على بساط الثلاثاء
46
( تتمة... "20"... البيان ... )
(85)
إن ، البحث ، في ضرورة المنهج ، ومن ، ثم ، النظرية ، ليس ترفاً فكرياً ، أو ثقافياً ، وإنما ، هو حاجة ملحة ، كما ، أن المنحى ، الذي أتخذه عصمت سيف الدولة ، في إبداع منهج "جدل الإنسان" ، لم يكن نابعاً ، من الرغبة ، في خصوصية ، ما ، سواء ، كانت ، شخصية ، أو دينية ، أو أثنية ، أو قومية .......، والقضية ، لا تتعلق،أيضاً ، بأفكار محلية ، أو مستوردة ، فالفكر الإنساني ، الذي ، يتعلق بالعلوم الإنسانية الأساسية ، عن ، الوجود ، والجيولوجيا ، أو البيولوجيا ، أو الفيزياء ، أوالكيمياء ، والكون ، أو سيكولوجيا الإنسان ، أو سيسيولوجيا المجتمعات ، لا يمكن أن تحده أية حدود ، فالعلوم الأساسية ملك للبشرية جمعاء .. ، حتى ، في الزمان الغابر ، عندما كان الاتصال ، بين البشر ، متعذراً ، كانت تلك العلوم ، وحتى الأفكار ، والرؤى ، والعقائد ، تتسلل ، وتنتشر ، بين البشر .. فكيف ، يمكن أن يتم الحديث اليوم ، عن العزلة ، في زمن ، بات العالم ، كله ، بعلومه ، ومعارفه ، متوفر ، على ، شاشة صغيرة ، في ، كل بيت ، من القصور ، إلى الأكواخ ، على ، أرض هذا الكوكب ..
نعم ، هناك ، وفي كل علم اجتماعي ، وإنساني ، خصوصية ، ما ، لكل مجتمع ، لكن ، تلك الخصوصية تتعلق ، بالعلوم الفرعية ، وبخصوصية المشكلات ، في كل مجتمع ، فهي ، تتعلق بالتاريخ والجغرافيا ،لذلك المجتمع ، في الإطار الكوني الشامل ، لكن ، العلوم الأساسية ، المتعلقة ، بالعلوم الكلية ، حول الكون ، والكائنات ، والإنسان ، فهي شاملة ، لهذا الكوكب ، وتتجاوزه إلى حيث يمكن أن تصل الرؤى ، والخيال البشري ، وإلى ، حيث تصل المجسّات ، التي يرسلها الإنسان ، متجاوزاً الغلاف الجوي ، لكوكب الأرض ...
وبالتالي ، فإن الفكر البشري ، يأخذ طابعاً تراكمياً ، وهو نتاج ، لذلك الكائن النوعي ، الذي أسمه الإنسان ... وتلك العلوم ، ملك البشرية ، جمعاء ، لا يمكن ، حصرها ، بقوم ، أو أمة ، أو قارة ، قد ، يسبق البعض ، البعض الآخر ، في المعرفة ، لكن المعرفة ، فور تحققها ، لا يمكن ، زجها في ، الزنازين المنفردة ، لزمن طويل ، وبقراءة سريعة ، للمراحل التاريخية ، نجد ، دون عناء ، أن الإنسان ، في كل حقبة زمنية مّر فيها ، أنتج ، أفكاراً ، ورؤى ، وحضارة ، وترك آثاراً ، وأوابد ، على الأرض ، اعتقد معها ، أنه أمتلك الحقيقة المطلقة ، ثم ، وفي حقبة لاحقة ، تكتشف الأجيال التالية ، ما يتجاوز ذلك ، إلى معارف جديدة ، وهكذا ، في تجاوز مستمر ، ومتصاعد .. وهذا ما نطلق عليه ، التطور ، وهو ، خاص بالإنسان ، وحده ، يحققه في الواقع ، من خلال التعامل الإيجابي مع المشكلات ، معرفة ، ثم اختراعاً للأدوات ، والوسائل ، ثم تهيئة للظروف المناسبة ، ثم ، حشد الإمكانيات البشرية ، والمادية الضرورية ، ثم ، الإقدام على التنفيذ ، بالعمل ، ثم ، وقبل أن يحتفل الإنسان ، بحل المشكلات القائمة ، تظهر ، على الفور ، مشكلات جديدة ، فيبدأ الإنسان ، البحث لإيجاد الحلول ، لها ، وهكذا ، في متوالية هندسية ، تتابع فصولها ، طالما ، أن الإنسان ، موجود ..!
