ينعقد في دمشق يومي 23 – 24 تشرين الثاني 2008 ، ملتقى دمشق حول حق العودة ، أي عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم ، وذلك على هامش فعاليات الذكرى ال60 للنكبة ومرور 60 عاماً على صدور القرار 194 القاضي بعودة اللاجئين إلى ( ديارهم ) .
وتأتي أهمية هذا الملتقى من خلال عدد المنظمات والهيئات العربية والعالمية التي دعت لتنظيمه ( أكثر من خمسين منظمة ) ، وآلاف الشخصيات التي ينتظر أن تشارك فيه . وإذا كان ملتقى اسطنبول الذي عقد عام 2007 حول القدس ، قد نقل قضية فلسطين إلى مستوى إسلامي وعالمي ، وهو ذو أهمية بالطبع ، فإن ملتقى دمشق يعيدها إلى بعدها العربي التي شكلت وتشكل مركز اهتمامه ومحور نضاله . وإن انعقاده في دمشق سيكون عاملاً لإقناع قوى عالمية بعدالة القضية وعمقها العربي بعد أن ظللتها الدعاية الصهيونية ، خاصة وأن دمشق احتضنت دوماً المشروع القومي العربي الذي يشكل الإطار السياسي لأهداف الأمة العربية في تحررها ووحدتها ونهضتها ، وطالما كان المشروع الصهيوني ووجود إسرائيل عامل إعاقة له . وبغض النظر عن الانعطافات التي مرت وتمر بها القضية الفلسطينية منذ مؤتمر بال 1897 ، ووعد بلفور وحتى النكبة وما تلاها حتى اليوم فإن قرارات الأمم المتحدة والمواقف الرسمية العربية كانت عاملاً في خسارتنا لقضية فلسطين ، تحت اسم الشرعية الدولية حيناً وسحب الذرائع حيناً آخر ، خاصة وأن الهوة بين أهداف الشرعية الدولية تجاه العدوان وبين أهدافنا واسعة جداً فهي تنظر إليه بصفته نزاع حول مساحات وحدود ، ونحن نراه صراعاً تاريخياً يستهدف وجودنا ومصيرنا . هي تعتمد على منطق القوة التي صنعتها الدول الكبرى و شرعت لإسرائيل ، هذه القوة التي تشل الضعيف وتفقده وعيه وتفكيره ، ونحن نعتمد على قوة الحق التي فقدتها الأخلاق السياسية في خضم المصالح المتشابكة .
بعد 60 عاماً على اغتصاب فلسطين ، وصدور القرار 194 لا زال العالم يغرق في تفسيرات القرار وتفصيلاته متجاهلاً حق عودة الملايين من الفلسطينيين الذين يعيشون في الشتات ويتطلعون للعودة إلى وطنهم ، وأصبح من الضروري تصحيح المفاهيم لإزالة الالتباس الحاصل ، وهي مهمة ملقاة على عاتق القوى الشعبية العربية ، بعد فشل النظام الرسمي بإعادة الحقوق . سواء تمثلت هذه القوى في الملتقى أم غابت عنه .
إن اغتصاب فلسطين وما تلاه لم يكن صدفة أو في غفلة عن العرب ، لكننا في المقابل لم نقرأ الأحداث قراءة صحيحة فوقعنا في مطب الجهل إن لم يكن بالتأخر . لقد رفضنا القرارات التي أصدرتها الأمم المتحدة قرار التقسيم والقرار 194 وكان من حقنا رفضها لأنها اعتراف رسمي بإسرائيل ، أرادتها الأمم المتحدة أو القوى النافذة فيها فخاً للعرب وهي تدرك أنها لن تنفذ . لكننا ومع رفضنا لهذه القرارات بقينا نطالب بتطبيقها ، ضمن تنازلات غير محدودة ، وكلما طال الزمن زادت مطالبتنا بها . لأن رفضنا لها لم يكن ضمن إستراتيجية مستقبلية تحفظ حقنا . على عكس إسرائيل التي كانت تقبل بالقرارات وتتنصل من تطبيقها . لقد التزمت إسرائيل في رسالة وجهها وزير خارجيتها إلى الأمم المتحدة في 12 / 5 / 1949 يتعهد فيها باحترام جميع القرارات المتعلقة بفلسطين وتعمل على تنفيذها مقابل قبولها عضواً فيها ، وما أن قبلت في عضوية الأمم المتحدة حتى تنصلت من جميع تعهداتها .
ولأن ملتقى دمشق معني ( بحق العودة ) فإن هذا الحق استند إلى القرار 194 الصادر عن الجمعية العامة في 11 / 12 / 1948 ، وتعتبر المادة ( 11 ) منه ، هي البند الوحيد الذي يشير إلى عودة اللاجئين ، وتنص على ما يلي : " نقر أنه لا بد من السماح بعودة اللاجئين الذين يرغبون في العودة لديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم وذلك في أول تاريخ ممكن ، ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة إلى ديارهم ، وعن كل مفقود أو مصاب ، فتقرر عندما يكون الواجب وفقاً لمبادئ القانون الدولي ، أن يعوض عن ذلك الفقدان أو الضرر من قبل الحكومات أو السلطات المسؤولة . " ( المصدر : لجنة الأمم المتحدة للتوفيق بشأن فلسطين – جامعة الدول العربية – إدارة شؤون فلسطين ك 2 1973 ) . صحيح أن الدول العربية صوتت ضد القرار لكنها منذ ذلك الحين وهي تطالب بتطبيقه رغم الغموض الذي فيه ، ودون أن تضغط لتصحيحه .
