على بساط الثلاثاء
27
في .... التأسيس للبنيان...
" ... واالله الذي نفسي بيده ، إننا لسنا عبيد أحد ، ولن نتوارث بعد اليوم ..."
- أحمد عرابي
في الأسباب الموجبة :
( 1 )
- هل الأمة العربية ، في الظروف الراهنة ، تنتظر برنامجاً جديداً للنهضة ،يعتمده الرواد الجدد ، للخروج مما هي فيه ..؟
سنجيب دون تردد ، نعم ، بل أكثر من ذلك ، نقول ، أن الأمة بحاجة ماسة إلى مشاريع معاصرة ، متعددة ،بعدد الفصائل ،والايديولوجيات ، ذلك ، أن مشاريع النهضة ، التي ولدت مع بدايات القرن العشرين ، وحتى منتصفه ،قد كبت ، وكانت وليدة ظروف معينة ، قد انقضت ، حيث جدت ظروفا أكثر تعقيداً ، كان من المفترض أن تتطور مشاريع النهضة لتواكبها ، لكنها ، وبفعل عوامل متعددة ،ذاتية،وموضوعية ،من داخلها ،أو من خارجها ،عجزت عن المواكبة ، وتقوقعت على نفسها ، حيث بدت الساحة العربية مفتوحة لفعل كثيف من قوى الاستبداد في الداخل ، ومن قوى الهيمنة في الخارج ، التي استأنفت هجومها ، فأوقفت تقدم مشاريع النهضة ، التي بدا مع منتصف القرن العشرين ، وكأنها تتجه ، بالمجتمع العربي ، باتجاه التطور ، والنمو ، والمواطنة ، والتحرر ، والتوحد ، فظهر إلى العلن ، عصر من النكوص إلى الإقليمية ، ثم ،إلى الطائفية ، ومن ثم إلى المذهبية ، وإلى الأثنية ، والقبلية ، والأسرية ، وحتى إلى الفردية المتوحشة .
وهذا هو القانون ، النوعي ، للمجتمعات ، ذلك أنه عندما تعجز قوى النهضة عن الفعل ،يتباطأ التطور ،ربما إلى حد التوقف ،ويتم استنزاف الإنجازات التي كانت قد تحققت ،ويفتقد الجميع الأمان ،حيث يبحث كل فرد ، في المجتمع ، عن مخبأ ، أو "وكر" ، يحتمي فيه ،أوعصابة ، يمنحها الولاء ،مقابل أن تمنحه الحياة ... ، وفي مثل تلك الظروف ، يجد رواد النهضة أنفسهم ، وكأنهم معلقون في الهواء ، فلا ، هم ، قادرين على الهبوط مع الواقع ،الموضوعي ، الذي ينحدر ، ولا سواعدهم قادرة على وقف الانهيار ، وانتشال المجتمع ، من الهوة التي يتجه إليها ...فتتحول مشاريع النهضة ، في هذه الحالة ، إلى مشكلة ، بعد أن كان من المؤمل ، أن تكون هي الحل .ومن ، ثم ،يتسلل الخلل إلى بنية فصائل النهضة ،ذاتها ،فتتحول من رافعة باتجاه النهوض ،إلى ساحات للعبث ،والضياع ،واللاجدوى....
نقول هذا بداية ، وكنقد للذات ، قبل أن يكون للآخر ، لكي يستمد هذا الحدث مشروعيته ، وبالتالي ، فإن من الملح ، والحاسم ، في هذه المرحلة ، أن تتم المراجعة ، والتعديل ، والولادة من رحم المعاناة ، والتجارب المرة ، فالواقع الراهن في أمس الحاجة إلى مشاريع شابة تقضي على الوهن ، والعجز ، وتجدد خلاياها ، ومقدرتها ، وتكسي هياكلها العظمية ، التي تعرت بفعل الاستبداد ، تكسيها لحماً ، ودماً ، وأعصاباً ، بحيث تتكاتف الأيادي ،وتتشابك ، وتتناغم المشاريع المتعددة ، للنهوض ، بالمجتمع ، من جديد ...