( 86 )
في ، منتصف القرن العشرين ، كان المشهد ، في العالم كله ، شديد الاضطراب ، الفوهرر ، أدولف هتلر ، نقض ، "الحلف المسيحي المقدس" ، الذي ، كان ، قد صاغه الأوروبيون ، المنفلتون ، من عصر الدوقيات ، والإقطاع ، في أوربا ، إلى السيطرة على ثروات العالم ، والتحكم فيها ، وذلك ، في القرن التاسع عشر ، ثم ، تطور ، ذلك الحلف ، مع الربع الأول من القرن العشرين إلى عصبة الأمم ، ذلك ، أن الفوهرر ، لم يرسل جيوشه إلى الهند ، أو إلى بلاد العرب ، أو إلى بلد ، مما يسمونه العالم الثالث ، ليتقاسم "الكعكة" ، مع المستعمرين الأوروبيين الآخرين ، في الغرب ، أو المتعطشين لنشر الشيوعية ، في الشرق ، أو ، مع الرأسمالية الجائعة ، والنشطة ، في الولايات المتحدة الأمريكية ، الفتية ، وإنما ، وجّه مدافعه ، وحّرك مدرعاته ، وطائراته ، وبوارجه ، باتجاه تلك العواصم الأوربية ، مباشرة ، فتكاتفوا عليه ، وهزموه ، مع من تحالف معه ، من اليابان إلى إيطاليا .. ، دعونا نتجاوز التفاصيل .. لنقول ، أن تلك المحطة ، التي أعقبت عبور الحرب العالمية ، الأوربية ، الثانية ، هي ، التي أسست للنظام العالمي ، الذي تأثرت به أمتنا العربية ، من المحيط إلى الخليج ، ومن تلك المحطة ، انطلقت الأحداث ، والأفكار ، ومنها ، وبناء ، على ما دار داخلها ، وحولها ، تم ، بناء الحياة السياسية ، والاجتماعية ، وحتى الفكرية ، والعقائدية ، في العالم ، وفي الوطن العربي ، خاصة ، لأن الوطن العربي ، للأسف الشديد ، لم يكن في موقع التأثير ، بإحداث العالم ، وإنما ، كان موضعاً ، للتأثر ، بها ، وكان وجوده ، وثرواته ، وحريته ، وسيادته ، واستقلاله ، على الطاولة ، التي تحلقّ حولها ، المنتصرون ، في الحرب ، وفي أقبية أجهزة مخابراتهم ... ، الوطن العربي ، لم يكن مشاركاً ، في "يالطا" ، لكنه ، كان موضوعاً للصراع ، عليه ، وخرائط المواقع العربية بين المحيط والخليج ، كانت ، تتصدر جدران هيئات أركان جيوشهم ، ومواقع الثروات النفطية العربية ، المكتشفة ، والمحتملة ، تتصدر مكاتب الشركات الرأسمالية الكبرى.. أما الواقع ، على الأرض العربية ، فكان ، تراجيدياً ، إلى درجة كبيرة ، حيث ، تجاوزت الأحداث ، عتبة الاحتمال الإنساني ، ولم تكن نكبة 1948 ، إلا تعبيراً ، عن نكبات شملت أرض العرب ، وشّكلت كابوساً ثقيلاً ، على أبناء الأمة .. ، وهكذا ، جاءت ردة الفعل ، في عقد الخمسينات ، من القرن المنصرم ، بحجم الغضب ، والتحدي ، والمواجهة ، والمقاومة ، ورفع الصوت بــ لا ، قوية ، ومؤثرة ، صرخ بها جمال عبد الناصر فاحتضنته جماهير الأمة كلها متجاوزة كل الاعتبارات الأخرى ... ، لكن البنية التحتية ، وبفعل عوامل ، لا حصر لها ، راكمتها عصور من الاستبداد ، والتخلف ، والاحتلال المباشر ، والهيمنة غير المباشرة ، والتخلف على الأصعدة ، كافة ، اجتماعية ، واقتصادية ، وثقافية ، وحضارية ، كل هذا ، جعل من ردة الفعل الهائلة تلك ، مجرد ، ردود أفعال ، بدأت تخمد بالتدريج ، حتى ، عندما وصل المشروع القومي العربي النهضوي ، التنويري ، التحرري ، إلى أوج صعوده ، وحقق ، قيام دولة الجمهورية العربية المتحدة ، لم يهتد ، إلى الطريق ، الذي يثمرّ ، ذلك ، ويفعّله ، ويحّوله ، من ، ردة فعل آنية ، إلى نهج يراكم ، ويتطور ، ويطور الواقع .. باتجاه أهداف استراتيجية ، بحّت حناجر الجماهير العربية ، بالمطالبة ، بها ، لكنهّا ، ضلت الطريق ، الموصل ، إليها ...!
