على بساط الثلاثاء

44

 

( تتمة ... "18" ... البيان ... )

 ( 65 )

 

في ، الفقرات السابقة ، نقلنا "منهج جدل الإنسان" ، باختصار شديد ، قدر الإمكان ، "بتصرف" ، عن مصدره ، في الأجزاء السبعة "لنظرية الثورة العربية" ، مؤكدين ، مرة أخرى ، أن هذا النقل ، لا يغني ، عن العودة إلى الأصل ، الذي ، أبدعه ، عصمت سيف الدولة ، والذي ، أغناه ، بالدراسة ، والحوار ، مع المناهج ، والنظريات ، التي سبقته ، والتي عاصرته ...

                 وإذا ، كنت ، أقترح "منهج جدل الإنسان" ، ليكون ، منهجاً "للطليعة العربية" في العقد الأول ، من القرن الواحد والعشرين ، فإن ، من حقي ، أولاً ، ومن واجبي ، قبل ذلك ، أن أعلل هذا الاقتراح ، وأن أوضح ، قدر الإمكان ، الأسباب الموجبة ، وراء هذا الاقتراح ... ، فأقول :

أولاً : إن ، مشكلة المنهج ، في الوطن العربي ، كانت ، تزداد إلحاحاً ، مع تطور التيار القومي العربي ، وبلغت ذروتها ، مع خمسينات القرن المنصرم ، عندما ، امتد التيار القومي العربي ، أفقياً ، إلى درجة كاسحة ، كان ، أكثر من كاف ، كان ، فائضاً عن حاجة التيار القومي العربي ، لتحقيق أهدافه ، في تقرير المصير ، لو ، امتلك ، ذلك التيار ، منهجاً ، يوحد الطاقات ، ويستثمر ، ذلك ، المد الجماهيري الجارف ، وأن ، تلك المشكلة ، مشكلة "المنهج" ، باتت ، الآن ، وفي هذا الزمن الصعب ، أكثر إلحاحاً ، لا يوازي التهرّب من حلها ، إلا ، تفاقم هذا النكوص العربي عن التطور ، والإبداع ، والتقدم ..

 

( 66 )

 

ثانياً : إن ، مشكلة المنهج ، بالإضافة إلى أنها ، مشكلة عربية ، هي ، في الوقت ذاته ، مشكلة إنسانية ، شاملة البشرية ، جمعاء ، ذلك ، أن ، هذا النظام الدولي السائد ، قام على أفكار تبلورت ، في القرن التاسع عشر ، فنشأ ، "الحلف المقدس المسيحي" ، ثم ، "عصبة الأمم المتحدة" ، في الربع الأول من القرن العشرين ، ثم ، "هيئة الأمم المتحدة" ، في منتصفه ، وتبلور الصراع ، بعد الحرب العالمية "الأوربية، الثانية ، بعالم اشتراكي ، وعالم رأسمالي ، وعالم هجين ، بينهما ، ومع تفاقم ، المشكلة المنهجية ، في الوطن العربي ، مع عقد الخمسينات ، وما ، بعد ، من القرن الماضي ، تفاقمت الأزمة المنهجية ، في ، كلا النظامين الدوليين الرئيسين ، حيث تفاقمت الأزمة المنهجية داخل المعسكر الاشتراكي ، فدمر الاستبداد المنهجي ، أنبل الأفكار الإنسانية ، لإلغاء استغلال الإنسان ، للإنسان ، بينما ، تمكنت الرأسمالية المتوحشة   في المعسكر المقابل ، من ، التهام ، أفكار التنوير والأنسنة ،والحرية ، والمساواة ، وإذا ، كانت ، الديمقراطية ، مع ، ما تتعرض له من انتقادات ، وتشوهات ، قد ، أخرّت ، حتى الآن ، انهيار النظام الرأسمالي ، الذي يصّدر أزماته ، إلى ما يسمونه ، العالم الثالث ، عبر ، النهب المنظم ، لثرواته ، وإشباع حاجات المجتمعات ، في ، أنظمتهم الرأسمالية ، على ، حساب شعوب العالم  الأخرى ، فإن ، هذا ، لن يدوم طويلا ... ، ولعل بوادر انهيار النظام الرأسمالي بدأت تلوح في الأفق ..

