ما هي العوامل التي يجب توافرها حتى يتمكن الطفل من القراءة؟

 

 

هناك العديد من العوامل التي يجب توفيرها للطفل حتى يتمكن من تعلم القراءة. سوف نحاول احصاءها جميعاًً والتحدث عن كل منها.

1 – الوعي الصوتمي أو النغمي أو النطقي ( (Conscience phonémique: لقد تبين من الدراسات التي أجريت في هذا المجال أن أصوات اللغة يجب تعليمها للأطفال حتى يتقنوها. اذ أن هذه الكفاية لا تتطور مع الزمن، أي ان الصوتم يجب تعلمه منذ البداية بشكله الصحيح ولا يجوز الانتقال الى صوتم آخر قبل اتقان الأول. ويقال أن هناك علاقة ايجابية بين التطور السليم للوعي الصوتمي للمعطيات الكلامية وبين الاكتساب السليم للمهارات اللغوية، وخاصةً القراءة. كما أن الوعي الصوتمي ينبىء بالقدرة لكسب المقدرة على القراءة. أما "ستنوبتش" فيرى أن الوعي النطقي لا ينبىء بالقدرة على القراءة فقط انما يشكل وظيفةً مركزيةً في عملية اكتساب القدرة على القراءة. لذلك سوف نقوم بكثير من التمارين التي تكسب الطفل الطلاقة في لفظ جميع صواتم اللغة. وهذه التمارين تبدأ بسماع الصوتم ثم تمييزه واستخراجه ومن ثم استخدامه.

2 – توجيه الطفل الى أهمية استخدام اللغة المكتوبة وحاجته لاستخدامها. هذه نقطة مركزية لأن الدراسات قد اثبتت أنه ما من أحد بامكانه تعليم الطفل اذا كان يرفض ذلك. من هنا وجب على المعلم أن يوحي (اي ليس بالطريق المباشر) (Par imprégnation ) الى الأطفال بأهمية اكتساب اللغة المكتوبة من خلال بعض الممارسات والتي نوردها على سبيل المثال لا الحصر:

أ – قراءة القصص المسلية على مرآى من الأطفال من كتاب وليس غيباً حتى وان كانت المعلمة تحفظ غيباً هذه القصة، وذلك حتى يربط الطفل بين المتعة التي سببتها قراءة القصة واللغة المكتوبة.

ب – قراءة التعليمات على المعلبات التي يحبها الأطفال مثال كيفية صناعة المثلجات. نقرأ التعليمات وننفذها.

ج – قراءة اللوحات الاعلانية وخاصةً تلك التي تختص بحاجيات الأطفال ثم نربط قراءتها بتلبية حاجة الطفل اليها.

د – المشاريع التي تقوم بها المعلمة مع أطفالها في الصف: على المعلمة تدوين الخطوات الواجب القيام بها على مرآى من الأطفال. وعند التنفيذ، يجب قراءة الخطوات مجدداً وتنفيذها.

هناك العديد من الممارسات التي توجه اهتمام التلميذ أو الطفل الى ضرورة تعلم اللغة المكتوبة. ان هذه التمارين تجعل من الطفل مهيئاً وعلى أتم الاستعداد للمشاركة في جهد تعلم اللغة المكتوبة، أي القراءة.

3 – يجب اعلام الأطفال عن كل خطوة سوف تقوم بها المعلمة وعن أهميتها. أي بصيغة أخرى لماذا على الطفل المشاركة في التعلم. سوف نورد بعض الأمثلة:

أ – قبل البدء بتعليم الأطفال الصواتم- الرواسم، على المعلمة أن تقول للاطفال أنه لا يمكننا قراءة التعليمات أو الاعلانات الا اذا تعلمنا الأحرف التي تكون هذه الكلمات. وتقول لهم أن عدد الأحرف هو ثمانية وعشرين حرفا. وكل صوت له عدة أشكال أي رواسم، سوف ندرسها جميعها حتى نتمكن مستقبلاً من القراءة.

ب – على المعلمة أن تخبر الأطفال أن الكلمة تتألف من عدة صواتم ونكتبها من رواسم هذه الصواتم أي أشكالها.

