كلمة (الأمن) أصبحت كثيرة التداول ، ولا بد من تحديد مفهومها ، لأن مدلولاتها متعددة ومتنوعة ، فهناك ، مثلاً ، الأمن الدولي ، والأمن الإقليمي ، والأمن الاجتماعي ، والأمن النفطي ، والأمن الثقافي ، والأمن الغذائي .

 

               ولكل دولة أو أمة أمن خاص . ألا تتحدث إسرائيل أو الولايات المتحدة عن أمنها ؟ ألا نتحدث نحن العرب عن أمننا القومي ؟

 

               ومفهوم الأمن لا يقتصر على رؤية ذاتية أو خاصة ، على رؤية عربية أو إسرائيلية ، مثلاً ، لقضايا الأمن ، فلا بد اليوم ، في ظل الأوضاع الدولية المضطربة والمتقلبة ، من الاحتكام إلى مفهوم الأمن كما يُحدّده النظام الدولي المعاصر .

 

               ومع ظهور الثروة النفطية في العالم ، وخصوصاً في المنطقة العربية ، طرأ على مفهوم الأمن تغيير مهم . فالرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر ، طرح ، مثلاً مبدأ أمن الخليج . وهو لا يقصد بهذا المبدأ الحفاظ على أمن دول الخليج أو شعوب الخليج ، بل أمن نفط الخليج ، أي أمن المصالح الأميركية في الخليج . وجاء الرئيس رونالد ريغان ، بعد كارتر ، فوجد أن أمن الخليج يتحقق بإقامة قواعد عسكرية أميركية في الدول النفطية العربية .

 

               ومفهوم الأمن قابل للتطور والتغيّر ، يتأثر إلى حد كبير بالعناصر والعوامل المتغيّرة في العلاقات الدولية . وهو يخضع لبُعدٍ ذاتي ، أو تقدير استنسابي ، أو مزاج صادر عن صاحب القرار . فالأحداث الدموية التي كانت تجري في فلسطين ، في نيسان (إبريل) 1948 ، عُرضت على مجلس الأمن الدولي ، فلم ير فيها تهديداً للأمن الداخلي أو الدولي ، لأن العصابات الصهيونية كانت آنذاك تتلقى السلاح من القوى الغربية الاستعمارية وتصول وتجول بحرّيةٍ في البلاد وترتكب ما لا يوصف من المجازر . وعندما تغيّر الوضع ومال لمصلحة المقاومين العرب سارع المجلس ، بعد شهرٍ ، إلى إصدار قرار يصف فيه الأحداث المذكورة بأنها تهديد للأمن والسلام في العالم ، ويفرض على الأطراف المتنازعة التوقّف عن الأعمال الحربية ، ويعتبر الإخلال بذلك انتهاكاً لحرمة الأمن والسلام الدوليين يستوجب تطبيق أحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة .

 

وفكرة الأمن ترتبط بفكرة السلطة القادرة على التدخل لحماية الأمن وردّ التحديات الداخلية والخارجية . وأصبح للأسلحة المتطورة اليوم أثر بارز وحاسم في تغيير مفهوم الأمن ، بل جعل للأمن مفهوماً نسبياً ، لأنه يتعذر على أية دولة تحقيق أمن مطلق . ولا نبالغ إن قلنا بأنه لم يعد في إمكان أيّ بلد في الكون الإدّعاء بأنه في مأمنٍ من أي تدخّل خارجي .

 

والأمن القومي قد يعني أمن الدولة ، أو أمن الفئة الحاكمة في الدولة ، أي أمن السلطة التي تمثّل ، في معظم الأحيان ، مصالح طبقات اجتماعية أو تيارات سياسية في المجتمع .

 

وهناك فرق بين مفهوم الأمن القومي لدولةٍ أو أمةٍ معيّنة وبين مفهوم الأمن الدولي الذي يشمل دول العالم . قد يتوافق ويتعاون هذان النوعان من الأمن فيخفّفان من حدّة التوترات أو المنازعات الدولية ويساعدان على استتباب الهدوء والاستقرار في العالم . ولكن ذلك لا يُلغي احتمال نشوء تعارض أو تصادم بين النوعين .

