على بساط الثلاثاء

48 

" تتمة ... " 22 " .. البيان .."

 

( 102 )

 

                 لعل الإنسان منذ أن وجد على هذا الكوكب ، أو منذ أن تكوّن في هذا الكوكب ، قد سأل نفسه عن سر الوجود ، وأسرار الكون من حوله ، ولعله ، منذ اللحظة الأولى وقف مشدوهاً أمام مشهد السماء ، والأرض ، والكواكب ، والنجوم ، والبراكين ، والبحار ، والرياح ، والعواصف ، والجبال الباسقة ، والوديان السحيقة ، والمواد ، والكائنات الحية المتنوعة ، ولعله ( من يدري ) منذ اللحظة الأولى قد استخدم خياله إلى أقصاه لتغطية عجزه عن المعرفة ، فأبدع أساطير لا حصر لها ، وركبّ ملاحم ، وقص ، وسير ، منح بطولتها ، لقوى خارقة المقدرة تتصارع فيما بين بعضها البعض ، أو تصارع قوى خفية لتتحكم بإدارة هذا الكون ، فتمنح ، وتمنع .. تهدأ ، وتثور .. تعاقب ، وتكافئ .. وإذا كان الإنسان قد جسد تلك الآلهة بكائنات تمتلك قوى فتاكة حيناً فإنه جسدها بكائنات جميلة مشعة في أطوار أخرى ، منها الخرافي ، ومنها الواقعي ، فتعددت الآلهة ، ولم يكتف الإنسان باختيارها ، بل منحها مقدرات خارقة ، باعتبارها تفوق الإنسان مقدرة ، وهي فوق الطبيعة ، بل هي التي تدير الطبيعة ، وتطلق الرياح والعواصف ، والبراكين ، والحب ، والكراهية ، والانتصارات ، والهزائم .. ، وبالتالي ما على الإنسان إلا عبادتها ، واسترضائها ، وتقديم القرابين إليها ، أو لمن يعتقد الإنسان أنها توكله بذلك من الكهنة ، والعرافيّن  وكما كان الإنسان يتطور ، ويطور واقعه مع تقدم معارفه ، كان يطوّر آلهته ، من مرحلة تاريخية ، إلى أخرى ، عبر الزمان ، وصولاً إلى مرحلة الديانات السماوية .. والخيال " العلمي " ، والبحث العلمي ، وإلى ما نحن عليه في عالم اليوم ...

 

( 103 )

 

ما يعنينا الآن هو موقف " الطليعة العربية " من تلك المسألة ، كيف ولد هذا الكون ..؟ ، وما موقعه من الأكوان الأخرى ؟ ، ثم ما موقع كوكب الأرض فيه ؟ ، من أين ..؟ ، وإلى أين المصير ..؟ ، كيف ظهرت الكائنات الحية ، ما مصدرها .؟ ، ثم من هو الإنسان ..؟ ، من أين ..؟ ، وإلى أين ..؟ ، وما هي دوافعه ..؟ ، ما العلاقة بين الروح والمادة ..؟ ، ما الموقف من العلم ..؟ ، ما الموقف من الفلسفات ..؟ ، ما الموقف من الأديان .. ؟ ، وما لا يحصى من الأسئلة ...

                 لعل تلك الأسئلة ، إضافة إلى أسئلة لا حصر لها ، رافقت الإنسان على هذه الأرض ، منذ بداية ظهوره ، المختلف عليها ، والتي لا نعرف ، وصولاً إلى العصر الراهن ، ولعلها سترافقه إلى تلك اللحظة ، التي لا نعرف ، ميعادها ، ولا أسبابها ، ولا ما بعدها ، والتي يطلق عليها المصطلح الديني "يوم القيامة" ، ويطلق عليها العلماء نفاذ الطاقة ، أو اختلال التوازن ، أو انفجار الكوكب ، أو أن ذلك اليوم يأتي نتيجة فعل بشري أهوج يدمر الكوكب ، ومن عليه ..