ج – الجملة تتألف من عدة كلمات تبعاً لمعناها وتنتهي بنقطة.

   ما تقدم يعني أن المعلمة تأخذ من الأطفال ترخيصاً لتعليمهم، أو بصيغة اخرى حتى يقبلوا أن يتعلموا او بصيغة أخرى فان ما نقترحه هو صيغة مشاركة بين الأطفال والمعلمة تؤمن تعليم الأطفال اللغة برضىً من قبلهم. والنقطة المركزية هي قبول الطفل بأن يتعلم.

4 – لقد أثبتت الدراسات وخاصةً تلك التي قام بها "نعوم تشومسكي" (Noam Chomsky ) أن الطفل يستوعب التركيبات النحوية في اللغة الأم. أي أن الطفل في عمر الثلاث سنوات يستخدم المؤنث والمذكر وكذلك الجمع والمفرد بشكل صحيح في لغته الأم. وهذا ما يمكن ملاحظته بسهولة في أي بيت يوجد فيه أطفال. فنرى الطفل يستعمل المؤنث مع أمه وأخته من غير أن يعلمه أحد، وكذلك يستعمل المذكر مع والده وأخيه من غير تصحيح من أحد. ما تقدم يبين ويؤكد ما ذهب اليه تشومسكي. وبذلك يكون دور المدرسة تأكيد هذه المعرفة وتنميتها وذلك لوجود التعقيد في بعض الصيغ النحوية.

5 – بالاضافة الى ما تقدم، تبين أن العمر المثالي لتعلم اللغات هو من الصفر حتى سن السادسة، وتخف هذه القدرة الى العاشرة ثم تصبح ضعيفة نسبيا. وأن العمر الذي يمكن فيه تعليم الأحرف هو الخامسة، أي ما يوازي صف الروضة الكبرى في مختلف أنظمة التعليم المعتمدة سواء في أوروبا أو بلادنا العربية. وظاهرة ثنائيي اللغة أو ثلاثيي اللغة ليست ظاهرة اعجازية، انما هي تأكيد لما ذهبنا اليه. فتعلم اللغات يكون شفاهياً وليس بطريقة أخرى. وكل تعلم يجب أن يبدأ شفاهة وليس خلاف ذلك. فما من أحد يعلم متى تكلم الانسان ولكنه قرأ منذ حوالي سبعة آلاف سنة حسب أكثر المصادر تفاؤلا.

6 – هناك مساهمات قام بها بعض المحللين النفسانيين وابرزهم هو "جاك لاكان" (Jacques LACAN ). هذه المساهمات ترتدي أهمية بالنسبة للتعلم عند الأطفال. وعلينا أن نشير في هذا المجال بأن ما سوف نفصله الآن لا يصل الى درجة اليقين العلمي، كما دراسات "دوهايين"، ولكنها من دون أدنى شك مفيدة، لأنها أثبتت فائدتها عمليا. وهي تدخل ضمن دائرة علم النفس، وهذا العلم لم يصل بعد الى درجة اليقين العلمي مع أنه له الكثير من النتائج الايجابية. وكذلك التحليل النفسي فهو يتقدم وتطبيقات بعض نتائجه في ميدان التربية والتعليم كانت مفيدة.

   حتى يتعلم الطفل يجب أن يكبر، اي أن ينضج. وعملية النضوج لا تأتي مرة واحدة انما هي عملية مستمرة. فلا يمكننا القول أن الطفل يصبح ناضجا في عمر الست سنوات أو العشرين. انما هناك دلائل على النضوج، يمكن للمراقب (هنا المعلم) أن يستنتج من مراقبتها أن هذا الطفل اصبح لديه درجة من النضوج تؤهله للقيام بممارسات معينة. ولكن ما يمكننا تأكيده أن تعلم اللغة المكتوبة (أي القراءة) يتطلب نضوجا.

   وحيث ان النضوج هي عملية مستمرة (Processus )، فيمكننا كمعلمين مساعدة الطفل على بلوغها بمعاونة الأهل.

