إن  العصبية في الجماعة هي شعور فئوي بوحدتها المتميزة  بعزتها, كونها سلطة واحدة, وجسماً واحداً, ومصلحة واحدة, ولديها مفهوم ضيق وشعور ضيق بالانتماء وهذا الضيق يّولد في الجماعة وأفرادها , التزاماً  فئوياً بكل مالها وما عليها التزاماً واجباً , بحيث يجعل من العصبية أنها ترى في أي موقف خاطئ لها وأي فعل خاطئ هو أفضل من أي صواب لدى الآخرين.

والعصبية الضيقة: هي نعرة فئوية تشد الفرد للولاء للجماعة, وهي تعمد إلى تعطيل العدل والنقد والنزوع إلى السلطة الجامحة, إذ إن كونها غير قائمة على أساس عقلاني يفرض  إسنادها إلى السلطة, بل إلى اللجوء إلى العنف والاستبداد المطلق.

أن العصبية كمفهوم تتجلى في نظام قائم على القيم, وهذا النظام منغلق على ذاته بقيمه ومؤسساته, ويستند إلى  التفاضل في القيم الإنسانية, وعليه فإن التعصب الحزبي والعصبوية التنظيمية ظاهرة ترافق الأحزاب الشيفونوية  المتطرفة سواء أكانت هذه الأحزاب , أحزاباً سياسية أو دينية أو ذات توجهات عسكرية , وهي في ذات الوقت نعرة فئوية ضيقة تشد العضو للولاء للحزب أو التنظيم أو الحركة على حساب الوطن وللتدليل على ذلك نورد عدداً من الأحزاب اليمنية المتطرفة ذات العصبوية,الحزب النازي الذي أسسه هتلر في ألمانيا, والحزب النازي الإيطالي/ موسيليني+ الأحزاب الدينية المتطرفة الإسرائيلية (المفدال- موليدت...الخ) ومن الأحزاب العسكرية الجبهة الشعبية التي أسسها الجنرال فرانكو في أسبانيا, وحزب الرئيس التشيلي الأسبق "بونشيت" وغيرها من الأحزاب المتطرفة

الأسباب التي تساعد على التطرف والتعصب الحزبي:

أن هذه الظاهرة الشائنة (ظاهرة التطرف الحزبي) تستند إلى جملة من العوامل والأسباب التي تشكل بمجموعها التربة الخصبة لتنامي هذه الظاهرة, وهنا نأتي على أهم هذه الأسباب:-

1- الفكر المغلق : هو الفكر الغير قابل للتطور, والذي لا يأخذ الواقع ببعديه ألزماني والمكاني بعين الاعتبار والذي لا يلحظ الواقع المتطور , وتكون الأرادوية فيه هي المحرك الوحيد لتوجهات هذا الحزب, أو الحركة, أو التنظيم, وهذا الانغلاق الفكري , يقود إلى التطرف السياسي والتنظيمي يميناً ويساراً , كما إن هذا الفكر أحادي الجانب لا يعترف بالآخر, وإن اعترف فإن اعترافه يكون لفظاً ليس إلا

 2- غياب الديمقراطية:- إن القوى والأحزاب والتنظيمات التي لا تعتمد على الديمقراطية منهجاً وسلوكاً وممارسة في حياتها  التنظيمية, إنما تدفع المنتسبين لهذا الحزب  إلى الانغلاق والتعصب, وتحل القيم والمفاهيم الاستبدادية محل القيم الديمقراطية , كما إن عدم الإطلاع على الآخر, وعدم تنوع المصادر الفكرية والاقتصار على رؤية أحادية الجانب , إنما يوفر التربة الخصبة للتعصب الحزبي والعصبوية التنظيمية والانغلاق الذاتي.

3- تغليب الخاص على العام:- أي تغليب المصلحة الحزبية الضيقة على المصلحة الوطنية, وبذلك يكون الحزب أو الحركة أو التنظيم هو الهدف وليس الوسيلة, وبالتالي هنا تغيب الأولويات, وتحل العصبية الضيقة محل المصلحة الوطنية العليا, أي تغليب الوسيلة على الهدف الأمر الذي يلحق أفدح الضرر بالقضية والوطن.

 وفي واقعنا الفلسطيني نستحضر ما نسمعه ونعيشه كتجسيد لهذا المفهوم العصبوي للتنظيم أو الحركة, ويتجلى ذلك في القول " أنا أبن فتح ما هتفت لغيرها+ ما نسمعه من إخواننا في حماس"حماس ثورتي"  أن ترديد هذه الشعارات يبين لنا وبوضوح مدى العصبوية التي تكمن وراء هذه الشعارات كما إنها أي العصبوية تعمل  على تعطيل العدل والنقد , والنزوع  إلى السلطة الجامحة, واللجوء إلى العنف والاستبداد المطلق , وإلا كيف نفسر هذا التجاذب بين الأخوة في حركتي فتح وحماس , مرة بلغة الرصاص ومرات بالاتهامات والتحريض , والكل يدعي إنه حريص على المصلحة الوطنية,والوطن. وها هو الوطن والمواطن يتعرضان إلى كل أشكال  المعاناة, ودونما التفاته فعليه لمصلحة الوطن والمواطن , ما أدى إلى تراجع حاد للقضية الوطنية الفلسطينية على كل الصعد المحلية و الإقليمية والدولية .