                 ونحن التزاماً بالموضوعية " التي ندعيّها " استخدمنا ذلك التعبير الذي يدل على الاحتمال ، وهو " لعل " ذلك ، أن أحداً في هذا العالم ، من الملاحدة ، إلى المؤمنين ، إلى العلماء ، إلى الفلاسفة ، إلى المدرحيين ، إلى الجهلة ، لم يقدم جواباً " علمياً " على أي من الأسئلة المشار إليها ، فالخطاب الديني اعتمد رسالات السماء ، وهي منزهّة عن الشك ، والنفي ، والإثبات ، أما العلماء فيجهدون أنفسهم في وضع الفرضيات ، وينخرطون في محاولات إثباتها ، وما أن يرفعون الصوت ، بأنهم اقتربوا من الحقيقة حتى تنهار فرضياتهم تمهيداً لولادة فرضيات جديدة ، بينما الفلاسفة ، والمفكرين يلاحقون العلماء ، وما أن تنهار الفرضيات "العلمية" ، التي أسسوا عليها فلسفاتهم ، حتى تنهار مناهجهم ، تمهيداً لولادة فلسفات جديدة ، وهكذا ..

                 إذن ، لا أحد في هذا العالم يمكن أن يجيب على السؤال : متى بالتحديد ، بدأ الإنسان يطرح على نفسه ، وعلى الآخر ، تلك الأسئلة ، ولا متى بالضبط تمكنّ من التعبير بالصوت ، ثم بالإشارة ، ثم بالكلام ، ثم بالكتابة .. ذلك أن ملايين السنين مرت قبل أن يبدأ الإنسان بالتأثير الواعي في الطبيعة حوله عبر أدوات بسيطة ، كان يطورها عبر الزمان ، إلى أدوات أكثر تقدماً ، حيث بدأ يترك في الواقع ما يدل عليه ، وعلى مدى تطوره ، أكثر من المستحاثات ، والهياكل العظمية ، مثل الكهوف ، ثم المغائر في الصخور ، ثم العمران البسيط ، والرسوم البسيطة ، واللوحات ، والنحت في الصخور ، ثم التعبير بالرسوم ، ومن ثم بالرموز ، والأبجديات ، وإلى آخره ..

 

( 104 )

 

باختصار شديد ، نستطيع القول ، أن التاريخ البشري باتجاه الماضي مازال مفتوحاً أمام المعرفة ، والعلم ، وأن جميع المحاولات البشرية ، لإغلاقه عند نقطة بداية مفترضة ، قد باءت بالفشل ، فالمسألة مازالت تتعلق بمجاهيل من الناحية العلمية ، والمسألة من جانب الخطاب الديني تتعلق "بعلم الغيب" الذي لا يعرفه إلا الله ، وأسطورياً تتعدد الروايات ، والقص ، والملاحم ، وإذا كان المجال هنا لا يتسع لمتابعة ، وحصر ما قيل عن بداية الكون ، وتشكل كوكب الأرض ، وتحديد بداية ظهور الكائنات الحية عليه ، وظهور الإنسان .. فإن هذا الذي قيل متاح لمن يريد ، في الأوابد ، والآثار ، ومجلدات العرافيّن ، والسحرة ، والفلاسفة ، والكهنة ، والملاحم ، والأساطير ، ومتاح في الفرضيات " العلمية " المتتالية ، وفي الخيال " العلمي " الذي لا يكف عن الإبداع ، وفي الاكتشافات العلمية المتسارعة على الأرض ، وفي ما تبثه المحطات الفضائية عن الكون من الفضاء ، ومتاح في الكتب السماوية حيث القص أكثر ثباتاً ، واستقراراً لأنه يعتمد على الإيمان ، الذي يعتمد بدوره على مبدأ التسليم ..

                 ونحن لا نعرف ، بالضبط ، متى بدأ الإنسان بوضع فرضيات لنشوء الكون ، وما وراء ذلك ، فقد يكون بدأ ذلك منذ أن وجد على هذا الكوكب ، أو بعد ذلك بمراحل تاريخية ، قد تكون طالت أو قصرت ( من يدري ) ، لكن تلك الفرضيات في الفترة الممتدة من وجود الإنسان على هذا الكوكب ، وحتى المرحلة التي بدأ يترك فيها أدلة وأوابد لم تصل إلينا ، ولا يمكن أن نتعرف عليها لأن الإنسان قضى على هذا الكوكب آلاف وربما ملايين من السنوات دون أن يترك أثراً يدل عليه باستثناء مستحاثات لهياكل عظمية يتم اكتشافها في هذا المكان ، أو ذاك من هذا العالم فيسارعون إلى نقلها إلى المخابر لتقدير أعمارها ، وأبعادها .. وحتى هذه مازالت مفتوحة فقد تم الإعلان عشرات المرات عن اكتشاف الهيكل العظمي للإنسان الأول ، ثم ، وبعد حين يتم اكتشاف هياكل عظمية أخرى لإنسان أسبق في الزمان ، بالأمس فقط تم العثور على مستحاثة لإنسان تم تقدير عمرها بما ينفي كافة الفرضيات السابقة ... وهكذا ..

