على بساط الثلاثاء

27

( تتمة ....."2".... البيان..... )

( 8 )

             لقد ولدت مشاريع النهضة العربية ، في مطلع القرن المنصرم ، من رحم تلك المعاناة ، وكان عليها أن تجابه قوى عاتية .. قوى "خلافة عثمانية" ، لم تعرف كيف تكون إسلامية ، فانكفأت ، تدافع عن "طوارنية" الدولة التركية ، بتوقيع عشرات المعاهدات ، مع قوى الاستعمار الأوروبي ،تمنحه امتيازات في الوطن العربي ، لم تفكر ، إطلاقا ،ً مثلها ، مثل كل نظم الاستبداد ، السابقة ، واللاحقة ، بالاعتماد على قوى الداخل التركي ، والعربي ، بل اعتمدت على تكبيل تلك القوى ، وإعدام رموزها ... ، وبالتالي ، فإنها ، ومع توقيع كل معاهدة ، مع الغرب الاستعماري ، كانت تنسحب ، رويداً ،  رويداً ، وتخلي الساحة ، ليس ، لقوى عربية قادرة على مجابهة الخطر الاستعماري ، وإنما لقوى الاستعمار ، والغزو ، ذاتها ... هكذا ، أخلت شمال أفريقيا العربي ، بالكامل ، وعندما حاولت أن تدافع عن الجزء الآسيوي ، من الوطن العربي ، انهزمت شر هزيمة ، ولكن ليس أمام قوى الداخل العربي ، وإنما ، أيضا ،ً أمام مشاريع الغزو الاستعماري الغربي .. تلك المشاريع ، بالغة التعقيد ، ذلك أن الوطن العربي ، خضع من محيطه ، إلى خليجه ، ولأول مرة ، في التاريخ ، إلى تقسيم ، بالقلم ، والمسطرة ، لا يستند على أي أساس وطني ، سواء كان تاريخي ، أو جغرافي ... ووجدت مشاريع النهضة نفسها ، على اختلافها ، محاصرة بين خيارين ، إذا اختارت التأسيس على الجذور التاريخية للأمة ، فستتهم ، أنها مع الاستبداد العثماني ،والعنصرية الطورانية ، أما ، إذا اختارت التأسيس على ثقافة عصر الأنوار ، والحرية ، والمساواة في الغرب ، فستتهم على الفور ،أنها تتغرب ، وأنها تعمل لحساب المشاريع الاستعمارية ، وما يترتب عليها ،من مآسي ، في الوطن العربي ...، وهكذا، كان على مشاريع النهضة ،أن تتجنب حقل الألغام ذاك ،فلا تسقط في براثن الاستبداد ،والتخلف ،وفي الوقت ، ذاته ، عليها أن تتجنب السقوط في وحول التوحش الاستعماري ،هكذا كان عليها ، أن تحدد الهوية ، والانتماء ، فالاستبداد التهم الخلافة الإسلامية في الدولة العثمانية ، والرأسمالية ، بالنهب الاستعماري ، التهمت النهضة ، وعصر الأنوار ، في أوروبا ... وفي مرحلة لاحقة ، برز المعسكر الاشتراكي ، مع ما يمثله من إغراء تصعب مقاومته ، فهو ضد الهيمنة الإمبريالية ، من جهة ، ويقدم مشروعاً متكاملاً ، لإنهاء استغلال الإنسان ، للإنسان ، لكن الاستبداد هناك ألتهم التجربة الاشتراكية أيضاً ، وألتهم الحلم الإنساني بالتحرر من الاستغلال ..