( 2 )
ونقول ذلك ،ثانيا ، في مواجهة الذين يتحدثون عن "خروج العرب من التاريخ" ، وفي مواجهة ، الذين يتحدثون عن أمة في نفق من الاحتضار ، والموات ،في محاولة منهم ، لإخراجها من الحاضر ، ونقوله ،ثالثا ، في مواجهة الذين يصادرون المستقبل ، ويغلقونه تماماً في وجه العرب ، حيث العالم قرية إلكترونية ،واحدة ،هم وحدهم ،حكامها ، ولا مكان للعرب ، إلا على أطرافها ، في أكواخ الصفيح ، أو بين المقابر ، والمجارير ، والنفايات ..
فلنقرر بداية ، أن العرب ، لم يخرجوا من التاريخ ، وأنهم ، ليسوا قطعان خائفة ، مذعورة ، هاربة من الحاضر ، وأنهم ليسوا هائمين على وجوههم بلا أحلام للمستقبل ...وإن مايجري ،الآن ،مجرد محنة ،وستمضي .....
1 – عن التاريخ ، نقول ، إن العرب فعلوا فيه ، وتفاعلوا معه ، أثروا، وتأثروا ، انتصروا ، وانهزموا ، وهذا كله ، بحلوه ، ومره ، تاريخ ، غير قابل للإلغاء ، أو للتعديل ، أو للإنكار ، وأن محاولات تزويره ، أو تقطيع أوصاله ،بحيث تصطنع تواريخ على مقاس الطغاة ، ما هي إلا جرائم ، لا تصنع تاريخاً بديلاً ، وإنما مجرد جرائم سيطالها القانون ، العادل ، يوماً ، ما ، ... لا أحد في هذا العالم ، يستطيع إنكار ، أن هذا العالم ، كان في يوم من الأيام ، في عيون العرب ، يجّدون الخطى ، لنشر رسالات ، وحضارات ، وقيم ، ومنظومات اجتماعية ، وفكرية ، وعلمية ، وثقافية .. وعندما كبت عقولهم ، كبت خيولهم ... فانهزموا أمام أنفسهم ، قبل أن ينهزموا أمام الآخر ، وإذا كان من السهولة ، بمكان ، تفسير ، وتحليل أسباب كبوتهم ، فمن الصعب ، علينا ، فهم أولئك الذين خرجوا من ظلامات العصور الوسطى ، وظلامها ، في أوربا ، الذين ، ما أن شعت عليهم شمس عصر الأنوار ، في بلدانهم ، حتى اندفعوا غزاة مستعمرين ، مستغلين ، عنصريين ، ينشرون الظلام في العالم ،ناهبين للثروات ، طامعين بوطن العرب ،وبأوطان غير العرب ، وكأن طريق الحضارة ، والحرية ، والمساواة ، والديمقراطية ، لا يمر ، إلا عبر تدمير بغداد ، واحتلال بيت المقدس ،وتهجير المستوطنين الأوروبيين ، من أوروبا ،إلى فلسطين ، وتهجير عرب فلسطين من فلسطين ، ومحاصرة الإسكندرية ، وتدمير عدن ، وعمان ، واحتلال فاس ، ومكناس ، وطنجة ، وطرابلس .. وإغراق صيدا ، وإحراق دمشق .. لكن العرب ، وفي الحالتين .. في حالة الكر ، وفي حالة الفر .. كانوا في عين التاريخ ، هدافون كانوا ، أم أهدافاً للغير ، فالعرب لم يخرجوا من التاريخ ، ومازالوا في الحاضر ، يتململون ، للنهوض مما هم فيه ..وبالتالي ، لا خوف على مكانة العرب في التاريخ ...
