مقدمة :

اعتبرت لجنة الملتقى التحضيرية حق العودة المكوّن الأساسي للقضية الفلسطينية، وعليه دعت لحشد كل طاقات الأمة العربية واحرار العالم من أجل تسليط الضوء على هذا الحق المهدد بالضياع.  والقول بشقيه يلخص بكثافة الجذور التاريخية للصراع العربي – الصهيوني، كما واقعه الراهن.  وإن وقفة موجزة مع الدعوات الاستعمارية المتوالية لإقامة كيان صهيوني على التراب العربي في فلسطين، منذ بداياتها الأولى في العام الأخير من القرن الثامن عشر لكفيلة ببيان الدوافع الحقيقية لقوى الاستعمار الأوروبية والامبريالية الأمريكية التي جعلتها تشكل عمقاً استراتيجياً وحاضنة دولية للاستعمار الاستيطاني العنصري الصهيوني، المسؤولة قيادته السياسية والعسكرية عن اقتراف جريمة التطهير العرقي بتهجيرها قسراً ما يقارب 68% من مواطني فلسطين العرب من أرض آبائهم وأجدادهم.  كما أن في تفحص مبادرات تحالف الصلح والتطبيع مع العدو الصهيوني ما يكشف أبعاد المخطط الدولي والاقليمي لاهدار الحقوق المشروعة لنحو ستة ملايين عربي فلسطيني بالعودة لديارهم واسترداد ممتلكاتهم والتعويض عليهم، أسوة بما تم بالنسبة لغالبية من هجرتهم الحروب من أوطانهم في العصر الحديث.

 

1-  الاستراتيجية الاستعمارية بإقامة حاجز بشري غريب في فلسطين :

بالعودة للتاريخ نجد أن نابليون دعا في 4/4/1799 يهود أوروبا للعودة من "التيه" ووعدهم بأن فرنسا تقدم لهم يدها حاملة "إرث اسرائيل"، وناشدهم المسارعة الى المطالبة بما اعتبره "حقوقهم ومكانتهم بين شعوب العالم ووجودهم السياسي كأمة بين الأمم".[1]  ولم يكن نابليون بروتستانتياً مؤمناً بنبوءات التوراة، مما ينفي نفياً قاطعاً البعد الديني لدعوته.  ولا كان لليهود في فرنسا على عهده جماعة ضغط "لوبي" مما يستبعد أي تأثير غير استعماري لندائه.  وحين يُصدر نداءه بعد تبينه فشل غزوته، في مواجهة المقاومة الشعبية العربية في مصر وفلسطين، يغدو جلياً انه انما استهدف زرع جماعة مرتبطة ارتباطاً عضوياً بالرأسمالية العالمية على الجسر الواصل بين جناحي الوطن العربي لتكون أداة قوى الاستعمار في استغلال المنطقة.[2] والثابت أن فكرة استخدام اليهود في المخططات الاستعمارية لفرنسا وانجلترا برزت عند المفكرين الاستراتيجيين للدولتين منذ نهاية القرن الثامن عشر.[3]

 

2-  تهجير يهود أوروبا هدف استعماري لتشكيل الحاجز البشري الغريب :

