( تتمة ..."3"... بطاقة تعارف )
( 17 )
فأين ،إذن، خط البداية للانطلاق مجددا باتجاه النهوض ،والتنوير في الوطن العربي ..؟ وما هي ملامحه ...؟!
- أولاً : لابد أن نبدأ بتحديد المعاني الحقيقية، والدقيقة للمفاهيم ، من نحن ...؟،ما هي مكوناتنا الحضارية ..؟، ما هي هويتنا ...؟ هل الانتماءات،العرقية،والدينية، والمذهبية، والإقليمية،والطبقية، تناقض الوجود القومي، للأمة العربية ، أم أن تلك الانتماءات بتفاعلاتها الإيجابية مع بعضها، البعض،تأثرا،وتأثيرا،هي المكون الأساسي، والأصيل لهذه الأمة ، إن تحديد هذه المفاهيم ، في منتهى الأهمية ابتداءاً، وهذا يقتضي، من حيث الضرورة، البحث العلمي في مدلولات هذه المفاهيم ، وأثرها، وحقيقتها بعيداً عن زواريب السياسة الراهنة ، وتداعياتها، التي تمحورت حول ردود أفعال طائشة ، على أفعال طائشة ، وبالتالي فهي تعبير مشوه، عن واقع مشوه ، ومضروب، يؤدي الانخراط في وحوله، إلى فقدان الرؤيا الحقيقية، والموضوعية للواقع كما هو ، وبالتالي، إلى فقدان الرؤيا الاستراتيجية إلى المستقبل .
( 18 )
- ثانياً : إن الضرورة الموضوعية لتحديد المعاني الحقيقية، للمفاهيم، لا تعني بأي حال من الأحوال، الانخراط في مساجلات فكرية مجردة حول الجوهري من القضايا الفكرية بعيداً عن الواقع الموضوعي الذي يستدعي تدخلاً إيجابياً كثيفاً، للتكاتف بهدف وقف الانهيار، في نقطة، ما ، ومن ثم التفكير في التأسيس للانطلاق، باتجاه مرحلة صاعدة إلى المستقبل ، وهذا يقتضي العودة الكثيفة، للانخراط في العمل العام اليومي ...وفي المجالات كافة، هنا لابد من إزالة ما يبدو، أنه تناقض، بين أولاً، وثانياً ، ذلك أن ما قصدناه في الفقرة الأولى ، ليس التحليق مع الأفكار المجردة بعيداً عن الواقع، وإنما تعريف الواقع الراهن، تعريفاً دقيقاً، كمحطة انطلاق إلى مستقبل منشود ، وتحديد المعاني، والمباني، لمفاهيم تشوهت معانيها، ومبانيها بفعل تردي الواقع من جهة ، وتباين العلاقة الجدلية بين تلك المفاهيم،تصادما،أو توافقا، من جهة أخرى ، بحيث لا يمكن أن تبحث علمياً، بمعزل عن بعضها، البعض، كما يجري في الواقع المتردي الراهن .. ، وما نقصده، في هذه الفقرة، هو ضرورة الانخراط الايجابي ، في الواقع، للنهوض به ، دون الغوص في وحوله إلى حد فقدان الرؤيا .
باختصار شديد ،نهدف من هذا الحديث، إلى تحقيق المعادلتين التاليتين، بشكل متواز، ومتزامن :
1 - تحديد الأهداف ، وفق مفاهيم واضحة، انطلاقاً من واقع محدد ، في زمن محدد .......
2 - تحديد خط البداية، وفق ممارسة واضحة للعمل العام ،انطلاقاً من واقع محدد ، في زمن محدد ، باتجاه مستقبل، تصوغه الجماعة البشرية العربية ، بالفكر، والجهد ، والعمل الدؤوب، ليكون مختلفا عن الواقع المتردي الراهن ..... ايجابياً .
( 19 )
إن تحقيق هذين الشرطين ، يؤدي إلى توفر عنصرين ضروريين ، وأساسيين، للانطلاق باتجاه عصر النهضة في مجتمعنا العربي ، وفي المجتمعات البشرية عموما .
- العنصر الأول : هو تحصين الحراك الاجتماعي ، والسياسي ، والثقافي ، من العبثية، والعشوائية ، فيؤدي هذا الحراك إلى بنيان متناسق ، ومتين ، ذلك أنه بدون تحديد الطريق من الواقع كما هو،إلى الأهداف....... نكون أمام مكونات، للبناء، مبعثرة، لا يحكمها ناظم ، أو نظام ، وبالتالي، لا أثر لها في الواقع ، بغض النظر، عن صلابة بعضها ، أو هشاشة بعضها الآخر .