  حتى يكبر،على الطفل أن يقبل عدداً من الحقائق والتي تعتبر باعثا على البؤس لديه. منها:
أ - المسافة الرمزية(Distance Symbolique ) : حتى يتمكن الطفل من الانبناء (الصياغة) ((Structuration، من الضروري وجود مسافة، مسافة رمزية، بينه وبين أمه. احدى مراحل هذه المسافة هو الدخول الى الروضة (اي أن الدخول الى الروضة يجب أن يكون عاملاً مساعداً لبناء هذه المسافة الرمزية (أي البعد) والتي تعتبر من أهم العوامل مع عوامل أخر في صياغة شخصية الطفل التي سوف تمكنه من الانفتاح على تعلم القراءة. عند عدم القبول بهذه المسافة فهذا يعني أنه من الصعب جداً على هذا الطفل أن يقبل الدخول الى المدرسة: يبكي، لا يهتم بأقرانه من الأطفال ولا بالمعلمة فهو يريد حصرياً العودة الى أمه.
الحضانة كصف لا يزال قريباً من الأم، أما الصف الأول فهو بعيد نسبياً أكثر من الأم.
ب -  الفرق أو التباين (Différence ): حتى يكبر، على الطفل أن يقبل التباين بينه وبين أمه. هو وأمه ليسا متشابهين: لا يوجد موضوعان متشابهين. القبول بذلك صعب على الطفل لأن الاختلاف يقلقه، المعروف يوحي بالأمان. والاختلاف صعب أيضاً لأن القبول به سيجر الى القبول بحقيقة "أنه لا أحد يعرف كل شيء"، وبالتالي ما من أحد الا وينقصه أشياء، لذلك لا يحب الطفل وجود الفرق بينه وبين أمه. أما القبول به من قبل الطفل فهو السبيل الأولى لصياغة الطفل لنفسه: فرق بين الداخل والخارج، بينه وبين الآخر، بين الحقيقي والمتوهم، بين الفتى والفتاة، بين الشرعي واللاشرعي ... ولكن أيضاً بين الألف والباء.
ج -  الموضع الرمزي للآخر (La Place Symbolique Du Tiers ): حتى يكبر، على الطفل أن يرفض العلاقة بين اثنين فقط (هو وأمه) والقبول بالعلاقة الرمزية مع ثالث حتى ينفتح على العلاقة مع الآخرين (على كثرتهم). هذا الاختيار يتعلق بالطفل ولكن بالأم أيضا. اذا رفضت الأم أن يتبوأ ثالث هذا الوضع الرمزي، عندها سوف تكون لدى الطفل صعوبات كبيرة في اقتحام هذه المرحلة الأساسية.
على أغلب الظن، الوالد هو المهيأ للعب دور العنصر الثالث، وهو الذي عليه مساعدة طفله في سلوك هذا الطريق. هذه العلاقة الثلاثية هي التي سوف تفتح الطريق واسعاً للعلاقة مع الآخرين: الرفاق، المعلمات، المدرسة، ... القراءة. كما وأن وجود الآخر يتيح الانفتاح على النظام الرمزي الذي يبني أو يؤسس الحدود والقواعد: الرمزية هي التي تؤسس العلاقات، هي التي تساعد الطفل على الانتقال من الحالة الطبيعية الى الحالة الثقافية.
د - العدول عن هيمنة الخيالي(Le renoncement à la prédominance de l’imaginaire ): طوال حياته، كل شخص بحاجة الى جزء خيالي، ولكن الطفل عليه أن يتخلى عن هيمنة الجانب الخيالي. ففي البداية، يعمل الولد بالطريقة الخيالية، ولكن الآخر، الثالث، الرمز كل هؤلاء سوف يتيحون للطفل أن لا يستغرق في العمل الخيالي. الفكر الخيالي عند الطفل يكاد يتطابق مع ما يعيشه من حكايات الجنيات والساحرات. فالعصا السحرية يمكنها أن تحقق جميع الرغبات، فكل شيء ممكن من خلالها. يموت الولد في قصة الجنيات ولكنها تحييه، وتبني أحلى القصور في لمحة عين. وعندما يتماهى الطفل مع الجنية يرى نفسه قادراً على أن يمسك بالكتاب ويقرأ حيث يريد. وهو يفعل ذلك، ولكنه يقرأ من خياله وليس مما هو مخطوط في الكتاب.
التخيل أو على الأصح هيمنة التخيلي يعني التفتيش عن الفرح المباشر (من غير جهد) وتحقيق الرغبات مباشرة. ولكن الواقع مختلف: تحقيق الرغبة لا يكون مباشرة، يوجد فرح ولكن يوجد حزن أيضا، يوجد معارضة وحدود. وهذه أشياء يصعب قبولها من الطفل، وخاصة ان لم تؤمن له العائلة المساعدة لتقبلها.