 

( 67 )

 

ثالثاً : إن ، أزمة النظام العالمي ، والأزمات المنهجية ، التي تفجرت ، بخاصة ، داخل المعسكرين ، الاشتراكي ، والرأسمالي ، انعكست على الأزمة المنهجية ، في الوطن العربي ، وتداخلت ، مع ، الموروث الحضاري ، والفكري ، للأمة العربية ، إضافة ، إلى إشكالات الواقع العربي ، المضطرب ، في القرن العشرين .. هذا ، بمجمله جاء ، إضافة إلى الأساطيل العسكرية ، التي ، تتنزه في المياه الإقليمية العربية ، من مختلف أرجاء العالم ، وإضافة ، للقواعد العسكرية الأجنبية ، المنتشرة على الأراضي العربية ، تحت أعلام مختلفة ، وإضافة ، للشركات محددة الجنسية ، وللشركات متعددة الجنسيات ، التي ، تستثمر ، وتسمسر ، على ، الثروة العربية ، بين المحيط والخليج ، وإضافة ، إلى ، "الدول الفعلية" ، من ، إمارات ، ومستوطنات  ، وسلطنات ، وممالك ، وجمهوريات نشأت ، وأخرى ، قيد الإنشاء ، والتي تقاسمت الأرض العربية ، شبراً ، شبراً .. فبات ، المشهد العربي ، بالغ الدلالة .. ، وبات النتاج الفكري ، والمنهجي ، والنظري ، للبشرية ، كلها ، من ، أقصى الشرق ، إلى ، أقصى الغرب ، مكدّسا ، في السوق العربية ، إضافة ، إلى، نتاج التجارب الحية ، لتلك الأفكار ، نجاحاً ، وفشلاً ، أبطالاً  ، ورموزاً ، متوحشين ، ومجرمين .. وهذا كله ، كان يمكن ، أن ، يكون مصدر غنى ، لو ، تمكنت الأمة ، أن تتمثل هذا النتاج الفكري الهائل ، للإنسانية ، وأن ، تدخله في عملية "الجدل الاجتماعي" ، لينتج ، منه ، منهج التطور ، والتقدم ، والخلق ، والإبداع ، لكن ، واقع الأمة ، المتمثل ، بحالة من الاستلاب ، الحاد ، لقرون عديدة ، لم ، يسمح ، لها ، أن تتمّثل ، هذا ، كله ، فتم التعامل ، مع ، تلك الأفكار ، والمناهج ، والتجارب ، بإحدى طريقتين ، إما ، بالانبهار ، بها ، لدرجة التقديس المطلق ، وإما ، الرفض ، لها ، لدرجة التجريم ، والتكفير المطلق ..وهذا ، انعكس بدوره ، حتى ، على طريقة التعامل ، مع التراث الحضاري ، للأمة ، حيث ، تم ، تعليبه على مقاسات الجماعات ، والعصبيات الدينية ، والمذهبية ، والأثنية ، والسياسية ، البعض ، يدعّي ، أنه ، يمثل الله على الأرض ، وكل الآخرين ، إلى الجحيم ، والبعض الآخر ، ادعى ، أن الطريق ، إلى التحضر ، يمر ، عبر ، الانعتاق ، من ، ذلك التراث ، نهائياً ، ورميه جانبا ، والالتحاق ، بذلك النموذج ، شرقاً ، أو غرباً .. ، حتى ، بات ، هذا الوطن العربي ، "عالم عربي، ، كما سموه ، بعد ذلك ، وهو حقيقة "لا عربي ولا يحزنون" ، بمعنى ، أنه لم يعد وطنا ، وبمعنى ، أنه ، لم ، تعد مدرسة فكرية ، أو منهجية ، أو فنية ، أو أدبية ، أو اجتماعية ، أو اقتصادية ، أو دينية ، أو أثنية ، في العالم ، إلا ، ولها ، أتباع ، أو مظاهرين ، أو مناوئين ، في ، هذا ، الذي أسموه ، "عالماً عربياً" ، كما ، لم ، توجد تجربة ، في العالم ، إلا ، ولها ، وعليها .... من هو معها ، ومن هو ، ضدها ، كما ، لم ، يوجد زعيم ، أو قائد ، أو مفكر ، أو فيلسوف ، في العالم ، إلا ، وله ، أتباع ، وأنصار ، أو مناهضين ، ورافضين ، في هذا "العالم" ، الذي ، أسموه ، عربياً ، أولاً .. ثم ، بدأ التشكيك ، بعد هذا كله ، بإثارة السؤال ، بجدية ، عن ، الهوية ، هل ، هو ، عربياً ، فعلاً ، أم ، "شرق أوسطي"...؟ ، وبغض النظر ، عن ، الإجابات الفكرية ، والمنهجية ، التي ، تفاوتت بين الإقرار ، بوجود الأمة العربية ، وبين اعتبارها ، قيد التكوين ، وبين ، إنكار وجودها ، أصلاً ، ومآلا ... ، فإن ، الواقع العربي ، بفعل ، عوامل داخلية ، وإقليمية ، ودولية ، بات ، ساحة ، للصراع ، هناك ، من يريده "شرق أوسط قديم" ، وهناك من يريده "شرق أوسط جديد" .. ، باختصار ، وبعد انحسار التيار القومي العربي ، لم يعد ، هناك ، من يريده ، عربياً ، بأي حال ، من الأحوال .. هذا ، كله ، وبمجمله ، انعكس سلباً ، على ، أزمة المنهج ، في الوطن العربي ، وبات حلها ، لا يحتمل التأجيل ، إذا ، أردنا الخروج ، من ، التغريب ، والتشريق ، والتخريب ، والتخريف ... ، فالذين ، وحدهمّ ، التيار القومي العربي ، في فترة ، المد القومي ، عادوا ، في ، مرحلة ، الجزر الإقليمي ، يتناحرون ، بين ، الأصالة ، والحداثة ، وما قبل الأصالة ، ثم ، داخل الأصالة ، ذاتها ، ومن ثم ، داخل الحداثة ، ثم  في ، ما بعد الحداثة .. وبات ، الواقع العربي يعج ، بالأصوليين ، في ، شتى المجالات ، وبالفرق ، وبالمذاهب ، وبعلمانيين ، من مختلف الألوان ، فغلبت العصبية ، على ، الموضوعية ، وبات ، النسيج الاجتماعي ، في الوطن العربي ، مهدداً ، تهديداً مباشراً ..