بعد أن نجحت بريطانيا في تشكيل "الاجماع الأوروبي" الذي اضطر محمد علي سحب جيوش مصر بقيادة ابراهيم باشا من الأناضول وبلاد الشام، وتوقيعها معه معاهدة لندن سنة 1840، التي حصرت نفوذه وأسرته في مصر.  تلقى بالمرستون وزير الخارجية البريطانية رسالة من المليونير اليهودي البريطاني روتشليد في مارس/آذار 1840 تضمنت ما نصه:" إن هزيمة محمد علي وحصر نفوذه في مصر ليست كافية، لأن هناك قوة جذب بين العرب، وهم يدركون أن عودة مجدهم القديم مرهونة بامكانية اتحادهم واتصالهم، وإننا لو نظرنا الى خارطة هذه البقعة من الأرض فسوف نجد أن فلسطين هي الجسر الذي يوصل بين مصر وبين بقية العرب في آسيا.  وكانت فلسطين دائماً بوابة الشرق. والحل الوحيد هو زرع قوة مختلفة على هذا الجسر وفي هذه البوابة، لتكون هذه القوة بمثابة حاجز يمنع الخطر العربي ويحول دونه.  والهجرة اليهودية الى فلسطين تستطيع أن تقوم بهذا الدور.  وليست هذه خدمة لليهود يعودون بها الى أرض الميعاد، مصداقاً للعهد القديم، ولكنها أيضاً خدمة للامبراطورية البريطانية ومخططاتها، فليس ما يخدم الامبراطورية أن تتكرر تجربة محمد علي بقيام دولة قوية في مصر، أو بقيام اتصال بين مصر والعرب الآخرين".[4]

 

                 ولتحقيق هذه الغاية سعت الدبلوماسية البريطانية لدى "الباب العالي" العثماني بحيث حصلت على امتياز "حماية" اليهود في الامبراطورية العثمانية.  وبالضغط الدبلوماسي المدعوم بمداخلات الصيارفة اليهود أصدر السلطان عبد المجيد سنة 1849 "فرمانا" يجيز لليهود شراء الأراضي في الديار المقدسة، منهياً بذلك الحظر الروماني الذي تواصل منذ ثورة المكابيين سنة 135 م وأكدته "العهدة العمرية" الصادرة عن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب سنة 638 م، استجابة لطلب بطريرك القدس صفرونيوس.[5] وفي أعقاب صدور الفرمان العثماني جاء الى فلسطين المليونير اليهودي البريطاني موسى مونتفيوري، يصحبه العقيد الانجليزي جولز، الذي قام بدراسة وافية لأحوال الجالية اليهودية فيها، وقدم بذلك مذكرة للحكومة البريطانية.  وفي سنة 1952 أسس القنصل البريطاني في القدس "جمعية تشجيع العمل الزراعي اليهودي في الأراضي المقدسة"، من أجل تمكين الاستيطان اليهودي المستهدف.  وفي اتساق مع الهدف ذاته أقام القنصل الأمريكي في القدس واردور كرستون في العام ذاته مستعمرة زراعية يهودية معتبراً اياها البداية الأولى ل" فلسطين الجديدة حيث ستقيم الأمة اليهودية وتزدهر."[6]

 

3-  أسبقية اقامة المستعمرين للمستوطنات على بروز الحركة الصهيونية :

نشط مبعوثو بريطانيا والرأسماليون اليهود الانجليز في الدعوة لهجرة اليهود الى فلسطين، غير أن الدعوة لم تلق تجاوباً يذكر، في حين كانت الهجرة اليهودية ناشطة من شرق أوروبا الى غربها، ومن أوروبا الى الأمريكيتين الشمالية والجنوبية.  ولم تشهد فلسطين هجرة كثيفة إلا سنة 1882، بعد المذابح التي شهدتها روسيا سنة 1881، وتضافر جهود حركة "أحباء صهيون" من يساريي يهود روسيا مع جهود الرأسماليين اليهود البريطانيين.  وأن يسبق قيام أول مستوطنة الهجرة الكثيفة بثلاثين عاماً، خلافاً لما جرت عليه حال جميع مشروعات الاستيطان عبر التاريخ، ما يدل على عدم تجاوب الجاليات اليهودية، الأوروبية وغير الأوروبية، مع الدعوات الاستعمارية لحفزها على مفارقة أوطانها والتوجه الى فلسطين لتشكل الحاجز البشري الغريب الذي اقتضت المصالح الاستعمارية الأوروبية، وخصوصاً البريطانية، اقامته على أرض فلسطين.

