على بساط الثلاثاء

47 

 

( تتمة ..."21" ... البيان ... )

 

( 95 )

 

كل ما نعرفه ، وما تعرفه البشرية ، حتى الآن ، أن ، الإنسان ، ومنذ أن ترك على هذه الأرض ، ما يعرّف ، عنه ، من مستحاثات ، ومخلفاتّ بشرية ، ثم ، منذ ، أن بدأ يعرفّ عن نفسه ، ويترك في الواقع ، آثارا ، وأوابد ، وأدوات ، ورسوم ، ومن ، ثم ، كتابة ، وعمراناً ..، وصولاً ، إلى هذه المرحلة التاريخية .. لم يكفّ ، قط ، عن البحث ، والاستقصاء ، يحاول ، أن يستقصي ، بخياله ، ما وراء الواقع ، الماثل أمامه ، بحثاً ، عن أصل هذا الوجود ، كيف ؟ ، ومتى ؟ ، وبماذا ؟ ، ومن أين ؟ ، وإلى أين ..؟!!  ، ثم ، ما هي النواميس ، التي تحكم الظواهر ، والكائنات ، بما ، في ذلك الإنسان ؟ ، ما هو المصدر ..؟ ، وإلى أين المآل ..؟

                 لقد طوّر الإنسان أدواته ، للإجابة على تلك الأسئلة الصعبة ، ابتداء ، من الأدوات البدائية ، واستخدام ، الحوّاس ، والمدارك ، والخيال ، إلى عبادة النجوم ، والكواكب ، والحيوانات ، والحجارة ، إلى التدخل في تصنيع الآلهة ، عن طريق التصوير ، والنحت ، والتشكيل ، أو ما سمّي ، بالأصنام ، إلى عبادة الإنسان ، للإنسان فظهر ، بعض المتألهين ، أو ، الوكلاء ، الذين تمدهم الآلهة بقدرات خارقة ، وتوكلهّم على الناس ، يعتصمون ، في المعابد المخصصة ، لذلك ، أو ، في قصور المستبدين ، وقلاعهم ، ثم ، وزّع الإنسان الاختصاصات ، على ، الآلهة ، إله ، للحرية ، وأخرى ، للجمال ، وآخر ، للعواصف ، وهكذا .. ، وأنثهمّ ، وذكرهّم ، وبالتزامن ، مع ذلك كله ، كان الإنسان ، يراكم العلوم ، والمعارف ، وتتوسع مقدرته ، على الاستكشاف  ، فيضيء ، على الكثير ، من المجاهيل ، ويحولها إلى معارف ، ثم يبني عليها .. ، لاكتشاف ، كنه ، مجاهيل أخرى ، وهكذا ..  ، ومع ، كل اكتشاف ، أو كشف ، كان العلماء ، والفلاسفة ، والمفكرين ، يبنون على ما اكتشف ، فرضيات ، عن الكوكب ، والكون ، والمصدر ، والمآل .. ، إلى ، أن تنهار ، تلك الفرضيات ، أمام ، اكتشافات جديدة ، وفرضيات جديدة ، وهكذا .. ثم ، وبقدر ما كان الإنسان يتقدم في العلوم ، والاكتشافات ، بقدر ، ما كانت مجاهيل جديدة ، تبرز أمام ناظريه ، فيمد خياله ، إلى البعيد ، مفسراً ، أو مفترضاً ، أنه ، يفسر  ، ما يعجز عقله ، وأدواته المتاحة ، ومكتشفاته العلمية ، عن تفسيره ، أو إدراكه .. وعندما ، كان خيال الإنسان ، يصطدم ، بحائط مسدود ، لا يعرف ما ورائه ، ولا يعرف ما وراء ، الوراء .. ،  وفي ، الوقت ذاته ، تخذله الآلهة ، التي عبدها ، أو اصطنعها ، عن تقديم إجابات ، كان يرفع يديه إلى السماء ملتمساً أن تمطر عليه المعرفة ، والنواميس ، والرسائل ، والوصايا ، والآيات ..  ، ولم تكن السماء تبخل ، بذلك ... فتتابعت الرسائل السماوية ، إلى ، أن تلقى ، جدنا ، الرسول العربي ، محمد بن عبد الله ، صلى الله عليه وسلم ، الرسالة الختامية ، من السماء ، إيذاناً ، وبلاغاً ، بانقطاع الخطاب الإلهي المباشر ، للإنسان ، من جهة ، وتوجيهاً ، له ، بأن على الإنسان ، بعد ذلك ، أن يعمل عقله ، ليكتشف النواميس ، التي تحكم الظواهر ، ويتصرف اجتماعياً ، وإنسانياً ، على مسؤوليته ، في الدنيا ، والآخرة .