 

ومفهوم الأمن ارتبط ، تقليدياً ، بمفهوم الدولة . فالحديث عن الأمن يوحي بأنه حديث عن الأمن القومي للدولة . ولكن مفهوم الأمن القومي العربي يختلف عن مفهوم الأمن الدولي ، كما يختلف عن المفاهيم الخاصة (إذا وُجدت) لأمن كل دولة عربية على حدة . إنه أمن إقليمي لدول تنتمي إلى أمة عربية واحدة تتخاطب بلغة واحدة ، وتمتلك تراثاً فكرياً وحضارياً مشتركاً ، وتتقاسم مصالح وتطلعات مشتركة ، وتواجه مصيراً مشتركاً ، دون أن يكون لهذه الأمة دولة أو سلطة واحدة . ولكن اعتزاز المواطنين العرب بالانتماء إلى أمة واحدة جعلهم ، رغم تعدّد مواقع السلطة في هذه الأمة وتنوّع الخلافات بين الأنظمة الحاكمة في دولها ، يؤمنون بوحدة الأمن القومي العربي المشترك والمتلاحم ، ويشعرون بوجود قضية أمن عربي واحد . وهنا تكمن فُرادة الأمن القومي العربي . ومن أجل تجريد هذا الأمن من هويته العربية ، وزعزعة أركانه ، وتشويه أهدافه ، كثُر استعمال مصطلح (الشرق الأوسط) ، وكثُر طرح المشاريع الرامية إلى إنشاء تكتلات إقليمية أو أحلاف عسكرية في المنطقة العربية بغرض إشراك إسرائيل فيها ، أو تطويق دول معينة لا تحظى برضا الولايات المتحدة .

 

يعتقد البعض أن الأمن القومي لدولةٍ أو أمةٍ ما يرتبط كلياً بقوتها العسكرية القادرة على صون أمنها من كل خطر . إن هذه القوة أو القدرة ليست وحدها التي تحمي الأمن ، فالأمن القومي يحتاج أيضاً إلى قدرات سياسية واقتصادية وعلمية . إن القدرة العسكرية هي جزء من كلّ . فليس في مقدور دولة تحقيق أمنها إذا كانت عاجزة عن تأمين الحد الأدنى من استقرارها الداخلي القائم على الحد الأدنى من العدالة والمساواة والتنمية . إن انتهاك الحقوق والحريات ، وغياب المبادئ الديموقراطية ، وشدة الظلم الاجتماعي ، والاستئثار بالحكم ، تؤدي ، في كثير من الأحيان ، إلى تعريض أمن الدولة للخطر . وبما أن العلاقة بين الأمن الداخلي والأمن الخارجي علاقة جدلية ، فقد يُسفر عدم الاستقرار الداخلي أحياناً عن حدوث تدخل خارجي من شأنه الإساءة إلى استقلال الدولة .

 

تعريف الأمن القومي

 

               بعد هذه المقدمة السريعة يمكننا ، بصورة إجمالية ، تعريف الأمـن القومـي بأنه " تأمين سلامة الدولة من الأخطار الداخلية والخارجية التي قد تؤدي إلى إخضاعها لسيطرة أجنبية " .

 

               ومفهوم الأمن يمكن أن يتعلق بأمن مجموعة من الدول المتحالفة أو المتعاونة أو المتعاهدة ، وليس بأمن دولة واحدة . ويطلق عليـه في هذه الحالة مصطلح (الأمن الإقليمي) . والمقصود به المخطط الاستراتيجي الذي تتفق تلك المجموعة على إتباعه لحماية أمنها في المحيط الدولي . وقد تُستعمل مصطلحات أخـرى ، مثل : الأمن الجماعي ، والدفاع الجماعي .