ثم إن أولى مستوطنتين في فلسطين سبقتا صدور كتاب هرتزل "دولة اليهود" سنة 1896 وعقد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل سنة 1897 بما يزيد عن أربعة عقود.  وفي ذلك الدلالة على أن اقامة مشروع الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين انما يقع ضمن الاستراتيجية الاستعمارية البريطانية للمشرق العربي.  وهي الاستراتيجية التي وضع هرتزل مشروعه العنصري في خدمتها كي تشكل له الحاضنة التي لم يكن بمقدور اليهود وحدهم توفيرها.  ذلك أن اليهود عبر التاريخ لم يجاوزوا كونهم جماعة وظيفية تضع كفاءاتها العلمية وقدراتها المالية في خدمة القوى التي تؤمن لها مصالحها. وهذا ما أدركه هرتزل وتبناه القادة الصهاينة من بعده، الى أن اعتمدوا الرعاية الامبريالية الأمريكية في مؤتمر بلتيمور عام 1942.

 

4-  استغلال القادة الصهاينة عذابات اليهود وابرامهم الصفقات مع مضطهديهم العنصريين :

التقى المفكرون والقادة الصهاينة مع غلاة العنصريين الأوروبيين معادي السامية ومضطهدي اليهود على رفض اندماج اليهود في أوطان آبائهم وأجدادهم، والتعامل معهم باعتبارهم "شعباً عضوياً" مرفوض استقراره في أوروبا أو هجرتهم الى الأمريكيتين.  وفي الوقت الذي لم يمارس القادة الصهاينة أي نشاط دفاعاً عن حقوق اليهود المشروعة في أوطانهم تعاملوا مع مضطهديهم العنصريين وأيدوا دفعهم قسراً للهجرة الى فلسطين. فهرتزل سعى للقاء وزير داخلية روسيا القيصرية فيلاستلاف بيليف، المسؤول عن مذابح اليهود سنة 1881، وحصل منه في 13/8/1903 على رسالة رسمية بموافقة القيصر وحكومته على تأسيس دولة يهودية في فلسطين.  ويعيد هرتزل تلك الموافقة الى قدرته على إقناع الوزير، المعروف بعدائه العنصري لليهود، بأن الصهيونية تخدم غرضه عندما تعمل على تهجير يهود روسيا الى فلسطين.  ويذكر أن الوزير وافق لأجل "تطهير أرض روسيا من اليهود"[7] وبعد هرتزل بأربعين عاماً عقدت الوكالة اليهودية بالقدس اتفاق "هعفرا" مع النظام النازي الألماني، الذي جرى العمل به حتى سنة 1939.  وبموجبه هجر الى فلسطين 54 ألف شاب وفتاة من يهود ألمانيا واستورد الصهاينة بضائع ألمانية مقابل أموال اليهود المهجرين، أسهمت في تطوير الاقتصاد الصهيوني.  دون مبالاة بمخالفة ذلك لدعوة مقاطعة ألمانيا النازية اقتصادياً بسبب ممارساتها العنصرية ضد اليهود وسواهم من غير الآريين.[8]

 

وفضلاً عن ذلك اتبعت وسائل قسرية لتهجير يهود وسط أوروبا الى فلسطين، ومن ذلك ما يذكره الجنرال مورغان البريطاني، الذي شغل منصب مساعد رئيس مؤسسة اللاجئين الدولية، من أنه كانت هناك  شبكة يهودية واسعة في شرق أوروبا تقوم بتشريد اليهود من مساكنهم ودفعهم للتوجه الى معسكرات اللاجئين.  وتتوسل الى ذلك بمختلف الوسائل، من دعاية واغراء وخداع وتخويف، بل وعنف وخطف أحياناً.  وكان الجنود في جيوش الحلفاء من يهود وسط أوروبا يفضلون العودة الى أوطانهم على الهجرة الى فلسطين.  وهذا ما حذرت منه صحيفة دافار في 23/10/1943 بقولها: "إذا ما اعطي جميع هؤلاء الجنود الخيار فمن الممكن أن الكثير منهم سيفضل البقاء في أوروبا".[9]