                 في مرحلة لاحقة ، لتلك المراحل المجهولة ، بدأ الإنسان يترك آثاراً ، وإشارات ، وأدوات ، ورسوم ، ولوحات ، ورموز ، لا تدل عليه ، فقط ، وإنما تدل على تطوره من جهة ، وعلى طريقة تفكيره ، وعلى محاولاته ، للإجابة على الأسئلة المستعصية ، وتدل على آلهته ، وممالكه ، وفنه ، وثقافته ، وهذا يعود فقط إلى بضعة آلاف من السنين قبل الميلاد ..

                 وبما أن مقدرة الإنسان على النطق ، سبقت بقرون عديدة مقدرته على التعبير بالصور ، ثم بالترميز ، ثم بالحرف ، فإنه عندما بدأ يكتب بدأ أول ما بدأ بالتعبير عن أفكاره السائدة في عصره ، ثم حاول أن يسجل ما تناقلته الأجيال السابقة ، وما حفظته الذاكرة ، من قص ، وسير عن الأيام الخوالي .. وقد يكون ذلك كله مجرد خيال .. وقد يكون خليط من الخيال والواقع ( من يدري ) ، لا أحد على هذا الكوكب يملك الجواب الشافي على ذلك .. المهم ، أن الإنسان أطلق على ذلك القص مصطلح "أساطير" ، ورثها من العصور المجهولة ، أو أساطير ، وضعها في عصور معلومة ، بعد ذلك .

والأسطورة من أشد حقول المعرفة غموضاً ، وضبابية على وجه العموم ، كونها تدور حول آلهة ، وكائنات غرائبية ، وأحداث ، ومعارك ، وملاحم ، تشارك فيها قوى غرائبية خفية ، وهذا ما عبّر عنه " سنت أوغسطين : " بالقول " إنني أعرف جيداً ما هي الأسطورة ، بشرط ألا يسألني أحد عنها ، ولكن إن سئلت ، وأردت الجواب ، فسوف يعتريني التلكؤ.." ، أما " فولتير " فقد حسم أمره ، وقال : " إنما يقوم بدراسة الأساطير الحمقى .."

 

( 105 )

 

نحن ، هنا ، نتحدث عن الأساطير الأولى التي تضمنت أحداث غرائبية ، وكائنات ، وشخصيات ، وآلهة ، وأشباح ، لا وجود لها في الواقع ، أو لم تترك ما يدل على أنها قد وجدت على هذا الكوكب ، أو ظهرت في سماءه ، يوماً من الأيام .. ، ثم ، وفي مرحلة تالية ظهرت أساطير حول شخصيات ، وآلهة ، وأحداث شكلت تداخلاً بين الغرائبي ، والواقعي ، لكن الأسطورة منحتها قدرات ، وإمكانيات خارقة ، في حبكة تداخلت فيها الدراما ، بالتراجيديا إلى حد بعيد ، وقد عبّر عن ذلك "نيكولا ماكيافيلي" بعد تحليله المنازعات على السلطة عند الإغريق بالقول : " إن الناس يصنعون التاريخ بصنعهم الأساطير ، أولاً .." ، بينما قال " بوهيمرس " في نصيحة إلى صديق له يعبد الأوثان : " إن الآلهة التي تعبدونها كانت بشراً يوماً ما .."

أما " روجيه غارودي " فقال : " من الجائز أن نميز في تاريخ البشرية مراحل أساسية ثلاثاً ، مرحلة أولى تتجاوز فيها قدرة الطبيعة قدرة الإنسان ، وحيث من ثم على الإنسان أن يقاتل ، وينافح لمجرد البقاء ، ومرحلة ثانية تتجاوز فيها قدرة الإنسان قدرة الطبيعة ، وأخيراً مرحلة ثالثة نعيشها منذ منتصف القرن العشرين وفيها تتجاوز قدرة الإنسان ، طاقة الإنسان .."

أما " هربت سبنسر " فقال : " إن عبادة السلف أصل كل دين " ..

