحبة السلطان الأعظم ، وسيقت الآلهة البابلية أسيرة إلى نينوى ، وأصبح مردوك الإله الأكبر للبابليين خادماً ذليلاً للرب آشور .. وعندما جاء دور " آشور بانيبال " قام باحتلال بلاد فارس ، وجيء برأس ملك فارس ، فتم تعليقه على باب نينوى ، وسلخ جلد "دنانو" القائد الفارسي ، حياً ..
في هذا الجو الحربي لا يزدهر من العلوم إلا علم الحروب ، وبالتالي فإن العلوم التي سادت في دولة آشور ، هي العلوم البابلية ، ذاتها ، في الطب ، والفلك ، والفلسفة .. بيد أن ( الملك العظيم ، الملك القادر ، ملك العالم ، ملك آشور ) قال في آخر أيامه : ( لقد فعلت الخير لله ، والناس ، للموتى ، والأحياء ، فلما إذن أصابني المرض ، وحل بي الشقاء ؟ ، إني عاجز عن إخماد الفتن التي في بلدي ، وعن حسم النزاع القائم في أسرتي ، وإن الفضائح المزعجة لتضايقني على الدوام ، وهاأنذا أقضي آخر أيامي أصرخ من شدة الويل .. المنية تنشب فيّ أظفارها ، وتنحدر بي نحو آخرتي ..)
مات آشور بانيبال عام / 626 / ق.م وبعد أربعة عشر عاماً اجتاح البلاد جيش من البابليين بقيادة نبوخذ نصّر ..
( 124 )
لقد حاول المؤرخين الأوروبيين ، ومنهم للأسف ( ول . ديورانت ) أن يطلقوا على جميع الشعوب التي ملأت أوروبا بالبشر بدءاً من الشرق ، وعلى جميع الشعوب القريبة من شرق أوروبا ، اسم الشعوب ( الهندوأوربية ) ، لكنهم ، ما أن يدققوا في تاريخ تلك الشعوب حتى يخامرهم الشك في صحة ما ذهبوا إليه ، فرغم أن " ول . ديورانت " يقول ، أو يحاول أن يقول أن معظم الشعوب التي كانت تسكن في الأجزاء الشمالية من الإقليم ( العربي ) ، هي شعوب ( هندوربية ) ، وأن ، التي تقطن الأجزاء الوسطى ، والجنوبية منه ، والممتدة من آشور إلى جزيرة العرب هي شعوب سامية فإنه يعود ليقول : " إن الحقائق ليست واضحة المعالم إلى هذا الحد ، وأن الفوارق بين الأجناس ليست بهذه الصورة التي ترسمها التفرقة بينها تيسيراً للبحث .. ، ومن واجبنا أن ننظر إلى هذه الرقعة الواسعة على أنها بيئة تدفقت على أجناسها المختلفة طوائف من هذا الجنس ، أو ذاك ، فمن مهد الجنس السامي ، ومرباه جزيرة العرب ، انطلق العرب من هذا الصقع الجدب حيث ينمو الإنسان شديداً ، عنيفاً ، وحيث لا يكاد ينمو نبات على الإطلاق ، وتدفقت موجة في إثر موجة في هجرات متتابعة من خلائق أقوياء شديدي البأس ، لا يهابون الردى ، فكان لابد لهم أن يفتتحوا بسواعدهم مكاناً خصباً ، ظليلاً يعولهم ، ويقوم بأودهم .. وشادوا في قلب جزيرتهم العربية العريضة ، المدن ، والهياكل ، ولكن لم يكونوا يشجّعون الأجانب على المجيء إليها ، ولقد بقي هؤلاء الأقوام آلاف السنين يحيون عاداتهم ، وأخلاقهم متمسكين بآرائهم ، ولا يزالون إلى اليوم ، كما كانوا في أيام جوديا ، ولقد شهدوا مئات الممالك تقوم ، وتفنى من حولهم ، ولا تزال أرضهم ملكاً لهم ، يعضّون عليها بالنواجذ ، ويحمونها من أن تطأها الأقدام الدنسة ، أو تنظر إليها الأعين الغريبة ..) ، أما الفينيقيين الذين كانوا صلة الوصل ، مع الأوروبيين في العصور الحديثة نسبياً ، فيقول عنهم ( ول . ديورانت ) : "لسنا نعرف من أين جاء الفينيقيون ، أو متى جاءوا ، ولسنا واثقين من أنهم ساميين ، أما تاريخ قدومهم إلى شاطئ البحر الأبيض المتوسط ، فليس في وسعنا أن نكذبّ ما قاله علماء صور لهيرودوت ، وهو أن أجدادهم قدموا من الخليج العربي ( طبعاً الأوروبيين يسمونه الخليج الفارسي ) وأنهم شادوا تلك المدينة "صور" في العهد الذي نسميه نحن القرن الثامن والعشرين قبل ميلاد المسيح .. وكان للفينيقيين آلهة عديدة ، وكان لكل مدينة " بعلها " الخاص أي سيدها ، أو إلهها الخاص بها ، وهو جد ملوكها ، ومخصّب أرضها ، وكان لكل " بعل " خصوصية في أمر ، ما ، والفينيقيون هم الذين علمّوا الشعوب القديمة ، والأوروبية الحروف الهجائية المصرية .. وكانت سورية تمتد خلف فينيقية ، وتتجمع فيها قبائلها ، تحت حكم تلك الحاضرة التي لا تزال تفخر على العالم بأنها أقدم مدنه ، والتي لا تزال تأوي السوريين المتعطشين إلى الحرية ، دمشق .."
( 125 )
وإذا كان أغلب ما قلناه عن الحضارات العربية القديمة ، يكاد يكون منقولاً عن المؤرخين الغربيين ، فإن لنا نحن رأياً ، وموقفاً آخر ، سيأتي في حينه ..لكن بعد الإشارة إلى قضيتين أساسيتين :
القضية الأولى : أن الحضارات العربية القديمة أكثر اتساعاً من النطاق الجغرافي الذي تحدثنا عنه في بلاد ما بين النهرين ، ومصر ، فالحديث عن الحضارات العربية القديمة " غير البائدة " لا يكتمل إلا بالعودة إلى الحضارات النبطية والقبطية والسبأية ، والحضرمية ، والنوبية ، والعمانية ، والقرطاجية ، واللوبية ، والوهرانية ، والفاسية ، وحضارات التخوم .. وإلى آخرها .. وهذا حديث برسم الأكاديميين والمؤرخين العرب الجادين ، والمتحررين من تأثير السياسات التقسيمية التي لا تكتفي بتفتيت الحاضر العربي ، وإنما تسعى لاختلاق جذر مصطنع للتجزئة الراهنة في الوطن العربي ، عبر تجزئة التاريخ العربي ، وهذا يفرض تدخل مؤسساتي مجتمعي عربي ، وهذا ما سيساهم "الطليعيون العرب" في إنجازه ، وسيكون في أولى أولوياتهم...
القضية الثانية : وتتمثل في البحث الجاد عن أثر الديانات السماوية ، ورؤيتها ، والرسالات التي حملتها من السماء إلى العرب ، وإلى العالم كله ، من خلالهم ..
فماذا قالت السماء ، ولماذا..؟
( يتبع ... البيان ... " 25 " .... )