 

               وبنيان النظام الدولي السائد يؤثر تأثيراً بالغاً في مفهوم الأمن القومي وتوجهاته . ففي الفترة التي سادت فيها التعددية القطبية وامتدت من مطلع القرن العشرين حتى نهاية الحرب العالمية الثانية كان الاهتمام بالأمن القومي مرتبطاً بعملية توزيع مناطق النفوذ بين الأطراف الكبرى في النظام الدولي . غير أن الاهتمام بهذا الأمن تطور وتغير عندما ساد نظام الثنائية القطبية بعد العام 1945 . ومع انهيار المعسكر الاشتراكي بزعامة الاتحاد السوفياتي ظهر نوع من الأمن الكوني الذي تُكيّفه وتُهيمن عليه وتتلاعب بمقدراته دولة واحدة .

 

               وبوجود أطماع استعمارية في الثروات العربية لا حدود لها ، وتآمر غربي مع إسرائيل لتشتيت الأمة العربية وإضعافها ، لم يعد في إمكان أية دولة عربية الحفاظ على أمنها ووجودها والدفاع عن استقلالها وكرامتها ، ومواجهة الاستعمار الجديد ، بقواها الذاتية فقط . لقد أصبحت بحاجة ملحة إلى الانضواء مع شقيقاتها في نظامٍ أمني عربي واحد ، قادر على مقاومة الأعداء والمعتدين ، فالأمن القومي العربي الشامل أصبح شرطاً لا غنى عنه لتوافر الأمن الوطني لكل دولة عربية على حدة .

 

               والواقع أن الأمة العربية تواجه اليوم عدواً واحداً برأسين : الصهيونية والامبريالية الغربية الجديدة . ولمواجهة هذا العدو يجب أن يكون للعرب نظام جماعي للأمن يقوم على عقيدة أمنية واحدة تتخطى مفهوم الأمن الوطني لكل دولة عربية .

 

               ولعل الرأس الصهيوني المزروع والرابض في قلب الوطن العربي يشكل الخطر الأول والأكبر الذي يواجه ويؤرق الأمن القومي العربي . ويتجلى هذا الخطر حالياً في تفرّد أو انفراد إسرائيل باحتكار السلاح النووي في المنطقة العربية .

 

احتكار إسرائيل للسلاح النووي

 

               إن معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية وُقّعت في العام 1968 ، ودخلت حيّز التنفيذ بعد عامين . وهي تضم جميع دول العالم تقريباً ، بما فيها الدول النووية الكبرى ، باستثناء ثلاث دول نووية هي : إسرائيل والهند وباكستان .

 

               وفي ربيع العام 1995 ، عقد في نيويورك مؤتمر للدول الموقعة على المعاهدة (وكان عددها 187 دولة) بغرض التمديد الأبدي لهذه المعاهـدة . واشترطت الدول العربية ، مقابل موافقتها على التمديد ، انضمام إسرائيل إلى المعاهدة . غير أن إسرائيل ، بالتواطؤ مع الدول الغربية الكبرى ، لجأت ، كعادتها ، إلى وسائل الخداع والتدليس للإفلات من هذا الشرط ، فأعلنت أنها ستنضم إلى المعاهدة ، بعد إنجاز عملية السلام مع العرب .

 

               وانطلت الحيلة على الدول العربية فأيّدت التمديد وطرحت ، تغطيةً لفشلها ، مشروع قرار يدعو إلى إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط ، ويطالب إسرائيل بالانضمام إلى القرار وتطبيق أحكام الإخلاء . ولكن الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا عدّلت المشروع وحذفت اسم إسرائيل من متنه وجعلته عاماً . وبذلك خرجت إسرائيل من المؤتمر دون أن تُفرض عليها شروط الانضمام إلى معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية ، ودون أن يخضع سلاحها النووي لقيود دولية . بل إنها ، على العكس من ذلك ، نالت موافقة الدول الأطراف في المعاهدة على استثنائها من تطبيق أحكام المعاهدة .

