على بساط الثلاثاء
49
(تتمة ...."البيان"...."23".....)
(110)
يقول د. جواد علي في مقدمة "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام " : ( .. مما يثير الأسف ، والله ، في النفوس ، أن نرى الغربيين يعنون بتاريخ "الجاهلية" ويجّدون في البحث عنه ، والكشف عن مخلفاته ، وتركاته في باطن الأرض ، ونشره بلغاتهم ، ولا نرى حكوماتنا العربية .. إلا منصرفة عنه .. وقد يكون عذر تلك الحكومات أن الناس هناك ينظرون إلى التماثيل نظرتهم إلى الأصنام ، والأوثان ، وإلى استخراج الآثار ، والتنقيب عن العاديات ، نظرتهم إلى بعث الوثنية ، وإحياء معالم الشرك .... " ، والدكتور جواد علي من أبرز المؤرخين العرب جدية ، ومصداقية ، ورغم ذلك ، فإنه يعترف أنه اضطر إلى الاعتماد على المصادر الأجنبية في أبحاثه ..
وبما ، أننا نتحدث عن التاريخ العربي لابد من الإشارة إلى مشكلة تتعلق بكتابة التاريخ ، تؤرق المؤرخين الجادين ، وتتمثل في اندثار الكثير من أوابد الحضارات العربية القديمة التي يطلق عليها "حضارات بائدة" ، أو العرب البائدة ، وأن ما تبقى منها قد تعرض للعبث من مصدرين ، المصدر الأول ، هو ، نحن ، ورثة تلك الحضارات الذين تخلفوا عن ركب التطور ، وبالتالي تخلفوا حتى عن الاهتمام بتاريخهم ، والمصدر الثاني ، هو انتقال أوروبة من قارة يقصدها المهاجرين ، الذين يتصارعون للسيطرة عليها ، إلى قارة تصّدر الغزاة للسيطرة على العالم ، والغزاة الجدد تفننّوا في إبداع أساليب متنوعة ، لإحكام سيطرتهم هذه .. وهذا حديث ذو شجون .. ما يعنينا منه ، الآن ، هو علاقة الأوربيين ، بالحضارات البشرية ، وفي مقدمتها الحضارات العربية ، وقد تعاملوا معها على مستويات عدة :
- المستوى الأول : كان على صعيد علماء الآثار ، والمؤرخين الأوروبيين "المستشرقين" الذين احتكروا السيطرة على بعثات التنقيب ، ونهب كل ما يمكن من الأوابد ، والوثائق ، حتى أتخمت متاحفهم ، وساحاتهم العامة ، بآثار العرب ، وأوابدهم ، والأخطر من ذلك ، أنهم صنّفوا تلك الحضارات ، وقرأوا نقوشها ، وصورها ، ورموزها ، وأبجدياتها ، بلغاتهم الأوروبية ، وقد ترتب على ذلك أنه بات على شعوب العالم الأخرى ، وفي مقدمتها الشعب العربي أن يقرأ تاريخه مترجماً عن اللغات الأوروبية .. ، أي أن يقرأ تاريخه ، "كشعوب"، وأن يغفل تطوره إلى شعب أمة واحدة ، وهذا يفقد الوثائق التاريخية نسبة ، لا بأس بها ، من دقة المعنى .. في ظل تخلف المؤسسات التعليمية ، في ما يسمى اليوم العالم الثالث ، ومنه ما يسمونه "العالم العربي" ، أو "الشرق الأوسط" ، إضافة لاعتماد تلك المؤسسات التعليمية "الوطنية" أساساً على المؤسسات التعليمية الأوربية ، وبالتالي تبنّي المصطلحات الأوربية ، كما هي .. هذا كله ، في ظل تهميش دور بعثات التنقيب الوطنية ، بل ، وإلحاقها ، ببعثات التنقيب الأجنبية ، واقتصار دورها على تسهيل مهام المنقبّين الأجانب ، وحسب .
- المستوى الثاني : تسخير العلوم ، وقراءة التاريخ ، لإثبات انتقال "المركز" إلى القارة الأوروبية ، وأن تاريخ الحضارات ، والفلسفة ، والعلوم ، يبدأ من الإغريق ، وأن العالم ، غير الأوروبي ، يصنف بحسب موقعه من " المركز الأوروبي " فهو شرق أدنى من أوروبة ، وشرق أقصى عن أوروبة ، وبينهما شرق أوسط بالنسبة لأوروبة ، ثم غرب أمريكي ، وهكذا ..