                 وإذا كان في بعض الأساطير ، شيء من التاريخ ، فإن "مايكل كرانت" تحدث عن   ما أسماه / شبيه التاريخ / ، الذي لا يسجل " ما حدث " بل ما حسبه الناس ، أو اعتقدوا في أوقات مختلفة ، "أنه قد حدث " ... ، "فلكي تتكون لدينا فكرة عن حضارة ، ما ، يلزمنا تاريخ ، وشبيه للتاريخ ، أيضاً ..!! ، هكذا / مثلاً نرى تتابع الشهور عند سبنسر في " الأنشودة المتغيرة " حيث يدخل مارس " آذار " على الثور ، يتبعه أبريل " نيسان " على الثور ذاته ، الذي قاد أوروبا طافية على أمواج "آراغول" .. وكذلك إشارة  "أوفيد" " إلى ارتكاب فينوس الزنا مع مارس باعتباره اتحاد مارس ( الحار ) بفينوس ذات ( الرطوبة المعتدلة ) .. وبينما يرى "يعقوب بريانت" أن عبادة الشمس مفتاح كل الأساطير الوثنية ، يرى " دوبوي " أن البروج هي الرحم التي حملت بجميع الأساطير .. ، أما " الريجومي " فقد رأى أن الألوهيات المختلفة ترمز إلى عناصر طبيعية مختلفة ، فآله البحر ( بوسايدون ) هو الماء ، و(أبولو ) هو النار ، و( هيرا ) آلهة الهواء ، ثم تطور الأمر على يد أمبيدو حيث ظلت "هيرا" آلهة الهواء ، ولكن       ( زوس المضيء ) بات آله النار ، وايدونيوس للأرض ، أما الماء فتمثله حورية مجهولة باكية تدعى / نستيس / أما في الأساطير الأسكندنافية حيث الطقس السيئ  ، فقد كان المركز الأول لإله العاصفة ( وودن ) ، وإله الرعد (دونار ) ، أما الكيميائيين الأوائل فقد دونوا تجاربهم الكيميائية بلغة المصطلحات الأسطورية ، وصنعوا ( حجر الفلاسفة ) عن طريق مزج " دافني " أو الغار الرطب الطيار مع ( فيبوس ) الحار الجاف حتى يجمد المزيج ثم يضاف إليه قليلاً من الماء العذب ، ويغسل بلبن العذراء ..

                 هكذا .. من الأساطير .. إلى الملاحم في أوروبا ، ومن الإلياذة إلى الأوديسة .. ، ومن إسبارطة ، إلى أثينا ، إلى روما ، إلى العصر الحديث . حيث تمّكن واحد من حواريي العربي عيسى بن مريم "عليه السلام" .. أن يمنح أوروبا دينها .. ومازالت حتى الآن تدير خلافاتها حول كنائس تتباين اجتهاداتها حول طبيعة السيد المسيح .. لكنها لا تختلف عليه ..

 

( 106 )

 

أما في آسيا ، فقد امتزجت الأساطير ، بالملاحم عبر تسجيل الأعمال البطولية الخارقة التي صدرت عن بعض الأبطال الحقيقيين ، أو الأسطوريين ، والتي تمتزج فيها أفعال البشر ، وتصرفات بعض الكائنات الأعجازية ، الخفية ، كالآلهة ، والشياطين ، والوحوش المخيفة ، إضافة إلى بعض القوى الكونية ، والظواهر الطبيعية .. وهنا نجد ملحمتين في الهند تقابلان الأوديسة ، والإلياذة ، الأوروبيتين ، وهما " الرمايانا " ،    و " المهابهاراتا " ، واللتان تشكلان الأسس ، والمثل التي تعتمدها الديانات الهندية القديمة ، وحتى الآن .. الأولى تتعلق بالدور الذي تلعبه شعائر التطهير في الديانة الهندوكية ، والاعتماد على الماء ، والنار لرفع الدناسة ، وتطهير الجسد ، والروح ، ولعل هذا ما يبدو واضحاً عند البراهمة ، الذين يعتقدون أن أدران الروح تنتقل إلى الجسم ، كما أن دناسة الجسم ، ونجاسته تؤثر في صفاء الروح ، وأنها تنتقل من شخص إلى آخر ، عن طريق الملامسة ، أو حتى تناول الطعام ، لهذا ، فإنهم يأنفون من مصافحة غيرهم ، أو تناول طعامهم إلا حسب شعائر ، وطقوس ، ومراسيم معينة .. ، وإذا كانت أول كلمة في الإلياذة هي الغضب ، وفي الأوديسا هي الرجل ، فإنها في   " الريامانا " هي التطهر ، وفي " المهابهاراتا " هي الحرب ، كنواة ملحمية ...