( 3 )
2 – أما عن الحاضر ... فإن العرب ، ورغم المآسي ، التي لا يمكن حصرها ، مازالوا في عين الحاضر ، بدليل المشاريع ، والخرائط التي توضع للوطن العربي ، والتي ، لا تنقصها التقنية المتطورة ، والأسلحة الفتاكة ، والأدوات المحلية ، والمعولمة ، ورغم ذلك كله ، فهي تتعثر ، بمقاومات لم تخطر على بال الذين يدعون ، أنهم يقبضون على العالم بقبضة من حديد ، فقوى الهيمنة الدولية ، بالتنسيق مع قوى الظلام ، والاستبداد في الداخل العربي ، تعربد منذ عقود في الوطن العربي ، وفي مشارق الأرض ، ومغاربها .. معلنة ، أنها حسمت صراع الحضارات ، ووصلت إلى نهاية التاريخ ، الذي عليه ، أن يستنقع تحت قدميها .. وحتى نهاية الكون ، الذي تعبث ببيئته ، وتركيبته البنيوية ، وتوازن مكوناته ، لكن المخرز العربي ، المثلوم ، رغم كل شيء، يؤرق مقدرة صواريخها الذكية ، وعقولها الالكترونية ، وكمراتها الخفية ، فهي تدرك ، أن استقرار هيمنتها ، يتوقف على إخراج العرب من الحاضر ، ومن المستقبل ، كما توهموا ،من قبل ، أنهم أخرجوهم من التاريخ ، فهم ، يؤكدون ،أن ، لا عرب .. لا أمة عربية ، إنه مجرد شرق أوسط ، أو أدنى ،تحت سيطرتهم ، تعيش فيه ، كائنات شرق أوسطية ، شعوب ، وجماعات ، وأقليات شرق المتوسط ، وشمال أفريقيون ، كائنات ، لا هوية لها ، ولا معالم ... هوائم تخدم شركات النفط ، والملاحة ، و الاتجار بالعالم ... إنهم عبيد لا أسماء لهم .. مجرد أرقام في حواسيبهم ، لكن هل تحقق لهم ذلك ..؟ نقول ببساطة ، لا ، وألف ، لا .. ، فالمعركة ، ورغم عدم التكافؤ ، في أوجها .. رغم ، "أبو رغالات" الحاضر ، وكراديس المهزومين ، فالأمة لم تترك ساحة الحاضر ، بعد .. إنها تعبر عن نفسها ، بأشكال ، ووسائل لا تخطر على بال أحد ، وكلما توهموا أنهم دفنوها في مكان ،ما ، برزت لهم في مكان آخر ، لتفسد عليهم تقبل التهاني .. إنها كنبات "الترخوم" ، قد ، لا تعرف أين البذرة ، ولا تعرف أين يمكن أن يظهر النبت ، للعيان .. الجذور ممتدة في كل مكان ، في أراضي الأمة ، كلها ، من الصحاري إلى الوديان ، وحتى شعاب الجبال ، وبالتالي يمكن أن تفاجئهم النبتة العربية ، من أي مكان ، حتى عندما اعتقدوا ،أنهم قضوا على الأمة ، عندما اعتقدوا ، أنهم هزموا التيار القومي العربي ، نهائيا ،فاجأتهم الأمة بجماعات ملحدة ،حتى الشهادة ،تارة ،ثم ،بجماعات مؤمنة ،حتى الشهادة ،تارة أخرى ، لا أقصد من هذا ، أننا في أحسن الأحوال ، أو أننا ننشد أناشيد النصر .. على العكس من ذلك ، نحن في محنة .. بل نحن في محن ، متشعبة ، شديدة التعقيد .. فقط ، أريد التأكيد ، أن هذه الأمة لم ترفع الراية البيضاء ، وان المعركة مستمرة على مختلف الجبهات الداخلية ، والخارجية ، وأن الأمة العربية ، رغم ، كل ، هذا الضجيج ، ورغم كل ما يفعل ، ويقال ، ورغم قعقعة السلاح ، ودوي القنابل ، وهدير الطائرات ، وتزاحم الأساطيل ، وأجهزة المخابرات ، وسلطات المستبدين ، والطغاة ، وفتن قوى الظلام ، والتفتيت .. هي في عين الحاضر .. وإلا ، وإذا لم تكن حاضرة ، وبقوة ...، فلماذا كل هذا الصخب .. ، وبمواجهة من ...؟ أليس بمواجهتها ...؟ أليس هذا دليل ، حاسم ، وبيّن ، على وجودها القومي ، والقادر ، رغم أنها مكبلة بالقيود ، من محيطها ، وحتى خليجها ..!!