                 وهكذا ، فإن الإنسان محكوم ، بالسعي إلى المعرفة ، محكوم ، بالسعي إلى الحرية ، بحكم قانونه النوعي " الجدل " ، يراكم المعرفة ، والعلوم ، جيلاً بعد جيل .. بخط بياني صاعد ، أبداً ..  ، وهذا ، هو ، التطور الذي يبدعه الإنسان ، علماً ، ومعرفة ، في ذاته ، وتراكماً ، عبر الزمن ، في ، العلم ، وفي الواقع الموضوعي ، وفي الفضاء ، بالأدوات ، والوسائل ، والمعارف ، التي توفرت ، له ، عبر المراحل التاريخية المتعاقبة ، بدءاً ، من أغصان الشجر ، إلى العظام الحيوانية ، إلى الأدوات الحجرية ، إلى فرز المعادن .. ، وحتى المجسات الفضائية ، وعلوم ، الرياضيات ، والفيزياء ، والكيمياء ، والجيولوجيا ، وعلم الأحياء  .. ومن المغائر ، والكهوف ، إلى ناطحات السحاب ...، ومن ، ركوب الحمير ، والجمال ، إلى ، ركوب المركبات الفضائية ...

( 96 )

 

وإذا ، كان تاريخ هذا الكوكب ، ما قبل الكائنات الحية ، ثم ، ما قبل البشر ، ثم ، التاريخ البشري ، على الكوكب ، سلسلة ، من الحلقات المترابطة ، متداخلة ، ومتصلة ، ونامية من مرحلة ، إلى أخرى ، بمعنى ، أن النسغ ،  الذي يغذي ، كل ، مرحلة تاريخية ، ويعطيها هويتها ، وتميزها ، صاعد ، إليها ، من المرحلة التاريخية ، السابقة عليها ، التي ، نمت ، وتشكلت ، بدورها ، على النسغ الصاعد إليها ، من المرحلة التاريخية التي قبلها ، والممتدة ، رجوعاً ، إلى بداية نشوء هذا الكوكب ، في ذلك الكون .. ، تلك البداية ، التي ، يتساوى بني البشر ، حتى الآن ، علماء ، وجهلة ، مؤمنين ، وكفار ، في المعرفة العلمية ، لتلك البداية ، هناك فرضيات متعددة ، لذلك .. من فرضية الأرض ، التي تتربع ، بين قرني ثور .. إلى قصة الخلق في الديانات السماوية ، إلى آخر الفرضيات ، التي وضعها العلماء ، الذين مازالوا ، حتى هذه اللحظة ، ينفون فرضية سابقة ، لصالح فرضية  جديدة ، ثم ينفون الفرضية الجديدة ، لصالح فرضية ، أكثر جدة .. وهكذا .. ، امتداداً ، إلى ، ما رتبه الفلاسفة على ذلك ، كله ، وبالتتابع عبر الزمان ...

                 وإذا كان ذلك ، هو ، حدّ ، المعرفة ، الذي وصل إليه العقل البشري ، بالعلم ، أو بالإيمان ، بالفرضيات ، أو بالخيال .. فإن ، تلك الصيرورة ، للكوكب ، في هذا الكون ، عبر الزمان ، من النشوء ، الذي لا نعرف (علمياً )  ... ، إلى ، المآل ، الذي ، لا ندري ( علمياً ) ، مرّكبة ، تركيباً ، معقدا ،ً عبر مراحل تاريخية ، متعاقبة ، لا يمكن تقسيمها ، تعسفياً ، إلى مراحل منفصلة ، بعضها ، عن البعض الآخر ..  ، فإن ، العلماء ، والباحثين ، ولضرورات البحث ، تحدثوا عن عصور جيولوجية ، وأخرى مناخية ، وعصور بشرية ، تتعلق بتطور الإنسان ، ثم ، إلى عصور ، بحسب اكتشافات الإنسان ، عصر البرونز ، عصر الحديد ، عصر البخار ، عصر الذرة ، وعصر الفضاء ، وفيما يتعلق ، برؤية الإنسان ، لنشوء كوكب الأرض ، وللكون ، عموماً ، فإن القص ، عن ذلك ، النشوء ، لم يتوقف ، ولضرورة البحث ، أيضاً ، يمكن تصنيف ، ذلك ، في المصنفات التالية :

1 -             عصر الكوكب المشتعل والرجم العظيم .