( 87 )
هنا ، وجد التيار القومي النهضوي التنويري ، في الوطن العربي ، نفسه ، وجهاً لوجه أمام الأسئلة الصعبة ، لماذا ..؟ ، لماذا وقع الانفصال ..؟ ، لماذا لم نحصّن دولة الوحدة ، لتكون الدولة النموذج ..؟ لماذا ، تهزم الجماهير العربية ، العريضة ، من قبل قلة قليلة ...؟ .. ، لماذا ، ولماذا ، وما العمل ..؟ .. وعشرات الأسئلة المصيرية ، التي تحولت ، في تلك الأيام ، إلى ما يشبه جلد الذات .. وتعددت الإجابات ، من داخل التيار القومي العربي ، ومن خارجه ، فالانكسار بدأ يلقي بظلاله ، على الواقع العربي ، ومحاولات الإنكار ، والتبرير ، لم تعد تجدي ، وبينما كان القوميون العرب ، يلملمون جراحهم ، ويسألون ، لماذا ؟ ، كانت الإجابات ، تنهمر عليهم ، من كل حدب وصوب ، وكانت ، بمجملها ، تصب على رؤوسهم ، كالسهام ، وبما يشبه القصف المركز ، لقد انهزمتم أيها القوميون العرب ، لأنكم ، لا تملكون منهجاً فكرياً .. ، لأنكم بلا نظرية .. ، لأنكم بلا تنظيم سياسي يوحد صفوفكم .. ، لأنكم عاطفيون ..؟ ، لأنكم تنساقون وراء فرد ، لأنكم علمانيون لا تفهمون الواقع ، لأنكم لستم علمانيين كفاية .. ، لأنكم مؤمنون ، بالله ، أكثر ، مما ينبغي ، لأنكم ، لستم مسلمين ، كما يجب ، فالإسلام هو الحل ..، لأنكم إصلاحيين ، ولم تحسموا موقفكم ، من ، الدين ، والغيبيات ، فالدين أفيون الشعوب ، لأنكم اشتراكيون .. لا ، لأنكم ، برجوازيون صغار ، لأنكم مؤمنين .. ، لا ، لأنكم ملحدين .. ، لأنكم مثاليين ، غيبيين ، لا ، لأنكم ، ماديين ملاحدة ، لأنكم عرباً ، لا ، لأنكم ، لستم عرباً ، من الأساس .. ، لأنكم تستمعون إلى أم كلثوم ، لا ، لأنكم من جماعة فيروز ، لأنكم مع اقتصاد السوق ، لا ، لأنكم مع وحدة قوى الشعب العاملة ، لأنكم لستم مع ديكتاتورية البروليتاريا ، لأنكم لا تتبنون نهج الاشتراكية العلمية ، لا، لأنكم لستم مع الليبرالية ، والحرية الاقتصادية ، لأنكم لستم ديمقراطيين ، لا ، لأنكم لم تحسموا موقفكم مع الديمقراطية الشعبية .. ، لأنكم إقليميين ، لا ، لأنكم لستم إقليميين ، لأنكم طوائف ، لأنكم مذاهب ، لأنكم أثنيات ، لأنكم أديان ، لا ، لأنكم تجاوزتم ، مذاهبكم ، وطوائفكم ، وإثنياتكم ، وأديانكم ، لأنكم مع نظرية داروين ، لا ، لأنكم ترفضون نظرية داروين ، ولا تحترمون جدكم القرد .. ، لأنكم مجتمع ذكوري ، لأن النساء عندكم يرتدين الحجاب ، لا ، لأنهن يخرجن سافرات ، لأنكم ترتدون الجلباب ، لا ، لأنكم تغربتم ، وترتدون البنطال ، وربطة العنق .. لأنكم تأكلون الفول ، والطعمية .. ، لا ، لأنكم تنكرتم لتاريخكم ، وتأكلون الهمبرغر ، والبيتزا ، لأنكم حلقتم ذقونكم ، لا ، لأنكم أطلقتم لحاكم ، ولم تحلقوا شواربكم أو العكس ، لأنكم ابتدعتم فكرة دول عدم الانحياز ، ولم تنحازوا للمعسكر الاشتراكي ، أو للمعسكر الليبرالي الديمقراطي الغربي .... ، لأنكم لم تقيموا الدولة الإسلامية ، لا ، لأنكم لم تتحرروا من فكرة الدولة الدينية ، لأنكم تتغنون بحضاراتكم السالفة ، لا ، لأنكم تغربتم عن الواقع ، وتجاهلتم حضارة الأجداد .. لأنكم لم تتعاملوا بواقعية مع الدول الفعلية القائمة في الوطن العربي ، لا ، لأنكم تتعاملون مع تلك الدول الإقليمية التي صنعها المستعمر ، لأنكم .. ولأنكم ..