وما أشبه اليوم ، بالبارحة ،فمشروع النهضة العربية ،الآن ،يجد نفسه ، بين ذات الثنائيات تقريبا ،على أية حال ،وبالعود على بدء ،فإن تلك المشاريع ، بمجملها كانت طاغية على الساحة الداخلية ، والدولية ، وكذلك ،الحروب الساخنة ، ثم الحروب الباردة ، ثم التعايش ، الذي حسم ، لصالح القوى الإمبريالية ، الطاغية ،ذلك الواقع الصاخب ، لم يكن يسمح بالمشاركة في تلك المشاريع ، أو الحوار معها ، ولكن ، كل طرف منها ، يطلب موقفاً حاداً ، ومحدداً ، إما مع ، وإما ضد ، وبالتالي ، فإن الطريق الثالث كان مستهجنا من قبل القطبين ، خاصة بعد أن فقد مؤتمر "باندونغ" ، ألقه ، وقادت مخابرات دولة الولايات المتحدة الأمريكية سلسلة انقلابات عسكرية ، من اندونيسيا ، وحتى الجزائر ، وأعماق أفريقيا ،وصولا إلى أمريكا اللاتينية ، لفرض ديكتاتوريات لا ترحم ،وكان أداء المخابرات السوفيتية أقل شأنا ،ومرة أخرى كان على مشاريع النهضة أن تختار أحداها ، وحتى التقديس ، وتعادي الأخرى ، حتى الرجم .. وإلا فهي وسطية ، وبلا موقف ، وفي أحوال أخرى ، تحريفية ، إلى حد التخوين ... ، إذا أرادت أن تختار الاشتراكية ، عليها ، أن تقدس الاستبداد ، وإذا أرادت أن تختار الديمقراطية ، عليها أن تقدس الاستغلال الرأسمالي ... وإذا أرادت ، أن تختار العقيدة الدينية ، عليها أن تنصاع لولي الأمر ، ولو كان ظالماً ...وليس لها أن تختار ولي الأمر ،أو أن تحدد مواصفاته ،فهو يختار نفسه ، وليا للأمر ،وهي ترتكب المعصية ، إذا لم تنصاع له ، أو في أحسن الأحوال ،عليها أن تسلم أمرها ، لواحد من شيوخ الطوائف ، أو المذاهب ،أو القبائل ، ليفكر عنها ، ويقرر عنها ، وما عليها ، إلا إتباع تعاليمه ، ورفض تعاليم الآخرين ، وتكفيرهم ... وإذا أرادت أن تثور ، عليها بالحزب القائد ، أو اللجنة العسكرية ، أو الضباط الأحرار ..لينتهي ، هذا كله ، بيد زعيم مقدس ،هو قائد الحزب ، أو اللجنة ، أو الضباط ، ثم هو أبو الوطن ، والشعب ،موالي،عنده ، وما عليهم ، إلا الطاعة ، والانصياع ، وإذا لم يتسنى لها ،أن تثور ، فعليها ، أن تقدم فروض الطاعة ، لإ صحاب الجلالة ، والسمو، الملوك ، والأمراء ، والسلاطين ، خاصة ، بعد أن استنسخت الانقلابات ، ملوكا ، وأمراء ، وسلاطين ،يتوارثون البلاد ،والعباد ، أمر ، وأدهى ،من النسخ التقليدية ، مما يجعل الإبقاء على النسخ الأصلية ،منهم ، أقل خطورة ....

