( تتمة..... "2".... بطاقة تعارف ) :
( 10 )
لم يكن الواقع العربي، عبر تاريخه، فاقداً لإرادة أبنائه، مرتهناً لإرادات خارجية، كما هو الآن ، على حد علمي ، فالطغاة، هنا،يوغلون في طغيانهم ، وبقدر ما يتفاقم هذا الغلو، بقدر ما "يتضفدعون" أمام الخارج ، ويستسلمون لما يراد منهم ،أو لهم، ويلهثون وراء الصفقات معه ، والشعب العربي الذي يقع عليه هذا الطغيان الداخلي والعدوان الخارجي، بات فاقداً للرؤيا ، فاقداً للإرادة ، فاقداً للمقدرة على الفعل ، وبالتالي فإنه ينتظر الفعل من القدر، تارة ، ومن الخارج، تارة أخرى .. هكذا علينا أن نعترف، بدون مواربة، بالواقع الذي نحن عليه ، فنحن الآن،كمواطنين، خارج دائرة الفعل ، فقط نتلقى الفعل علينا....... ، لماذا ؟ ومن المسؤول ..؟ وكيف حصل ذلك ..؟ هذه أسئلة تتشعب الإجابات عليها ، المهم أننا، الآن، في هذا الموقع ، والمهم والأهم من جميع الأسئلة ، هو السؤال كيف نخرج مما نحن فيه ..؟ كيف نحدد الأهداف، والطرق، والأساليب ؟ كيف نبدأ، بتغيير أنفسنا، لتغيير الواقع الموضوعي المحيط بنا ..؟ كيف نكف عن ترقب قرارات ،وأفعال، وممارسات، ومخططات، وصفقات، من قوى، مجهولة، معلومة ، وافدة تارة ، أو مستنبته تهجينا، من هذه الأرض، التي تشققت، وتشوهت، بفعل قرون من الاستبداد،والغزو، تارة أخرى ..! وننتقل لنكون "كمواطنين" مصدر القرار ، والمعنيين بتحديد الاتجاه ...! .
نعاني ، في الواقع العربي ،الآن، نتاج تراكم قرون من النفي، والنفي المضاد ، من التكفير والتكفير المضاد، فيبدو المشهد، وكأن كل عربي لاعناً للآخرين، ملعوناً منهم جميعاً ، مهدور الدم من الآخر، هادر لدم الآخرين ، قرون من العنصرية المذهبية، والطائفية، والمناطقية، والعرقية ، وإذا كان من الطبيعي أن الآخر "الخارج" المهيمن على هذا العالم، يريد مصالحه ، ويسعى لتحقيقها ، ويستخدم لذلك، كل ما تحت يديه، من القوى العسكرية، والمخابراتية، والاقتصادية، والتآمرية ،وأجهزة الاستبداد المحلية، لكن، من غير الطبيعي، أن نبقى، نحن كمواطنين، ساحة مفتوحة، لذلك الآخر، ينفذ مخططاته، نتيجة لغياب مخططاتنا ، وبالتالي، فإن أساس المشكلة، لا يكمن في الخارج ، وليس في قوى الهيمنة ، وإنما أساس المشكلة، هنا ، بالضبط ،هنا ، وأن مقاومة التبعية ،للخارج، تبدأ من بناء المجتمع، القوي، القادر على حماية مقوماته ، والمنيع، أمام الاختراقات، من أي نوع ، المشكلة، ليست من هو الصديق ، ومن هو العدو، في العالم ، بل المشكلة، في بناء مؤسسات، وطنية، قومية، اعتبارية، تمثل مصالح الأمة، وطموحاتها، وبرامجها،في الكل والأجزاء معا، لتفرز من الصديق ، ومن العدو في العالم ، أما في غياب هذه المؤسسات الاعتبارية، فإن علاقة العالم "الخارج،عدوا كان، أم صديقا" مع القوى المسيطرة في الداخل، عبارة عن صفقات لا تأخذ بعين الاعتبار مصلحة الأمة ، صفقات بين قوى الاستبداد، وقوى الهيمنة الخارجية ، لا أكثر من ذلك ولا أقل ، والمستبدون بهذه الأمة، يحاولون فرض مفاهيم مغلوطة ، فمن يعقد معهم الصفقات، هو الصديق ، ومن يريد أن ينهي عقد أبرمه معهم فهو العدو .. وإذا كان هذا ينسحب على العلاقة فيما بينهم فإنه لا يتعداهم إلى الأمة التي لا علاقة لها بهذا كله ، إلا بكونه يرتب العدوان عليها ، وعلى حقوقها ، ومصيرها .والمواطنون العرب مجرد سلعة في سوق ... وبالتالي على الشعب العربي ،أن يضع حدا لتلك المهزلة المفروضة عليه لتظهير قوى الخارج من عدوة إلى صديقة ،أو العكس،حسب علاقة نظم الاستبداد فيها ،فهي صديقة،إذا أرادوا،وهي عدوة،إذا أرادوا...!