، حتى ، بات العربي ، فاقداً الرؤيا ، لأنه يتلفت إلى الوراء ، خائفاً من أتفه مخبر حقير يلاحقه ... ، وكان ، على جيلنا ، في خضمّ المعارك الساخنة ، أن يجيب على كل تلك الأسئلة ، وأن يصرف النظر ، عن الفعل ، في الواقع ، وأن يتركه فريسة ، للأعداء ، يستبيحونه .. ، بينما ، في ظل صعود التيار القومي العربي ، النهضوي ، كان البحث ، عن ، التوحد في الوطن ، ووسائل التحرير ، والأمة ، والمشروع الحضاري ، وأيهما ، أولا ..؟ ، الوحدة ، أم ، الاشتراكية ...؟ ، هل ، التحرير ، طريق الوحدة ، أم ، الوحدة طريق التحرير ...؟ ، ماذا نختار ، الشرعية الثورية ، أم ، الشرعية الدستورية ..؟ ، تلك كانت الهواجس ، أما ، في ظل فترات ، الانحسار ، والانكسار ، الممتدة ، فإن البحث ، بات ، عن عوامل الفرقة ، والتفتيّت ، ومن ، يكفرّ ، من ، ومن يمتلك وكالة عامة ، من الله سبحانه وتعالى ، لتمثيله ، وإخضاع الناس على الأرض ، وهكذا ، بات ، على المواطن العربي ، أن ، يخفض رأسه ، ويشيح ، ببصره ، عن الواقع ... ، فقط ، عليه ، أن يخضع ، لمن ، يمتلك القوة المادية ، وإذا أراد ، أن يتمرد ، فله ، أن يخضع ، لمن يدعي امتلاك القوة الألاهية ، وسد السبل أمام ، أي ، خيار ثالث ، ذلك ، هو الهاجس ، منذ انكسار مشروع النهضة العربية ، وحتى الآن ..
( 88 )
نقرّ ، بداية ، أن تلك الأسئلة ، والأجوبة ، والافتراضات ، لم تولد ، مع بداية فترة الانحسار ، والانكسار ، ولكن ، مع بداية الانحسار ، التي ترافقت ، مع انفصال الإقليم الشمالي ، عن ، الجمهورية العربية المتحدة ، انكشفت الأسئلة ، التي ، كانت ، قد تراجعت ، أمام حماسة ، واندفاع المشروع القومي العربي ، النهضوي ، ثم عادت ، تلك الأسئلة ، إلى الصف الأول ، مع بداية الانحسار ..
هكذا ، كان على جيلنا ، في خضم المعارك الساخنة ، حول الطريق إلى الوحدة العربية ، وتحرير فلسطين ، والعدالة الاجتماعية ، والتنمية ، وتحرير الأراضي العربية المحتلة ، بين ، المحيط ، والخليج ، أن يجيب ، على عشرات الأسئلة ، وأن يحدد موقفاً ، من عشرات القضايا ، التي أثيرت ، بحسن نية ، أحياناً ، وبسوء نية ، أكثر الأحيان .. ، وأعادت المشروع ، القومي العربي ، النهضوي ،التنويري ، إلى خط البداية ، باعتبار أنه ، لا يمكن ، أن يكون مشروعاً ، سياسياً ، نخبوياً ، حماسياً ، وإنما ، وبسبب من التعقيدات الكثيرة ، والمتشعّبة ، لا مفر ، من أن يكون مشروعاً ، جماهيريا ، نهضوياً ، شاملاً شتى مظاهر الحياة العربية ، ومدققا في عواملها ، وتفاصيلها ، ولا مهرب ، من الإجابة ، على جميع الأسئلة .. وقد تبرعت ، جميع القوى الفاعلة ، والمؤثرة ، في الوطن العربي ، بل ، وفي العالم ، كله ، بتقديم الإجابات ، البريئة أحيانا ، والمسمومة ، أكثر الأحيان ، إلى التيار القومي العربي ، الجماهيري ، الكاسح ، وكان عليه ، أن يختار ..