( 9 )

             هكذا ، كان على مشاريع النهضة ،منذ بدايات القرن العشرين ، أن تشق طريقها ، في حقل ألغام ، تجهل خريطته ، وتتداخل فيه القوى ، التي تزرع الألغام ، وتتضارب ، وتنشر دخاناً ، كثيفاً ... يجعل الرؤيا ، شبه مستحيلة ... وإذا كانت الانتصارات ، تستر العيوب ، فإن مشاريع النهضة ، التي ولدت من رحم مقاومة الاستبداد العثماني ، ومن ثم مقاومة الاستعمار الغربي ، ومشروعه الاستيطاني في فلسطين ، ومن ثم الانتفاض على الأوضاع التي أدت إلى النكبة الفلسطينية ، إذا كانت تلك المشاريع النهضوية ، التي حققت تحرير معظم الأجزاء العربية ، من الاستعمار المباشر ، ثم قاومت عدواناً شرساً عام 1956 ، ثم أقامت دولة الجمهورية العربية المتحدة ...، كانت تعتمد  الحماسة ، وكاريزما الزعماء ، والعواطف الجياشة ، لكن مشاريع النهضة تلك ، بدءاً من انفصال الإقليم الشمالي ، عن الجمهورية العربية المتحدة عام 1961 ، ومن ثم هزيمة 1967 كمقدمة لسلسلة هزائم ، مازالت تنزل بالأمة ، حتى يومنا هذا ...تلك الهزائم المتلاحقة ، كشفت العيوب ،ومواطن الوهن ، وفضحت العورات ، وبانت على الملأ ، الأخطاء ، والخطايا ... وبدأت الحماسة ، والعواطف تخبو ، وتختفي بفعل الواقع الذي يزداد مرارة ، وبدأت مشاريع النهضة تفقد حاضنتها الجماهيرية ، مما جعلها سهلة المنال من قوى الاستبداد في الواقع العربي ، تلك القوى المستبدة التي كانت تبرر الاستبداد تحت دعاوي مختلفة ، مثل الغاية تبرر الوسيلة ، وضرورة الاستبداد مرحلياً لحرق المراحل ، ومقاومة القوى المضادة التي تتربص بالثوار ، وأنه مرحلة مؤقتة ..ضرورية ،لمواجهة الإمبريالية ،والصهيونية ،أو بالمقابل ، ضروري لمواجهة الإلحاد الشيوعي ...، هذا كله ، فقد مصداقيته ، فتحول الاستبداد ، من وسيلة مؤقتة ، إلى هدف دائم ، وأبدي ،إلى الأبد ، وبات معيار الزعامة ،  من هو ، الأكثر دهاء ، بالاحتفاظ ، بالسلطة إلى مدى أطول ، وكيف يختزلها المستبد ، بجماعته المقربة ، ثم يختصرها بأسرته ، ثم يسكبها بأحد أبنائه .. وهكذا ..!! هذا ، بالنسبة لبعض السلطات ، التي تورطت مشاريع النهضة في إقامتها ،فتولت تلك السلطات ،ذاتها ،إجهاض مشروع النهضة ، أما السلطات الأخرى ، المتمثلة ، بالأسر التقليدية ، ملوكاً ، وأمراء ، وسلاطين ، وحكومات تحتمي بالقواعد الأجنبية ، فقد حوصرت بالحماسة الشعبية ،بين الأعوام 1956 و1961 ، وانكمشت في قصورها ، تحت حراسات مشددة ، وبدأت مشاريع النهضة ، تخترق مؤسساتها ، وحتى أسرها الحاكمة ، بالذات ، فبتنا نسمع عن "الأمراء الأحرار" ، الذين يهجرون القصور ، ويلتحقون بمشاريع النهضة ، وبتنا نسمع ، أيضاً ، عن الضباط الأحرار ، الذين يلتحقون بمشاريع النهضة ،أو يعتقلون  ...ذاك الحلم ، الذي بلغ أوجه ، في خمسينات القرن المنصرم ، بدأ يخبو .. مع انفصال الإقليم الشمالي ، عن الجمهورية العربية المتحدة ،ثم مع تتابع الهزائم التي حلت بمشاريع النهضة ، فاستعادت تلك الأسر الحاكمة أنفاسها ، وعادت تتربع على عرش النظام الإقليمي ، تستمد عناصر قوتها ، من فشل مشاريع النهضة ، في الوطن العربي ، ومن التشكيك بتلك المشاريع ، على أوسع نطاق ، ليس بهدف كشف الأخطاء والخطايا ، وإنما لبث أفكار الثبات ، وإبقاء الحال على ما هو عليه ، وبث شائعة ، أن مشاريع النهضة ، هي مشاريع فاشلة ، وأن هذا الفشل ، لا يعود إلى الأساليب ، وحسب ، وإنما ، هي فاشلة ، من حيث أهدافها ، وغاياتها ... ويتم التدليل ، على ذلك ، من مقارنات ، لا تنتهي بين نظم الاستبداد التقليدية ، ونظم الاستبداد العصرية التي قامت على أنها تدخل في حساب النهضة ، وكأن مشاريع النهضة ، هي مشاريع نظم استبدادية ، من أي نوع  كانت...

                 هكذا ، وعندما غدت مشاريع النهضة خارج حاضنتها الشعبية ، أضحت مكشوفة ، لقوى الاستبداد العاتية ، ففتكت فيها ، ثم دفعت ما تبقى منها ، إلى العمل السري ، بعيداً عن أي تأثير عام ، على المجتمع ...، وبما أن هذا الاستبداد ، امتد عقوداً من الزمن ، فإن غيبة مشاريع النهضة ، في الأقبية السرية ،لعقود مديدة من الزمن ،أدى إلى ،أن أجيالا جديدة في الوطن العربي ، ولدت ، وترعرعت تحت خيمة من نظم الاستبداد ، لا تعرف عن مشاريع النهضة ، إلا أنها مشاريع فاشلة ، ومهزومة ، وبالتالي حوصرت مشاريع النهضة تلك ، واقتصرت على بعض النخب ، التي تتداول حواراتها ، وأحياناً صراعاتها ، في الغرف المغلقة ، أو ربما في زنازين سجون المستبدين ...