( 11 )
أساس المشكلة، هنا ، والعلاقة، مع الخارج، مجرد انعكاس لتلك المشكلة ، المشكلة، في عقولنا، في ضمائرنا ، في فهمنا لأنفسنا، في برامجنا ، في ارتباطنا بهوية ، ووطن، ومصالح وطنية ، حتى لا نكون، مجرد أرقام، ودمى، في برامج الآخرين .. "الخارج وتوابعه المحلية"....المشكلة، في فهمنا، لانتمائنا، لعقائدنا ، لأيديوليجياتنا ، لأدياننا ، لقوميتنا ، لأمتنا ، لأقاليمنا ، لمكوناتنا الحضارية، والإنسانية ، المشكلة في عجزنا عن انتزاع حرياتنا ، في انعدام مقدرتنا على أن تكون الأمة مصدر القرار الذي يخدم مصالحها، لا مصالح الآخرين ،في الكل والأجزاء، وأن لا تكون القرارات المصيرية، من وراء ظهر الأمة ، وبالتآمر عليها ، المشكلة، في كيف نتحرر،كمواطنين، من الخوف ، كيف تتخلص من الاسبتداد ، كيف نفعّل التنوع، والحوار، داخل المجتمع ، ونعطل مفاعيل التخريب، من الداخل، أو من الخارج ، المشكلة، في فهمنا للإنسانية ، فمن غير الصحيح، أن نعتبر العالم، كله، عدو لنا، متآمر علينا ، فنحن جزء من حركة إنسانية واسعة، معادية للقرصنة ، والهيمنة، والعنصرية التي التهمت عصر الأنوار في الغرب ، حتى بتنا نجد أنفسنا أمام ديمقراطيات عرجاء ، تبيح الديمقراطية وحرية الرأي ،ولو بشروط في الداخل الغربي ، وتبرر أعتى أشكال الوحشية ، والعنصرية، والاستبداد اتجاه بقية العالم ، المشكلة إذن في الرؤية الشاملة للإنسانية ، وللكون ، وللرسالة الحضارية للأمة العربية ، وفي الفهم الدقيق لهويتنا ، وأنه ما لم نحترم كياننا ، ما لم تتحدد معالم مشروعنا ، ما لم نحدد، بالضبط، ماذا نريد لأنفسنا، فإن الآخر، في العالم، لن يحترمنا ، ولن يهتم بأوضاعنا، وسنبقى بالنسبة إليه مجرد ساحة مفتوحة لمشاريعه، وليس لمشاريعنا ، وسيبقى الحوار الحقيقي، بهذا المعنى مفقوداً مع العالم، لأننا سنكون مجرد مجال مفتوح، لممارسة الهيمنة ،لهذا لابد من التغيير،لابد من نقلة.... إن هذه النقلة، في الواقع العربي، لنغدو "كمواطنين" طرفاً في الحوار مع العالم، ليست ضرورة ملحة للأمة العربية، وإنما ضرورة ملحة بالنسبة للإنسانية جمعاء، حتى لا تنزلق إلى مزيد من القرصنة، والتوحش .