  حول الانتقال من الروضة الى الصف الأول:
ما تقدم من نقاط يبين أن الانتقال من الروضة الى الصف الأول له أهمية تقريرية في صياغة الطفل: يجب الابتعاد وبصورة ارتقائية عن حضن الأم، وعن التصورات التخيلية للعالم الواقعي حتى ينفتح على عالم الآخرين.
  لماذا هذا الانتقال يمكن أن يكون صعبا؟
لأن الطفل مهدد أصلاً بالخسارة، خسارة ما ينقصه، ان اقامة مسافة (رمزية) بين الطفل والأم تعني أن الأم لن تؤمن جميع متطلبات الطفل وعلى الطفل بالتالي أن يبذل مجهودا، وهذه خسارة. ان العلاقة الاندماجية مع الأم تؤمن للطفل جميع متطلباته من دون أي جهد. وهذا بالطبع عالم تخيلي بشكل كبير لأن من غير الممكن أن يعيش الانسان طوال حياته في حضن أمه.
ان معرفة الطفل للتباين بينه وبين أمه (أي هو كيان وأمه كيان آخر) تحمل الطفل على أن يأخذ بعين الاعتبار معنى الخسارة، لأن ما من أحد يمكنه أن يملك كل شيء.
تجربة أخرى لها كبير الأهمية سيمر بها الطفل عندما يتخلى عن هيمنة التخيلي لديه، تجربة في تحمل الخسارة، خسارة الراحة، وهو بذل المجهود من أجل تعلم الحروف حتى ينفتح على القراءة ومن ثم يجد المتعة في المطالعة.
  ماذا نعني بالنضج؟
ان النضج العاطفي للطفل يتعلق بالطريقة التي ينفتح فيها على مختلف المراحل التي سوف تتيح له المجال أن يبني نفسه، أن يصوغ نفسه. (se structurer)  النضج هو نتاج صياغة الطفل كموضوع، ككيان (مستقل). انها تتجلى مثلاً في الرغبة والقدرة على استقلالية الطفل، في رغبته بأن يتملك بنفسه المعرفة، بقبوله الارتقائي للتفتح، وبقبوله أن يعارضه الآخرون وبقبوله بالتالي القواعد المفروضة (normes ). 
النضج هو هدف. ان صياغة الطفل (structuration) للوصول الى النضج العاطفي لا تنتهي في عمر محدد. لا يمكننا القول أن الطفل أصبح ناضجاً لأنه بلغ من العمر ثماني سنوات. ان الصياغة تبدأ من الولادة وتنتهي مع الموت. لا يوجد انسان مثالاً للنضوج حتى نتخذ سلوكه معياراً. ولكن ما يمكننا فعله هو أن نقول أن هناك بعض الميزات التي تجعل من الطفل مؤهلاً للقيام بمهام معينة ومنها على سبيل المثال تعلم القراءة. أي بصيغة أخرى ان لدى هذا الطفل من المؤهلات ما يجعلنا نقول عنه أنه ناضج.
حالياً، هناك عدد متزايد من الأطفال يصل الى الصف الأول ناقصي النضج (غير ناضجين بصورة كافية). انهم أطفال نشطون، أذكياء، فطنون ولكنهم طائشون. ليس لديهم القدرة على تقديم أقل جهد ضروري لاكتساب المعرفة. حقيقةً، ليس لديهم الرغبة أن يمتلكوا المعارف.
  هل أصبح تعبير النضج مشوشا؟
في أكثر الأحيان يعتبر الطفل ناضجاً لأنه كثير الحركة. وأخذ هذا العامل فقط في عين الاعتبار يقود الى غموض ولبس كبير بالنتائج: التعامل مع الأطفال وكأنهم مكتملي النضج علماً أنهم ليسوا كذلك، وخاصةً على الصعيد العاطفي. وهذا يساوي منع الأهل أولادهم من تخطي جميع المراحل التي تقود الى النضوج الحقيقي.
ان التمييز بين النضوج الحقيقي والنضوج الظاهري يتيح للطفل عدم الوقوع في الفشل. كما وأن النضوج الفكري المبكر عند الطفل لا يعني أبداً أن نضوجه العاطفي كذلك. لذلك فالتعامل مع هذا النوع من الأطفال يكون أكثر صعوبةً في أكثر الأحيان. 
  كيف تتدخل عملية الصياغة (structuration) في تعلم القراءة؟
1* -  تحدثنا عن المسافة الرمزية (distance symbolique):