- المستوى الثالث : شن حروب إبادة اتجاه بعض الشعوب ، والجماعات البشرية ، وتدمير ثقافاتها واستعباد ، بعضها الآخر ، والأمثلة الصارخة على ذلك إبادة الشعوب في الأمريكيتين ، واستعباد الشعوب الأفريقية ...
- المستوى الرابع : احتكار عمليات التنقيب ، وإبعاد البعثات الوطنية قدر الإمكان عن المعرفة ، وفي الوقت ذاته قراءة تلك الحضارات القديمة ، من منظور غربي أوروبي استعماري بحيث ، تم وضع تلك الاكتشافات في سياق الحملات العسكرية ، والمعاهدات ، والمخططات الاستعمارية الأوربية ، للسيطرة على العالم ..وقد تكشف أن معظم المنقبين الأوربيين إما جواسيس مباشرين للاستخبارات الغربية ، وإما متعاونين معها بطريقة غير مباشرة ..
( 111 )
لكن هذا التعسف في قراءة التاريخ البشري ، لا يمكن أن يستمر ، فقد ارتفعت الأصوات في الغرب الأوربي ذاته ، لتصحيح هذا المسار ، ولعل من المفيد هنا أن نشير إلى ما قاله " ول . ديورانت " في مقدمة مغامرته لكتابة " قصة الحضارة " حيث يقول بالحرف الواحد : ( ... إن قصتنا تبدأ بالشرق ، لا لأن آسيا كانت مسرحاً لأقدم مدنية معروفة ، وحسب ، بل كذلك لأن تلك المدنيات كونّت البطانة ، والأساس ، للثقافة اليونانية ، والرومانية التي ظن " سير هنري مين " ، خطأ ، أنها المصدر الوحيد الذي استقى منه العقل الحديث الثقافة ، والعلوم ، فسيدهشنا ، أن نعلم ، كم مخترعاً ، من ألزم مخترعاتنا ، لحياتنا ، وكم من نظامنا الاقتصادي ، والسياسي ، ومما لدينا من علوم ، وآداب ، وما لنا من فلسفة ، ودين ، يرتد إلى مصر ، والشرق ، وفي هذه اللحظة التاريخية .. نرى أن التعصب الإقليمي الذي ساد كتابتنا التقليدية للتاريخ ، التي تبدأ رواية التاريخ من اليونان وتلخص آسيا كلها ، في سطر واحد ، لم يعد مجرد غلطة علمية ، بل ربما كان إخفاقاً ذريعاً في تصوير الوقائع ، ونقصاً فاضحاً في ذكائنا .."
إن هذا الموقف التاريخي من المؤرخ " ول ديورانت " ليس وحيداً في أوروبا بل أنه تنامى ، واتسعت دوائره .. يكفي الآن أن نشير إلى ما قاله مؤخراً " روجيه غارودي " في " حوار الحضارات " حيث قال : ( ..إن عصر النهضة " في أوروبا " وهو ليس حركة ثقافية ، وحسب ، بل ولادة مواكبة ، أنجبت الرأسمالية ، والاستعمار ، قد هدم حضارات أسمى من حضارات الغرب ، باعتبار علاقات الإنسان فيها ، بالطبيعة ، وبالمجتمع ، وبالإلهي .. ، والتاريخ الحقيقي ، قد يكون تاريخ " فرص " أضاعتها الإنسانية ، بسبب التفوق الغربي الذي لا يرجع إلى تفوق ثقافة ، بل إلى استخدام تقنيات السلاح ، والبحر لأهداف عسكرية ، وعدوانية .. ومن أجل ابتكار مستقبل حقيقي ، يقتضي العثور مجدداً على جميع أبعاد الإنسان التي نمت في الحضارات ، وفي الثقافات ، اللاغربية .. إن ما اصطلح الباحثون على تسميته باسم " الغرب " إنما ولد في " ما بين النهرين " ، و في " مصر " .. وإذا نظرنا إلى الغرب ، باعتباره حالة فكرية متجهة نحو السيطرة على الطبيعة ، والناس ، وجدنا أن مثل هذه النظرة إلى العالم ترقى إلى الحضارة الأولى المعروفة التي ظهرت في دلتا دجلة ، والفرات .. وتجد تعبيرها في ملحمة " جلجامش " ، وقد سبقت الإلياذة بألف وخمسمائة عام .. وثمة ينبوع آخر لحضارتنا نجد جذوره تتراوح بين فينيقية .. ومصر .. لقد كان الفلاسفة والمؤرخين اليونان يعجبون بمصر إعجاباً عظيماً ، وتدين آراء " أفلاطون" الثنائية لها بالشيء الكثير ..)