( 89 )
لكن ، وقبل الدخول ، في طبيعة الإجابات ، والاختيارات ، لابد من التوقف ، ولو للحظة واحدة ، وباختصار شديد ، أمام الظروف ، التي سادت ، بعد الحرب العالمية الثانية ، والتي انعكست ، بكل ، ثقلها ، وتبعاتها ، على الواقع العربي ، فكراً ، وممارسة ، ودولاً .. ونلخصّها ، بما ، يلي :
1 - نظام عالمي جديد ، في حينها ، بات "قديماً" ، الآن ، تمّثل ، في هيئة الأمم المتحدة ، أعطى المنتصرين ، في الحرب العالمية الثانية ، حق ( الفيتو ) ، وبالتالي ، نصّبهم ، قيمّين ، على ، المجتمع الدولي ، والقانون الدولي ، والعالم ، ببشره ، وأرضه ، وثرواته ..
2 – مؤتمر يالطا ، الذي وضع العالم ، كله ، تحت ، هيمنة ثنائية قطبية ، نظمّت العلاقة ، تعايشاً ، بين القطبين ، وتركت الصراع ، مفتوحاً ، بينهما ، على ، ما أسموه ، العالم الثالث ، الذي تحول إلى ساحة ، للصراع بين القطبين ..
3 - محاولة جنينية ، من قبل ، القادة الحقيقيين ، في العالم الثالث ، للتمرد ، على عنصرية المنتصرين ، في الحرب الثانية ، وتحرير ، وتحويل ، ما سمي ، العالم الثالث ، من ساحة ، للصراع ، بين القطبين ، إلى ، قوة ثالثة ، تأخذ بعين الاعتبار ، المصالح الوطنية ، والقومية ، لشعوب العالم الثالث ، تحت أسم ، دول عدم الانحياز ، أو ، دول الحياد الإيجابي ..
4 - تم اختراق مؤسسات ، دول عدم الانحياز ، من قبل القطبين السائدين ، وارتفعت نغمة الاستقطاب الدولي ، وتم ، تنظيم الحرب الباردة ، والتعايش السلمي ، بين القطبين ، وتصدير الحروب الساخنة ، بينهما ، إلى دول العالم الثالث ، بالتزامن مع انهيار المشروع ، النهضوي ، القومي العربي ..!
ما يعنينا ، هنا ، هو ، كيف انعكس ذلك ، كله ، على الحركات ، والتوجهات الفكرية ، والسياسية ، في الوطن العربي ..؟ وما هي ، الإيديولوجيات ، والعقائد ، التي أثرّت ، وتفاعلت ، مع الواقع العربي ، وكانت معنية ، بالأسئلة ، والإجابات ، والتحديات ، التي أشرنا ، إليها ..؟ ، والتي يمكن أن نصنفها ، لضرورة البحث ، في ملفات أربعة :
( 90 )
- الملف الأول : ويتضمن "الإيديولوجيا" ، التي اعتمدها ، ما سمي المعسكر الاشتراكي ، الذي يشكل القطب الشرقي ، في ، الحرب الباردة ، وبما ، كان يعنيه ذلك ، في حينه ، من إغراء ، بالمساواة ، والأممية ، وإلغاء استغلال الإنسان ، للإنسان ، وتحقيق العدالة الاجتماعية ، إضافة ، إلى تجارب حية ، وفاعلة ، تمكنت ، من تشكيل قطب قوي ، ينافس على الفضاء ، وينافس ، في العالم الثالث .. لكن ، في العمق ، كانت هناك مشكلات معقدة ، تعددت الاجتهادات ، في مواجهتها ، وتشكلت ، على أثرها ، مذاهب ، وطوائف ، وأئمة تدعيّ كل منها ولاية الفقيه، في الماركسية ، تتناقض مواقفهم ، من ، تروتسكي ، إلى لينين ، إلى ستالين ، إلى ماوتسي تونغ ، إلى كيم أيل سونغ ، وكاسترو ، وجيفارا ، ثم إلى خروتشوف ، وبريخيف ، وحتى ، بروتوسترايكا غورباتشوف .. وقد تحولت ، تلك ، المذاهب ، والمدارس ، إلى مؤسسات حزبية سياسية ، في الوطن العربي ، بعدد ، الأئمة ، المشار إليهم ، والذين أغفلنا ذكرهم لضيق المساحة ..... ، تقدم أفكارها ، وخدماتها ... ، لحل ، مشكلة المنهج ، عند القوميين العرب ، النهضويين ، من قبل ، أول التروتسكيين ، إلى آخر الماويين .. ، والغورباتشوفيين ...!
