تشهدُ دمشق بين 23 و24 تشرين الثاني 2008، حشداً عربياً ودولياً تأييداً لحق العودة للاجئين الفلسطينيين الى فلسطين المحتلة، إذ أن أكثر من ثلاثة آلاف شخصية وهيئة وجمعية وحزب يلتقون في العاصمة السورية لإعلان اصرارهم على حق العودة للفلسطينيين الذين أجبروا بفعل الإرهاب الصهيوني على ترك أرضهم والنزوح منها في العام 1948. ويبلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية المحيطة بفلسطين وفي غيرها ما يقارب الخمسة ملايين نازح يعيشون في ظروف غاية في الصعوبة..
والملتقى يهدف الى رفع الصوت في وجه "اللاعدالة الدولية" التي تُمارس وللأسف، تحت عناوين خادعة كالديمقراطية وحق المصير وحقوق الانسان ومواجهة الارهاب وغيرها من الشعارات التي تتناقض والممارسات اليومية..
إن المنظمة الصهيونية العالمية، بتآمرها مع قوى الاستعمار الغربي، سعت دائماً لطمس حق العودة للفلسطينيين، وهي بذلك تسعى لضرب فكرة قيام الدولة الفلسطينية القادرة على الحياة والإستمرار.. فالوطن، أي وطن يتكوّن من شعب يعيش على أرض محددة، وحين لا يكون هناك شعب، يسهل إحتلال الأرض. والكيان الغاصب يمنّي النفس، ليس فقط في منع عودة اللاجئين، وإنما بدفع الفلسطينيين في الداخل للنزوح من جديد، وذلك هو الهدف الأساس من إعلان الكيان الإسرائيلي الغاصب دولة يهودية..
ان حق العودة يتعرض لرفض صهيوني، وتآمر دولي وتخلٍّ عربي، وإنقسام فلسطينيّ قد لا تكون العودة احد اسبابه، لكنه مؤثر بطبيعة الحال في مجرى الصراع، وهو عامل مؤخر في إقرار العودة ومشجع لطرح مشاريع بديلة، كدفع تعويضات مثلاً،او إعطاء اللاجئين جوازات سفر مؤقتة في البلدان التي يقطنونها كلاجئين، او منحهم حق الإقامة الدائمة في الدول المضيفة.
لذلك فإن المطلوب، إظهار الإصرار الفلسطيني والعربي على حق العودة، دون يأس ودون كلل، طالما ان الجميع مقتنع انها قضية حق والحق لا يموت، حين يتوفر من يتمسك به ويسعى لإقراره وإن طال الزمن.
وعليه فإن أي فصيل فلسطيني ينبغي ان يضع العودة في سلّم أولوياته بإعتبارها جوهر القضية الفلسطينية.. وأي تنازل عنها سوف يزيد من مآسي الشعب الفلسطيني، وسوف يوّلد مشاكل بين الفلسطينيين وبين الدول المستضيفة، ولبنان أحد أبرز المواقع التي يمكن ان تجري فيها أحداث دراماتيكية في حال التخلي عن العودة والإقرار بالتوطين وفق ما تطالب به الإدارة الصهيونية ومعها التآمر الدولي والصمت العربي.
لقد زار لبنان الرئيس السويسري، قبل فترة، وحرص على القول ان العودة حق مشروع لكن ينبغي نسيانه ملمحا الى التوطين والتعويض كحل بديل ، وهذا كلام خطير يصدر عن رئيس اوروبي نخال بلاده تقر بحق المصير وترفض المساس بحقوق الانسان.
لقد حصل اللاجئون على قرارات دولية بحق العودة مثال القرار 194 وغيره، لكن الحق بغير القوة ضائع.
وإن احدى مصادر القوة ان يتوحّد الفلسطينيون حول برنامج نضالي واحد، يؤازرهم العرب رسميين وشعبيين، ويستفيدون من المنابر الإعلامية والمحافل الدولية وبمختلف اللغات والوسائل لشرح الأبعاد الانسانية والإجتماعية والقانونية لمخاطر استمرار اللاجئين الفلسطينيين خارج أرضهم.
ان حق العودة ينبغي أن يشكل قاسماً مشتركاً بين كل مؤيدي القضية الفلسطينية، وهنا لا بد أن نتساءل كيف استطاعت المنظمة الصهيونية جمع قوميات وشعوباً مختلفة وجاءت بهم الى فلسطين، وكيف يمكن لفلسطينيّ ان يختلف مع أخيه الفلسطيني حول حق العودة، وبأي منطق يمكن ان يقبل عربي استمرار نزوح الفلسطينيين الى ما لا نهاية.
ان عودة الفلسطينيين إلى فلسطين، ليست قضية إنسانية تطال الانسان الفلسطيني فحسب، ولا هي قضية رومنسية تشفي غليل الاجداد وصولاً الى الاحفاد، بل هي قضية وطن وشعب، وليس من حق أي فرد أو زعيم أو حتى جيل أن يتنازل عنه.
مدير المركز الوطني للدراسات
مدير مجلة الموقف