 

5-  التطهير العرقي لعرب فلسطين استراتيجية استعمارية – صهيونية :

                 لم يكن الهدف الاستراتيجي الاستعماري من تهجير اليهود الى فلسطين إلا لكي يشكلوا تركيباً بشرياً غريباً لا تصله بالعرب في محيطها الجغرافي أي صلة سلالية أو ثقافية، بل وان يكون معادياً للمحيط العربي وعاملاً على استنزاف قواه بشكل متواصل.  وما كان لهذا الهدف أن يتحقق ما لم يقتلع الشعب العربي من فلسطين ويهجر خارجها.  وفي هذا التقى التحالف الاستعماري – الصهيوني على تبني شعار "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض".  ولأن فلسطين كانت عبر التاريخ عامرة بشعبها العربي كان لا بد من ممارسة التطهير العرقي ضده بتهجيره منها.  ولقد كان هرتزل الأكثر فجاجة في عنصريته فهو يقول: "إذا ما انتقلنا الى منطقة توجد بها حيوانات متوحشة لم يعتد عليها اليهود – أفاعي كبيرة وغير ذلك – فسوف استخدم سكان البلاد قبل ترحيلهم الى الدول التي سينقلون إليها من أجل القضاء على هذه الحيوانات".[10]

 

                 وينقل ديفيد هيرست عن ولتر لوكير ان الصهاينة كانوا في سنة 1911 يتساءلون علنا عما إذا كان في المستطاع اقناع عرب فلسطين بالهجرة الى البلاد العربية المجاورة حيث يمكنهم شراء أراض جديدة بثمن ما يبيعون من أراضيهم في فلسطين.  بل إن الصهاينة فكروا في أن يقوموا هم بشرائها لهم.[11] وهذا ما حال دون تحققه رفض غالبية ملاك الأراضي، وبالذات صغارهم، العروض الصهيونية المغرية والضغوط البريطانية المتمثلة بالمغالاة في فرض الضرائب والتعسف في جبايتها، كما بتصدي القوى الوطنية لباعة الأرض والسماسرة.

 

                 ولقد جاء تضمين صك الانتداب سنة 1922 لوعد بلفور يضفي المشروعية الدولية على الوعد البريطاني برغم ما انطوى عليه من مجافاة صارخة لحقائق التاريخ ومعطيات الواقع.  الأمر الذي يعني اقرار "عصبة الأمم" وباجماع أعضائها التجاوزات التالية:

 

1-             الاعتراف باليهود كشعب، له حقوق سياسية يجسدها العمل على اقامة "وطن قومي" له في فلسطين، والتزام بريطانيا ببذل أقصى جهدها لتنفيذه تحت اشراف عصبة الأمم وتأييدها لذلك.  برغم كون اليهود ينتسبون لشعوب وأمم متعددة ولا تجمعهم وحدة السلالة التاريخية أو اللغة أو الثقافة وأنماط السلوك.

2-             الاقرار بأن لليهود حيثما وجدوا حقوقاً سياسية وقانونية لا يجوز المساس بها.  الأمر الذي ينطوي على توفير كل الضمانات القانونية والسياسية للحركة الصهيونية وعناصرها حيثما وجدوا في العالم، وتيسير نشاطهم لتهجير اليهود وجمع التبرعات وغير ذلك من نشاطات سياسية واجتماعية واعلامية، وذلك بضمانة بريطانيا وكل من الولايات المتحدة وفرنسا وايطاليا التي كانت قد أقرت الوعد والتزمت به.