( 112 )
وإذا كان المقام ، هنا ، ليس لكتابة التاريخ ، وهو بالتأكيد ليس لاستعراضه ، فإن ما نريد تثبيته الآن ، هو أن ما تم اكتشافه من الحضارات القديمة على صعيد كوكب الأرض ، حتى الآن ، يدل على أن الإنسان خلفّ في هذه الأرض العربية ، من الآثار ، والأوابد ، والشواهد ، واللوحات ، والملاحم ، والأبجديات ما يوحي بأن الحضارة العربية بأسمائها الفرعية ، السومرية ، والآرامية ، والفرعونية ، والآشورية ، و البابلية ، واليمنية ، والعمانية ، والكلدانية ، والفاسية ، والسريانية ، والنبطية ، والقبطية ، والفينيقية ، والكنعانية ، والحضرمية ، والنوبية ، والبربرية ، والكردية ، وإلى آخرها .. كانت من أقدم الحضارات في التاريخ البشري ، إلى أن يثبت العكس .. فهذا حمورابي في بلاد الرافدين العربية ، يقول : ( في هذا الوقت نادتني الآلهة ، أنا حمورابي الخادم .. والذي كان عوناً لشعبه في الشدائد ... والذي أفاء عليه بالثروة ، والوفرة .. أن أمنع الأقوياء ، أن يظلموا الضعفاء ، وأنثر النور في الأرض ، وأرعى مصالح الخلق ..)
أما السومريون فقد تركوا قصصاً عبر الشعراء عن بداية الخلق ، وعن جنة بدائية ، وعن طوفان غمر هذه الجنة ، وخربّها عقاباً لأهلها على ذنب ارتكبه أحد ملوكهم الأقدمين ، وأرجع المؤرخون الأسر السومرية المالكة ، التي حكمت قبل الطوفان ، إلى آلاف السنين ، ومنهم جلجامش بطل أعظم ملحمة في التاريخ البابلي بعد ذلك .. وتموز الذي أصبح فيما بعد أدونيس اليونان .. ثم يأتي سرجون العظيم ليقيم أول إمبراطورية في التاريخ ، ويسمي نفسه ( الملك صاحب السلطان العالمي ) .. والسومريون أول من كتب في التاريخ من اليمين إلى اليسار قبل 3600 عام ، والبابليون أول من كتب في التاريخ من اليسار إلى اليمين ..
يقول " ول . ديورانت " : ( إن الحضارة في العهود القديمة غير المدونة ظهرت في بلاد اليمن ، وبلاد العرب القديمة ، ثم انتشرت إلى ما بين النهرين ، وما بعد ، وإلى مصر ، وما بعد .. لكنه ، يضع ذلك كله في نطاق الفرضية لأن العلم بتاريخ العرب القديم قليل جداً ..) ، ويضيف : ( أن عناصر بعينها من الثقافة المصرية مستمدة من بلاد السومريين ، والبابليين .. ويبدو أن الكتابة التصويرية التي كان المصريون يستخدمونها قبل عصر الأسر الحاكمة قد انتقلت إلى مصر من بلاد السومريين ، والخاتم الأسطواني – وأصله بلا شك من بلاد الجزيرة العربية – يظهر في أقدم العهود المعروفة من تاريخ مصر ..) ، ونحن نضيف أن عناصر بعينها من ثقافة بلاد ما بين النهرين ، وفينيقية ، وأوغاريت مستمدة من بلاد وادي النيل .. وأن تلك الحضارات لم تكن معزولة عن بعضها ـ كما يزور المزورون ـ ففي العصور القديمة قامت في مصر مملكات شمالية ، وجنوبية ، إلى أن وحد بينهما مينا ( منيس ) وهو شخصية لا يزال يكتنفها الغموض ، وأعلن قانوناً عاماً أوحى به الإله تحوت ، وأقام أول الأسر المالكة في التاريخ ، وأشاد عاصمة جديدة لملكه في منف ( منفيس ) .. ثم توالت الأسر الحاكمة بعد ذلك ..