( 4 )
3 – أما عن المستقبل ، وهو المهم ، ذلك أننا ، ونحن نتعمق في التاريخ ، ونستقصي أوضاع الحاضر ، فإننا نفعل ذلك ، وعيوننا شاخصة على المستقبل .. فهو ساحة المواجهة ، وهو ساحة البناء في الوقت ذاته ، والقضية ، هنا ، تتعلق مباشرة بصراع الإرادات ... ويمكن تحديد جبهتين في هذا المجال ، في كل منهما تعددية في الوسائل ، والقوى ، والتحالفات ..
( 5 )
الجبهة الأولى ، وتتمثل في إرادة قوى متعددة ، مهيمنة ، على الواقع العربي سياسياً ، وعسكرياً ، سلطات متعددة ، وأجهزة أمنية متطورة ، جاهزة للبطش في أية لحظة ، عناصرها ، وقواها ، من أول المخبرين ، وحتى الرقم "واحد" في السلطة ، خرجوا من المجتمع ، كقوى مسلحة ، تحت شعارات عامة متنوعة ،ثم تقوقعوا حول أنفسهم ،أو حول فرد منهم ، أو خرجوا من المجتمع ، كتركيبة أسروية ، أو طائفية ، أو مذهبية ، أو قبلية ..من الأساس ، ثم تحولوا إلى وضع فئوي ، فوق المجتمع ، يوجهون جميع أسلحتهم ، وإمكانياتهم ، لمنع المجتمع ، من التململ ، أو الحراك من أي نوع ، لأن استقرار سلطاتهم ، يعتمد على دفع المجتمع إلى السكونية ، ..والاستنقاع ، وبالتالي ، فهي سلطات تمتلك قوى هائلة في مواجهة المجتمع ، لكنها لا تصمد أمام أية مواجهة خارجية ، لأن تركيبتها الأساسية ، صممت في مواجهة المجتمع ، ولم تصمم للدفاع عنه ..باختصار شديد ،إن تلك القوى السلطوية ، تحولت من قوى صاعدة من المجتمع ،للمجتمع ،إلى قوى خارجة على المجتمع ،وفي مواجهته ،وبالتالي ،فإنها ، باتت ، في الوقت ذاته ، عنصر من عناصر قوى الهيمنة الدولية ، وورقة بيدها متى شاءت ، وقوة فاعلة في مشاريعها ، للمنطقة ، وللعالم ..سواء ، بالإرادة ،أو بطبيعة المهام...، ولإغلاق دائرة الحصار حول المجتمع ، بشكل تام ، حشرت جميع قوى المجتمع ، الاقتصادية ، والسياسية ، أمام طريق مسدود ، فنشأت طبقات اقتصادية ، من حواشي السلطات ، تمسك بمقدرات المجتمع المادية ، وتمارس سائر أشكال الفساد ، والإفساد ، وأدى ، ذلك كله ، إلى قلب النظرية الشهيرة ، بأن الاقتصاد ، يفرز القوى السياسية الفوقية في الدولة ، رأساً على عقب ، ذلك ، أن الذي حصل ،ويحصل في الوطن العربي ، هو أن حواشي السلطات الحاكمة ، والأسر الحاكمة ، أفرزوا من ، اللاشيء ،اقتصاديا ، وبفعل التلاعب بالمال العام ، وبالنظام العام ، وبالقوانين ، والأنظمة ، أفرزوا طبقة اقتصادية "مافاوية" ، نجح عدد كبير ، من أفرادها ، من دخول نادي مليارديريات العالم ، وأصبح المجتمع ، ومؤسسات الدولة ، أسرى عصاباتهم ...