- العنصر الثاني : هو إيجاد، ناظم دقيق، يحدد اتجاه التغيير ، فلا يكفي أن نكون دعاة تغيير ، بل يجب، تحديد اتجاه هذا التغيير، بمعنى أن يتسق مع التطور، من الأدنى، إلى الأرقى، عبر الزمان .. وهذا، في غاية الأهمية، ليس من الناحية النظرية ، وحسب ، وإنما قبل ذلك ، وبعده ، لتحديد اتجاه التغيير ، فالإنسانية ،على سبيل المثال ،انتقلت، من الفردية ، إلى الأسرة ، إلى العشيرة ، إلى القبيلة، إلى الشعوب ، إلى الأمم ، ثم إلى الإنسانية ، بهذا المعنى، فإن الاتجاه، في العالم المتقدم، "في أوروبا"، مثلاً، من الدوقيات، والإقطاعيات، إلى الدول القومية ، ومن ثم، الآن، إلى الدولة القارية، هو تغيير إيجابي بالاتجاه الإنساني الصحيح ... هذا، دون إغفال، للعوامل العنصرية والاستغلالية، التي اعتمدتها الدول الأوروبية،الرأسمالية، في تعاملها مع شعوب العالم ،احتلالا، واستعماراً، ووصاية ،ونهبا، واستنزافاً لثرواتها، وهيمنة على مقدراتها ... لكن ذلك التقدم الذي تحقق عندهم أدى إلى هذا التطور ...! ،وإلى ظهور حركات ،واتجاهات إنسانية ايجابية تتصدى للتوحش العدواني في عقر داره...............
بينما، واعتماداً على ذات المقياس ، فإن إثارة النعرات المذهبية، والأثنية ، والإقليمية، للعودة بالمواطن العربي، إلى ما قبل المواطنة، لتفتيت الوجود القومي، للأمة العربية، إلى الدول ،الفعلية، القائمة على الأرض العربية ، ومن ثم، تفتيت هذه الدول، إلى الأدنى، فإن هذا تغيير،لكن، باتجاه النكوص، والرجعة ، أو ما يسمى، سياسياً، بالرجعية، مهما كانت الأفكار، والإيديولوجيات، التي يحملها الناكصون ،عن التقدم ، وخط السير، هذا، معاكس لاتجاه التطور البشري ، فهو ليس اعتداء على الأمة العربية، وحسب ، وإنما اعتداء على الإنسانية جمعاء، لأنه يحرمها من مساهمة الأمة العربية في التطور الإنساني، باتجاه الانعتاق الإنساني الشامل من العبودية، ويحول الأمة العربية إلى عالة على الإنسانية، من جهة، وإلى ساحة للنهب، والقرصنة الدولية، من جهة أخرى .
( 20 )
ثالثاً : المطلوب ، هنا، هو معالجة فرع ، من فروع مشكلات الواقع العربي ، التي تحدثنا عنها، في البند الثاني السابق ، ويتعلق بمفاهيم التيار القومي العربي، الذي انتمي إليه ، حيث ترسخ هذا الانتماء، مع مرور الزمن ، وهذا لا يدخل، على الإطلاق، في باب التعصب، والتحجر....، بل يندرج تحت بند المراجعة، والتقييم ، ومن ثم ضبط الأدوات،وتحديد المسار، للانطلاق، باتجاه ذات الأهداف من جديد ، وأنا أعترف، أنني وجدت نفسي منتمياً إلى هذا التيار في سن اليفاعة ، ثم راجعت هذا الانتماء بعد توسع مداركي، إلى حد ،ما، في مرحلة الشباب ، فعاد، هذا الانتماء، أكثر رسوخاً ، ثم، وعلى أبواب مرحلة الرجولة راجعت هذا الانتماء، بعد أن تضاعفت المعارف فوجدت نفسي أكثر أصرارا على هذا الانتماء استناداً إلى كل ما جرى ، ويجري ، والآن، وعلى أبواب مرحلة الشيخوخة ،أتاحت لي أنظمة الاستبداد، في الوطن العربي، فرصة نادرة، للمراجعة، والتأمل، والتدقيق في الانتماء، والهوية، والاختيار، بأن حشرتني في زنزانة منفردة لما يقارب الخمس سنوات ، أعادت الذاكرة خلالها كل ما مر عليها ، ونفضت الغبار عن أحداث، ومعارف، ومعالم كادت أن تضيع في غمرة الحياة اليومية ، ثم وجدت نفسي بالمحصلة وعلى عتبات الزنزانة مغادراً أشد تمسكاً بهذا الانتماء ، وانه بالتحديد المفتاح الذي سأفتح به باب الشيخوخة ، وبالتالي هو الذي سأغادر به هذه الحياة الدنيا ، وهو ما سيتبقى مني في شريط الـD.N.A الذي سيعيد إلى تراب هذا الوطن بعض التكوينات التي برزت منه ، ودبت عليه ، وهاهي تعود إليه تتسلل عبر الجذور لتدخل في نسيج نبت جديد .. وهكذا هي دورة الحياة الفردية لكل منا ..!