خلال مرحلة الروضة يأخذ الطفل "مسافةً" ما بالنسبة لأمه والتي تتيح له مع تطورها أن يصبح مستقلا. ان القبول بهذه المسافة يتطلب رفض الطفل لفكرة أن يكون مرتاحاً جداً مع أمه: ان الرغبة بتعلم القراءة تتعلق بهذا النضج. فاذا أصر الطفل على التخيل بأنه يملك كل شيء، وساعدته أمه في هذا التصور، عندها يصبح غير محتاج للتعرف على معلومات جديدة لأن أمه تلبي حاجته لما ينقصه. 
من دون رغبة مستقلة للطفل، متميزة عن رغبة الأم، لا مكان للرغبة في التعلم والمعرفة. ان الطفل الذي يتقبل بصورة سلبية التعليم المعطى له لا يحفظ المعلومات لأنه ليس لديه الرغبة بامتلاكها. وهذا ما يجعلنا نعتقد بأن لديه معاناة في الذاكرة. كما وأن الافتقار للرغبة في المعرفة تتجلى بمظهر آخر: نرى الأولاد يهتمون بكل شيء ولكنهم لا يركزون انتباههم على أي شيء. 
مظهر آخر: الولد الذي لديه الدافع في أن يبقى مشدوداً لنظر البالغ عندما يطلب منه القراءة. فهو يعتقد بأن البالغ فقط يملك المعرفة وهو لايمكنه أن يعرف. فالمشكلة الحقيقية هي عدم وجود الرغبة في الاستقلالية: البالغ يعرف (أي الأم تعرف) اذن ليس للطفل حاجة بأن يعرف (فهناك تماه بينه وبين أمه).
   أول عمل للكبير سوف يباشره الطفل، هو تعلم القراءة. وهذه الممارسة تلعب دور "الكاشف" عن وجود أو عدم وجود الرغبة عند الطفل.
  ما العلاقة بين"المسافة الرمزية" و"اللغة المكتوبة"؟
   "المسافة الرمزية" تحدد أن "الانفصال" عن الأم ممكن، وهو في طريق التحقق. هذا الانقطاع الرمزي ضروري لتحول الطفل الى كيان مستقل، كما وأنه ممر مفروض لانفتاح الطفل على اللغة المكتوبة. فالقراءة تستدعي "اشارات" لغوية حيث أن عملها يستدعي التقطع في السلسلة الصوتية. وخلاف ذلك، لا نصل لأي معنى: "مادامهنا" هي غير "ما دام هنا".
اذن يجب تصحيح التقطعات عقلياً أو ترتيبها حتى تتمكن من فهم جملة مكتوبة من غير تقطيع. "الترقيم" له وظيفة تقطيعية، فعدم احترام الترقيم طوعاً هو دلالة على عدم النضج عند الطفل.
   من جهة أخرى، هذه الاشارات (الكلمات المكتوبة) هي تمثيل (فكلمة "حمامة" ليست "صورة" الحمامة، انما تمثيل لها). الصورة تفرض تطابقاً مباشراً مع ما تمثل، أما الكلمات فلا، لذا التمثل بالكلمات يفرض القبول بمسافة رمزية بين الكلمات وما تمثل.
   متعلم القراءة يفتش دائماً عن الصورة، لأنها تفتح له طريقاً مباشراً للمعنى. اذا كان لدى الولد تحفظات على قبول "المسافة الرمزية" بينه وبين أمه، فسوف نجده لا يهتم، اختياريا، بالرموز اللغوية التي تمثل المسافة الرمزية بين المعنى والطفل، ويفضل التطلع الى الصورة.
2* -  الفرق أو التباين:
   من حيث اللفظ، ان ما يميز "ق" عن "ك" هو مخرجهما المختلف، وهذا الاختلاف هو الذي يجعلنا نميز "الكلب" عن "القلب". "فالفرق" أو "التباين" لا يمكن تجاوزه على صعيد الصوتم. أما على صعيد الروسم فهذا الذي يجعلنا نميز "درك" عن "درك".
   اذا كان الولد لا يقبل بالفرق، بالاختلاف، سوف يجد صعوبات كبيرة في تملك رموز القراءة، المستندة بصورة قطعية على الفرق والتباين بين رسمها وما تمثل من معان، لذلك نرى بعض الأولاد الذين لا يقبلون بالتباين لا يجدون فرقاً بين الحروف المتقاربة بالشكل، بل يحاولون البرهان للآخرين أنها كذلك. (مثال ت وث).
3* -  ما العلاقة بين "الثالث"، "الرمزي" وتعلم القراءة؟
   علينا التنبه الى أن "الأنساق الرمزية" تقيم علاقات واسطة بين الموجودات، أي أن العلاقة بين "الهو" و"الآخر" يتوسطها رمز، لا تكون فورية من غير وسيط. (أي أن "الهو نمثله برمز له، وكذلك "الآخر"، وبذلك تتوسط الرموز العلاقات القائمة).