 

( 10 )

 

                 وقبل اختتام هذا الحديث ، عن الظروف المعقدة ، التي ولدت فيها مشاريع النهضة ، لابد من الإشارة إلى عامل هام ، أثر تأثيراً سلبياً على مجمل الواقع العربي ، ونقصد بذلك ، ذلك التداخل الشديد التعقيد ، الذي حصل بين قوى الاستعمار الغربي ، وقوى السلطنة العثمانية ، مما أدى إلى اختلاف الظروف الموضوعية ، من منطقة إلى أخرى ، في الوطن العربي ...

             فقبل أن ينصرم القرن التاسع عشر ، كان الاستعمار الأوروبي بجيوشه  البريطانية ، والفرنسية ، والألمانية ، والإيطالية ، والأسبانية ، قد أحكم سيطرته على الجناح الإفريقي ، من وطن العرب ، بينما كان الجناح الآسيوي ، من وطن العرب ، تحت السيطرة العثمانية ، باستثناءات محدودة على أطرافه ، في الجنوب ، والخليج .. هذا الواقع فرض ، ما يمكن اعتباره ، تناقضاً في الأسس الفكرية ، والعقائدية التي بنيت عليها مشاريع النهضة ، في الواقع العربي ..بسبب اختلاف الظروف ،ففي الجناح الأفريقي من الوطن العربي ،اعتمد مشروع النهضة على مقاومة الاستعمار الغربي ،وتطلع إلى الدعم من السلطنة العثمانية...،بينما اعتمد مشروع النهضة في الجناح الآسيوي من الوطن العربي على مقاومة السيطرة العثمانية ،وتطلع إلى الدعم من الغرب الاستعماري.....

             فقد كان طبيعياً ، أن تقوم مشاريع النهضة ، في الجناح الإفريقي من وطن العرب ، على الموروث الإسلامي ، لمواجهة الاستعمار الغربي ، ذلك أن رواد النهضة العرب ، في الجناح الإفريقي احتكوا احتكاكاً مباشراً بالاستعمار الغربي ، وكان عليهم مواجهة مشاريعه ، ومذابحه الوحشية ، وبالتالي لم يكن تعاملهم معه تعاملاً نظرياً ، لتقييم الليبرالية ، أو عصر الأنوار ، فقد لمسوا على أرض الواقع ، أنهم بمواجهة جيوش ، وحكام غربيين ، يمارسون شتى أشكال الاستبداد ، والتعسف ، والبطش ، بالشعب العربي ، ويرتكبون من المجازر ما يكفي ، لأن يستند "النهضويون" ، على الجذر الإسلامي ، لمواجهة تلك الهمجية الاستعمارية الغربية ، هكذا كانت رموز النهضة تتمثل بالشيخ جمال الدين الأفغاني ، والإمام محمد عبده ، والشيخ مالك بن نبي ، وعمر المختار ، والمهدي ،وعبد الكريم الخطابي ،وعبد القادر الجزائري ... ومن ثم احمد عرابي ، ومصطفى كامل ...ومحمد فريد ،  وإلى آخرهم .....

 

( 11 )

 