(91 )
- الملف الثاني : ويتضمن الأيديولوجية ، التي ، بني عليها ، ما سمي المعسكر الليبرالي ، الذي شّكل ، القطب الغربي ، في الحرب الباردة . بما ، كان يعنيه ، من تقدم ، وحضارة ، وحرية ، و ديمقراطية، وتجارب حية ، تشهد على تقدم المجتمعات ، في ذلك المعسكر. ينافس المعسكر الاشتراكي ، في الفضاء ، وينافس في العلم الثالث على الأرض ، لكن ، في العمق ، كانت ، هناك مشكلات معقدة ، بعد أن التهمت الرأسمالية ، أحلام الحرية ، والمساواة ، والعدالة الاجتماعية ، وبدأت أصوات الاحتجاج ترتفع ، حتى في داخل ذلك المعسكر ، وباتت عشرات الأسئلة تطرح بإلحاح ، في ظل غياب إجابات مقنعة ، وتعددت الاجتهادات ، في مواجهتها ، وتشكلت ، على أثرها ، مذاهب ، وطوائف ، في ، الليبرالية ، خاصة بعد أن التهمت الرأسمالية ، الجوانب الإيجابية ، من ، منهج الليبرالية ، تتناقَض مواقفهم ، من ، أول الأحزاب المسيحية ، إلى الخضر، إلى الأحزاب الوجودية ، والبوهيمية ، و الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية، والمحافظين ، والعمال ، ومن ، منهم ، مع تدخل الدولة ..؟ ، ومن ، منهم ، مع كف يدها ، تماما ...؟ ، المهم ، أنه ، تم استنساخ ، تلك ، المذاهب ، والأحزاب ، والمدارس ، في الوطن العربي ، أحزاباً ، وأفكاراً تقدم خدماتها، لحل مشكلة المنهج ، عند القوميين العرب ، في الواقع العربي...
(92)
- الملف الثالث : ويتضمن ، تلك الدعوة إلى الخصوصية ، والتمسك بالموروث ، الحضاري ، أو الديني ، أو الثقافي ، الذي أنتجته هذه الأرض العربية ، بكل ، ما يعنيه ذلك ، من أغراء ، لتحصين الأمة ، وهويتها ، بمواجهة الأفكار المستوردة ، وثقافة التغريب ، والتشريق ، وجيوش الاحتلال ، من أول المستوطنين ، إلى آخر الغزاة ، لكن ، المشكلات المعقدة ، في العمق ، أفرزت ، في مواجهتها ، مذاهب ، وطوائف ، وأئمة ، تتناقض مواقفهم ، من ، أول ، الذين رفعوا راية حضارات قديمة ، بهدف بعثها من جديد ، لأن ، التاريخ ، من وجهة نظرهم ، بدأ ، بها ، وانتهى عندها ، إلى ، آخر ، الذين رفعوا راية المؤسسات ، الدينية ، والقبلية ، والإقليمية ، والطائفية ، والمذهبية ، حيث تنافسوا ، فيما ، بين بعضهم ، البعض ، إضافة إلى التنافس الحاد ، مع مكونات الملفين السابقين ، في تقديم الخدمات ، والأفكار الجاهزة ، والحلول النهائية ، لحل مشكلة المنهج عند القوميين العرب ..!
- الملف الرابع : ويتضمن دعوة توافقية ، تلفيقية ، بين ، مكونات الملفات الثلاثة ، المشار إليها ، بمعنى ، أن تقدم تلك المكونات المتناقضة في طبق واحد ، ثم ، يقال للقوميين العرب ، ببساطة ، ليس هناك ضرورة للبحث ، والتدقيق ، حيث ، لا جديد تحت الشمس ، فكل ميمكن أن يقال في موضوع المنهج قد قيل ، وانتهى ، فخذوا من تلك المناهج ما يحلوا لكم ، وما يتوافق مع خصوصيتكم التي تتمسكون بها ، وارفضوا ، ما بعد ذلك ، فلماذا كل هذا العناء ... ؟ ، كفوّا عن البحث ، وسايروا العصر ، واختاروا من الوجبات الجاهزة ، والسريعة ، ففيها كل مالذ ، وطاب .