أقول ذلك ، لا تبريراً، لموقف ، ولا هروباً من واقع، ولا تعصباً لمبدأ ، ولا تجميلاً لواقع شائك ، ومرير، وشائن، ولكنني أقوله مدخلاً إلى المبادرة الجماعية لحل إشكالية التيار القومي العربي حاضراً ، ومستقبلاً ..ومن ثم دعوني أقول بوضوح شديد : إن ما اعتبره البعض هزيمة للتيار القومي العربي، ومبررا للارتداد عنه....كان بالنسبة إلي دليلا قاطعا على المستقبل المظلم الذي ينتظر أجيالنا المقبلة ،إذا لم يستأنف التيار القومي العربي مسيرة النهوض،والتنوير،والتحرير،والعدالة،بعد أن أفصح الذين حاربوا التيار القومي العربي عن الفتن التي يشعلونها بين المحيط والخليج ........ لقد رأينا بأم أعيننا انهيار الحلم بالحرية،والديموقراطية،والتنمية،وحق تقرير المصير...بالتزامن مع انهيار المشروع القومي العربي ،النهضوي ،التنويري.....
( 21 )
لنعترف ابتداء ، أن التيار القومي العربي ، ليس منحسراً، وحسب ، وإنما محاصر باتهامات شتى بعضها صحيح ، وأغلبها باطل ، تستند ، في أغلبها ، إلى الأساليب التي مارسها بعض المحسوبين على التيار القومي العربي ... بهدف جرجرة القوميين العرب من الحوار الصحي ، الإيجابي ، حول النقاط الجوهرية المتعلقة بجوهر المبادئ الأساسية ،للمنطلقات ، والغايات ....، إلى وحول ممارسات الاستبداد، والمساومات ، التي ترتبت على وصول ،بعض القوميين العرب، إلى سدة الحكم في بعض الدول الإقليمية ، وللأسف الشديد ، فإن تلك المحاولات نجحت في بعض الأحيان، والمواقع، فاندفع بعض القوميين العرب تحت وطأة الحماس،والمواجهة،والتحدي ، يتبنون الدفاع عن النظم الشمولية، والاستبدادية ، وحتى الدفاع عن بعض المساومات التي فرضتها طبيعة الدول الإقليمية ، وباتت تحسب على القوميين ... وأغفلوا تأصيل المباديء الأساسية التي تكفل لهم مراجعة التجربة ،والكشف على الأخطاء،والخطايا،وبالتالي استئناف التقدم باتجاه الأهداف الاستراتيجية.......
( 22 )
الآن، لا بد من تصويب المسار، دون مواربة ، وأن يفصل القوميون العرب ،بين المبادئ ، والأهداف من جهة ، وبين الأساليب الإقليمية للدول ،الواقعية، حتى، ولو حكمها قوميون عرب، من جهة أخرى، والتأكيد ،دون مواربة، أن تلك الأساليب الاستبدادية لا علاقة لها بإستراتجية العمل القومي العربي ، ولا حتى بأساليبه ، بل لابد من التأكيد ، أن التيار القومي العربي ، كان الخاسر الأول، والأساسي ، من تلك الممارسات الشائنة ، ما علاقة التيار القومي العربي بالاستبداد ...؟ وهل أقام القوميون العرب دولة الوحدة العربية، وحكموها بالنظام الشمولي ، الاستبدادي ..؟ أو أن هذا النظام الشمولي كان خيارهم القومي ..؟ حتى يتعرضون لكل هذا الذي يتعرضون له ...؟ وهل يجوز أن يحاسب القوميين العرب ، عن أساليب ، وممارسات ، بعض الذين كانوا يحسبون على التيار القومي العربي في فترة نضالهم السلبي ضد الدول الإقليمية ، وعندما سيطروا على السلطة ، في تلك الدول الإقليمية ، أقاموا نظماً استبدادية للسيطرة على مؤسسات تلك الدول ، وممارسة الإقصاء، والاستئصال، والتعذيب، والطغيان ..؟ وما علاقة هؤلاء الذين تحولوا إلى حكام إقليميين بالتيار القومي العربي منذ لحظة سيطرتهم على تلك السلطات الإقليمية ..؟ ماذا تختلف مواقفهم من القضايا القومية المصيرية عن مواقف حكام العرب الآخرين ملوكاً وسلاطين، وإلى آخرهم ..؟ بل ماذا يختلف الاضطهاد الذي مورس على القوميين العرب في الدول الإقليمية المحسوبة على القوميين العرب ، عن الاضطهاد ، الذي تعرض له ، ويتعرض له القوميون العرب ، في الدول الإقليمية الأخرى ..؟ إلا بكونه أمّر ، وأقسى ..؟ ثم لماذا تلصق تهمة النظم الشمولية، والاستبدادية، بالقوميين العرب فقط ..؟ ففي الوطن العربي / 23 / نظام حكم لدول ،فعلية، الذين يحسبون على التيار القومي العربي،منهم، حكموا لفترات متقطعة،ومحدودة،ستا،ً منها ، ثم تحول واحداً منهم ، إلى أن يصبح قومياً أفريقياً، وصبغ الجزء الذي يحكمه بالسواد ، وبقي نظامه استبدادياً ،حتى الآن، وهو لا علاقة له بالقومية العربية ، واندمج الثاني بنظام آخر إقليمي، ومازال استبدادياً،حتى الآن، وهو لا علاقة له بالقومية العربية ، وانقلب ثالث على المشروع القومي العربي للدولة ،بعد غياب جمال عبد الناصر ، ورسخ النظام الاستبدادي، حتى هذه اللحظة، وهو لا علاقة له بالقومية العربية ، بل أنه يتحالف مع دولة الصهاينة ، ودخلت الولايات المتحدة الأمريكية إلى الدولة الرابعة ، وهي الآن تدير فيها حرباً أهلية .. لتدمير الدولة من أساسها ...،وتقديم نموذجا شائها للديموقراطية،أما الدولة الخامسة،فما كادت تعلن عن نفسها ،بعد أن قدم الشعب مليون،ونصف المليون شهيد للتحرر من الاستعمار الفرنسي،والالتحاق بركب الأمة العربية ،حتى انقلب عليها دعاة (الأمة الجزائرية)،ليستبدوا بها،ويقهروا شعبها...وينهبوا ثرواتها،ويدبرون فيها المجازر،والمجازر المضادة...،وهي دولة لا علاقة لها بالقومية العربية...... ونعف ، عن الكلام ،عن النظام السادس .....!
فهل يستقيم ، بعد هذا كله،أن يتهم القوميون العرب ،بأنهم ،وحدهم ،دون سواهم ،أصحاب النظم الاستبدادية ،والشمولية ،في الوطن العربي ،وهل النظم الحاكمة في الدول الستة عشر الأخرى نماذج ديموقراطية....؟ ،بل ، أكثر من ذلك ،هل الأفكار،والايديولوجيات الأخرى،من الأممية....إلى الدينية...،إلى الرأسمالية ...،إلى......تحمل توجهات ديموقراطية.....؟ ، لسنا هنا، الآن ،في مجال السجال مع أحد....لكن نريد القول ، بوضوح تام ، أن الاستبداد في الوطن العربي ظاهرة مرضية ، عناصرها منتشرة بين المستبدين،وبين المستبد بهم ، في الوقت ذاته....،ولهذا فإن دول التجزئة في الوطن العربي محكومة بالاستبداد ، أيا كان نظام الحكم فيها ،ملكيا ،أم جمهوريا...قوميا أم أقليميا...أمميا أم دينيا....أشتراكيا أم رأسماليا..وبالتالي ، فإن اتهام كل طرف للآخرين ، لم يعد مجديا....المطلوب علاج شامل ، من وباء الاستبداد ، ولايستثني من ذلك أحد...!