( 12 )
إذا اتفقنا على ضرورة هذه النقلة ، الحضارية، النهضوية ، فإن الحوار حول الأساليب، والأدوات، يصبح أكثر من ضروري ، والاختلاف ،هنا، لا يفسد للود قضية ، دعونا نتفق، بداية، أن الطريق إلى الحرية ،عريض، وواسع، يتسع للجميع ، دعونا نسير في خطوط متوازية ، نجّد السير، ونتسابق فيمن يصل ،أولاً، إلى الحرية ، لأن من يصل أولا، سيكون قاطرة للآخرين، في الوطن، جميعا ،عوضاً عن التعارك والاقتتال الذي يسد الطريق إلى الحرية في وجه جميع الفرقاء، وهذا هو الفرق بين الحوار، والاختلاف المشروع من جهة ، وبين الفتنة من جهة أخرى . فبالفتنة لا نتقدم خطوة واحدة إلى الأمام ، بل قد نفرش الطريق بالجثث ليتقدم المستبدين،و الغزاة إلى تنفيذ مشاريعهم، وتحقيق مخططاتهم، ومصالحهم في وطننا .. بينما بالحوار الجدي ، بالتصادق ، بالشفافية ، بتنوع المشاريع ،وبتنافسها الإيجابي ، سيتنافس الأحرار على مسارب الطريق إلى الحرية ، وستتدفق جموع الأمة، لتسد الطريق أمام الغزاة،والمستبدين، من جهة ، ولتحرر الثروات ،والإمكانيات، لوضعها في مصلحة الأمة من جهة أخرى .
( 13 )
إن هذا يقودنا إلى قضيتين مركزيتين :
القضية الأولى : وهي أن نتخذ ،كمواطنين، قراراً، حاسماً، بوقف هذه المهزلة الدائرة الآن على أوسع نطاق ، وتلك السجالات الهزيلة، التي وصلت إلى حد المهزلة حول من مع نظم الاستبداد ؟ ومن مع المخططات الخارجية ؟ حول من يستقوي على شعبه بالطغيان، والتعسف، والتغييب القسري ، ومؤسسات الخوف، والتخويف ..؟ وبين من يستقوي بالخارج ، وقوى الخارج المهيمنة ..؟ .
إن هذا السجال ،سجال بين طرشان ، بين خرسان ، بين بكم .. هو ليس مجرد مضيعة للوقت ، وليس تعطيلاً لقدرات شعبنا، وأمتنا، وحسب ، وإنما هو اعتداء صارخ عليها ، يعطل إمكانياتها عن النهوض ، دعونا نقرر أن هذه الدائرة المفرغة، المتمثلة بالغزو الخارجي ،والاستبداد الداخلي، هي دائرة مغلقة ... فالاستبداد هو الطريق الوحيد المعبد للغزاة إلى أرضنا ، والغزاة، وقوى الهيمنة، هم صناع المستبدين على أرضنا ، وهم الذين يوقعون معهم الصفقات على حساب شعبنا وأمتنا ..إنهما وجهان لعملة واحدة ........
إذا أدركنا هذا ، وقد آن الأوان أن ندركه، فإننا نكون قد اقتربنا من الاهتداء إلى البوصلة الضرورية لتحديد المسار الحقيقي للنهوض .. والانعتاق من الغزاة، والمستبدين في الوقت ذاته..........
( 14 )
القضية الثانية : وهي شديدة الحساسية تتعلق بالسؤال المركزي : أين خط البداية ، و من أين نبدأ ..؟
قبل الولوج إلى أعماق هذا التساؤل الصعب ، أرى من الملح، والهام، أن نحدد بعض الأسس التي نعتمدها ، أو التي يجب أن نعتمدها في حوارنا المفتوح هذا ، والذي أحلم أن يمتد طويلاً ، وان تحتمله هذه المساحة...وأن تفتح صدرها لتنوع الآراء،وتنوع المحورين.....!