، واستكمالاً لعناصر هذه الصورة المأساوية ، وبفعل هذا الإلتهام الفاضح ، للمجتمع ، ولإمكانياته ، كان من الطبيعي ، أن يفرز المجتمع ، في مواجهة ذلك ، قوى ، وأدوات تحمل ذات الحدة ، والرفض القاطع ، للآخر ، حيث لم يعد من الممكن قبول الوسطية ، والاعتدال .... ، فبرزت قوى ،في قاع المجتمع ، من ذات طبيعة نظم الاستبداد ،لكنها على تعارض معها ، فإذا كان طائفياً باتجاه ، فهي طائفية بالاتجاه المعاكس ، وإذا كان عنصرياً باتجاه ، فهي عنصرية بالاتجاه الآخر ، وإذا ...!! وهكذا في مختلف نواحي السياسة ، والاقتصاد ، والثقافة ، والعقائد .. ودفع المجتمع ، بأغلبيته المحاصرة بين الطرفين ، الثمن غالياً ، ومازال يدفع ... هذا أدى ، ويؤدي بالفعل ، وبرد الفعل ، إلى محاصرة قوى النهضة ، التي تم مهاجمتها ، وتعريتها ، من كوادرها ، ومن قبل الطرفين ، في الوقت ذاته ، وبقدر ما كان الضعف ، والوهن يدب في قوى النهضة ، بقدر ما كان طرفي معادلة الاستبداد ، المضادة للنهضة ، يطبقان على المجتمع ، من الأعلى ، ومن الأسفل ، والمحصلة كانت لصالح الاستبداد ، والفساد ، في السلطة ،ولصالح التطرف الأهوج المقابل ، وغاب عن الطرف المقابل للسلطة ، في قاع المجتمع ،أنه ، ورغم حجم الضحايا الهائل الذي دفعه ، أنه بإضعاف قوى النهضة ، كان يغذي الاستبداد ، والفساد ..في السلطة ،وغير السلطة ... وأن الطائفية ، هي الطائفية ، والعنصرية ، هي العنصرية ، والإقليمية ، هي الإقليمية ، وأنه ليس هناك طائفية ، أو عنصرية ، أو إقليمية ، إيجابية ، وأخرى سلبية ... فهي سلب بالكامل ، أياً كان اتجاهها ، وأياً كانت المبررات... ذلك ، أن ، أي من تلك النشاطات ، التي تحط من قدر المجتمع ، إلى الفتن المدمرة، هي الحد المقابل ، الضروري ، لتفعيل نشاط الحد الذي يهدف إلى تدمير بنية المجتمع للسيطرة عليه ،من قبل السلطة ، فالطائفية لا يمكن أن تنتج أثرها السلبي ، من طرف واحد ، هي بحاجة دائمة ، إلى حدين ... وبالتالي ، فإن تكوين الحد المقابل ، هو ،في حقيقة الأمر ، استجابة يسعى إليها الحد الأول دائما ،ويسعى لتوليدها كلما خبت ... وهكذا ..
على أية حال ، لابد من الاعتراف ، أن تلك الجبهة ، بمكوناتها ، وأطرافها الظلامية ، كلها ، من الأعلى ،ومن الأسفل ، هي التي تسيطر بشكل ، فعلي ، وواقعي ، على الواقع العربي ،هذه الأيام ، بين المحيط والخليج ، مع بعض الفوارق الشكلية ، بين جزء عربي ،وآخر ...
( 6 )
وحتى يكتمل الحديث ، عن تلك الجبهة ،التي تنطلق من خنادق متناقضة ،وتهدف إلى أهداف موحدة ،وهي تدمير بنية المجتمع ، لابد من الحديث ، عن عنصر هام ، وفعال ،لا يمكن إغفاله ، يتدخل في تفاصيل عمل تلك الجبهة ، وفي مستقبلها ، وهو عنصر ، قوى الهيمنة الخارجية ، التي تحاول ، أن تضع قوى هذه الجبهة ، بعناصرها المختلفة ، والمتناقضة ، في سياق أهدافها ، ومشاريعها المعلنة ، للوطن العربي ، وللمنطقة ، التي يطورون تسميتها ، من الشرق الأوسط ، إلى الشرق الأوسط الجديد ، إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ، وأخيراً إلى الشرق الأوسط الكبير ...، وهذا ما أشرنا إليه ، في الفقرة الثالثة ، من هذا الحديث ...