 

( 68 )

 

رابعاً : إن ، السجالات ، التي أعقبت الحرب العالمية الثانية ، على ، صعيد العالم ، بين ، الماركسيين ، وبين الليبراليين ، وبين ، دعاة الخط الثالث ، وبين ، التيارات الدينية ، والأصولية .... ، كشفت ، ضعف البنية المنهجية ، لدى ، تلك  ، الاتجاهات الأربعة ، فتحولت ، تلك التجارب ، إلى محاولات تجريبية ، في الواقع ، تتلطى ، وراء مناهج ، لا تفعلهّا ، ولا ترجع ، إليها ، في الممارسة .

1 – فالماركسيون ، باتوا ، في الواقع ، لينينيين ، أو ستالينيين ، وصولاً ، إلى بروتسترويكا غرباتشوف ، وانفتاح يلتسن ، وتروتسكيين ، وماويين ، وإلى سنغ ، ومن ، الخمير الحمر ، إلى ، التوباماروس ، إلى ، كيم أيل سونغ  ، وتيتو ، وكاسترو ، وحتى ، جيفارا ، وصولاً ، إلى أحزاب شيوعية ، في أوربا ، وأمريكا اللاتينية ، وأفريقيا ، وآسيا ، لا حصر لها ، فأين "المادية الجدلية" ، من ذلك ، كله ..؟

2 – والليبراليون ، الذين تفرقوّا ، مدارس شتى ، بين ، اليمين ، ويمين الوسط ، ويسار الوسط ، وبين ، الأحزاب الدينية ، والأحزاب العلمانية ، وبين الأحزاب الاشتراكية ، والأحزاب الرأسمالية ، والأحزاب العمالية ، وبين ، الاستعمار ، والإمبريالية ، وصولاً إلى ، ما يعرف اليوم ، بالليبرالية المتوحشة .. ، كل ، هؤلاء ، أين هم اليوم ، من ، منهج الليبرالية التنويرية ، الذي ، يقوم أساساً ، على العقد الاجتماعي ، وعلى الحرية ،والمساواة ، بمعناها الواسع ، الاجتماعي ، والسياسي ، معاً ..

3 – ودعاة ، الخط الثالث ، الذين ، حاولوا التلفيق ، بين ، مناهج التيارين السابقين ، تحت شعار ، نأخذ ، ما يفيدنا من أي مصدر ، كان ، ونترك ما لا يعجبنا .. ، فانتهت ، بهم ، محاولات التلفيق ، إلى ، ما انتهوا ، إليه .. وباتوا نماذج رديئة ، للتوحش الاستبدادي ، في التاريخ البشري ...فاخذوا من تلك المناهج أسوأ ما فيها ، ومن تجاربها ، ما يناسب توحش المستبدين لا أكثر .. 

4 – أما ، التيارات الدينية ، والأصولية ، فقد فاتها ، أن ، نموذج الدول الدينية ، بات ، من الماضي ، وقد تجاوزها التطور البشري ... ، وبذلك ، جردوا تلك الديانات ، من جوهرها الإنساني ، والإيماني ، وتنافسوا ، في تعليبها ، بقائمة ، لا تنتهي ، من الطقوس ، حيث ، بات الاختلاف حولها ، بديلاً عن الحوار ، والجدل ، حول القضايا الإستراتيجية ، والحيوية .. وتفاقمت الأزمة ، عندما ادعى كل فريق ، أنه ، يملك الحقيقة المطلقة ، للسر الإلهي ، وأن من يخالفه الرأي ، يرجم ، بالكفر ، والزندقة ..

                 تلك ، السجالات ، ألقت بظلالها ، على ، أزمة المنهج ، في الوطن العربي ، وأدت إلى تشويش الرؤيا ، والكثير ، من التداخل بين القوى ، بحيث بات الفرز ، بالغ الصعوبة ، وبالتالي ، اضطرب مشروع النهوض ، والتنوير ، والأزمة ازدادت ، وتفاقمت ، مع انحسار ، المد الجماهيري ، للتيار القومي العربي ..

 

( 69 )

 

خامساً : إن ، البشرية راكمت خلال تاريخها الممتد ، من حيث لا نعرف بداياته ، رغم تقدم العلوم والمكتشفات ، إلى ، مآل ، لم ندرك كنهه ، رغم ، أن المراكب الفضائية ، الآلية ، والمأهولة ، قد اخترقت الغلاف الجوي ، لهذا الكوكب ، وذهبت بعيداً ، في اتجاهات مختلفة ...، نقول ، أن البشرية راكمت أفكاراً ، ومبادئ هامة ، ووضعت فرضيات ، ثبت ، صحة بعضها ، وخطأ بعضها الآخر ، وصاغ المبدعون ، مناهج ، لا ينقصها الحلم ، ولا تجنح بعيداً ، عن ، القوانين النوعية ، للأشياء ، والأحياء .. ،  ما يعنينا ، هنا ، هو تلك النظرة المنهجية ، للإنسان ، التي تعاقب الفلاسفة ، والعلماء ، كل ، على حدة ، ثم ، الفلاسفة العلماء ، على الاتحاد ، في تحديد الدوافع ، لهذا ، الكائن ، شديد التعقيد ، وما هو ، الأساسي ، وما هو ، غير الأساسي ، في تحديد ، ما يعرف ، بالسلوك البشري ، كفعل ، أو ، كرد فعل ...؟