 

               والنتيجة التي تعنينا هنا هي أن العامل النووي أصبح يشكل اختلالاً خطيراً في ميزان القوى بين إسرائيل والدول العربية ، وأن تأثيرات هذا الاختلال ظهرت ، أولاً في مؤتمر مدريد للعام 1991 ، وثانياً في تفكك الموقف العربي ، وثالثاً في نجاح إسرائيل في جعل أمنها هدفاً لكل تفاوض مع الأنظمة العربية . ونجاحها في تحقيق هذا الهدف تجلىّ في عقد اتفاقية أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية ، ومعاهدة وادي عربة مع الأردن . فإسرائيل ترى في تفرّدها بالقوة النووية شرطاً لازماً لإقامة السلام ، أو ضرورة لفرض السلام الذي يلائم مخططاتها التوسعية .

 

               إننا نتحدث عن هذا الاختلال في ميزان القوى لأن فقدان التوازن يُعرّض الأمن القومي العربي للخطر وعدم الاستقرار ، وخصوصاً عندما نعلم أن العدو القومي الذي نواجهه لا يتمّيز أو ينفرد باحتكار السلاح النووي فقد ، بل يتفوق أيضاً في الصناعة الحربية المتطورة ، وفي الممارسات العنصرية والوحشية ، وفي الشراكة الإستراتيجية العميقة مع دول كبرى لا تكنّ لنا أي نوع من الود أو الخير .

 

               ومن الخطأ الاعتقاد بأن الحديث عن ميزان القوى بين إسرائيل والدول العربية يفترض وجود كفّتي ميزان واحد ، في إحداهما القوة الإسرائيليـة ، وفي الثانية القوة العربية ، وبأن اختلال إحدى الكفتين هو لصالح إسرائيل .

 

               إن الواقع الملموس يختلف عن هذا الافتراض ، فليس هناك قوة عربية واحد أو موحدة ، بل هناك مجموعة قوى عربية ، مفككة أو متنافرة أو متباعدة ، لم تشكل يوماً كفة واحدة في الميزان . وإن تضامنت يوماً دولتان عربيتان أو أكثر (كما فعلت مصر وسوريا في حرب العام 1973) لتكوين كفة واحدة مقابل الكفة الإسرائيلية ، فإن هذا التضامن لن يتمكن من ترجيح كفة القوة العربية ، وسيكون محدوداً من حيث العناصر القتالية والاتساع المكاني والمدى الزماني .

 

               وبما أن نظرية الأمن والسلاح النووي الإسرائيلي صنوان لا ينفصلان ، فإن احتمال استخدام إسرائيل لهذا السلاح ليس بمستبعد . ففي الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي تتردّد غالباً عبارة (الملاذ الأخير للبقاء) في إشارة إلى ذلك الاحتمال المرهون بتعرض الوجود الإسرائيلي للخطر الماحق . ثم إن تاريخ إسرائيل الحافل بالمجازر الفردية والجماعية لا يُتيح لأي إنسان إيجاد أي مبرر لافتراض حسن النية والإنسانية لديها ، أو لافتراض إحجامها عن استخدام القوة النووية كسلاحٍ للردع ، أو كوسيلة للسيطرة على الآخرين .

 

               وفي العام 1992 ، نشرت المجلة التي تصدرها وزارة الحربية الإسرائيلية دراسة أكّدت فيها أن إسرائيل تتبنّى " مبدأ بيغن " الذي يمنح إسرائيل حق القضاء على أية محاولة تقوم بها أية دولة في المنطقة تسعى لامتلاك قدرة نووية . وهذا ما أقدمت عليه ، في العام 1981 ، عندما دمّرت مفاعل تموز في العراق . وهذا ما تهدد به اليوم إيران التي تسعى لامتلاك السلاح النووي .

 

               والأمر الذي يستدعي الانتباه والاهتمام هو أن الرأي العام الإسرائيلي ، بغالبيته الساحقة ، يعتقد أن وجود السلاح النووي في حوزة إسرائيل ضمانة لأمنها ، ولا يتورع عن المطالبة باستخدامه ضد العرب وضد كل دولة مجاورة تحاول امتلاكه .