( 23 )
على ارض الواقع ، الآن ، تتواجد على الأرض العربية / 23 / دولة ، عضو في الجامعة العربية ، واحدة منها تحت الاحتلال الأجنبي المباشر ، وسبع منها تم اقتطاع أجزاء من أقاليمها بشكل أو بآخر لصالح دول الجوار ،ودولة واحدة تتعرض لغزو أستيطاني ، هل توجد بين هذه الدول ، كلها، دولة ديمقراطية واحدة ...؟ ، باستثناء محاولة في موريتانيا قام بها العسكر،وأجهضها العسكر بعد شهور قليلة... ، ومشروع قيد الإجهاض في لبنان ..على يد أمراء الطوائف ،ومحاولة مؤودة لسوار الذهب في السودان......؟
إذن ، فإن الاستبداد ليس صنعة قومية ، ولا نهجاً قومياً ، ولا وسيلة قومية ، وإنما هو طابع الدول الفعلية غير الشرعية الفاقدة للمشروعية التي تحتل أرض الوطن العربي ، وشعب الأمة العربية .. يكفي أن نستشهد بالنظام الذي أقامه جمال عبد الناصر في مصر ،على سبيل المثال ،وحسب ، فجمال عبد الناصر ، هو الرجل الذي نكن له نحن القوميون العرب ،الكثير من الاحترام ، والتقدير ، ورغم هذا، فإننا نعلن على الملأ ، الآن ، وبعد مرور فترة زمنية كافية للتقييم ، والتقدير ، والتقرير ، أننا كنا ، وما زلنا مع المشروع القومي العربي لجمال عبد الناصر ، لكن مشروع النظام الشمولي الذي اضطر لإقامته ، لخوض معارك لازمته منذ لحظة استيلاءه على السلطة في مصر ، إلى لحظة مقتله ، لم يكن الاختيار المناسب ، للمشروع القومي العربي ، الذي نحمله ، وكان يحمله ، ونحن الآن نستطيع أن نجادل لساعات عن الظروف الموضوعية ، وعن المعارك المستمرة ، وعن طبيعة الأعداء ، والأصدقاء ، لنبرر اختيار مثل ذلك النظام ، كنظام ضرورة فرضته الأحداث ، لكننا ، لن نفعل ، لأننا قررنا الابتعاد عن التبرير ، لذلك ، فإننا ، ومن باب القسوة على النفس ،نقول : أن ذلك النظام ، خذل جمال عبد الناصر حياً ، وانقلب عليه ميتاً ، خذل جمال عبد الناصر ، في استكمال معركة المواجهة مع إسرائيل عام 1956 ، وخذله في حماية الجمهورية العربية المتحدة ، المشروع الحلم للقوميين العرب ، وخذله في بناء تجربة اشتراكية إنسانية حقيقية، رغم الإنجازات الهائلة التي حققها ، ثم خذله في عام 1967 ، ثم حاصره بالتكافل مع النظم الإقليمية الأخرى فاضطره لقبول مبادرة روجرز ، ثم قتله ، ثم انقلب عليه ذلك النظام ، بقضه ، وقضيضه بقيادة نائبه ،والكثير من رفاقه ، بعد عام 1970 ، انقلب النظام الديكتاتوري على المشروع القومي العربي لجمال عبد الناصر ، وفي هذه النقطة ، يجب أن نحدد ، أن النظام الإقليمي في مصر بعد عام 1970 لم ينقلب على عناصر الاستبداد ، والديكتاتورية ، في النظام ، بل على العكس من ذلك تماماً ، فمع كل خطوة كان يتقدم فيها النظام على طريق الانقلاب على مشروع جمال عبد الناصر القومي العربي ، كان الاستبداد ينفلت من عقاله ، أكثر ، ويتوسع من استبداد خفي ، إلى استبداد علني ، فج ، ووقح ، بأساليب مختلفة ، من قال أن الاستبداد هو غرف تعذيب ، وسجون ، وحسب ، إنه ، بالإضافة إلى ذلك ، تخريب ، وتدمير لبنية المجتمع ، منذ ذلك التاريخ ، وحتى هذه اللحظة ، فإن النظام الاستبدادي ، الذي انقلب على مشروع جمال عبد الناصر القومي ، يدمر مكونات المجتمع العربي في مصر ، يمزق النسيج الاجتماعي في مصر ، ويضع الشعب العربي في مصر بين مطرقة عصابات من المافيات ، والفساد ، وسندان عصابات من قوى الهيمنة الخارجية تتغلغل حتى النخاع في بنية المجتمع .لهذا نقول ، دون مواربة ،أن النظام الديكتاتوري ، لجمال عبد الناصر ،هو ذاته الذي قاد الانقلاب على جمال عبد الناصر...،وعلى مشروع ،ومباديء جمال عبد الناصر.....فهل آن الأوان كي نكف مرة واحدة ،وأخيرة ،عن الدفاع ،عن مثل ذلك النظام ، أو تبريره...لأي سبب كان..؟ لقد آن الأوان كي نقطع نهائيا مع منهجية الاستبداد ، أيا كان مصدرها ........دون تمييز..........!!!
( يتبع...."4".....بطاقة تعارف )
• حبيب عيسى