إن القراءة القانونية لهذه المادة تعطي تفسيرات لا يمكن الركون إليها بضمان حق العودة . فهي تنص على السماح بعودة اللاجئين في أول تاريخ ممكن ، لا على العودة فوراً وفق جدول زمني محدد لذلك أصبح عمر هذا اليوم 60 عاماً ، وربط القرار عودة اللاجئين بالعيش بسلام مع جيرانهم وبالتالي أسقط حق المطالبة بوطنهم واستخدام كلب الوسائل للوصول إلى هذا الحق كما تنص الأعراف الدولية والإنسانية . والأهم أنها تنص على عودة اللاجئين إلى ديارهم وليس إلى وطنهم فأصبحت العودة ذات طابع فردي وأسقطت عنهم الحق بفلسطين كوطن . أما النص على التعويض المالي فهو يسرق منهم حقهم السياسي بالعودة وعلاقتهم كشعب بأرضهم فتحولها إلى قضية مالية بحتة.
منذ البداية ألقت إسرائيل مسؤولية الهجرة على الدول العربية بذريعة ( أنهم لم يقبلوا قرار التقسيم وشنوا الحرب عليها فدافعت عن نفسها ) .بينما في الواقع كانت تتنصل من تطبيق القرار . لقد ذكر مندوبها الدائم في الأمم المتحدة سنة 1965 " أن مشكلة اللاجئين لا تكمن في إسرائيل بل في العالم العربي ، وإذا كان من الطبيعي للاجئين الراغبين بالعودة إلى ديارهم السابقة فإن هذه الرغبة غير منطقية لأن فلسطين انتهى وجودها ككيان إقليمي على الخارطة الجغرافية في 1948 ، والجمعية العامة لا تملك صلاحية اتخاذ القرار194 وليس في الفقرة 11 منه ما يتعارض مع حق السيادة لأية دولة ، وإن هذه الفقرة أصبحت منذ زمن غير ذات موضوع " . وهكذا منحت الصيغة الملتبسة الذرائع لإسرائيل بالمماطلة من تطبيقها ، وجعلت الرأي العام العالمي ينظر للقضية على أنها مجرد مشكلة إنسانية وليست قضية سياسية ، قضية شعب هجر من وطنه ، وهو ما أكده الكونت فولك برنادوت ممثل الأمم المتحدة إلى فلسطين عام 1948 الذي ذكر في تقريره ( إن عرب فلسطين لم يغادروا أراضيهم طوعاً واختياراً إنما نتيجة أعمال العنف والإرهاب التي ارتكبتها السلطات الإسرائيلية ضد العرب الآمنين ) . وقد دفع حياته ثمناً لهذا التقرير ، و اتهمت إسرائيل باغتياله . وفي محاولات مضنية من الأمم المتحدة ، قبلت إسرائيل بعودة 20 ألف لاجئ كتجربة ، لكنها اشترطت مقابل ذلك ، أن يقبلوا بالعودة ضمن الوضع القائم على الأرض ، وأن يعيشوا بسلام مع السكان ، ويضعوا سلامة إسرائيل في المقام الأول ، ولا تستمر الدول العربية في حملتها العدائية ضدها ، وتبدي تجاهها مزيداً من العلاقات ، وفي النتيجة فشل المشروع . كما جرت محاولات ( إنسانية ) من قبل الولايات المتحدة الحليف الرئيسي لإسرائيل ، قوبلت بالرفض منها ، ففي عام 1969 تقدم روجرز وزير الخارجية الأمريكي ، وبناء على طلب الملك حسين ملك الأردن باقتراح يقضي " بعودة 10 % من اللاجئين على أساس أن السلام في الشرق الوسط يقتضي تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين تأخذ بالحسبان إلى أبعد حد رغبات وأماني الفرد البشري صاحب العلاقة " . لكن إسرائيل اعترضت على هذا الاقتراح مما أضطر روجرز إلى سحبه ، وصرح بعدها (( إن الولايات المتحدة لا تتعامل مع اللاجئين الفلسطينيين مباشرة )) . ثم شيئاً فشيئاً تحول حق العودة إلى مشكلة ، وإلى الحل العادل والشامل الذي أخذت تتداو له الأدبيات العربية والعالمية . وهكذا ضاع هذا الحق ضمن تفسيرات متنوعة بعضها يقع في إطار التوطين أو دفع التعويضات ، وبين الحق والمشكلة .
وإذا كان لملتقى دمشق أن ينجح فعليه أن يجد صياغة أكثر وضوحاً لحق العودة تعمل على تصحيح الالتباس الحاصل في القرار 194 ، ويصر على أن هذا الحق لا يمكن تجاهله أو التنازل عنه مهما كانت الأعذار والمبررات ، وليس من حق أحد أن يتغاضى عنه مهما كان موقعه لأنه أحد الجذور الأساسية في القضية الفلسطينية ، وكي يحصل هذا التصحيح ، لا بد من توفير حشداً عربيا وعالمياً فاعلاً يجبر إسرائيل بالقبول بهذا الحق وتنفيذه فوراً .