المدرسة هي مكان "آخر" "ثالث" بالنسبة للطفل، ويمكنه بالتالي أن يميزها بسرعة كبيرة. الطفل بحاجة لعدة أيام ضرورية حتى يتمكن من تقبل هذا المكان وهؤلاء الناس "الغرباء" الذين يضعون في دائرة "الخطر" علاقته الآمنة والحصرية أحياناً بأمه. ان الشكوى من الواجبات المدرسية، من قبل الأهل، هو برهان على أن المدرسة تمثل "الثالث" بالنسبة للطفل.        فالرهانات العاطفية والتعليم لايعيشان أغلب الأحيان في وفاق. على المعلم أن يتموضع بشكل يتيح للطفل أن يتعلم من غير تأثير على العلاقة الخاصة التي تربط الطفل بأمه.
   القراءة (اللغة المكتوبة) هي علاقة جديدة للطفل مع "الآخر". "الآخر" هنا هو الرمز اللغوي الذي سوف يعبر بالطفل من الملموس الى المجرد، من الصورة الى المفهوم.
   القراءة هي جزء من النسق الرمزي لأنها تستند الى قواعد وقوانين حكمية تعسفية (أنت تقبل قواعد اللغة رغماً عنك). علينا مساعدة الطفل على قبول هذه القواعد الغريبة حتى يتمكن لاحقاً أن يتواصل مع الآخرين (الغرباء). ان ولداً غير "ناضج" سوف يتحاشى الانفتاح على نص كتبه "ثالث" مجهول يسبب له القلق (لأنه آخر ومجهول).
   قوانين اللغة تفرضها طائفة اللغة، واكتساب اللغة المكتوبة يعني القبول بالانخراط في هذه الطائفة أي عبور رمزي الى الطائفة الجديدة.
4* - لماذا على الطفل رفض التفشي المرضي للتخيلي حتى يتعلم القراءة؟
   اذا ظل الطفل متمسكاً أو متمترساً بالتخيلي، اذا استمر بالتصور بأنه قادر على كل شيء، لايمكنه أن يباشر تعلم القراءة التي تتميز بقواعد وقوانين لا يمكننا اكتسابها وتعديلها بضربة من العصا السحرية. لذا يمكننا أن نلتقي مع متعلمين يتحاشون التهجئة، يخترعون نصاً لا علاقة له بما هو مكتوب، انهم "يبنون" قصةً خاصةً بهم. وهذا دلالة على هروبهم من تعلم الرموز الذي يستدعي جهدا. ينظرون الى الصورة ويقرأون وفي هذا دلالة على هيمنة التخيلي. انهم يهربون من الحقيقة (ضرورة تعلم الرموز للتمكن من القراءة) ويلجأون الى عالم غير موجود، انهم يبقون في الخيال.
   بعض الأولاد الذين لا ينخرطون في تعلم القراءة يقولون أن لديهم الرغبة في التعلم. هذه الرغبة ليست سوى العصا السحرية التي يريد أن يستخدمها لمباشرة القراءة من دون أن يتعلم الأحرف والقواعد وغيرها. ومع ذلك يريد أن يقرأ مثل الكبار. ان الرغبة في التعلم تفترض أن الولد يعرف ويقبل أن اكتساب القراءة يوجب تعلم الرواسم والتهجئة. 
فضلاً عن ذلك، فان تملك الطفل للرموز سوف يمكنه من القراءة والفرح والمتعة بما يقرأ. فالجهد الذي بذله في التعلم سوف يوجد له انشراحاً بعد حين وهذا ما يناقض التصور الخيالي بالقدرة على الوصول الى المتعة من دون اي جهد.
   الانتقال من الروضة الى الصف الأول تستدعي جهداً. على الأهل أن يبذلوا هذا الجهد حتى يساعدوا طفلهم على اجتياز هذه المرحلة الهامة من حيث استكمال النضج العاطفي. وهذا ما يمكنه من الانفتاح على الاستقلال الذاتي، أي بناء شخصيته المستقلة. وهذا شرط في تعلم القراءة.
   وبالعكس من ذلك، يبدو بأن الطرق الأكثر استخداماً في تعليم القراءة، الطرق ذات الانطلاقة المجملة، لا تساعد الأطفال قليلي النضج أن يندرجوا في تعلم القراءة. فهي تشجع الولد على أن يحفظ صورة الكلمة لا أن يقرأها. وهكذا نكون قد عززنا عدم النضوج: فالكلمات أصبحت صوراً، في الوقت الذي علينا فيه اخراج الطفل من الوضع التخيلي الى وضع يتقبل معه الرموز. وفي حين علينا تعزيز الاستقلالية لديه حتى ينفتح وحيداً على عالم القراءة من خلال تعليمه الرموز، نقوم بعكس ما يجب القيام به بتأكيدنا على تعليمه الكلمات كصور للحفظ وليس للقراءة.