                 باختصار شديد ، نقول ، أن التيار القومي العربي ، مع منتصف القرن العشرين ، تمتع بقوة جذب ، وإغراء ، لا حدود ، لها ، لأصحاب المناهج ، والنظريات ، التي ، كانت سائدة ، في العالم ، فهو ، هكذا كان ، تيار واسع ، ومؤثر في الساحة العربية ، وفي ، الوقت ذاته ، فإن ، التيار القومي العربي ، يتعامل مع الواقع ، بأسلوب تجريبي ، تفرضه الظروف الضاغطة ، والمعارك المتلاحقة ، وبالتالي ، فإن ، من حق أصحاب المناهج ، والنظريات ، من أقصى اليمين ، إلى أقصى اليسار ، وما بينهما ، أن يعرضوا بضاعتهم ، في هذا السوق الواسع ، والمتعطش ، وقد ، قابل القوميون العرب ، هذا ، كله ، بمواقف مختلفة ، بل ، ومتناقضة ، أحياناً ، تباينت ، بين الرفض المطلق ، والتبني المطلق ، ما يعنينا ، هنا ، أن الأثر الإيجابي الوحيد ، لهذا الحراك الفكري ، أنجب مناخاً ، من الحوار ، والجدل الحيوي ، بين مناهج ، ونظريات ، وأفكار ، وإيديولوجيات ، قلما ، تتواجه بهذه الكثافة ، في ، أي مكان من العالم ، وهكذا ، كان على القوميين العرب ، أن يجيبوا على السؤال الاستفزازي .. ما هو منهجكم ..؟ .. بسؤال استفهامي : ما هو المنهج الذي علينا اعتماده ..؟ ، هنا ، بدأ التدقيق ، في المناهج ، التي تم بالاستناد إليها ، بناء تجارب هامة ، على صعيد الإنسانية ، فأين تطابقت تلك التجارب مع المناهج التي قامت على أساسها ...؟ ، وأين تم الاختراق ...؟  ، وإلى أين وصلت أزمة المنهج على الصعيد الإنساني ..؟ ، هذه ، كلها أسئلة ملحة ، كان لابد من الإجابة عليها .. ، وهذا ، بالضبط ، ما تصدى ، له ، "منهج جدل الإنسان" ، بعد ، أن أصبح من الثابت ، أن المناهج التي حاولت ، أن تختصر الإنسان بدافع أحادي ، يحركه ، ويحدد سلوكه ، قد وصلت إلى الحائط المسدود ، فدوافع الإنسان ، أكثر ، من ، أن تعد وتحصى ، وكلها أساسية ، وبحسب الظروف الموضوعية ، في مكان محدد ، وفي زمان معين ، وبمواجهة ، ذات إنسانية ، في مرحلة محددة ، يتقدم ، أحد الدوافع ، على سواه ، ويتأخر دافع آخر .. هل يستطيع أحد أن ينكر للإنسان دوافع جنسية تؤثر في سلوكه ؟ ، أو أن له دوافع مادية ؟ ، أو أن له دوافع قد تدفعه للتضحية بحياته ، وهكذا ...، لكن هل يستطيع أحد في هذا العالم أن يختصر دوافع الإنسان بواحد فقط من تلك الدوافع ..؟ ، إن المحاولات الفاشلة لقسر الحقائق العلمية خدمة لأوهام الإنسان ذو البعد الواحد انفلتت من عقالها ، وكان لابد من التصدي لها ، وهكذا باتت ، هذه ، الساحة العربية ، تحمل قلق الإنسانية ، للانتقال خطوة إلى الأمام ، على صعيد ، حل مشكلة المنهج ، بتحرير المسارات ، للدوافع الإنسانية ، والتوازن ، والتوازي بينها ، بحيث لا يطغى دافع ، على آخر .. وهذا ، لا يكون ، إلا ، بالبحث في القانون النوعي للإنسان .. بإطلاق حريته ، والسعي الدائم ، لإشباع حاجاته المتعددة ، المتجددة أبداً ..