( 113 )
وإذا كان الغرب قد افتتن بأهرامات مصر ، وأبراج بابل ، ومنحوتات البتراء ، وحضارة ماري ، وأبجدية أوغاريت ، وهيروغلوفية طيبة ، وناطحات السحاب في حضرموت ، وأوابد قرطاج ، وفاس ، ومكناس ، ولوبيا ، ووهران ، فإن ما يعنينا هو ذلك الإرث الحضاري المستمر نسغه فينا عبر الأجيال المتعاقبة ، فهنا لم تكن الأهرام إلا قصائد حقيقية " خيام " مدهشة من الحجر الصوان كما قال غارودي ، ذلك الحجر الذي جاء من بلاد العرب كما قال " ول . ديورانت " .. يدل على ذلك أن الفخر ، هنا ، في حضارة العرب لم يكن بالقوة ، والجبروت ، والطغيان ، وإنما بمواجهة الطغيان ، والظلم عبر قيم أخلاقية نبيلة ، وهذا ما نقرأه على أحد الأضرحة في مناطق الأهرام : "لم أجعل أحداً يبكي ، لم أسبب إيلام إنسان .." ، أما في كتاب الموتى ، في وادي الملوك ، فنقرأ ..( أعطى الجياع خبزاً ، والعطاش ماءاً وكسا العراة ، إن الصالحين العادلين يتمتعون بنشوة الأرض ، وأن الخلود ليرتبط بالأخلاق ..) .. كذلك يمكن أن نقرأ نقوشاً على تلك الأحجار تحمل لنا ، ربما ، أول رسالة غرام مكتوبة في التاريخ توجهها حبيبة إلى حبيبها : (يا حبيبي ما أعذب أن أذهب إلى الغدير لأستحم ، وأنت تنظر إليّ ، فأكشف لك عن مفاتن جمالي عندما يلتصق ثوبي الكتاني بجسدي ، ويبرز أشكال جسمي : تعال ، وارمقني ..) ..
إن متاحف العالم ، تكتظ بالآثار ، والأوابد المنهوبة من بلادنا ، ورغم ذلك ، فإن الدلائل تشير إلى أن كل ما عرف ، حتى الآن ، سواء المنهوب ، أو المهمل في الوطن ، ليس إلا قمة جبل الجليد ، الذي مازال بعيداً عن الرؤيا ، والذي ينتظر مشروعاً نهضوياً عربياً شاملاً ، يعيد الأمور إلى نصابها ، لنقرأ تاريخنا بلغتنا .. فمن المشين ، والشائن ، أن نقرأ تاريخنا ، مترجماً عن اللغات الأخرى ، ومن المشين أن نترك تاريخنا سائباً بين الأيادي الأجنبية ، محرّماً على العقول ، والأيادي الوطنية ، وإذا كان ، من المهم حقاً ، أن نستفيد من الخبرات العالمية ، والتطور التقني ، لكن هذا يجب أن يتم بشروط صارمة ، وفي مقدمتها ، أن يتم ذلك تحت إشراف وطني صارم ، فهذا تاريخنا نحن ، وتلك قيمنا ، وجذورنا ، وحضارتنا ..، وثقافتنا ...
( 114 )
على أية حال ، فإن المؤرخين العرب الجادين ، بذلوا جهوداً مضنية ، لتأريخ الحضارات العربية القديمة ، لكن مراجعهم الوطنية كانت محدودة جداً ، وقد اضطروا للاعتماد على المصادر الأجنبية التي تعمدت أحياناً ، وزوّرت ، وأهملت أحياناً أخرى ، تلك العلاقة العضوية بين تلك الحضارات العربية ، من حيث المكان ، أولاً ، ثم من حيث الزمان ، ثانياً ... اختلاقاً ، لجذور ، التجزئة المشينة ، للأمة العربية ....