 

تحديات ميزان القوى

 

               في اعتقادنا أن لا معنى للسلام والوئام في ظل سلاح نووي يملكه طرف واحد لا يُؤمن جانبه ، وأن كل تسوية لأي صراع تتم في ظل اختلال كبير في موازين القوى تكون بالضرورة تسوية موقتة وغير عادلة ، وأن امتلاك إسرائيل للسلاح النووي يحتم على الطرف العربي ، بعد اتحاد دوله وتصميمها على الذود عن أمنها القومي ، سرعة التحرك لتحقيق توازن نووي مع العدو القومي ، فمن المخزي بقاء الأمن القومي العربي رهينةً في خيمة السلاح النووي الإسرائيلي . وإذا صعُب امتلاك هذا السلاح في مستقبلٍ قريب ، فبإمكان الطرف العربي ، للردّ على أيّ تدمير نووي إسرائيلي ، امتلاك الأسلحة غير التقليدية ، كالأسلحة الكيماوية والبيولوجية ، القادرة على تدمير العدو ، علماً بأن الوطن العربي ، بسكانه ومساحته وصلابته وتضحياته ، أقدرُ من إسرائيل على تحمّل نتائج التدمير . وإذا لم يكن من الموت بدّ فمن العار أن تموت الأمة ذليلةً .

 

ونلاحظ أن ميزان القوى تواجهه تحديات نوجزها بالأمور الآتية :

 

1- بقاء هذا الميزان محكوماً أو مرتهناً بالإرادة الأميركية التي ما زالت تتعهد بضمان أمن إسرائيل ، والاستمرار في توفير الدعم المالي الهائل والتفوق العسكري النوعي لها على جميع دول المنطقة العربية .

2- حرص الولايات المتحدة ، في كل ظرف أو تعامل أو قرار ، على وضع إسرائيل في كفة والدول العربية بأسرها وأحياناً العالم أجمع ، في كفة أخرى غير متوازنة .

3- إصرار إسرائيل على اعتبار أيّ سلاح تحوزه دولة عربية للدفاع عن نفسها ، أو أيّ محاولة تقوم بها في مجال التصنيع العربي ، أو أي تجربة تجريهـا لتطوير سلاح معين ، إخلالاً بميزان القوى يستدعي إسراع الولايات المتحدة إلى تزويد إسرائيل بسلاح أمضى ، أو مساعدتها على تدمير السلاح العربي وشل القدرة العربية .

4- استمرار الدول العربية ، رغم التهديدات والأخطار والصعوبات ، في إتباع سياسة خاطئة واتخاذ مواقف سيئة على صعيد العمل العربي المشترك ، ورفض الالتزام بالاتفاقيات التي وقعتها بإرادتها الحرة حول ضمان الأمن القومي . ويتجلى ذلك :

أ‌-     في تنوّع تقييمها للتهديدات الخارجية .

ب‌-في تباين مواقفها من انتهاكات أمنها القومي .

ج- في اهتمام كل منها بما يمس أمنها فقط ، وإهمال ما يمس أمن شقيقاتها .

د- في اعتقاد بعضها بأن أمنه مهدّد في الدرجة الأولى من قبل دولة عربية أو أكثر ، وليس من قبل العدو الإسرائيلي أو أنصاره من الدول الإمبريالية .

هـ في عملية طغيان السيادة القطرية على السيادة القومية ، وتجاهل القيم والأواصر العربية .

و- في تجاوز فئة من الدول العربية أسس التضامن أو التكافل القومي والاستعانة بقوى خارجية لا تضمر أي خير للعرب ، من أجل حماية أمنها ومصالح الحاكمين فيها .

ز- في عجز الدول العربية ، بعد انقضاء أكثر من ستين سنة على قيام جامعة الدول العربية ، عن توفير أداة أو آلية قانونية لتسوية المنازعات التي تكاثرت في الدائرة العربية ، بالوسائل السلمية ، وعن إنشاء محكمة عدل عربية نص عليها ميثاق الجامعة وجعل ولايتها إلزامية لجميع الأعضاء في كل نزاع .