هل تسمحون لي بداية، أن أتحدث عن جيلي ..؟ فمن الحيوي، أن يتعرف الجيل الجديد ، والأجيال القادمة، على جيلنا ، علنّا نجد لديهم، بعض الأعذار، عما ورثنّاه لهم حتى يكونوا في منتهى الحيطة، والحذر، فلا يورثوا الأجيال التالية، ما ورثناه لهم ... وحتى يغفروا لنا بعض الأخطاء، والخطايا ، فنحن جيل، ولد في عين العاصفة، في منتصف القرن المنصرم ، قبله بسنوات ، أو بعده بسنوات قليلة ، فتحنا عيوننا على إرث من الاستبداد، ثقيل، على كافة الصعد، الاجتماعية ، والسياسية ، والإنسانية، وفتحنا عيوننا، على قوى غازية، تغير جلدها، وأساليبها،بمهارة أكثر بكثير، مما تفعله الأفاعي ، تمد خراطيمها عبر البحار، لتمتص دماء الشعوب، كي تحسّن الأوضاع في بلدانها ، وجميع الأسلحة لتحقيق ذلك مباحة ،فبعد الدين، سخروا العلم، الذي يجب أن يرفع شأن الإنسانية، لينتجوا من خلاله أسلحة فتاكة لم تكن تخطر على بال البشر .. إذا قاومتهم فأنت إرهابي ، وإذا ألقوا على مدنك، نابالم، وغازات سامة، وقنابل نووية، فهم يدافعون عن الديمقراطية ، وحقوق الإنسان .. كان علينا أن نواجه هذا الدمار كله، بأسلحة متواضعة ، لم نكن نملك إلا الأحلام، والتمسك بمن يقول لاستبداد الداخل وقراصنة الخارج : لا .. هذه / اللا / كانت ضرورية وغالية على قلوبنا ، لكنها لا تكفي أبداً ، إذ لم ننجح بتجسيد هذه / اللا / على أرض الواقع، فعلاً مقاوماً مدروساً، ليس بالسلاح فقط ، وإنما بالاقتصاد، وبتماسك اجتماعي ، وبعدالة، وديمقراطية، ومجتمع متحرر من القيود ، يعرف ماذا يخطط له الآخرون ، و يعرف الطريق الذي تسلكه القوى الحية في المجتمع لإفراز المضادات ، والصادات الحيوية..رغم التضحيات،والدماء الغزيرة المهدورة التي سالت بسخاء بين المحيط والخليج.....!
من السهل علينا التبرير ، ومن الأسهل أن نقول : أننا قمنا بواجبنا ، وتلك كانت حدود طاقاتنا .. لكن هذا لن يلقي عن كواهلنا المسؤولية ، ولن يفيد الأجيال القادمة في بناء ذواتها لتحمل المسؤولية .. المطلوب، الآن، تقييم شامل للتجربة .. لنكتشف عوامل الإخفاقات فنحذر منها ، ونكشف عوامل وأسس الانتصارات الجزئية، فنعززها ، لتغدو شاملة للوطن كله ، وفي مختلف الميادين .
( 15 )
نحن جيل تعلم كيف يرفض ، لكن العجز عن امتلاك مشروع ما بعد الرفض، دفع إلى التوسع، أكثر مما ينبغي، في موضوع الرفض ، في تعميم التطرف الرافض ، في إصدار الأحكام المطلقة ، في التعميم .. هذا التعميم أفقدنا التبصر، في جوهر الأشياء ، من السهل جداً، أن ترفض "جماعة بشرية" بمجملها، أن ترفض طوائف ، ترفض مذاهب ، ترفض أعراق ، ترفض المجتمع الدولي برمته ، ترفض فكرة بالمطلق ، وتتبنى أفكاراً بالمطلق .. لكن من الصعب، والعسير، أن تدقق في الأشياء، في الجماعات، في الأفكار، فترفض ما يستحق الرفض ، وتقبل ما يستحق القبول ، هذا السلوك الجمعي، في التعميم، يصيب المجتمع بالعمى المطلق ، ويضع أصحابه في منطقة من العتمة، بحيث لا يرون أنفسهم ، ولا يرون من حولهم ، فيقدّسون بالمطلق ، ويكفرّون بالمطلق ، وحتى لا نجلد أنفسنا أكثر ، لابد من القول، أن الظروف الموضوعية، في الواقع العربي، كانت تطيق ذلك ، كان الواقع مريرا،ً والانغماس في مشكلاته محفوف بالمخاطر ، هنا تتحول الأحلام إلى طوق نجاة، ويغدوا التطهر من الواقع ، والتحليق على أجنحة الأحلام إلى أبعد مدى عاصماً من الفتن، والمؤامرات، والمرارات ، هكذا انقسم جيلنا انقساماً حاداً بين ذاك السعي المطلق للتطهر، وبين هذا الانغماس الغريزي الوحشي في وحول الواقع ، فتم تعميم الغلو في الرفض إلى حد الإعدام ، والغلو في التقديس إلى حد التصنيم، مما وضع المجتمع، برمته، بين فكي كماشة ، من ينجو من فكها الأول، يقع في براثن فكها الثاني .