إن القوميين العرب ، في القرن العشرين ، ارتكبوا خطأ جسيماً ، عندما تطرفوا ، إلى درجة المغالاة ، في نفي حضاراتهم ، القديمة ، والحديثة ، اعتقاداً منهم ، أنهم بذلك يواجهون الأفكار الرجعية ، التقسيمية ، التي انتزعت حضارات بعينها من سياقها التاريخي ، لنفي الوجود القومي ، للأمة العربية ، ولمواجهة أحزاب ، وقوى سياسية ، تأسست تحت وهم إمكانية إلغاء التاريخ العربي ، قبل تلك الحضارات ، وشطب التاريخ العربي بعدها... وكأن تلك الحضارات جاءت من المجهول ، وأن ما حدث بعدها ، هو عدوان عربي ، يمكن إلغاء آثاره ، وبالتالي إعادة بعث تلك الحضارات ، من جديد ، كل واحدة على حدة ، وبمواجهة الحضارات العربية الأخرى ، وفي الحدود التي يختارونها .. نفياً للهوية العربية .....
وإذا كان أولئك قد ارتكبوا خطأ تاريخياً ، وما زالوا ... ، فإن التنكر القومي العربي ، لتلك الحضارات ، (واعتبار أن مجرد الحديث عنها ، هو استفزاز للمشاعر القومية العربية .. أو بعث للشرك ...) ، هو خطيئة تاريخية ، أمرّ ، وأدهى ..
الآن ، نقول بوضوح ، لا لبس فيه ، أن الحضارات العربية المعروفة لدينا ، والمندثرة في تراب هذه الأرض العربية ، هي حضاراتنا .. ونحن القوميون العرب معنيون ، قبل أي أحد آخر ، في البحث ، والتدقيق ، والتوثيق ، لقراءة التاريخ العربي .. وقراءة تلك الحضارات ، في ذلك السياق التاريخي ، عبر الزمان .. ما قبلها ، وفيها ، وما بعدها ، وصولاً إلى أمة عربية معتدى عليها حاضراً ، ومستقبلاً .. بعد أن تم الاعتداء ، أولاً ، على تاريخها ، وحضارتها ..
إذن ، وبالاستناد على ما تكشف حتى الآن من الحضارة البشرية ، فإن هذه الأرض العربية كانت مهداً للحضارات ، والديانات القديمة ، والبحث ، عن بداية هذا الكون ، والكوكب ، والكائنات ، والإنسان ، مازال جارياً ، وليس لأحد ، كائناً من كان ، أن يغلق الطريق على هذا البحث ، وإذا كان من حق ، من يريد ، في هذا الوطن العربي أن يفتتن بالحضارات السومرية ، أوالفرعونية ، أوالفينيقية ، أوالآشورية ، أوالكنعانية ، أوالحميرية ، أوالكلدانية ، أوالقرطاجية ، وإلى آخرها .. وإذا كان ، من حق من يريد ، أن يعتّز بأصوله القبلية ، والعشائرية ، والنبطية ، والكردية ، والقبطية ، والسريانية ، والبربرية ، والكنعانية ، والطوارقية ، والنوبية ، والآرامية ، وإلى آخرها .. وإذا كان من حق من يريد ، أن يعتز بشجرة عائلته .. ، وبمعتقداته الدينية ، وغير الدينية ، فإن هناك حقاً ، يتضمن هذه الحقوق ، ولا يلغيها ، هو حق الأمة ، الأمة العربية ، كمؤسسة اعتبارية ، وهوية ، تتضمن ذلك كله .... فنحن القوميون العرب نعتز بذلك كله جملة وتفصيلاً ، على الاتحاد والانفراد ، ونعتبر أن من حق أمتنا أن تنسج بين تلك المكونات أياً كان مصدرها ، ومآلها .. نسيجها الوطني ، ذلك أن تلك المكونات تشكلت عبر سياق زمني طويل ، تفاعلت من خلاله جميع تلك المكونات ، أثرّت ، وتأثرت ، واختصت بالأرض ، وانتقلت عبر تراث هائل ، من الحضارات ، والحروب ، والأنسنة ، والتوحش ، والعدل ، والطغيان ... ، من مجموعات بشرية متنازعة ، إلى أمة عربية واحدة مكتملة التكوين .. متكاملة المقومات .. وهذا العدوان الجاسم على صدرها ، هذه الأيام ، تقسيماً ، وطغياناً ، واستبداداً ، واحتلالاً ، واستغلالاً ، لا يغير من هذه الحقيقة ، ولا يمس جوهرها ...، وأنها محنة ، وستمضي ....