ما يعنينا ، الآن ، التأكيد ، أن تلك الجبهة ، بمكوناتها ، وعناصرها الداخلية ، والخارجية ، تهيمن واقعياً على الوطن العربي ، بغض النظر ، عن الهام ، والأهم من عناصرها ، ففي حين يلقي البعض المسؤولية ، بالكامل على الخارج ، يتوجه البعض الآخر إلى الداخل ليقول ، أن المشكلة ، هي ، في الداخل العربي ، وبالتدقيق في هذه المسألة ، قد نصل إلى السؤال المحير : عن البيضة ، والدجاجة أيهما أولاً ...فالوضع المتأزم ، في الداخل ، يستدعي التدخل الخارجي ، والتدخل الخارجي ، يستدعي قوى الظلام ، والاستبداد في الواقع الداخلي ، ليستعديها على المجتمع ، وهكذا في دائرة مقفلة تماماً ... لا مجال للخروج منها إلا بتكاتف قوى النهضة ، لفهم المعادلة بشقيها الداخلي ، والخارجي معاً ...ومواجهتها ،كجبهة واحدة ، وبالتالي نتلمس طريق الخروج ، من تلك الدائرة المفرغة ، السوداء ........
( 7 )
2 – الجبهة الثانية ،المواجهة للجبهة الأولى ، وتتمثل في قوى ، ومشاريع النهضة ، التي بدأت بذورها، بالإنبات ، مع القرن التاسع عشر ، وولدت مفاهيمها ، مع بداية القرن العشرين ،وترسخت في منتصفه ، ثم بدأت بالأنكسار ، والانحسار ، مع نهاياته ... وهذه الجبهة ، كانت المعادل المناقض ، تماماً ، للجبهة الأولى ، في كل شيء ، وفي شتى المجالات ، فقد ولدت جبهة النهضة ،والتنوير ، في ظروف بالغة الصعوبة ، خلافة عثمانية تتراجع ، واستعمار أوروبي يتقدم ، واقع مرير ، تتنازعه قوى ، أنهكتها السلطنة العثمانية ، ويتكالب عليها الاستعمار ، وكما يحدث الآن ، فرض على فصائل النهضة ، أن تختار بين ثنائية، أحلاهما ، مر ، فإما ، مع استنقاع السلطنة العثمانية ، وتخريبها ، وإما ، التغريب مع الاستعمار الغربي ، ووحشيته ، ومشاريعه المشبوهة ، وكان على مشاريع النهضة ، أن ترفض هذا الخيار ،برفض الخيارين معا ،لإنهما في حقيقة الأمر طرف واحد ، ثم ، كان ، عليها ، في مرحلة لاحقة ، أن تختار بين المعسكر الاشتراكي ، بما له ، وما عليه ، وبين المعسكر الرأسمالي الإمبريالي ، بما له ،وما عليه ...، ومرة أخرى ، كان على فصائل النهضة ، أن ترفض ... ، وأن تختار برنامجها ... ولم يكن هذا ، في الحالتين سهلاً ، ثم ، لم يكن ممكناً بفعل العواصف ، والحروب التي عصفت بالوطن العربي ، وبالعالم بأسره .. وبفعل التركيبة الغضة لمشاريع النهضة ...ومع ذلك فقد خاضت فصائل النهضة ،والتنوير معارك شرسة ،للدفاع عن الأمة ،ومكوناتها ،ومن ثم التقدم بها ، على طريق النهضة ،والتنوير....فانتصرت حينا ،وانهزمت أحيانا ،لكنها في الحالات كلها ،لم ترفع الراية البيضاء ،والمعركة مستمرة ،بدليل عمليات المراجعة ،والتصويب ،والأصرار..........
( يتبع ... "2".... البيان ...)
• حبيب عيسى