ح- في إصرار الدول العربية على عدم الالتزام بالاتفاقيات الضامنة لأمنها القومي . ولعل أنسب أنواع العمل الأمني العربي المشترك لا يزال يتمثل في معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي ، الموقعة في العام 1950 ، بين أعضاء الجامعة . والمعاهدة صيغة تعاقدية متكاملة تنظم شؤون الأمن القومي ووسائله ، وتوفر العوامل والشروط اللازمة لتكوين قوة ردع تحفظ للأمـة مصالحها وتصون حقوقها . والمعاهدة تنص في مادتها الأولى على عزم هذه الدول على فضّ جميع منازعاتها بالطرق السلمية ، وفي مادتها الثانية على اعتبار كل اعتداء مسلّح على أية دولة أو أكثر منها ، أو على قواتها ، اعتداء عليها جميعاً يستلزم اتخاذ جميع التدابير واستخدام جميع الوسائل لرد الاعتداء . وهذه المعاهدة لم توضع ، منذ بدء سريانها في العام 1952 ، موضع التجربة أو التطبيق . والطريف أن الملوك والرؤساء العرب ، حينما عقدوا مؤتمرهم في القاهـرة ، في 8/10/1990 ، على إثر غزو العراق للكويت ، لم يجدوا غضاضةً في إعلان اعتمادهم على المعاهدة المذكورة . وهذا ما فعلته مصر وسوريا ودول الخليج الست لدى إذاعة (إعلان دمشق) في 6/3/1991 .

 

تأثر الأمن القومي بالتطورات العالمية والإقليمية

 

               لا يمكن فصل الأمن الوطني القطري لكل دولة عن الأمن القومي العربي ، كما لا يمكن تجريده من آثار التطورات والتحولات ، العالمية والإقليمية ، التي شهدها ولا يزال يشهدها النظام العالمي والنظام الإقليمي . ومن أهم هذه التطورات التي أثّرت إلى حد كبير في أوضاع الأمن القومي العربي :

1- التحوّل الجوهري في مضمون التفاعلات الدولية ، أو الانتقال من التفاعلات الإستراتيجية إلى التفاعلات الاقتصادية . وبعبارة أوضح : انتقال مفهوم الأمن من مستوى الدفاع ضد العدوان إلى مستوى تحسين ظروف الحياة والمعيشة للشعوب وتأكيد سيادتها على مواردها الطبيعية .

2- تحوّل الصراع ، بعد انتهاء الحرب الباردة وزوال التوتّر بين الشرق والغرب ، من صراع دولي إلى صراعات إقليمية ومحلية .

3- استقرار مفهوم جديد في المجال الأمني ، مفاده أن التنمية الشاملة ، والإنماء المتوازن اجتماعياً واقتصادياً ، والمشاركة الفعلية والعادلة في الحكم ، تشكل أبعاداً أساسية تُضاف إلى البعد العسكري في نجاح الأمن القومي .

4- بروز قيم جديدة في النظام الدولي ، مثل الديموقراطية وحقوق الإنسان وحماية البيئة . فقد أصبح بإمكان الأمم المتحدة ، خلافاً لما ورد في الفقرة السابعة من المادة الثانية من ميثاقها ، أن تتدخل في الشؤون الداخلية للدول بحجة حماية تلك القيم . ونحن هنا أمام دور جديد للأمم المتحدة يُضاف إلى مهمتها الرئيسية في حماية السلام وحفظه .

5- حصول تطور في مفهوم الأمن الجماعي تجسّد في صيغة الأمن التعاوني ، وهي صيغة قريبة من مفهوم التحالف الدولي الذي أُنشئ في أثناء حرب الخليج الثانية بقصد تحرير الكويت . وهذا النوع من التحالف يقضي بدعوة دولة أو دول كبرى من خارج نظام إقليمي ما بغية التعاون مع الدول الإقليمية لمواجهة التهديدات التي يتعرض لها أحد أطرافه .