             في الجناح المشرقي ، من الوطن العربي ، كانت الظروف الموضوعية ، مغايرة لذلك تماماً ، حيث كانت السلطنة العثمانية تفرض سيطرتها ، وترفض الاعتراف بوجود الأمة العربية ، أو اللغة العربية ، فالشعب العربي ، في الجناح الآسيوي هم رعايا السلطان ، وفي مرحلة لاحقة ، سيطر "الطورانيون" ، على السلطة في الأستانة ، وتصاعد التعسف ،والتوحش ،ونصبت المشانق للأحرار العرب ...، وهكذا فإن "النهضويون" ، في المشرق العربي ، أسندوا مشاريعهم ، على الوجود القومي ، للأمة العربي ، في وجه التعسف ، الذي يمارسه "الطورانيون" ، باسم الإسلام ،وبالتالي ، فإن رموز النهضة ، في المشرق العربي ،كان عليهم تأسيس منتديات ، وجمعيات عربية ، وحتى الشيخ الجليل عبد الرحمن الكواكبي ، أسس منظومته الفكرية ، على أساس اعتبار الأساس العقائدي ،هو مقاومة الاستبداد ، أياً كان مصدره ، فقامت مشاريع النهضة في المشرق العربي على أسس فكرية ، تزاوج بين الجذر المدني للمجتمع ..، وبين الجذر القومي ، وبين الجذر الإسلامي ، خاصة ، وأن المشرق العربي ، لم يكن قد احتك احتكاكاً مباشراً مع الاستعمار الغربي ،إلا ، كبعثات تبشير دينية ،أو ثقافية ، فقد كان الغرب ، بالنسبة للكثيرين ، في المشرق العربي ، مبهراً من الناحية النظرية ، مبهراً ، بالحريات التي تمارس في مجتمعاته ، مبهراً ، في عصر النهضة ، مبهراً في سرعة تطوره ...

                 وهكذا ، نجد رموز النهضة ، في المشرق العربي ، يعتمدون على الجذر القومي للأمة العربية ، مع انتمائهم إلى جذورهم الدينية ، فتطالعنا أسماء مثل ، عبد الحميد الزهراوي ، وعبد الكريم خليل ، ومحمد المحمصاني ، وسالم الجزائري ، وجورجي حداد ، وعمر حمد ، وعبد الغني العريس ، وأحمد طيارة ، ومحمد الشنطي ، وتوفيق البساط ، وشفيق المؤيد ، وعبد الوهاب الإنكليزي ، ورفيق رزق سلوم ، وساطع الحصري ... ،وإلى آخرهم . حتى الشريف حسين الذي قاد الثورة على العثمانيين ،بالتحالف مع الاستعمار الغربي ،أطلق على نفسه ،قائد الثورة العربية الكبرى ،ووضع أرثه ،البالغ الأهمية ،كسليل لبيت النبي ، في المقام الثاني ......

 

( 12 )

 

             ولعل ما جرى ، في مطلع القرن العشرين ، كان مثالاً صارخاً على ما بدا ، وكأنه تناقض بين جناحي الوطن العربي ، فبينما كان الطليان يرتكبون المجازر ، في طرابلس الغرب ، وبرقة ، وكذلك يفعل الفرنسيون ، في تونس ، والجزائر ، إضافة إلى مجازر ، الأسبان ، والفرنسيين ، في المغرب ، وموريتانيا ، وبينما كان الحاكم الإنكليزي ، لمصر ، ينصب أعواد المشانق ، في دنشواي ، للمناضلين العرب .. في مصر ، كانت السلطنة العثمانية ، على يد جمال باشا السفاح ، تنصب المشانق ، للمناضلين العرب ، في بيروت ، ودمشق ، وبالتالي ، فإن رواد النهضة ، في المشرق ، كانوا يعتمدون على مساندة الغرب الاستعماري ، في مواجهة وحشية السلطنة العثمانية ... وسط استغراب رواد النهضة في الغرب العربي ، حيث كان رواد النهضة ، في الغرب العربي ، ينتظرون مساندة السلطنة العثمانية ، في مواجهة وحشية الاستعمار الغربي .. وسط استغراب رواد النهضة ، في المشرق العربي .. وقد دفع رواد النهضة في أرجاء الوطن العربي ، عامة ، دماء غزيرة ، وضيعوا فرصاً هائلة ، قبل أن يدركوا ، معاً ، أنه لا يمكن الاعتماد على السلطنة العثمانية في مقاومة التغريب الاستعماري ، وأنه لا يمكن الاعتماد على الغرب الاستعماري في مواجهة التخريب الذي تمارسه السلطنة العثمانية ، وان المعادلة ، تحتاج إلى تعديل جوهري ... ففي العلاقات ، مع العالم ، لا توجد عداوات دائمة ، وصداقات دائمة ، وأن ، الإسناد ، لن يقدم مجاناً ، لأحد ، أياً كان ، وبالتالي فإن السؤال ، يجب أن يبدأ استنادا على قاعدة مختلفة ، تماماً ، من نحن ..؟ ماذا  نريد ...؟ ما هي مصالحنا ..؟ بعد ذلك يمكن البحث عن ، من تلتقي مصالحه مع مصالحنا...؟ ، وعن ، من تتعارض مصالحه مع مصالحنا...؟ ، وبالتالي ، تقوم علاقات متوازنة ، بحيث تأخذ ، وتعطي ، أما قبل ذلك ... فإن القوى الخارجية ، تنظر إلى قوى الداخل ، أياً كانت ، على أنها ،مجرد ورقة ، في برامجها ،للعب بها، مع هذا ، أو ضد ذاك ، وفي هذه الحالة ، فإن هذه القوى الداخلية ،على تنوعها ، عليها دائماً، أن تعطي مما تحت يدها في الوطن ، وأن ، لا تأخذ شيء للوطن ، وفي أحسن الأحوال ، قد تساعدها القوى الخارجية ، في أن تأخذ نصيب ، يسير ، من الوطن ، أيضاً ، لصالح حساباتها الخاصة ، وبالتالي ، فإن تلك القوى ،سواء بإرادتها ، أو بغبائها ،أو بضيق أفقها ،أو بوضع مصالحها الضيقة ، فوق مصلحة الوطن ، تصبح شريكة لقوى الهيمنة الخارجية ، في عملية النهب ، لثروات الوطن ، وإمكانياته .