 

( 70 )

 

سادساً : أختتم ، الأسباب الموجبة ، لاقتراح ( جدل الإنسان ) ، منهجاً "للطليعة العربية" ، بسبب ذاتي ، ترددت كثيراً ، في ، أن أخطه ، على الورق ..  ، لكن ، وبعد حوارات عديدة ، ومتشعبة ، ووجهت بالسؤال المباشر : لماذا " جدل الإنسان " ..؟ ، وبما ، أن ، التهرب من الأسئلة المباشرة ، لا يجدي ، فقد ، قررت مواجهة السؤال ، بإجابة مباشرة ، ومحددة .. ، فأقول : إن علاقتي ، بأزمة المنهج ، في التيار القومي العربي ، تجاوزت النصف قرن ، وأن علاقتي " بجدل الإنسان " ، تجاوزت الأربعين عاماً ، وبدون ، الدخول في التفاصيل ، فإن ، تلك السنوات الطويلة ، أتاحت ، لي ، حوارات هامة ، مع نخب ممتازة ، ماركسية ، وليبرالية ، ودينية ، وأثنية ، وتجريبية ، ومن مختلف الفرق ، والاتجاهات ، وأنني ، كنت ، في ذلك كله ، معنياً ، في ، وضع " جدل الإنسان " ، محلاً ، للحوار المفتوح .. ، وللجدل حول أدق التفاصيل .. ، وأدعي ، أنني ، لم ، أكن "عصبوياً" ، لكنني ، أعترف ، أن ، قناعتي ، بصحة "منهج جدل الإنسان" ، كانت تتعزز ، مع الأيام ، فحاولت أن أتمثله ، كسلوك ، وممارسة ، فصدق ... وعندما ، ارتضيته منهجا ، لشخصي ، ارتضيته لإقراني ،  ولهذا ، فإنني ، أقترحه "منهجاً للطليعة العربية" ، أو ، أنني ، إذا امتد بي العمر ، إلى ، أن ، تتشكل مؤسسات "الطليعة العربية" ، وإذا ، كنت ، في أحد مراتبها ، وطرح موضوع ، اعتماد ، منهج للطليعة العربية ، فإنني ، سأكتب ، على بطاقة الاقتراع ، دون تردد ، ( منهج جدل الإنسان ) .

 

( 71 )

 