وإذا كان ، من حق أي أحد ، أن يعتز ، ويتفاخر ، بمكوّن واحد ، من مكونات هذه الأمة ، أو أحد عناصرها المتداخلة ، والمتفاعلة ، فإنه ، ليس من حق أحد ، أن يغفل المكونات الأخرى ، للأمة .. أو يفتعل صراعات ، وفتناً مضى عليها الزمن ، كان لها ظروفها ، ومقوماتها ، وأسبابها .. وهذا يعني ، أنه لابد ، من فك الحصار عن هذا الجيل العربي الراهن ، والأجيال القادمة ، وتحريرهم من شرك ، وقواقع التخلف ، وتجنيبهم السقوط في أتون فتنها ، الذي أطفأ سعاره التاريخ ، ومواجهة ، ذلك البعض ، الذي يحاول ، واهماً ، جر الأجيال العربية إلى معارك الثأر الدامية للعيش بين أشلائها ، فيستباح الحاضر ، والمستقبل ، من قبل الغير ، ويتقدمون بما ينجزون ، ويستنزفون من ثرواتنا ، وتتخلف الأجيال العربية ، بما تنخرط فيه من الفتن ، والأوهام ، ولعله ، من المفيد هنا ، أن نشير إلى أن سائر القوانين الوضعية على اختلاف مدارسها تأخذ بمبدأ تقادم الجرائم ، ومدد التقادم تلك تتراوح بين سنة ، وفي الحد الأقصى ، عقدين من السنين ، وبالتالي ، فإننا نقول لمسيري الفتن في الوطن العربي ، أن الجرائم التي يدعوّنها ، ويحاولون جرجرة الأجيال العربية إلى أتونها ، قد مضى عليها قرون طويلة ....، وقد آن لهذه الأمة أن تواجه الواقع ، والمستقبل ، وأن تعلن بصوت واحد ، أن جرائم الأزمنة الغابرة ، قد سقطت بالتقادم المسقط ....هذا لا يعني العزوف عن تصحيح قراءة التاريخ ، على العكس من ذلك ، لكنه يعني التحرر من الأوهام بأنه يمكن الفعل في التاريخ فالإيجاب قد حدث ، والسلب كذلك ، والمجال الوحيد للفعل الإنساني هو الحاضر ، والمستقبل ....
( 115 )
نعود إلى صلب الموضوع ، ففيما يتعلق بالحديث عن الحضارات القديمة نجد أنه لا يمكن فهمه ، إلا بقراءة الديانات القديمة ، وهنا ، في هذه الأرض العربية ، نجد أساساً ، لتلك الديانات التجريدية ، التي حاولت البحث عن الآلهة ، التي ترى ، ولا يراها أحد ، بعد عبادات ، لقوى ، وكائنات ، وظواهر مخيفة ، مجسّدة ، تقدم لها النذور ، والأضاحي .. وهنا ، في هذه الأرض العربية ، بدأ البحث عن آلهة غير موجودة على الكوكب ، وإنما فيما وراءه ، في القمر .. والنجوم ، والشمس .. ثم ، فيما وراء ذلك كله .. وهي العبادات التي نجدها ، بشكل ، أو بآخر ، بعد ذلك ، في مختلف شعوب الأرض . من أخذها ، عن ، من ..؟ .. هذا سؤال مفتوح بين يدي المستكشفين .. لكن أقدم الأدلة على ذلك في العالم نجده ، هنا ، في وادي الملوك ، وأور ، وبابل ، وماري ، وأوغاريت ، وتدمر ، والبتراء ، وسبأ ، وحضرموت ، وسيوه ، وقرطاج ، وفاس ، وتدمر ، وأفاميا ، وإلى آخره .. تلك الأوابد التي مازالت شواهد ، لا يمكن تجاهلها ....
إن " أوزيريس " ، إله ، مزقه خصومه ، البداة ، لكن أخته " إيزيس " تتمكن من جمع أشلائه المبعثرة فينبعث من جديد ، إنه ، إله ، يولد من جديد في كل صباح ، كالشمس ، بعد أن يجتاز مملكة الأموات .. إنه إله يتخذ انبعاثه قانوناً كلياً للحياة ، وللطبيعة ، وللتاريخ ..
ثم جاء أخناتون ، بعد ذلك ، في القرن الثالث عشر قبل الميلاد ، وقاد حملة ضد الخصومات القبلية ، وفرض ديناً واحداً ، وإلهاً واحداً .
وإذا كانت ملحمة جلجامش قد سبقت الإلياذة بألف وخمسمائة سنة ، فإن إخناتون سابق على زرادشت في دعوته إلى التوحيد ، في الديانة المزدكية ، بألف عام .