6- إقبال دول الجنوب ، أو دول العالم الثالث ، على شراء الأسلحة وتكديسها . وهذا يؤكد أن تلك الأسلحة معدّة للاستعمال عند الحاجة ضد القوى الداخلية ، فتزداد بذلك درجات القمع أو الإكراه الداخلي ، وتنتشر ظاهرة العنف والعنف المضاد . والملاحظ أن منطقة الشرق الأوسط تحتل ، على الصعيد العالمي ، المرتبة الأولى بين الدول في استيراد الأسلحة .

7-  إبرام معاهدة الصلح بين مصر وإسرائيل في العام 1979 ، وما ترتب عليها من انشقاق عربي .

8-  الغزو العراقي للكويت في العام 1990 ، وما تبعه من تشكيل قوات التحالف الدولي التي ضمت قوات عربية .

9- المفاوضات الثنائية ، ومحاولات التسوية السلمية ، والتسابق على التطبيع بين إسرائيل وبعض الدول العربية ، وجميع المشاريع الإقليمية المطروحة لتنشيط أي نوع من التعاون بين الطرفين العربي والإسرائيلي ، وهي كلها محاولات تشكل خطراً على الأمن القومي العربي ، لأنها تؤدي إلى تفكيك أواصر الترابط بين الدول العربية ، وتُخرج إسرائيل من دائرة تهديد الأمن العربي .

10- اتساع قاعدة الجماعات الدينية المتطرفة ، المدعومة من الإمبريالية العالمية ، والهادفة إلى صرف الدول العربية عن الاهتمام بالتهديدات الخارجية لمواجهة التهديدات الداخلية . وقد زاد هذا الأمر من حدّة الشقاق العربي لانتشار اعتقاد (صحيح أو مبالغ فيه) بأن حكومات عربية معينة تتولى تمويل تلك الجماعات وتدريبها بقصد تهديد الاستقرار السياسي في بعض الأقطار العربية الأخرى .

 

الدول الكبرى والأمن القومي العربي

 

              هل تسمح الدول الاستعمارية الكبرى ، المناصرة لعدونا القومي ، والمتلهّفة على نهب ثرواتنا ، والمتفقة على تدمير تراثنا ، وتشتيت شملنا ، وتشويه حضارتنا ، بتحقيق الأمن القومي في بلادنا ؟

 

              إننا نشك في ذلك ، لأن إنجاز هذا المطلب الأمني ينطوي على تحقيق تعاون وتضامن وتفاهم بين الأقطار العربية ، ويُبشّر باحتمال قيام اتحاد عربي بينها ، وهذا ما تخشاه دول الهيمنة والسيطرة . ولذلك فإنها تسعى دائماً إلى استنباط أساليب تآمرية ، أو الترويج لمشاريع تفتيتيّه ، تستهدف الأمة العربية في وجودها الحضاري والإنساني ، وفي تطلعاتها إلى غدٍ أفضل . والسوابق شواهد .

 

              ففي النصف الأول من القرن العشرين تجلّت هذه المخططات التآمرية في اتفاقيات سايكس – بيكو ، وإعلان وعد بلفور ، وفرض صكوك الانتداب ، ثم في اغتصاب فلسطين وإنشاء الكيان الصهيوني ، ومحاولات ربط الدول العربية بأحلاف عسكرية تضم العدو الصهيوني وتستبيح الأرض العربية . والغرض من كل ذلك تمزيق الأمة ، وبث الفتن الطائفية والعرقية بين أبنائها ، وتعزيز مكانة الكيان الإسرائيلي في المشرق العربي .

 

              وآخر مشاريع التآمر المفضوحة هو النظام الذي أتحفتنا به الإدارة الأميركية وحلفاؤها ، وأطلقت عليه اسم " النظام الشرق أوسطي " ، ثم نظـام " الشرق الأوسط الكبير " . وهو يرمي إلى تحقيق الأهداف الآتية :

1-    طمس معالم الهوية العربية ، وإعادة تشكيل المنطقة العربية بالطريقة التي تلائم مصالح الإمبرياليين والصهيونيين .