أن العصبوية تقوم بتسيس القيم ومنها الدين, وتحويل الدين إلى مذاهب وطوائف أحياناً(شيعة – سنة- وعلويين...الخ).

4- الإعلام العصبوي: بما أن الإعلام يلعب دوراً هاماً في حياة الشعوب والأحزاب والقوى , لذلك فإن التنظيمات والأحزاب والحركات العصبوية تسعى إلى إمتلاك وسائل الإعلام خدمة لأهدافها وتوجهاتها العصبوية الضيقة لذلك فإن الأعلام في هذه الحالة يبتعد عن الحقيقة, ويعمل وفق نظام قيم التفاضل, ويصبح بوقاً لخدمة التنظيم أو الحزب أو الحركة  حيث يبث سموماً وأحقاداً وينزع نحو الفتن ويختلق الذرائع , ويزيف الحقائق, ويجمل الأكاذيب, بحيث يصبح الأعلام هذا مصدراً من مصادر الإلهام لهذا التنظيم أو الحزب أو الحركة, وهنا نأتي  على الصحف  والمواد الإعلامية الناطقة باسم هذه الأحزاب وكذلك الإذاعات المحلية الخاصة بهذا التنظيم أو ذاك والتي تعمد إلى  تضليل المشاهدين والمستمعين , ونشر روح الفرقة بين أبناء الشعب الواحد وتمارس الديماغوجيا خدمة لأهدافها الحزبية الضيقة.

إن العصبوية التنظيمية تخضع لقانون التفاضل في القيم, فهي تفضل الخاص على العام أي أنها تفضل السلطة فقط وتستأثر بها, في حين أن هذه القيمة في الأحزاب الديمقراطية تذهب باتجاه الحرية , وتقديم العام على الخاص والعدالة والمساوة وما اكبر الفارق في الحالتين, حيث إن العصبوية الضيقة ومن خلال القيادة تحول السلوك الحزبي أو التنظيمي والسلوك الحركي خلافاً للايدولوجيا التي تنادي بها أي أن القول يسبق الفعل ويخالفه إذا كان هذا القول ذات مضمون ايجابي ويتقدم الفعل على القول ويخالفه إذا كان يحمل مضموناً سلبياً وهنا ينطبق على ذلك القول الشعبي ( يقولون ما لا يفعلون , ويفعلون ما لا يقولون) حيث هنا يرفع الحزب أو الحركة أو التنظيم جملة من الشعارات أثناء الحملات الانتخابية ويمارس نقيضها عندما يصل إلى السلطة, بحيث تصبح السلطة هي الهدف المنشود والغاية المراده.

 

 

 

الحلول والمقترحات:-

1- الفكر العلمي والفكر المنفتح على الأخر:- أي الفكر النسبي الذي يترك لنفسه هامشاً من الخطأ والمؤسس على التفاضل في القيم والمفاهيم العلمية المتجددة والمتطورة بحكم تجدد وتطور  الواقع والحياة, والذي يتوافق مع المقولة الفلسفية ( قولي صحيح يحتمل الخطأ, وقولك خطأ يحتمل الصواب) أي الفكر  الذي يأخذ بعين الاعتبار المصلحة الكلية الجمعية والأهداف والقيم الإنسانية والقائمة على منظومة القيم الإيجابية .

2- الأخذ بالديمقراطية:- إن الديمقراطية منهجاً وسلوكاً وعلماً هي من ضرورات بناء حياتنا الحزبية والتنظيمية , الأمر الذي يخلق معه عضوية حزبية منفتحة وغير مغلقة ترى (الكأس كما هو نصف ممتلئ , والأخر فارغ), وتتعامل مع الأحداث زماناً ومكاناً كما هي, وتبتعد عن الإرادوية في تقرير المسائل الوطنية والاجتماعية , كما إن الديمقراطية كقيمة تغرس في العضو قيم الخير والمحبة والجمال والعدل والشعور بالسواء عند المواطن.

 (أن النظام القائم على قيم الإدارة, والعقل والأخلاق , أي قيم الخير والمحبة والجمال والحق و المحاججة  المبنية على العقل والعلم...الخ أن هذه المنظومه من القيم الإيجابية تزدهر فيها العقلانية وروح الإيثار , وهذه القيم لا ترى مجالاً لظهورها إلا في واحة الديمقراطية.)

3- تغليب العام على الخاص :- أي تغليب المصلحة الوطنية على الحزب , والتنظيم والحركة أن الفصائلية والتنظيمات والأحزاب هي في واقع الأمر وسائل من أجل تحقيق أهداف سياسية اجتماعية وطنية , وعليه يجب أن لا تتحول هذه الأحزاب والقوى إلى أهداف وتكون على حساب القضايا الوطنية والاجتماعية , وأن يكون الحزب أو التنظيم أو الحركة والتي كلها وسائل في خدمة الهدف إلا وهو القضية والوطن والشعب وليس فوقهما.