7 – علينا أن نؤمن للطفل طريقة تشرك أكثر من حاسة في التعلم (Plurisensorielle ):

   من المسلم به أن اشراك أكثر من حاسة في تعلم أي جديد، يساهم بتصليب المعلومة وتحفر في ذاكرة المتعلم أكثر من استخدام حاسة واحدة. وهذه المعلومة تكاد تكون بديهية.

   أ – التعرف على الجسم: وهذه التمارين تبدأ أول ما تبدأ بتعريف الطفل على جسمه. وهذه التمارين تأخذ طابع العب أو التسلية: مثال "أضع يدي على فمي"، "اضع اليد الثانية على فمي". وهكذا دواليك، الأنف، الفخذ فالفخذ الآخر، الركبة فالركبة الأخرى، الكتف فالكتف الثاني. نستعمل اليمين واليسار أو الشمال في الروضة الكبرى. ومن ثم نستخدم الاصبع والاصبع الآخر في التعرف على أجزاء الجسم: العينين والأذنين والجبهة... وباستمرار علينا استخدام اليدين وليس يداً واحدة.

   ب – استخدام تمارين التعرف على الجسم لتصليب وتمتين اللغة الشفاهية أو التعبير الشفاهي عند الطفل: مثال أن يقول الطفل: "أضع اصبعي على أنفي" أو "أضع يدي على فخذي الثاني". وبكلمة واحدة: على الطفل أن يصف شفاهة كل تمرين يقوم به.