نعود ، بعد ذلك ، لملامسة الخطوط العريضة ، لمنهج "جدل الإنسان" ، بملاحظة ، حركة هذا الإنسان ، وكيف يمارس الجدل ، في المجتمع ، وإذا ، كان ، الجدل ، قانون نوعي ، للإنسان الفرد ، فإن "الجدل الاجتماعي" ، هو ، القانون النوعي ، لتطور المجتمعات ، يقول النص ، كما ورد ، في الأصل ، الذي خطه عصمت سيف الدولة : (( إن الناس ، في ،  أي مجتمع ، بحكم أنهم بشر ، "بحكم قانونهم النوعي"  ، لا يكفون ، ولا يستطيعون ، أن يكفوا ، عن معاناة مشكلاتهم ، حتى ، لو ، لم يعرفوا حقيقتها ، الاجتماعية ، لا يكفون ، ولا يستطيعون ، أن يكفوا ، عن محاولات اكتشاف حلولها الصحيحة ، حتى ، لو ، كانوا عاجزين ، عن اكتشافها ، لا يكفون ، ولا يستطيعون ، أن يكفوا ، عن العمل الذهني ، أو المادي ، الإيجابي ، أو السلبي ، الذي ، يعتقدون ، أنه ، يحل مشكلاتهم ، حتى ، لو ، لم يكن ، هو ، العمل المناسب ، لحل ، تلك المشكلات ، اشتراك الناس ، إذن ، في محاولات تغيير الواقع الاجتماعي ، حتمية ، لا يستطيعون ، أن يكفوا أنفسهم ، عنها ، ولا يستطيع ، أحد ، أن يكفهم ، عنها ، وإنما ، المسألة ، هي ، ما إذا كان هذا النشاط ، الذي يقوم ، به ، الناس ، يؤدي إلى حل مشكلاتهم ، فعلاً ، أم ، أنه يبدد طاقاتهم ، في محاولات فاشلة ، لحلها .. إنه ، يؤدي إلى حل مشكلاتهم ، فعلاً ، بقدر ، ما يكون ، تنفيذاً ، لحلول صحيحة ، لمشكلات حقيقية ، فيتم التطور الاجتماعي ، وتطرد حركته التقدمية .. لهذا ، لا يكون "الجدل الاجتماعي" ، هو ، القانون الحتمي ، لتطور المجتمعات ، فحسب ، بل يكون – مع هذا وقبله – القانون الحتمي ، لتطور مقدرة الناس ، على تطوير مجتمعاتهم ، فلا ، يصح معه ، فرض الوصاية ، على الشعوب ، بحجة قصورها ، ولا يصح معه ، الاستغناء ، عن ، مشاركة الناس ، في تطوير مجتمعاتهم ، بما ، يستطيعه العلماء ، أو الزعماء ، ولو ، كانوا ، من العباقرة ، أو الملهمين .. إلخ .. ))

 

( 72 )

 

نتابع النقل ، عن الأصل ، كما ، صاغه مبدعه عصمت سيف الدولة ، "بتصرف" ، فجدل الإنسان ، كقانون نوعي ، خاص ، بالإنسان وحده ، تخضع فعاليته ، لقانون ، التأثر ، والتأثير ، المتبادل ، ولقوانين ، الحركة ، والتغيير ، وبالتالي ، نتعرف ، على ، شرط قانون " جدل الإنسان " ، في صيغته الفردية ، وعلى شرطه ، في صيغته الاجتماعية " الجدل الاجتماعي " ، فشرطه ، في ، الصيغة الأولى ، وجود الإنسان ، الحر ، وجود الإنسان ، بكل ، خصائصه ، كوحدة ، من المادة ، والذكاء ، متحرراً ، مما ، يؤثر فيه سلباً ، فيحول دون مقدرته ، على ، الجدل ، وعندما ، يتخلف هذا الشرط ، وبقدر ، ما يتخلف ، تضعف فعالية "جدل الإنسان" ، ولا يكف الإنسان ، عن ، الجدل ، إلا بالموت ، وشرطه في  صيغته الاجتماعية ( الجدل الاجتماعي ) ، وجود المجتمع ، الحر ، أيضاً ، وجود جماعة ، من الناس ، يعيشون ، في واقع معين ، مشترك ، وعندما ، يتخلف ، هذا الشرط ، وبمقدار ، ما يتخلف ، تضعف فعالية "الجدل الاجتماعي" ، ولا يكون ، ثمة ، مجال للجدل الاجتماعي ، بين ، أفراد من الناس ، أو ، حتى ، جماعات ، لا يعيشون ، معاً ، في واقع معين ، مشترك ، أما ، عندما ، يكون ، ثمة ، مجتمع ، قد ، قام فيه ، ما يمس وجوده ، فإن ، مشكلة الناس ، فيه ، لا تكون تطويره ، بل استرداده  ، لأنفسهم ، حتى ، يستطيعوا ، بعد هذا – وليس قبله – تطويره ...

( يتبع ..."19" ... البيان ... )  

 

E-mail:habib.issa@yahoo.com