وإلى الغرب من الهند في بلاد فارس ظهرت " الشاهنامة " التي تحوي الكثير من الموضوعات ، والعناصر الأسطورية ، والحماسية ، وإلى الشرق من الهند ، في الصين ، واليابان ، وجنوب شرق آسيا انطلقت البوذية ، وانتشرت انتشاراً واسعاً ، لتشيع بأن كل حياة ، ألم ، وان الرغبات ، واللذات مسؤولة عن ذلك ، وأنه لابد من أجل القضاء على الألم من كسر دارة انبعاثه المتجدد دوماً ، وهي دارة تربطنا بعجلة الوجود ، وأن الإنسان الذي يحجم عن الرغبة ، وعن اللذة ، سيعرف الخلاص ، عندما يذوب في السرمدية ، مثلما تصير كأس من الماء سكبت في البحر ..

                 إن هوية ( كل ) الطبيعة تتوحد بأسمى حقائق البوذية ، بحسب تعاليم (زن ) ، وتتلخص هذه الوحدة على حد سواء ، إما في صلاة ، أو في حديقة ، أو زهرة ، أو منظر ، إن الشلالات ، والأرض ، والجبال تجليات ما يسميه ( بوزيو) " زن " باسم : " الجسد الإلهي للقانون " .. فالريح ، وحركة الغيوم ، والضباب ، وقوة الجبال ، وانسياب المياه في الشلال .. فتلك الطاقة الموجودة في كل مكان ، والتي يرمز لها بالتنين في الفنون الصينية ، واليابانية ، توحي بحركة الحياة الكونية ، وإيقاعاتها .. لقد شملت تلك الأوضاع آسيا ، إلى أن دخلها دعاة النبي العربي محمد بن عبد الله "صلى الله عليه وسلم" ، فنشروا الدين الإسلامي في أرجاء من آسيا ، تفاعلاً مع التعاليم السائدة ، فأثر ، وتأثر ، ومازال الآسيويون المسلمون ، حتى الآن ، يديرون خلافاتهم  ، فيما بينهم ، حول التعاليم التي جاء بها الرسول العربي ، لكنهم أبداً لم يختلفوا عليه .. ، وفي الوقت ذاته ، يديرون حوارات معمقة ، مع الأفكار ، والديانات التي مازالت سائدة ، حتى الآن ...

 

( 107 )

 

                 قد يكون الدخول إلى قلب أفريقيا تاريخياً أكثر صعوبة ، فقديماً تم تشبيه القارة الإفريقية بجرن هائل الضخامة ، مرتفع الضفاف ، وقد بقي تاريخ داخل القارة الإفريقية غير معروف إلا بما تتناقله حكايات سكان البلاد الأصليين ، الذين كانوا يقطنون مناطق العمالقة ، والأقزام ، والغيلان التي تأكل بعضها ، البعض ، والنساء الطيور .. ، لكن التنقيبات الحديثة كشفت عن ممالك منظمة ، تحدثت عنها روايات تشبه الأساطير ، تروي تاريخ إمبراطوريات قوية ، وقد تم جمع ملاحم كاملة من أفواه منشدي الملاحم الإفريقية ، والمتغنين بالتقاليد التاريخية ، التي تعيش فيهم ، وقد تم الكشف عن مناجم تشهد بوجود عريق للإنسان في تلك المناطق الإفريقية الداخلية ، وربما سنعرف يوماً ، ما ، الحقيقة التاريخية لإفريقيا .. ويمكن الحديث تاريخياً عن مجتمعات قديمة هي من الجنوب إلى الشمال : البوشيمان ، والهوتانتو ، والبيغميون ، ومجتمعات الشرق ، والجنوب ، والاستواء ، والغرب ، ثم مجتمعات الصحراء والشمال العربي ، والسودان ، والحبشة ، والصومال .. وكانت إفريقيا تقسم إلى إفريقيا السوداء في الجنوب ، وأفريقيا البيضاء في الشمال ، ويمكن تقسيم سكان أفريقيا السوداء إلى جماعات ، حيث يمكن تميّيز : الزولو ، وسوتو ، وتسوانا ، وتونغا ، وفاندا ، وهيريرو .. وتعتبر حزات الجراح الجسدية شارات شرف ، ويعيشون في أكواخ تسمى " كراغول " ويضم كل واحد منها أسرة واحدة ، والأبقار الضخمة عنوان الثروة ، ولا يأكلون لحمها ، "نجد ذلك أيضاً عند الهندوس في الهند" ، وصفة الرئاسة خاصة بالكهان ، وتنتقل من الأخ الأكبر ، إلى الأخ الذي يليه ، ونداء رجل "بصفة ممدوح" ، تلزمه بعض المحرمات ، فلا يشرب حليباً ، إلا مع رجال يحملون لقبه عند الزولو ، أما عند السوتو فإن لقب ممدوح يرتب عدم أكل اللحم ، ولا يقتلون أبداً ، إلا الحيوانات المؤذية ، وإذا قتلوا ، عليهم أن يتطهروا ، وعبادة الأجداد ، قاعدة ترتكز عليها الحياة الدينية ، وإله الزولو ، هو إله خالق يسمونه ( الكلي العظمة ) ، وهذا الإله غير "إله الأجواء" الذي يستطيع بعض السحرة مراقبته بعد أن يتطهروا ، والإله (الكلي العظيمة)  ليس معبوداً ، لأنه لا ممثلين له على الأرض ... ، إلى أن دخل النخاسين الأوروبيين الذين أرعبوا الناس واختطفوا ، وتاجروا بهم ، فظهرت عبادة ( الفيتيش ) وهي نوع من عبادة البشر أحدثها البرتغاليون ، فكان الزنجي يعبد غلاظ القلوب من مستعبديه الأوربيين ، وهذه الحالة المنتهكة كرامة الإنسان ، بقيت مستمرة حتى أوائل القرن العشرين ..