في الملحمة الهندية ( راماينا ) ، نجد ( راما ) يتحدى المحيط ، وبيده قوسه ، ويهدده بالجفاف ، بثقبه بسهم من أسهمه النارية .. أما ( شيفا ) الإله الراقص ، فهو يخلق العالم بينما يرقص ، ويهب العالم إيقاعه ، وصيرورته ، فيميته ، ويجعله يولد من جديد ، إنه الإله الخالد الذي يتجلى ، في التنوع ، في الحركة ، ويلهم نيتشه أحلامه ( لا يسعني الإيمان إلا بإله يجيد الرقص ) ، بينما ينشد الإله كريشنا ( إنني مبدأ الأشياء كلها ، إنني الكائن الجاثم في صميم الكائنات كافة ، أنا البدء ، والوسط والنهاية من كل كائن ، وأنا الصاعقة في وسط الأسلحة ، وأنا الكلمات التي تتمتمها الشفاه عند تقديم الأضاحي ) وحتى عندما يختطف رئيس الشياطين ( سيتا ) فإنها تقبل أن تتعرض لامتحان التعرض للنار وتتمكن بحماية ( اكني ) إله النار ، أن تجتاز اللهب بسلام ، حتى أن باقة زهور اللوتس ، التي تحملها بيدها ، لا تذبل عندما تخرج من المحرقة .. فهل تخفي الرمزية هنا ، وعلاقتها بقصة إبراهيم ، عليه السلام ، أما أهل ( بالي ) فينشدون ( إلهنا إله راقص تشع قدرته في الفكر وتقوده إلى حلبة الرقص مثلما تحرق حرارة النار الحطب ) ..وكما نجد أصول عبادة الشمس في أبراج بابل ، ووادي الملوك ، وأهرامات مصر .. نجد آلهة الرقص العربي عشتار ، وفرقتها ، تلهم الراقصين ، الإله ( شيفا ) في الهند ، والآلهة الراقصون في قبائل الصين ، واليابان ، وأمريكا ، وأوروبا ، واستراليا ، أو أنهم هم الذين ألهموها .. لا ندري .. فقط نقول أن الحضارة الإنسانية المعروفة ، ومنذ خطوتها الأولى ، تتألف من شبكة انتشار واسعة ..
إن حضارة الإنسان القديم في بلاد العرب ، وأفريقيا ، وآسيا ، والأمريكيتين ، واستراليا، وحتى أوروبا القديمة ، منحت الإنسان طريقاً روحية إلى الخلود .. بينما الغرب الصناعي الحديث منح الإنسان ، مذهبية تقنية ، وعلمية ، هي اليوم كارثة ..
يقول حكيم أفريقي هو ( بوبو هاما ) : " لقد عرف الناس حتى الآن إنسانين أحدهما روحي . والآخر مادي .." ويتساءل غارودي : هل تستطيع ضروب الحكمة الإفريقية تحقيق تركيب يؤلف هذا التداول للمادة ، مع ثقافة الروح هذه ..؟
هنا ، نعثر على أبرز الفلاسفة القلقين في أوروبا الحديثة يبحث عن الحل .. وهو لذلك يقترب إلى درجة مذهلة من ( جدل الإنسان ) .
يقول روجيه غارودي ، بالحرف الواحد : ( .. في إمكاننا تصور معرفة لا تكون وحيدة الاتجاه ، حيث يستطيع الشرق ، أن يسهم في تقديم معنى عن الإنسان ، وعن جملة البشر ، وهو المعنى الذي يفتقر إليه الغرب اليوم افتقاراً رهيباً .. وقد ، غدا الإله في الرأسمالية ، هو المال ، العجل الذهبي ...، وغدت "المادية الجدلية" ، في الاشتراكية ، نوعاً من دين ، ذي عقيدة مقدسة ، وصار الحزب بديلاً عن الله ، في نوع من لاهوت علماني ، وهو أسوأ أنواع اللاهوت .. إن الأمر ، ليس بالرجوع إلى ما لا أعرف ، من أنواع ، ما قد يظن أنه أفريقية السرمدية ، ولكن في وسع الحكمة الأقريقية ، وفي شكل لن يظل إسطورياً ، وبالامتناع عن أية ثنائية ، في وسعها ، بآن واحد ، أن تمتح حياة ، من فكر " الهند القديمة " ، ومن تقنية " الغرب الصناعي ، أي أن تؤلف بين جميع طاقات الفكر ، والمادة ، وفي ذلك وعد الإنسان الشامل ..)