2-  ضم الكيان الصهيوني إلى عضوية جامعة الدول العربية بعد تغيير اسمها إلى : جامعة الشرق الأوسط ، واستعمال تعبير (قضية الشرق الأوسط) بدلاً من (القضية الفلسطينية) .

3-  إغراق منطقة الخليج بالوافدين والمتسللين من غير العرب ، وتمكين هؤلاء ، بعد أن يشكلوا أكثرية السكان ، من السيطرة على مقدرات البلاد ، والتحكم في سياساتها وخياراتها ، وإنهاء ارتباطها بالعروبة .

4-  فرض اتفاقيات إذلال وإذعان على بعض الأنظمة العربية ، أو تدمير القدرات العسكرية والإمكانات الإنمائية لبعضها الآخر ، أو تهديد معظمها بقطع المساعدات عنه ، أو تطويقه ، أو حصاره ، أو إلصاق تهمة الإرهاب به .

5-    تكثيف الوجود العسكري الأميركي في منطقة الخليج ، وتطوير التعاون العسكري الثنائي مع دول الخليج .

6-  فصل المشرق العربي عن مغربه ، وإجهاض كل محاولة ترمي إلى تحقيق تكامل عربي أو التقاء إقليمي بين الدول العربية .

7-    إشعال سلسلة متلاحقة من الحرائق الدينية والطائفية والعرقية في دول المنطقة كافة .

8-  السيطرة على مقدرات الوطن العربي ، والاستيلاء على ثرواته الطبيعية ، وإكراه النوابغ من أبنائه على الهجرة وتقديم ثمرات أفكارهم لأعداء وطنهم .

9-  تشجيع النزعة القطرية المتزمتّة ، وإجراء مفاوضات ثنائية مع العدو الصهيوني بغرض الاعتراف به ، وتقديم تنازلات عن الحقوق والمكاسب القومية دون حساب ، والانغماس في معضلات ومآزق من شأنها إلهاء العربي وإبعاده عن همومه وتطلعاته القومية .

10-     تغييب الأمن القومي العربي ، أو الحيلولة دون تحقيقه ، تمهيداً لتصفية مقومات الوجود العربي .

 

*********************

 

              والخلاصة أن وطننا العربي يواجه تحديات وأزمات تتجلى في مظاهر التشتّت والتفكك والإخفاق والانشقاق ، ومحاولات الإلحاق والاختراق والاختناق والانسحاق في الجسم العربي الممزّق . فما العمل لمواجهة هذه الآفات والمآزق بأبعادها السياسية والاقتصادية والثقافية والأمنية ؟

 

              للإجابة عن هذا السؤال علينا أن ندرك ونقتنع بأن أمن كل قطر عربي مرتبط ارتباطاً عضوياً بالأمن القومي العربي ، لأن الأخطار التي تهدّد الأقطار العربية واحدة ، ولأن مستقبلها أو مصيرها واحد ، ولأن الأمن القومي العربي يستمد قوته وأهميته من صفته القومية ، ولا سبيل إلى تحقيقه إلا في إطار دولة اتحادية مكونة من ولايات تتمتع بالحكم الذاتي ، أو في إطار نظام عربي إقليمي فاعل تتخلّى كل دولة عربية فيه عن جزء من صلاحياتها الأمنية لهيئة عليا تتمتع بسلطة التقرير والتنفيذ .

 

              وهذا الحلم الذي يدغدغ مشاعر العرب منذ أجيال لا يمكن أن يتحوّل إلى حقيقة إلاّ عندما تُقرّر أنظمة الحكم العربية الأخذ بمبادئ الديموقراطية ، والتعددية السياسية ، والتداول السلمي للسلطة ، والتوزيع العادل للثروات ، والحماية الفعلية للحقوق والحريات ، والتخلّي عن النزعة القطرية الضيقية ، والتسوية السلمية لكل الخلافات العربية .


 

·    رئيس المنتدى القومي العربي في لبنان