3-             اعتبار الشعب العربي الفلسطيني صاحب الوجود الطبيعي الممتد منذ فجر التاريخ مجرد "طوائف غير يهودية".  مما يعني تعمد انكار الشخصية الوطنية للشعب العربي الفلسطيني وتجاهل انتمائه القومي، والتعامل معه باعتباره طوائف مقيمة في فلسطين دون تحديد لطبيعة هذه الاقامة:  هل هي على أساس المواطنة، أم هي اقامة دائمة، أم مجرد اقامة مؤقتة ؟  فضلاً عن أن وعد بلفور لم يأت على ذكر الحقوق السياسية للشعب العربي الفلسطيني وانما اشار فقط لعدم المساس بالحقوق الدينية والمدنية لما اعتبره "طوائف غير يهودية".[12]

ومما سبق يتضح أن صناع القرار الاستعماري انما كانت غايتهم افراغ فلسطين من شعبها العربي لافساح المجال للاستعمار الاستيطاني الصهيوني، اداتهم في تأمين مصالحهم على حساب الأمة العربية.  ولقد ورد في مذكرات حاييم وايزمان قوله: "لقد وعدتنا بريطانيا أن تكون فلسطين سنة 1935 يهودية كما هي انجلترا انجليزية".  غير أنه في العام 1935 لم تجاوز نسبة المستوطنين الصهاينة 28% من سكان فلسطين برغم توالي الهجرة والتسهيلات التي قدمتها حكومة الانتداب للهجرة والاستيطان.  وذلك ما حالت دونه المقاومة الوطنية الفلسطينية لبيع الأراضي والاستيطان.  غير أن فكرة التهجير ظلت تراود القادة الصهاينة، ففي سنة 1940 كتب يوسف فايتس، المسؤول الاداري عن انشاء المستوطنات الاستيطانية يقول: "لا بد أن يكون واضحاً بيننا أن لا مكان للشعبين في فلسطين، أو على الأقل فلسطين الغربية ( غرب نهر الأردن) بلا عرب.  وليس هناك من سبيل إلا تهجير العرب من هنا الى البلاد المجاورة، تهجيرهم جميعاً، بحيث لا تبقى قرية واحدة أو قبيلة واحدة.  فلا يمكن لهذه البلاد أن تستوعب الملايين من اخواننا إلا بعد هذا التهجير وليس هناك من حل".[13]

 

6-  مسؤولية القيادات الصهيونية السياسية والعسكرية عن تهجير العرب قسراً من ديارهم :

                 تناول المؤرخون الاسرائيليون الجدد موضوع تهجير العرب من مدنهم وقراهم في حرب 1947/1948.  وكان أبرزهم بني موريس، الذي أكد "إن الزعماء العرب لم يوجهوا في أي لحظة من الحرب نداء عاما الى عرب فلسطين كي يغادروا منازلهم وقراهم ويتوجهوا الى المنفى.  كما أنه لم تقم حملات في الاذاعات والصحف العربية تطلب من الفلسطينيين الفرار.  في الحقيقة انني لم أقع على أي أثر لمثل هذه الحملة، ولو أنها حدثت، أو لو كانت هناك خطط من هذا النوع، لكانت وردت أو على الأقل وتركت أثراً في المحفوظات.  فدوائر استخبارات الييشوف، والاستخبارات البريطانية والأمريكية في الشرق الأوسط كانت تسجل كل برامج الاذاعات العربية.  وهذا ما كانت تفعله هيئة الاذاعة البريطانية أيضاً.  والحال إن أياً منها، وفي آلاف التقارير بشأن هذه السجلات، من دون ذكر الاستشهادات، لم تأت الى ذكر أي من النداءات المزعومة".[14]  فيما تثبت الوثائق التي كشفت أن القادة العرب وجهوا نداءات للصمود وعدم النزوح.