الإنسان الشامل ، نعم ، يا روجيه غارودي من أوروبا ، ونعم ، يا بوبوهاما من أفريقيا ، ونعم يا كل الفلاسفة ، والمفكرين والعلماء الجادين ، في كل مكان من هذا العالم ، لكن نقول لكم ، وبدون تواضع هذه المرة ، أن الحكمة العربية ، ربما تكون قد أجابت على تلك الأسئلة .. باكتشاف "القانون النوعي للإنسان الشامل" ، وهو " جدل الإنسان " الذي صاغه حكيم عربي ، من هذه الأمة العربية ، في هذا الزمان .....
( 116 )
وإذا كانت بعض الأبحاث العلمية ، تشير إلى وجود الإنسان ، منذ خمسة ملايين سنة على الأقل .. وأنه منذ / 200 / ألف سنة ، أي نهاية العصر الجليدي الأخير ، بدأت هجرة الإنسان باتجاه أوروبا ، والأمريكتين التي يفترض أنهما كانتا فارغتان من البشر ، فإن شعب الأنكى في أمريكا ، كان يعتقد أنه متحدر من الشمس ، حيث ضمت إمبراطورية الأنكا / 800 / مقاطعة ، وكانت المحاصيل تقسم إلى ثلاثة أقسام ، ثلث للكنهة ، وثلث للمزارع ، وثلث للدولة ، وكان كل عشرة رجال يخصصون واحداً منهم ، للحرب ، وكذلك امرأة من عشرة ، لخدمة النبلاء ، وكان الإمبراطور ابن الشمس ، وحاكماً لأرض الأقطار الأربعة ، وأن إله الشمس زوده بالوحي لتوحيد شعوب العالم ، ونشر العدل ، وأن الأرض مقدسة ، والمعبد الأساسي ، هو معبد الشمس ، وعبادة الشمس التي نجد أسسها الأولى في أهرامات مصر ، وأبراج بابل ، كما قلنا ، نجدها في مختلف أنحاء العالم ، ومازال بعض الحكام حتى الآن في أرجاء آسيا يعتبرون أنفسهم مفوضين من إله الشمس ، أما الأوروبيين فيقولون أن " المسينيون " هم أول من أنشأ حضارة في اليونان عام 1900 ق.م وهم الذين خلدهم هوميروس في ملحمتيه "الإلياذة" ، و"الأوديسة" إلى أن هزمهم من أسموهم " البربر " عام 1200 ق.م ، وبعد سقوط مسينا بحوالي 200 سنة نشأت سلسلة المدن الجديدة في اليونان إلى أن وحدها فيليبس المقدوني والد الاسكندر عام 338 ق.م ، بينما أنشئت روما عام 753 ق.م وأقام الرومان إمبراطوريتهم التي دامت 500سنة ، أما – الأنغلوساكسون – ( الإنكليز ، والسكسون ، والجوت ) ، إضافة إلى الفايكنغ ، والنورمان ، فيعود تاريخهم إلى القرن الخامس الميلادي ، وما بعد ، أما الحضارة الصينية ، فقد تكونت من عدة دول صغيرة ، توحدت بعد ذلك ، وكان كل حاكم لها ، يعتقد انه مرسل من الآلهة ، ويعرف بأبن السماء ، وفي عام 551 ق.م ، ولد كونفيشوس ..
إننا ننقل تلك الأحداث ، والتواريخ ، بتحفظ شديد ، ذلك أننا نؤكد على ما قلناه ، بأن التاريخ البشري ، من جهة المصدر مازال مفتوحاً .. على المعرفة الإنسانية ، لتعريف الكثير من المجاهيل ، وحسم أمر الكثير من الافتراضات ، التي تحتمل الصح ، والخطأ ..
ونحن ، إذ نحاول رسم تلك الصورة البانورامية ، بخطوطها العريضة ، فإننا نفعل ذلك ، كمقدمة لقراءة حضارة العرب ، وكيف أثرّوا ، وتأثروا ، بذلك كله ، وموقعهم في الحضارة الإنسانية ....
( يتبع .. البيان " 24 " ..)