2 -             عصر الشتاء الجليدي .

3 -             عصر الكائنات الحية .

4 -             عصر الإنسان البدائي .

5 -             عصر الحضارات القديمة والديانات القديمة .

6 -             عصر الديانات السماوية .

7 -             عصر البحث العلمي .

( 97 )

 

تلك العصور ، كانت ، ومازالت متداخلة ، بمعنى ، أننا ، لا نتحدث عن تراتبية ، لتلك العصور ، فعصر البحث العلمي الذي صنفناه        ( سابعاً ) ولد ، بدائياً ، مع الإنسان البدائي في حدوده الدنيا ، وطوّر الإنسان البحث العلمي ، بما يتناسب مع كل عصر ، من العصور التالية ، تمتد جذورها ، إلى ، لحظة التدخل الإنساني ، الواعي ،  الأولى ، حيث ، تحول كل فعل إنساني ، في مرحلة زمنية ، ما ، إلى   " لبنة " في صرح التاريخ البشري ، على هذا الكوكب ، الذي امتد عبر الزمن ، إلى هذا العصر ، الذي نعيش ..  ، وبالتالي ، فإن تاريخ الكوكب ، الذي عرف البشر ، البعض اليسير ، منه ، لا ينفي ، بعضه ، البعض الآخر، وإنما ، هو ، عبارة عن عملية تراكم عمودي ، وامتداد أفقي ، فقصّ الإنسان البدائي ، ونتاج الحضارات القديمة ، والديانات القديمة ، والقص الديني السماوي .. ، وكذلك ، نتاج الإنسان ، من العلوم ، والعمران ، والفلسفة ، والفنون .. الخ ، تلك العصور ، جميعها ، بما فيها من إيجابيات ، وسلبيات .. ، من توحش ، وأنسنة .. ، من علم ، وجهل .. ، من إيمان ، وكفر .. مازالت متداخلة ، مع أحداث هذا العصر ، تتفاعل مع أحدث الاكتشافات العلمية الراهنة ، بحيث ، نجد هذا التنوع الشامل ، لمراحل التاريخ البشري .. جنباً إلى جنب ، على سطح ، هذا العصر ، الذي نعيش .. والذي ، سيرّحلها ، مع الإضافات ، الممكنة ، إلى العصور التالية ...

 

( 98 )

 

وإذا ، كان لكل مقام ، مقال ، فإن المقام ، هنا ، ليس ، للبحث في نشوء الكون ، والكوكب ، والكائنات ، والإنسان .. ، والعلوم ، والديانات ، والفلسفات ..  ، فقد ، عبرت البشرية ، بمختلف الوسائل ، بدءاً ، بالإشارات ، ثم ، بالنطق ، ثم ، بالرسوم على أوراق الشجر ، ثم بالنقش على الصخور ، ثم بالحرف ، ثم ، بكتابة مليارات الصفحات ، بمختلف اللغات ، التي تعلمها بني البشر .. ، عن آراء ، ونظريات ، وافتراضات ، لا يمكن حصرها ..  ، وباعتقادنا ، أن البشرية ، ستضيف ، في كل ثانية .. إجابات جديدة .. ، وستتوالد ، أمامها ، أسئلة جديدة ، تطرحها مشكلات ، متجددة ، أبداً ، تبحث عن حلول لها ... ، وهكذا ...!