 

( 13 )

             على أية حال ، فإنه ، واعتباراً من عشرينيات القرن العشرين ، أزيل ما كان يبدو تناقضاً داخل المشروع النهضوي العربي ،سواء ،في المغرب ،أو في المشرق ، وتساوى العرب جميعاً في المظالم ، فباتوا ، جميعاً ، تحت النفوذ المباشر ، للغرب الاستعماري ، لكن مشاريع النهضة ، كانت قد اعتمدت أسسها الفكرية ، فصّدرت مصر ، والغرب العربي ، حركة الأخوان المسلمين إلى المشرق ... ، وصَدر المشرق العربي ، إلى الغرب العربي ، حركة القومية العربية ، فلاقت حركة الأخوان المسلمين مناصرين في المشرق ، ولاقت حركة القومية العربية مناصرين في الغرب العربي ... إضافة إلى حركات نهضوية أخرى تتبنى العلمانية ، أو تتبنى المناطقية ، والإقليمية ، في كلا الجانبين ...

                 هذا لا يعني ، على الإطلاق ، أن المشرق العربي ، كان أقل انتماء للجذر الإسلامي ، أو أن الغرب العربي ، كان أقل انتماء للأمة العربية ، ولكن الأولويات الضاغطة ، التي فرضت نفسها ، مع بداية القرن العشرين ، حتمت ذلك ، وإن كانت الأمور ، قد باتت أكثر وضوحاً ، مع تقدم التجربة ، من جهة ، ومع التعقيدات التي أحاطت بمشاريع النهضة ، والهزائم التي لحقت بها ..

 

( 14 )

                 لقد كان ما تقدم ، ضرورياً ، لتبيان الظروف المعقدة ، التي ولدت فيها مشاريع النهضة العربية ، علَ الجيل العربي الجديد ، يجد لنا بعض الأعذار ، عما آلت إليه الأوضاع ، في وطننا ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، لعل ذلك ، يعزز الأسباب الموجبة ، لتجديد الخطاب النهضوي العربي ، واستئناف مسيرة النهوض ، ومن جهة ثالثة ، أن لا يستهين الجيل الجديد ، بالتضحيات ، التي بذلها رواد النهضة العربية ، على مدى القرن المنصرم ، في ظروف عاصفة ، وضاغطة ..

واستكمالاً ، لهذا الحديث ، لابد من الانتقال ، من البحث في الظروف الموضوعية ، التي أحاطت بالنشأة  ، إلى البحث في مشاريع النهضة ذاتها ، وعناصر القوة ، والضعف في بنيتها ، ومدى التأثر ، والتأثير ، بظروف موضوعية ، داخلية ، وعالمية ، تغيرت بشكل حاد ، ودراماتيكي ، في أغلب الأحيان ...

             فماذا عن تلك المشاريع ..؟ ولماذا آلت إلى ما آلت إليه ...؟

( يتبع..."3"...البيان... )

  

•        حبيب عيسى

E-mail:habib.issa@yahoo.com