لقد ولدنا في واقع، أدركنا ، منذ لحظة الوعي الأولى ، انه واقع مصطنع ليس من صنعنا، ولا من صنع الآباء، والأجداد ، إنه واقع توارثه المستبدون عن الغزاة بالتناوب، عبر قرون يسلمه المستبدون إلى الغزاة، ثم إلى مستبد، وهكذا... ، إلى أن أنهكوا المجتمع، ودمروا نسيجه الوطني، والثقافي ، والأخلاقي، والقيمي، والديني ، والإنساني ، واقع مفروض علينا، بسلطاته، وسلاطينه ، وكل من يلوذ بهم من جهة ، ومفروض بالغزاة ، وصفقاتهم ، وكل من يلوذ بهم من جهة أخرى ، وبالتالي فهو بالنسبة لجيلنا واقع مرفوض بالمطلق ، التعامل معه حرام بالمطلق ،ولا حاجة لتشريح العقابيل، والندبات ،والرضوض، التي تركها في المجتمع، لأن الدخول في التفاصيل يدنس الحلم .... وهذا أدى إلى غياب الحوار بين أبناء جيلنا حول الواقع، وتداعياته ، فتركزت حواراتنا حول الحلم، وآفاقه المفتوحة ، حول المثل العليا، والمثال ، حول النموذج ، كيف سيكون، قومياً، أم اممياً، أم إنسانياً ، أم دينياً ..؟ كيف سيكون ، ديمقراطياً ، ليبرالياً ، ديكتاتورية طبقة ، ديكتاتورية زعيم عادل ، الحكم لله ..؟ كيف سيكون ، اشتراكياً ، رأسمالياً ، تعاونياً ، خليط من هذا كله ، للقانون الطبيعي، أم للقانون الديالكتيكي التاريخي ، المادي ، أو الإنساني ..؟ كيف سيكون ، متحرراً من القيود ،أم محافظاً ..أم بين، بين ..؟ ، فرسم كل منا الحلم كما يريد ، ونام قرير العين، فهو حتماً سيتحقق في العاجل، أو في الأجل من الزمن ، وفي غمرة تلك الحوارات الحادة التي لا ترحم ، وبقدر ما تتصاعد حدتها ، كان الواقع يتحول وفق تعقيداته ، ونواميسه، ومقدرة القوى الفاعلة، المناهضة للمشروع النهضوي التنويري، على التخطيط ، والتآمر، والتنفيذ ، وبقدر ما كان الهروب إلى الأحلام أسرع ، بقدر ما كنا نخلي الساحة لقوى الظلام في الداخل، والخارج، كي تفعل فعلتها ، وبقدر ما كان تحليقنا مع الأحلام يسمو ، ويبتعد عن الواقع ، بقدر ما كان الواقع الموضوعي للأمة يقع في أفخاخ شبكات من الخاطفين، والقراصنة، والعصابات، والطغاة ، حتى أصبحنا جميعاً، كمجتمع عربي، من المحيط إلى الخليج، وكأننا في طائرة مخطوفة ، المتفجرات بين أرجلنا ، وعلى رؤوسنا تصوب المسدسات، والخاطفون يفاوضون، ويساومون ، ونحن لا نعرف مع من ، ولا على ماذا يفاوضون ، ولا لماذا ، ولا نعرف الوجهة القادمة ، ولا نعرف لماذا الهبوط ، أو لماذا الإقلاع ، ولا نعرف لماذا يفرض الحصار ، ولا لماذا يفك الحصار .. ولا لماذا يستسلم الخاطفون ، أو لماذا يفجرون الطائرة بمن فيها ، ولا لماذا تهاجم القوى التي تحاصر ، أو لماذا تساوم الخاطفين ..؟!،وتفك الحصار......!