المقام ، هنا ، ليس لاعتماد فرضية ، دون أخرى ، من الفرضيات المطروحة ، وليس ، لنقض الفرضيات المطروحة ، لصالح فرضية جديدة ، عن نشوء الكوكب ، والكون ، أو الأكوان .. وإنما ، يقتصر الموضوع ، هنا  ، حصراً على موقف " الطليعة العربية " ، من هذه المسألة الشائكة ، بالتداعي إلى الكلمة السواء فيما بين الطليعيين العرب ، أنفسهم ، ثم ، بينهم ، وبين سائر المكونات الثقافية ، والاجتماعية ، والدينية ، والعلمية .. في مجتمعهم العربي ، والعالم ..  ، وذلك ، سداً ، لذرائع الخلاف ، وتجنباً ، للمعارك الوهمية ، حول مسائل ، يتساوى الأطراف ، في الجهل ، بمكنوناتها ، ولكل واحد ، الحق ، في أن يقتنع بفرضية " ما " مطروحة .. ، ولكل واحد ، الحق ، في ، أن يؤمن بما يشاء ، فهذا التنوع ، يشمل البشرية ، برمتها ، وليس لأحد أن يتباهى ، على ، أحد ، بهذا الشأن ، فإذا ، كان التسليم يؤدي إلى سكينة نفس المؤمن ، فإن الشك هو الذي يحفز العلماء لمزيد من البحث ، والتدقيق ، وإذا ، كان ادعاء علم الغيب ، كفر ، وتجديف .. ،  في الخطاب الديني ، فإن ، إدعاء حتمية ، فرضية ، ما ، دون إثباتها ، علمياً ، يعتبر ضرباً من الجهل ، والخطأ ، الذي يصل إلى حد الخطيئة ، علمياً .. وإذا ، تجاوزنا القصّ ، الذي ، تداولته الشعوب ، عبر تطورها ، عن نشوء الكون ، مرورا ،ً بالحضارات القديمة ، والديانات القديمة ، والديانات السماوية  ... لأن ، هذا ، كله ، لا يخضع للإثبات ، والتساؤل ، وإنما ، يخضع ، للإيمان ، والتسليم ، فقد ، حملت ، لنا ، الرسالة الختامية ، للرسائل السماوية ، هذا الخيار ، وألقته ، على كاهل الإنسان ، " فليؤمن من يؤمن ، وليكفر من يكفر " ، وعلى مسؤوليته ، في الدنيا ، والآخرة .. أما ، البحث العلمي ، فيستند ، على قواعد الإثبات العلمية ، البحتة ، فالقوانين ، إما ، صحيحة ، وإما ، خاطئة ، والفرضيات ، والنظريات ، التي تبنى على حلقة مفقودة ، أو على معطيات مجهولة ، لا ترقى إلى درجة العلمية ، والذين ، يبنون ، على تلك ، الفرضيات ، نظريات فلسفية ، أو ميتافيزيقية ، أو منهجية ، أو فكرية ، أو سياسية ، أو ما يسمونه "خيال علمي"  .. ، لهم  ذلك ، لكن ، ليس لهم  ، أن يتباهوا ، بأنهم ، امتلكوا الحقيقة العلمية ، المطلقة ، وليس ، لهم ، اتهام الآخر ، المختلف ، بأنه متخلف ، ومجاف ، للعلم ، والتطور .. فما ، يسمى " الخيال العلمي " ، لا يعني أن  ، الخيال علمياً ..  ، وإنما ، يعني ، أن الإنسان ، وطبقاً ، لقانونه النوعي         " الجدل " ، يبني على الحقائق العلمية ، المكتشفة ، تصوراً ، لما ، سيصل إليه علم الإنسان ، في المستقبل ..  ، وهذا التصور ، قد يتحقق ، وقد لا يتحقق ، قد ، يكون علمياً ، وقد لا يكون ، قد يتحقق الإنسان ، من صحة تصوره ، وقد ، يتحقق من أنه كان على خطأ .. ، قد يتحقق من أن ، بعض ، تصوره ، كان صحيحاً ، وبعضه كان خاطئاً ... هذا كله مشروط ، بالكشف ، والاكتشاف العلمي ، على صعيد المعرفة ، والقوانين العلمية ، وبالتالي ، فإن ، معركة الإنسان ، من أجل الحرية ، وكشف المجاهيل ، مفتوحة ، منذ وجود الإنسان العاقل ، على هذه الأرض ، وحتى المآل الأخير ، لذلك الوجود الذي ، لا نعرف حدوده .

 

( 99 )

 