 

                 ولقد ضمن بني موريس كتابه "نشأة قضية اللاجئين الفلسطينيين" خريطة اشتملت على 369 مدينة وقرية عربية هجر مواطنوها.  وفي تحليل أسباب هجرتهم يقول الكاتب الفرنسي دومينيك فيدال أن هناك 45 حالة يجهل موريس أسباب ذلك، وفي 228 حالة رحل السكان خلال هجمات القوات الاسرائيلية، من بينها 41 حالة نتيجة عمليات طرد بالقوة العسكرية.  وفي 90 حالة أخلى الفلسطينييون أماكن اقامتهم مذعورين بسبب سقوط تجمع سكاني مجاور، أو متحسبين لهجوم معاد، أو حتى بفعل الشائعات التي كان يبثها الجيش اليهودي، وخصوصاً بعد المجزرة التي ارتكبت ضد سكان دير ياسين التي انتشرت أخبارها في أرجاء البلد مثل النار في الهشيم.  وفي المقابل لا يسجل موريس سوى 6 حالات رحيل تمت بإيعاز من السلطات العربية المحلية.[15]

 

7-  عدد اللاجئين سنة 1949 وقيمة ما خلفوه من عقارات وأموال منقولة :

                 توضح أبحاث  د. سلمان أبو ستة، الباحث العربي المختص بموضوع اللاجئين، أنه خلال حرب 1947 – 1948 احتلت القوات الصهيونية 530 مدينة وقرية عربية تشكل 92% من مساحة "اسرائيل" سنة 1949.  وأنها شردت 85% من مواطني تلك المدن والقرى ما بلغ 805 آلاف.  وأنه ما بين صدور قرار التقسيم في 29/11/1947 ونهاية الانتداب في 15/5/1948 طردت القوات الصهيونية 52% من اللاجئين من 213 مدينة وقرية، وخلال الفترة الممتدة حتى توقيع اتفاقيات الهدنة الدائمة في ربيع 1949 طردت 42% من اللاجئين من 264 مدينة وقرية، وطردت بعد توقيع تلك الاتفاقيات 6% من اللاجئين.[16]

 

                 فيما توضح دراسة د. عاطف قبرصي، أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة مكماستر الكندية، أن قيمة العقارات والأموال المنقولة التي خلفها اللاجئون في فلسطين سنة 1948 تقدر بأسعار ذلك الزمن بمبلغ 57.8 مليار دولار، وان عائدها السنوي يومذاك يقدر بمبلغ 2.3 ملياراً.  وحين يؤخذ معدل نمو بنسبة 4%، وهو المعدل الذي جرى تجاوزه في فلسطين بين سنتي 1944 – 1948، ترتفع قيمة الثروة العربية التي استولى عليها الصهاينة الى 631 مليار دولار في نهاية 2005 وناتجها السنوي الى 25.26 ملياراً.[17]

 

8-  رفض التفريط بحق العودة استراتيجية مضادة لاستراتيجية اقامة المشروع الصهيوني :

                 عندما أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 194 في 11/12/1948 لم تعهد بقضية اللاجئين الفلسطينيين الى "لجنة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين"، التي كانت تتولى رعاية اللاجئين من مختلف الشعوب الذين شردتهم الحروب وتعمل على اعادتهم لأوطانهم. وانما شكلت لهم "وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين" (الأونروا).  وبالنص على تشغيلهم في قرار انشاء "وكالة الغوث" ما يدل على توجه للعمل على دمجهم في أماكن تواجدهم، في مخالفة ضمنية للقرار الدولي الذي يقضي بعودتهم الى ديارهم واستردادهم أملاكهم والتعويض عليهم.  وفي هذا ما يؤشر الى تواطؤ القوى العظمى المتحكمة في صناعة قرارات الأمم المتحدة ضد تنفيذ القرار 194.  من منطلق ادراكها أن عودة اللاجئين الى ديارهم يتناقض تناقضاً رئيسياً مع الهدف الاستراتيجي من اقامة الكيان الصهيوني ورعايته باعتباره الحاجز البشري الغريب الفاصل بين جناحي الوطن العربي.