( 93 )
إن ، ما تقدم الإشارة إليه ، هو ، موضوع بحث طويل ، لا يحتمله هذا المقام ، فقط ، أشرنا إليه ، مجرد إشارة ، للدلالة ، على تأثيره ، في موضوع بحثنا ، هذا ، تحديداً ، لاعتماد ، قاعدة ثابتة ، ننطلق منها ، وهي ، أن التصدي ، لحل المشكلة المنهجية ، والنظرية ، في التيار القومي العربي ، النهضوي ، التنويري ، لم ، يكن مفتعلاً ، أو ترفاً ، أو بحثا ، عن تميّز ، أو امتياز ، وإنما ، كان ذلك ، ضرورة ، وحاجة ملحة ، لاستئناف مسيرة النهوض ، بعد الانكسار ، والانحسار ، والهزائم .. ، وتلك الضرورة ، وهذه الحاجة ، تزداد إلحاحا ، مع كل يوم يمّر ، دعونا ، الآن ، نحدد ، بدقة ، الموقف ، والخيارات ، في تلك المرحلة الحاسمة ، من التاريخ العربي المعاصر ، وهذا ، في منتهى الأهمية ، وجدير ، بأكبر قدر ، من الاهتمام ، فمع قيام دولة الجمهورية العربية المتحدة ، وتعثرّ بناء دولة الوحدة ، كدولة ، نموذج ، وكقاعدة ، للانطلاق ، منها ، باتجاه المحيط ، والخليج ، ثم ، بداية الانكسار ، بانفصال ، الإقليم الشمالي ، عن ، العربية المتحدة ، وجد التيار القومي العربي ، النهضوي ، التنويري ، نفسه ، في حالة ، من ، البلبلة الفكرية ، والمنهجية ، والنظرية ، فرغم ، كونه ، التيار الكاسح ، والعريض ، على صعيد الأمة بين المحيط والخليج ، وجد نفسه ينحسر ، ويتلقى الهزيمة ، إثر الهزيمة ، وفي حالة ، من العجز ، عن تحقيق أهدافه ، فبرزت الحاجة الملحة ، لحل المشكلة المنهجية ، والنظرية ، وتقدم أصحاب الملفات الأربعة ، السالفة الذكر ، يعرضون بضاعتهم ، وما لديهم ، فكرياً ، ونظرياً ، ومنهجياً ، وسّهل ذلك ، أن التيار القومي العربي العريض ، كان ، متنوعاً ، وشاملاً ، لمجموعات ، وأفراد ، ينتمون ، أصلاً ، لهذا المذهب ، أو ذاك ، في ذلك الملف ، أو في أي ملف آخر .. ، فقد التحقوا بالتيار القومي العربي ، في أوج صعوده ، قادمين ، إليه ، من ، أرومات مختلفة ، ومتباينة ، وعندما بدأ الانحسار ، بدأت معه ، حالة الانكفاء ، فرديا ، وجماعيا ، إلى الأوضاع ، السابقة ، على التوهج القومي ، فكانت النتيجة كارثية ، بمعنى ، أن التيار القومي العربي ، النهضوي ، التنويري ، العريض ، والكاسح ، والمتنوع ، كان بحاجة إلى منظومة فكرية ، ومنهجية ، ونظرية ، تنظم صفوفه ، وتحدّد مساره ، وتحشد قواه ، باتجاه الهدف ، فلا يضل ، ولا ينحرف ، ولا يتوه ، في البرية .. ، وإذ ، بتلك الأفكار ، والمناهج ، والنظريات المنوه ، عنها ، تفعل ، فعلاً معاكساً ، بإعادته ، إلى حالة الشرذمة ، والتفتيت ، والتناحر ، الذي كان سائداً ، من قبل ، وتحول التيار القومي العربي ، النهضوي ، التنويري ، من قوة فاعلة مؤثرة ، لها هيبتها ، إلى ساحة ، يلعب فيها ، الإقليميين ، والطائفيين ، والمذهبيين ، والدينيين ، والعلمانيين ، والقبليين ، والمؤمنين ، والملاحدة ، وإذ ، بهذا التيار العريض ، والواسع ، الذي كان يبحث عن ، هوية ، ومنهج ، ومسار ، بات ، بلا ، هوية ، بلا ، منهج ، بلا ، مسار ، فنهشت منه ، القوى ، التي كان قد حشرها في الزاوية ، نهشت كوادره ، وأنصاره ، فحركة القوميين العرب ، باتت ( حركات ) ، وحزب البعث العربي الاشتراكي ، انتهى إلى أحزاب ، ثم إلى .. ، والناصريون ، تفرقوا أنصاراً ، لهذا الحاكم ، أو ذاك ، أو معارضة ، لتلك الجماعة ، أو لهذا الزعيم ، أو ذاك ...، ومع كل يوم كان يمضي ، على الانحسار ، كانت الصورة المأساوية تتظهّر أكثر .. ، فأكثر .. ، فالمقاومة العربية ، لتحرير فلسطين ، انتهت ، إلى فلسطينية ، ثم ، إلى ، غزاوية ، ورام الله ، ثم ، إلى مؤمنة ، وكافرة .. والمقاومة العربية ، في جنوب لبنان ، انتهت ، إلى مقاومة وطنية لبنانية ، ثم ، إلى مقاومة مذهبية ، ثم ، إلى مقاومة فصيل ، واحد ، من المذهب .. وهكذا ..!