( 16 )
لقد كانت خلافاتنا حول الحلم، وطبيعته ، وحول المثل الأعلى، أشبه ما تكون بخلافات أباطرة أثينا حول جنس الملائكة بينما الغزاة يدقون أبواب مدينتهم ، باختصار شديد ، وحتى لا يبدو هذا الحديث ، وكأنه بكاء على الأطلال ، لابد من تصحيح المعادلة، وتحديد المسار إلى المستقبل .. كنا في الماضي، نغلق نقطة النهاية ، وفق مقولاتنا الأيدلوجية، والفكرية، بحيث تقودنا الحدة الأيدلوجية إلى صراعات حول نهايات مقفلة ، إما كذا، وإما الطوفان ، المطلوب، الآن، وبشكل حاسم عكس هذه الصورة بتحديد خط البداية، وإشباعه تشخيصاً وتحليلاً ، بحيث نرى الواقع بصيغته العامة،والحقيقية ، ونتعمق في أدق التفاصيل ، في صيغه الخاصة ، ثم تحديد خط المسار، وإطلاق شارة البداية ، وترك المستقبل مفتوحاً ليتحقق فيه، ما تطيقه الأمة، والجهود، والقوى النهضوية التي تجد السير باتجاهه ، بمعنى أدق، تحقيق ما يمكن من الأحلام ، وبمعنى أدق أكثر، الانطلاق جدياً إلى المستقبل ، وإتاحة كل الفرص للتفاعل الجدلي بين الواقع كما هو ، والمستقبل كما يريده أبناء الأمة ، بحيث تكون النتيجة هي حصيلة هذا التفاعل الجدلي ، وإذا كان من حق البشر أن يكون لهم أحلاماً مطلقة ، فإن عليهم أن يتركوا المستقبل مفتوحاً لتحقيق ما يمكن تحقيقه منها ، وفق العناصر، والتفاعل ، والجهد ، وأن يتركوا المستقبل مفتوحاً أيضاً لتعديلها ، إذا أثبتت التطورات ضرورة ذلك ، دعونا نقول، إذن، ليس هناك محطات نهائية يقررها البشر، بحيث أن مجرد الوصول إليها ، يعني أن لا تطور ، فالتطور البشري مستمر على الطريق إلى المستقبل عبر الزمن ، قد يتعثر، قد يتوقف إلى حين ، قد ...لكنه سينطلق أبداً ، والأيدلوجيات التي أقفلت المستقبل على صيغة نهائية، لا تطور بعدها، وصلت إلى الطريق المسدود، بمعنى أن المحطات، على طريق تطور البشر، هي محطات وصول ، ومن ثم انطلاق ، وهكذا إلى محطات لانهائية ، ولا ينقطع هذا التطور إلا لأسباب قاهرة ، قد تكون نتيجة لتوحش بعض البشر ، فيدمرون كوكب الأرض بأسلحة الدمار الشامل ، وقد تكون نتيجة لخلل، ما، في النواميس الكونية ، فيختل توازن الكرة الأرضية ، وقد تصطدم الأرض بنيزك، ما، يدمرها ، وقد يؤدي الاعتداء الوحشي على البيئة إلى اختلال التوازن في كوكبنا الأرضي ، وقد تفعل قوى "ميتافيزيقية" لا ندركها، فعلها .. المهم أن هذا إذا حصل سيكون خارج إرادة البشر الأسوياء ، البشر الأسوياء لا يكفون عن التطور حتى اللحظة الأخيرة من وجود الإنسان على سطح هذا الكوكب بفعل القانون النوعي للإنسان .. دعونا، إذن، نحدد خط البداية، للانطلاق مما نحن فيه إلى مستقبل مختلف، نكون فيه بشر أسوياء، ننتمي إلى مجتمع سوي، يتفاعل مع إنسانية كونية، تسعى إلى إنسانية تحاصر التوحش في بعض البشر إلى حد تعطيله ، لننعم بعالم يتحرر فيه الإنسان من الاستبداد، والجهل،والاستغلال ، ويطور معارفه لتحويل الكثير من المجاهيل إلى معارف تستخدمها الإنسانية لتعامل إنساني مع قوى الطبيعة ، والكون المعروف، والأكوان التي يمكن اكتشافها ، وليس إلى تحويل الكرة الأرضية إلى قنبلة موقوتة تفجر كوكب الأرض، وقد تصيب شظاياها الكواكب الأخرى،بعد أن تكون قد تعرضت للدمار..........! .
لم تنته بطاقة التعارف بعد ..........،فإلى اللقاء.....
(يتبع ..."3" ...بطاقة تعارف)
حبيب عيسى