 

                 ولتنفيذ الاستراتيجية المعتمدة توالت منذ الأيام الأولى للنكبة مشروعات اسكان وتوطين اللاجئين، واقامة مشروعات مائية على نهر الأردن لكي توفر لهم مجال العمل.  فضلاً عن أنها كانت تستهدف دمج "اسرائيل" في المحيط العربي.  ولقد تعددت المشروعات وطارحوها وكثر مروجوها من مسؤولين سابقين ومبعوثين رسميين أوروبيين وأمريكيين.  إلا أنه برغم بؤس واقع اللاجئين ومرارة العيش في مخيمات اللجوء كان، ولا يزال، هناك شبه اجماع على رفض كل تلك المشروعات والمبادرات التي تكسرت على صخرة التمسك العنيد بحق العودة.  مما يغدو منطقياً القول بأن التمسك بحق العودة، وتأكيد أنه حق لا يمكن تجاوزه، كان أول أشكال المقاومة التي أبدعها الشعب العربي الفلسطيني.

 

9-  التمسك بحق العودة عقبة كأداء أمام تصفية الصراع العربي – الصهيوني :

                 على مدى العقود الستة الماضية شكل حق العودة عقبة كأداء أمام مساعي تصفية القضية الفلسطينية، التي توالت فصولها منذ العام 1949.  ذلك لأن هناك تمايزاً كيفياً بين تصالح بعض الأنظمة العربية مع "اسرائيل" وتطبيع بعضها الآخر معها، وبين تصفية الصراع التاريخي الذي فجرته اقامة مشروع الاستعمار الاستيطاني الصهيوني على التراب العربي في فلسطين.  وهي تصفية مستحيلة التحقق ما دام اللاجئون مصرين على العودة لديارهم واستعادة أملاكهم وممارسة كامل حقوقهم السياسية والمدنية المشروعة باعتبارهم مواطنين في أرض آبائهم وأجدادهم.  وهذا ما يتناقض تناقضاً رئيسياً مع مساعي الصلح والتطبيع ومبادرات التسوية، بدليل أنه ليس بين دعاة التسوية ورافضي نهج المقاومة المسلحة واحد إلا وهو مفرط بحق العودة عملياً بتخليه عن المطالبة بتنفيذ القرار 194.  فضلاً عن أنه على مدى السنوات الستين الماضية لم تخل مبادرة للتسوية من محاولة الالتفاف على القرار الدولي باستخدام جملة "ايجاد حل عادل لقضية اللاجئين"، في تجاهل تام لانحياز القوى الدولية لمشروعها الصهيوني واجماعها على رفض عودة اللاجئين لديارهم لتناقض ذلك استراتيجياً مع مشروعهم الصهيوني.

 

                 وبالمقابل فإنه على مدى السنوات الستين الماضية لم يصدر عن نشطاء الدعوة لحق العودة أي انتقاد صريح أو ضمني للمقاومة بكل أشكالها، وبالذات المقاومة المسلحة، وإن هم لم يأتوا على ذكرها صراحة في دعواتهم والبيانات الصادرة عنهم. مما يؤكد العلاقة الجدلية بين التحرير والعودة.  ومن هنا تتضح أهمية المشاركة في هذا الملتقى، باعتبار التمسك بحق العودة مقاومة استراتيجية للمشروع الصهيوني والهدف الاستراتيجي الذي أقيمت لأجله اسرائيل.

 

10-  تقديم الدعاوى ضد القادة الصهاينة لممارستهم جريمة التطهير العرقي :

                 لقد تعرض الشعب العربي الفلسطيني لجريمة "التطهير العرقي" من قبل القيادات الصهيونية السياسية والعسكرية، عن سابق قصد وتصميم، بشهادة المؤرخين الاسرائيليين الجدد.  وعليه من المهم دراسة امكانية رفع دعوى لدى محكمة الجنايات الدولية ضد القادة الصهاينة.  ومطلوب من لجنة متابعة الملتقى دراسة الموضوع مع اتحاد المحامين العرب، والهيئات القانونية العربية المختصة.