                 إن ، الإنسان ، دائماً ، يجد موقعاً جديداً ، بين واقعه الموضوعي ، كما هو ، وبين أحلامه ، للمستقبل ، كما يتصوره ، قد يكون هذا الموقع أقرب إلى الواقع الموضوعي ، أو أقرب إلى الحلم ، لكنه ، حتماً ، يقع بين الواقع الموضوعي ، وبين الحلم ، ولهذا ، نقول مع عصمت سيف الدولة ، أن الإنسان ، جدلي ، وأنه ، مصنع التطور ، بمعنى ، أن المعرفة الإنسانية ، والعلم ، والاكتشاف ، دائماً ، إلى تقدم ، باطراد ، قد يتم ذلك ، بتسارع ، بتباطؤ ، ربما ..  ، لكنه ، أبداً ، لا يتوقف ، ولا يعود إلى الوراء .. وهذا ، هو الفارق ، الفصل ، بين التطور الذي يحدثه الإنسان ، وبين التحول الذي يجري في الواقع الموضوعي ، نتيجة التأثر ، والتأثير ، والتفاعل ، والتداخل ، والتباعد ، والتضاد ، بين القوانين ، والنواميس ، التي تحكم حركة الكواكب ، والنجوم ، والأشياء ، بما ، في ذلك  كوكب الأرض ، الذي يستضيفنا ، في هذه المرحلة ، من كينونته ، والذي ، يهتز  ، أحياناً ، بالزلازل ، وينفث الحمم ، بالبراكين ، وتثور في محيطاته ، وعلى يابسته ، العواصف ، والأعاصير .. ، ويزداد مخزونه الجليدي ، إلى حد الخطر ، أحياناً ، أو يتناقص ، إلى حد الخطر ، أيضاً .. هذا ، لا يعني ، أن الإنسان لا يقوم بتنفيذ أعمال ، غاية في السلبية ، والتدمير ، للإنسان ، وللكوكب ، على حد سواء .. فأسلحة الدمار الشامل ، والانبعاث ،   الامتوازن ، للغازات ، الذي يدمر الغلاف الجوي للكوكب ، ويدمر طبقة الأوزون ، والاستنزاف غير المدروس للموارد الطبيعية ، الذي يؤدي ، إلى اختلال التوازن البيئي ، ونظم التوحش الفردي ، ونظم الاستغلال المادي .. ، كل ، هذا ، يؤدي إلى نتائج بالغة السلبية ، على مستقبل البشرية .. ، لكن ، هذا كله ، يأتي من خارج سياق الأنسنة الحضاري ، الذي يسعى إليه الإنسان ، الإنسان .. إن ، تلك الممارسات ، التي تتم على أيدي جماعات متوحشة ، أو أفراد متوحشين ، تعمل ، على إعاقة نزوع الإنسان ، إلى الحرية والأنسنة ... ، وهذا ، هو الصراع الأزلي بين الأنسنة ، والتوحش ، والذي يحل عن طريق "الصراع الاجتماعي" ، لكن ، المعارف الإنسانية ، والعلوم الإنسانية ، والاكتشافات الإنسانية ، للكوكب ، للفضاء ، للأكوان .. كل ، هذا ، يتراكم عن طريق الإنسان ، عبر الزمان .. ، بمعنى ، أن ، تلك المعارف ، والعلوم ، في ازدياد ، أبداً .. وهذا ، هو ، التطور ، الذي ينتجه الإنسان ، باضطراد ، وبفعل قانونه النوعي ،    " الجدل" .

 

( 100 )

 

                 السؤال الملح ، الذي نحاول تقديم مشروع إجابة عليه ، هو : هل ، على الطليعيين العرب ، أن يتوحدوا ، ابتداء ، حول رؤية موحدة ، لنشوء الكون ، والكوكب ، ومصدر الكائنات الحية ، وكيف ظهر الإنسان ، على هذا الكوكب ..؟ ، ثم ، هل عليهم ، أن يتوحدوا حول رؤية موحدة ، للمآل المستقبلي ، لهذا كله ..؟

                 دعونا ، نحاول تقديم إجابة ، افتراضية ، على السؤال ، ثم ، نحاول تعليلها ..  ، فنقول ، بدون تردد : " لا " ، لأنه ، من غير الممكن ، واقعياً ، أن تتوحد الإنسانية ، أو يتوحد أبناء الأمة العربية ، حول رؤية موحدة ، لنشوء الكون ، ومآله ، وبما ، أن " الطليعة العربية "  ، تطمح ، أن تكون " مؤسسة  اعتبارية " ، تمثل الأمة العربية ، فإنها ، كمؤسسة اعتبارية ، تحمل في تكويناتها ، الداخلية ، تلك التعددية ، التي ، تتداخل معاً ، في تكوين النسيج الاجتماعي ، والوطني ، للأمة العربية ..

                 لكن ، هل يعني هذا ، أن " الطليعيون العرب " ، يقفون على الحياد ، من تلك المسائل الشائكة ، والبالغة التعقيد ..؟!

-          نقول ، وبحسم أيضاً ، " لا " ، ذلك ، أن " الطليعيون العرب " ، لا يقفون على الحياد ، من المشكلات ، والقضايا المطروحة ، على الساحة العربية ، فكيف يتسق هذا ، مع ، ذاك ..؟!