   ج – التعرف على الأوضاع المختلفة: ومهمة هذا التمرين هو تعريف الطفل على الوضع الذي يوجد فيه.

        * - الوقوف: وهذا يعني أنه يقف على قدميه، وعليه أن يتحسس ذلك وذلك بالطلب منه الوقوف على أطراف أصابعه ومن ثم على قدميه، أو على قدم واحدة، وبعدها الأخرى.

       * - الجلوس: عليه أن يتحسس جلوسه على الكرسي وكيف تصطدم قدماه بالأرض.

       * - وضع اليدين على الطاولة: وعليه أن يتحسس الطاولة بكفوف يديه وأن يتعرف بيديه على حدود الطاولة. فالاحساس بالحدود سوف تجعله يقبل بحدود الورقة التي يكتب عليها، وبحدود الرواسم...

       * - المشي على الأرض، ومن الأفضل على خط مرسوم: مستقيم، دائري ومتكسر.

       * - القفز على الحبل: على قدم واحدة وبعدها على الاثنتين، ثم على جانب واحد فالجانبين.

       * - الجلوس متربعا: يمد أحد فخذيه ثم الآخر، يتحسس الأرض بكفيه ...

       * - النوم ماداً يديه على جنبيه، يرفع رجله ثم الأخرى، يرفع يديه أو احداهما ثم الأخرى. ويمكننا تحويل هذا التمرين الى لعبة لتسلية الأطفال كما غيره من التمارين.

   ان هذا النوع من التمارين تساعد الطفل على حسن التموضع مع نفسه ومع الآخر. كما وتساعد على التآلف بين الحركة والأمر المطلوب تنفيذه.

   د – الاستعداد الحركي: ومن الضروري في هذا المجال أن يعرف الطفل الاتجاهات بالنسبة لجسمه. علينا أن نعلم الطفل: أمام، وراء أو خلف، الجنب والجنب الآخر، فوق وتحت.

       كم وعلينا تعليم الأطفال على الأشكال الخطية واتجاهاتها، وهذه هي الخطوة الأولى لتعليم الكتابة.

   ﻫ - تعليم الأطفال على تصنيف الأشياء المتشابهة، وتحديح اتجاهاتها (ألعاب البازل).

   و – معرفة الاختلاف بين صور متشابهة.

   ز – ممارسة الطفل تمارين لها علاقة بالخط، هذه التمارين التي ترتبط بتعليم الكتابة.

  ح – تمارين سمعية، وذلك لتدريب الأطفال على تمييز الأصوات وحتى الأصوات المتشابهة.

  ط – سماع وانشاد الأغاني المخصصة للأطفال.

هذه التمارين ضرورية جدا حتى يتعود الطفل على أشكال وعلى أصوات اللغة التي سوف يتعلمها.

8 – على المعلم أن يختبر الطفل قبل البدء بالتعليم من النواحي الخلقية:

   * - هل يسمع أم أن لديه مشاكل في الأذن.

   * - هل يرى جيدا، أم هناك بعض المشاكل في الابصار.

   * - ادراك واضح للأصوات (الصواتم) داخل الكلمة.

   * - انتباه متزامن للكلمة المحكية وصورتها، أو العلاقة صوتم – روسم كمرحلة أولى.

   * القدرة على تحليل الكلمة الى صواتمها ومن ثم اعادة تأليفها ...

   وقبل أن ننهي هذا الفصل علينا أن نشير الى أمر هام: ان استبعادنا لبيداغوجيات معينة لا يعني مطلقا أن جميع التفاصيل الواردة في هذه البيداغوجيات هي خاطئة؛ انما يعني وبالتحديد أن جميع الايجابيات المتضمنة في البيداغوجيات السابقة يمكن أن توظف في البيداغوجيات المقترحة. ان ما يستبعد هو فقط ما ثبت علميا أنه مضر للأطفال كما في حالة الطرق ذات الانطلاقة المجملة في تعليم القراءة للمبتدئين. ولكن استخدام الطرق الناشطة في التدريس فهي تلعب دورا ايجابيا منشطا فعلا للأطفال، لذلك لا بد من الاصرار على الاستمرار في استخدامها.