                 إن التاريخ الأفريقي ، تتناقله الأجيال ، لأنه في الغالب غير مكتوب ، لذلك يقول أحد حكماء أفريقيا : "كلما توفي عجوز أفريقي كانت وفاته احتراق مكتبة " ، كما أن افتقاد الأحجار أدى إلى أن معظم آثار الفن الأفريقي مصنوعة من الخشب ، وهو قليل المقاومة . والآثار الوحيدة التي بقيت منذ ما قبل القرن الثامن عشر هي الآثار ذات الصفة الدينية والموضوعة في كوى كلسية ، والتي حفظها رشح الماء الذي كان يترسب فوقها والذي شكل قوقعة كلسية تحمي الخشب حماية داخلية ، وخارجية ، ولم يبق من الفن الأفريقي الغابر سوى برونز ( نبين ) ، وبعض آثار حضارات نوك ، وأيفة .. ، ولا يمكن إنهاء الحديث عن أفريقيا ،  دون الحديث عن "القناع الأفريقي" الذي يعتبرونه بالدرجة الأولى تكثيف للطاقة ، وهذه القوة التي يحتويها القناع ، ويطلقها إنما تصدر من ينابيع الطبيعة ، والجدود ، والآلهة ، وعندما يرقص الأفريقيون بأقنعتهم ، فإنهم يستمدون تلك الطاقة من القناع ، لتشع في المجتمع كله ، فالرقص عندهم ، هو انبساط القلب الأسود ، وانقباضه ، إن الأفريقيين يعرفون طاقة وحيدة تعمّر الطبيعة على درجات متفاوتة من الشدة ، طاقة تستجيب للهموم ، والرغائب ، والآمال ، والمشكلة الأساسية عندهم هي أسر تلك القوى المتفرقة ، واتخاذها نواة ، لتشكيل واقع مكثف ، وبهذا الاعتبار يعمل القناع عمل حامل مرئي ، لقوى لا مرئية .. لهذا فإن القناع عندهم مشحون بقوة تجعله يصعق من يرتديه دون جدارة .. ، باختصار شديد ، إن المبدع الأفريقي ، ينطلق من تجربته الحية ، ويضفي شكلاً مشخّصاً على طلاسمه ، على عكس الإغريقي الذي ينطلق من الفردي ، ليستخلص منه ، الخطوط الأساسية ..