4- الاعتراف بالأخر كشريك:- سياسي نضالي كفاحي مهما كان حجمه أو اعتبار الأخر أحد مكونات الحياة السياسية والاجتماعية والنضالية, حيث مساحة الوطن ومساحة القضية تتسع للجميع وعلى قاعدة أن من يعمل إنما يعمل من أجل الوطن والقضية والشعب.

5- الأخذ بمبدأ التمثيل النسبي :- يعتبر مبدأ التمثيل النسبي  في كافة العمليات الانتخابية هو الأسلوب الأكثر ملائمة للواقع الفلسطيني والذي يتفرد ويتسم بسمات خاصة وفراده استثنائية ويأتي في مقدمة ذلك واقع اللجوء والشتات لذلك باتت النسبية والتمثيل النسبي هو الشكل الأكثر مواءمة للواقع الفلسطيني.

إن هذا المبدأ: مبدأ التمثيل النسبي  يخلق معه شراكة سياسية حقيقية عادلة إلى حد كبير ويقصي هيمنة, وتسلط وتفرد الحزب الواحد أو الحزبين الأكبر , لان الشراكة السياسية تعني الوحدة الوطنية الحقيقية والعدالة الإجتماعية وتقديم  أفضل الخدمات للمواطن والحرص على الوطن وقضيته ووحدته.

6- الأعلام المنفتح:- أن الأعلام المنفتح والعلمي والمسنود إلى جملة من الحقائق والكفاءات الإعلامية, والتي لا تسعى إلى السبق الإعلامي لأجل ذاته والتي تبتعد عن الغوغائية والتزمت والتحريض , أي الأعلام الذي يقر بالأخر ويخاطبه بموضوعية باعتباره شريكاً  في النضال والقرار والوطن, أن هذا الأعلام الذي نريد يشكل أحد أعمدة البناء الحزبي اللاعصبوي , والذي يكون فيه  الحزب من أجل الوطن والشعب وفي خدمتهما.

إن تربية العضوية وغرس المفاهيم الوطنية العامة, وحق الآخر في التواجد  والتعبير حيث الوطن ملك للجميع, ويتسع للجميع والشراكة السياسية هي حق مقدس في الحياة وأن مصلحة الشعب والوطن فوق الجميع, أن هذه القيم والمفاهيم المسنودة إلى سلوك وممارسة كفيلة بإخراجنا من هذه الحالة, حالة التعصب الحزبي, فنظرة إلى واقعنا الفلسطيني ألفصائلي ترينا حجم المأساة التي نعيشها من جراء التعصب والتربية المتزمتة وتفضيل الخاص على العام , وهذا هو حال الإذاعات ووسائل الإعلام بكافة أنواعها المقروءة والمسموعة والمرئية حيث يمارس التحريض والتضليل حيث تزيد من حالة الاحتقان والتجاذب, وكذلك اللقاءات والمناظرات المسموعة والمرئية والتي تبتعد عن الموضوعية حيث تغذي هذه الفئوية الضيقة .

أن الأعلام العصبوي إنما يخلق معه ثقافة عدائية تجاه الشريك الآخر يكون الخاسر الأكبر فيه هو المواطن والقضية والشعب من هنا تأتي أهمية الأعلام المنفتح الذي يستند إلى قيم ومنظومة الأعلام الايجابي   

  7- الملتقيات والمنتديات والانفتاح على الأخر:- أي أن إجراء الملتقيات والحوارات والمنتديات بين كل مكونات المجتمع الفلسطيني وفصائلة وقواه إنما يجعلنا على مسافة قريبة من الآخر فيؤثر ويتأثر , ما يعرفنا على الآخر ورأيه , وثقافته, هويته, ووجهة نظره, وبالتالي تنحسر قوة الخلاف ونجسر الفوارق بيننا, وبالتالي يغيب مبدأ الحكم المسبق وعقلية المؤامرة وتنتشر بيننا لغة الحوار, لغة التقارب , لغة الوطن والقضية

إن حقاً من يريد الوحدة الوطنية, ويجعل مصلحة الوطن فوق مصلحة التنظيم والحركة علية أن ينفتح على الأخر , ويقبله شريكاً قي الحياة السياسية, فنحن أبناء وطن واحد وأخوة في هذا الوطن قبل أن نكون أبناء هذا التنظيم أو الحزب أو الحركة, فالولاء للوطن سابق ومتقدم على الولاء للحزب , ووجودنا إخوة في النضال والوطن يفترض مبدأ الإخاء الوطني , والسلم الاجتماعي والحفاظ على النسيج المجتمعي والاجتماعي , أبناء لوطن واحد, ندافع ونناضل جميعاً من أجل قضية واحدة عادلة, ونعمل من أجل وطن سعيد ومواطن كريم.

 

 

غزة/ شباط/2007

ملاحظة:- نشرت في دورية تسامح- مركز رام الله  للدارسات حقوق الإنسان العدد 16- آذار – 2007

- ألقيت كمحاضرة في جامعة القدس المفتوحة