( 94 )
هل ، يكفي ما تقدم ، لنقرر ، أن حل المشكلة المنهجية ، كان ضرورة ، وحاجة ملحّة ، للتيار القومي العربي ، النهضوي ، ثم ، لنقرر ، أن المناهج التي قدمت لحل المشكلة ، زادتها تعقيداً ، وأن المحاولات ، لما سمي ، تطوير تلك المناهج ، أو تعديلها ، أو للأخذ منها ، ما يناسبنا ، ورفض ما سواه ، أو ، التلفيق بين مناهج متناقضة .. ، هذا ، كله ، لم ، يجد ، نفعاً ، بل ، أدى إلى تشويه ذاتي ، وموضوعي ، وسيكولوجي ، وانتهى بنا ، إلى ما نحن عليه ..
لهذا ، فإن ، الذين تصدوا ، للمشكلة ، بإبداع منهج ، لمشروع النهوض ، والتنوير ، في الوطن العربي ، كانوا يستجيبون ، لحاجة ملحة ، بهدف ، حل مشكلة منهجية ، ليس ، في الوطن العربي ، وحسب ، وإنما ، على الصعيد الإنساني الشامل ، فحلم ، الاشتراكية ، وإلغاء استغلال الإنسان ، للإنسان ، التهمته النظم الاشتراكية ، في معسكرات الاستبداد ، والنفي ، والتفرد ، وحلم الحرية ، والديمقراطية ، الليبرالية ، والمساواة ، التهمته ، النظم ، الفردية ، والرأسمالية ، والاستعمارية ، وحلم عدالة الأرض ، وعدالة السماء ، في ، الأديان السماوية ، التهمته ، مذاهب التكفير ، والتلاعن ، والتخريب .. ، والإقصاء ، والاستئصال .. ، وهكذا ..
وإذا ، كنا ، قد اقترحنا " منهج جدل الإنسان " ، كما أبدعه عصمت سيف الدولة ، منهجاً ، لمشروع النهوض ، والتنوير ، من جديد ، في الوطن العربي ، وبالتحديد ، منهجاً ، للطليعة العربية ، فإننا ، لا نغفل ، في الوقت ذاته ، محاولات جادة ، وهامة ، أبدعها ، مفكرون أفذاذ ، نقدرّ ، ونحترم ، ونجلّ ، على هذا الصعيد ..، لكن ، لابد في النهاية ، من الاختيار ، وعلى ، أية حال ، سيبقى ذلك ، كله ، رهناً ، بالمؤسسات الديمقراطية ، للطليعة العربية ، المخولة ، وحدها ، بالتعمق ، والبحث في مختلف المناهج ، والإبداع حيث كان ذلك ممكناً .. ، ومن ، ثم ، تحدد ، منهجها ، الذي يغدو ، منهجاً ، ملزماً للطليعيين العرب ، اعتبارا من ذلك ، التحديد ...
لكننا ، ولضرورة البحث ، فإننا ، سنعتمد ، ذلك المنهج ، في الإجابة على سائر الأسئلة ، التي طرحت ، والتي ، يمكن أن تطرح ... ، ولكل ، أن يطرح ، ما يشاء ، نقول هذا ، كي نؤكد ، أن الطليعيين العرب ، الجدد ، لا يتهربون ، من الإجابة على الأسئلة المطروحة ، ولا يتوانون ، عن مواجهة المشكلات ، مهما كانت معقدة ، وأن ، ما تقدم من حديث ، كان ، لوضع قاعدة منهجية ، ننطلق منها ، في مواجهة التساؤلات ، والمشكلات ، معاً ...
( يتبع ... "21" ... البيان ... )