                 كما أنه مطلوب دراسة امكانية رفع الدعوى على "حارس أملاك العدو" في اسرائيل، الذي يتولى ادارة أملاك اللاجئين، ومطالبته بالعائد السنوي لهذه الأملاك لحين تحريرها.


 

[1] -  محمد حسنين هيكل: المفاوضات السرية بين العرب واسرائيل، الكتاب الأول، الأسطورة والامبراطورية والدولة اليهودية (القاهرة، دار الشروق 1996) ص 31 و 32

[2] -  عوني فرسح:  مخطط التفتيت، التحدي الاستعماري – الصهيوني المعاصر ( القاهرة، دار المستقبل العربي 1985) ص 26

[3] -  بشارة خضر:  أوروبا وفلسطين من الحروب الصليبية الى اليوم ( بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية 2003) ص 72 و 73

[4] -  محمد حسنين هيكل:  حديث المبادرة، السلسلة السياسية ( بيروت، شركة المطبوعات للتوزيع 1979)

[5] -  تضمنت العهدة العمرية ما نصه: " هذا ما أعطى عبد الله أمير المؤمنين لأهل ايلياء من الأمان، وأعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبدينها وسائر ملتها، الا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينتقص منها ومن غيرها، ولا من صليبهم، ولا شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن الياء معهم أحد من اليهود"

وكانت القدس تسمى في العهد البيزنطي غداة الفتح العربي الاسلامي: ايليا كابتولينا

-  عوني فرسخ:  الأقليات في التاريخ العربي ( لندن، رياض الريس للكتب والنشر 1994) ص 42

[6] -  Franze Kobler:  The Vision was There , A History of the British Movement for the Restoration of the Jews to Palestine ( London Lincolns Prager 1966) P. 80

[7] -  المصدر السابق ص 300

 [8]-  حول اتفاقية "هاعفرا" راجع كل من :  عبد الرحمن عبد الغني: ألمانيا النازية وفلسطين 1933 – 1945 ( بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية 1995) ص 425 --  و د.  على محافظة : العلاقات الألمانية الفلسطينية 1841 – 1945 ( بيروت المؤسسة العربية للدراسات والنشر 1981) ص 67

[9] -  دومنيك فيدال: خطيئة اسرائيل الأصلية، ترجمة جبور الدويهي ( بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية 2002) ص 192

[10] Theodor Herzl:  Complete Diaries of Theodor Herzl edited by Raphael Patai , translated by Harry Zohn 5vals (New York Herzl Press 1960) Vol.1 P. 98

[11] -  ديفيد هيرست:  البندقية وغصن الزيتون، جذور الصراع في الشرق الأوسط، ترجمة عبد الرحمن إياس ( بيروت، رياض الريس للكتب والنشر 2003) ص 291.

[12] -  عوني فرسخ:  التحدي والاستجابة في الصراع العربي – الصهيوني، جذور الصراع وقوانينه الضابطة 1799 – 1945 ( بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية 2008) ص 250

[13] -  ديفيد هيرست، مصدر سابق ص 291 و 292

[14] Benny Morris:  1948 and After:  Israel and the Palestinians ( Oxford Clarendon Press>  New York Oxford University Press 1990 P. 30

[15] -  دومينيك فيدال:  مصدر سابق ص 49 و 50

[16] -  د. سلمان أبو ستة:  حق العودة مقدس وقانوني وممكن ( بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2001) ص 122 و 123

[17] -  د. عاطف قبرصي:  تقدير قيمة خسائر الفلسطينيين بدولارات اليوم، في كتاب:  اللاجئون الفلسطينييون حق العودة، تحرير د. نصير عاروري ( بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية 2003) ص 317 و 318