 

( 108 )

 

                 إذا انتقلنا إلى القارات الحديثة ، ولا نقصد الحديثة تاريخياً ، ولكن نقصد الحديثة الاكتشاف ، من قبل الجماعات البشرية في القارات ، المعروفة بالعالم القديم ، فإن الإنسان في تلك القارات ، التي اكتشفت حديثاً ، ترك حضارات مازالت قيد الاكتشاف ، ففي القارة الأمريكية شمالها ، وجنوبها ، نجد في الشمال الأزتيك ، وهم بدو رحل ، ارتحلوا جنوباً مع بداية الألف الثانية الميلادية ، واستوطنوا ما يعرف اليوم ببلاد المكسيك حيث بنوا عاصمهم تينوشتيتلان التي أصبحت عاصمة المكسيك الحالية ، وبنوا الأهرامات وتركوا الكثير من المنحوتات ، والخزفيات الملونة ، وقد سبقتهم إلى تلك البلاد ، قبائل المايا ، أما الإنكا ، فقد أسسوا إمبراطوريتهم في ما يعرف اليوم بأمريكا الجنوبية بين البيرو ، وتشيلي ، بالتزامن مع حضارة الأزتيك وجعلوا عاصمتهم في كوزكو حيث كانت مبانيهم المهمة مغطاة بصفائح الذهب ، وحيث بنوا الجسور ، وقنوات المياه ، أما في استراليا ، فإنهم يتحدثون عن إنسان اوسترالوبيتكوس قبل خمسة ملايين سنة ، ربما بالتوازي مع ما يعتقد أنه الإنسان الأول الإفريقي الذي أطلقوا عليه الإنسان الاوسترالوستين ، والإنسان النيندرتالي ، وإنسان بروكن هيل ، وناس الأومو- سابيان .. وهكذا .. ثم يتحدثون عن الهجرات الكبرى قبل حوالي 200 ألف سنة مع نهاية العصر الجليدي ، باتجاه أوروبا ، والأمريكتيتين ، وبما أن المصطلحات الأوروبية هي الطاغية على كتب التاريخ البشري في العصر الحديث ، وبما أنهم أطلقوا على الهجرات القادمة من الشرق باتجاه أوربا ، بأنها ، "هندوأوروبية" دون تمييز ، فقد أطلقوا على الهجرات باتجاه الأمريكيتين "هندوأمريكيين" ، ووصفوا سكان أمريكا الأصليين بأنهم "هنود حمر"  ، وتلك الهجرات القديمة باتجاه الأمريكتين واستراليا  كانت باتجاه واحد أي أنها كانت هجرات ، بلا عودة ، وبالتالي لا نعرف بالضبط مصدرها ، ولا أماكن تموضعها ، فأطلق عليها المؤرخون الأوروبيون ، الهنود الأمريكيون ، أو الهنود الحمر .. ذلك أن القراصنة الأوروبيين المعاصرين ، الذين ما أن وطئت أقدامهم اليابسة الأمريكية حتى ارتكبوا الجرائم ، والمذابح بحق الإنسان الأصلي لتلك البلاد ، فهذا / هرمان كوتريز / يفخر بأنه أباد ثقافة ( الأزتك ) ، وأنه أجهز على ثقافة ( المايا ) ، وذاك ديجو دولاندا ، وهو أسقف – للأسف – يتحدث بنشوة عن المحرقة التي أقامها على جميع كتابات ( المايا) ليسّهل دخول المسيحية .. وهكذا .. ، ولعل الأوضاع في قارتي استراليا ، ونيوزيلاندة كانت مشابهة لذلك ، وإن كان ذلك ، بنسب مختلفة ...

 

( 109 )

 

هل كنا قاصدين ، أن نتحدث عن الإنسان ، وتواجده على هذا الكوكب في الشرق ، والغرب ، في الشمال ، والجنوب متجاوزين المركز ، الذي يعرف الآن ، بالوطن العربي ، والذي تختص فيه جماعة بشرية ، تدعى الأمة العربية .. نقول ، نعم ، وذلك حتى ، لا يتهمنا أحد بالعنصرية ، لكن هذا لم ، ولن يمنعنا من أن نطلق على هذا الوطن العربي ، مصطلح " المركز " ليس ادعاء ، ولا استعلاء ، وإنما استناداً إلى ما تكشف عن حضارة الإنسان ، ووجوده على هذا الكوكب ، حتى الآن ، ونحن نقول ، حتى الآن ، لأننا نلتزم بما قلناه ، من ، أن تاريخ هذا الكوكب ، وتكوّن الكائنات الحية عليه ، والتاريخ البشري ، ذلك كله مازال مفتوحاً أمام علماء : الجيولوجيا ، والأحياء ، والبيولوجيا ، والفضاء ....، إضافة إلى المؤرخين ، وإلى آخرهم ، وأن أي اكتشاف جديد سيترتب عليه اندثار أفكار ، وفرضيات ، وعقائد ، وولادة أفكار ، وعقائد ، وفرضيات جديدة ، وهكذا .. لذلك ، فإننا ، واستناداً إلى ما اكتشف حتى الآن من التاريخ البشري نطلق على هذه المنطقة الممتدة بين المحيط الأطلسي والخليج العربي صفة "المركز" ، فقط ، بما يخص تاريخ الحضارات البشرية القديمة ...