 

( 101 )

 

                 إن ، هذا الاتساق ، يتحقق ، باعتماد المبادئ الأساسية ، التي تستند ، على ، أن باب العلم ، و المعرفة الإنسانية ، مفتوح على مصراعيه ، باتجاه الماضي السحيق ، وأيضاً ، باتجاه المستقبل البعيد ، وأن المعرفة الإنسانية ، في هذا المجال ، مازالت في الحدود المعروفة ، وأن ، موقف " الطليعة العربية " ، يتلخص ، في ، اعتماد الموقف الإنساني ، من ذلك ...، ويتمثل    في :

أولاً : إن " الطليعة العربية " تعتمد العلم ، والنواميس ، التي تحكم الظواهر ، والأشياء ، والكائنات ، بما ، في ذلك الإنسان ، ويساهم ، العلماء ، الأعضاء في " الطليعة العربية " ، في الجهد العلمي الإنساني ، للاكتشاف ، وتوسيع المدارك الإنسانية ، باتجاه الماضي ، والمستقبل ، على حد سواء ..

ثانياً : فيما يتعلق ، بما ، وراء العلم ، وما وراء الحقائق العلمية الثابتة علمياً  ، وما وراء القوانين ، والنواميس المحسومة ، علمياً ، والمتعلقة ، بالكوكب ، وما عليه ، والفضاء ، وما يحتوي ..  ، إضافة ، إلى الرؤى ، والتصورات ، والعقائد ، التي ، جاءت ، بها ، الفرضيات ، والديانات ، والفلسفات ..  ، ذلك متاح ، لمن ، يريد ، وبالطريقة ، التي يريد ، وبالطقوس ، التي يمارس . .، لا ولاية ، لأحد ، على أحد ، في ذلك .. ولا رقابة ، لأحد ، على أحد ، في شيء ، من هذا .. ، ولا إدعاء ، من أحد ، على أحد .. ، فالطليعة العربية ، مؤسسة اعتبارية ، تحتضن مؤسساتها ، التمثيلية ، وعلى قدم المساواة ، كافة مكونات المجتمع العربي ، في الكل ، وفي الأجزاء ، دون استثناء ، أو تجاهل ، أو إقصاء ، أو استئصال ، فالمواطنة ، والمساواة ، أمام القانون ، هي ، المعيار الوحيد .. هذا ، كله ، يقتضي ، أن ، مؤسسات "الطليعة العربية" ، التي تحتضن هذا التنوع ، تطلق ، طاقات كوادرها ، في مفاصل المجتمع ، لشد النسيج الاجتماعي ، وممارسة الاختلاف ، في جو ، من ، الحوار الديمقراطي ، المفتوح ، بين الرأي ، والرأي الآخر ، وتهذيب الخطاب ، من ، كل طرف ، باتجاه الأطراف الأخرى ، وصياغة ، عقد اجتماعي ، وسياسي ، وثقافي ، وعقائدي ، وإنساني ، بتحريم ، تحويل الاختلاف بالرأي ، والعقيدة ، إلى خلاف عنيف .. تحت ، أي ظرف ، من الظروف ...!

ثالثاً : إن ، هذا التنوع ، الذي ، لا يستثني أحداً ، داخل مؤسسات "الطليعة العربية" ، لا يمكن تحقيقه ، بالشعارات ، وإعلان المبادئ ، النظرية .. ، بل ، إن المعيار ، الذي ، لابد من تحقيقه ، ابتداء ، هو ، أن يكون ، هذا التنوع ، متحقق ، موضوعياً ، في مراتب "الطليعة العربية" ، منذ ، لحظات التأسيس الأولى ، فالمبادئ ، والشعارات ، حول التحرير ، والمساواة ، والعدالة ، والوحدة ، لا يمكن ، أن تستر ، عورة ، أي ، تشكيل طائفي ، أو مذهبي ، أو أثني ، أو مناطقي ، أو طبقي .. ، أو فئوي .. ، على العكس ، من ذلك ، تماماً ..  ،فعند ، أول محك حقيقي ، ستفوح رائحة " العور "  ، أياً ، كان مصدره ، ليغطي ، على ما عداه ، مهما ، كانت الأهداف ، والمبادئ ، والشعارات المرفوعة ، براقة..!! ، فكم ، من الأحزاب القومية ، انشقت ، أثنياً ، وطائفياً ، و...،  وكم ، من الأحزاب الأممية ، تفسخت مذهبياً ، ومناطقياً ، وإثنياً  ، و..

( يتبع ... "22" ... البيان ... )

 

E-mail:habib.issa@yahoo.com