ونحن هنا ، وباختصار شديد ، لن ندخل في تفاصيل تلك الحضارات العربية القديمة التي تحتاج إلى مجلدات ، وكادر أكاديمي متخصص ستسعى " الطليعة العربية " عبر مؤسساتها المتخصصة ، وعبر بحث علمي صرف ، وعبر تعاون مع المؤسسات الأكاديمية التاريخية ، والجغرافية ، وحتى الجيولوجية ، وعبر لجان ، ومؤسسات مفتوحة لذوي الاختصاص تساهم " الطليعة العربية " في تأسيسها .. إلى صياغة موضوعية ، تضع حداً ، لهذا العبث ، بتاريخنا ، وبوجودنا ..

                 فقط ، في هذا البيان التأسيسي ، للمشروع النهضوي "للطليعة العربية" ، نسعى إلى وضع حد لذلك الجلد المستمر للذات العربية ، الذي تجاوز كل الحدود .. ، والذي وصل إلى حد التشكيك ، بإمكانية أن نكون بشراً أسوياء .. فتاريخنا ، كما يدعي البعض ، مهازل ، وفتن ، ودماء ، وخيانات ، وطغاة ، وقتلة ، ومتوحشين .. لا .. هذا هراء .. لقد مر بعض أولئك بتاريخنا ، هذا صحيح ، وبعضهم مازال بيننا ، لكن أن يقال أن تاريخنا كله كان كذلك ، فهذا افتراء ، وتجنّ ، وعدوان ،  وإذا كنا نفهم لحظات اليأس ، والإحباط ، والهزائم ، فإن "الطليعة العربية" ستقاوم سائر أشكال العدوان على الأمة ، أياً كان مصدرها ، ومهما كان مضمونها ... وستقاوم محاولات الاستسلام إلى منطق اليأس ،  وأنه لا جدوى .. ، فكل هذا السوء مجرد لحظات عابرة في تاريخ أمتنا .. ، وأنها محنة ، وستمضي ...

                 دعونا نستخلص العبر ، من التاريخ القريب ، لأكثر شعوب الأرض تحضراً ، في هذا العصر ..ونحن هنا لا نتحدث عن أساطير ، وقصص خيالية ، وإنما نتحدث عن أحداث موثقة ، منذ بضعة قرون ، فقط ، وعلى لسان مؤرخ لا شك في مصداقيته هو " ول ديورانت " الذي يقول في الصفحة 19 ، من الجزء الأول ، من قصته للحضارة ، ما يلي بالحرف الواحد : ( لقد أضاف الإنسان إلى صنوف الطعام ، صنفاً آخر- كان ألذها ، وأشهاها – وهو زميله الإنسان ، ذلك أن أكل اللحوم البشرية ، كان يوماً ، شائعاً بين الناس ، فقد وجدناه في كل القبائل البدائية تقريباً ، كما وجدناه بين الشعوب المتأخرة تاريخياً ، مثل سكان إيرلندة ، وإيبيريا، وجماعة البكت ، بل ، بين أهل الدانماركه ، في القرن الحادي عشر ، كان اللحم البشري من لوازم العيش .. وأما في جزيرة بريطانيا الجديدة ، فقد كان اللحم البشري ، يباع في الدكاكين ، كما يبيع القصابون اللحم الحيواني ، اليوم ... ، حتى أن ـ مونتيني ـ رأى أن تعذيب الإنسان حتى يسلم الروح ، تحت قناع من الورع ، والتقوى ، أفظع وحشية من طهيه ، وأكله بعد موته .. "

               على أية حال .. لقد انتقل الإنسان ، عبر الزمان ، من الوحشة ، والوحشية ، والتوحش ، إلى الأنسنة النسبية .. ، وليس معيباً ، أن يكون قد مر في تلك المراحل المتعاقبة .. ، لكن المعيب .. أن لا يقاوم قوى التوحش والطغيان ، المعيب أن لا يتطور ، عبر الزمان ، باتجاه الأنسنة ..متجاوزاً كل الصعاب ،  ليحقق في ذاته ، المزيد منها ، باضطراد ، عبر البعد الرابع ، الزمان . ...

(يتبع " 23 " .. البيان )

 

E-mail:habib.issa@yahoo.com