أيار مايو 1926

تعني "الديمقراطية" نظريا حكومة الشعب , حكومة الجميع لصالح كل فرد من خلال جهود الجميع . في الديمقراطية يجب أن يكون الشعب قادرا على أن يقول ما يريد , و أن يختاروا منفذي رغباتهم , و أن يراقبوا أداءهم و أن يستبدلوهم عندما يرون ذلك .

يفترض هذا بشكل طبيعي أن كل الأفراد الذين يشكلون الشعب قادرون على أن يشكلوا رأيا و أن يعبروا عنه فيما يتعلق بكل المواضيع التي تهمهم . إنه يعني أن كل شخص مستقل سياسيا و اقتصاديا و بالتالي لا يوجد أي كان , حي , سوف يكره على أن يخضع لإرادة الآخرين .

إذا كانت الطبقات و الأفراد الموجودين محرومين من وسائل الإنتاج و بالتالي فهم معتمدون على الآخرين الذين يحتكرون هذه الوسائل , فإن ما يسمى بالنظام الديمقراطي ليس إلا كذبة , نظام يفيد في خداع جماهير الشعب و يبقيهم مطيعين مع مظهر خارجي من السيادة , بينما في الحقيقة يتم إنقاذ حكم الطبقة ذات الامتيازات و المسيطرة و تكريسه . هكذا هي الديمقراطية و هكذا كانت على الدوام في بنية رأسمالية , مهما كان الشكل الذي أخذته , من الملكية الدستورية إلى ما يسمى بالحكم المباشر .

لا يمكن أن يوجد شيء كهذه الديمقراطية , حكومة الشعب , إلا في نظام اشتراكي , عندما تصبح وسائل الإنتاج و الحياة جماعية و عندما يؤسس حق كل فرد في التدخل في إدارة الشؤون العامة على و يضمن بواسطة الاستقلال الاقتصادي لكل شخص . في هذه الحالة سيبدو أن النظام الديمقراطي هو النظام الأفضل ليضمن العدالة و ليؤدي إلى انسجام الاستقلالية الفردية مع ضرورات الحياة في مجتمع . و قد بدا كذلك , بشكل واضح على نحو ما , لأولئك الذين حاربوا , في مرحلة الملكيات المطلقة , و عانوا و ماتوا من أجل الحرية .

لكن عند النظر إلى حقيقة أن حكومة كل الشعب , ناظرين إلى الأشياء كما هي في الواقع , قد اتضح أنها استحالة , نتيجة واقع أن الأفراد الذين يشكلون الشعب لديهم آراء و رغبات مختلفة و لم يحدث أبدا , أو إلى درجة كبيرة , أن أجمع الكل فيما يخص قضية أو مشكلة واحدة حتى . لذلك فإن "حكومة كل الشعب" , إذا كان علينا أن نملك واحدة , يمكنها أن تكون في أفضل الأحوال حكومة الأكثرية فقط . و سيوافقنا الديمقراطيين , سواء أكانوا اشتراكيين أم لا . إنهم يضيفون , أنه صحيح أنه يجب على المرء أن يحترم حقوق الأقليات , لكن بما أن الأكثرية هي التي تقرر ما هي هذه الحقوق , فبالنتيجة لدى الأقليات الحق فقط أن تفعل ما تريده الأكثرية و تسمح به . سيكون القيد الوحيد على إرادة الأكثرية هي المقاومة التي تعرفها الأقليات و يمكنها أن تبديها . هذا يعني أنه سيكون هناك دائما صراع اجتماعي , يتمتع فيه قسم من الأعضاء , و لو أنهم يشكلون الأكثرية , بحق فرض إرادتهم الخاصة على الآخرين , مسخرين جهود الجميع في سبيل أغراضهم الخاصة .

و هنا سأخرج عن الموضوع بعض الشيء لأظهر كيف , استنادا إلى المنطق الذي يدعمه الدليل الأحداث الماضية و الراهنة , أنه حتى غير صحيح حيثما توجد حكومة , أو سلطة بكلمة أخرى , فإن هذه السلطة توجد بأيدي الأكثرية و كيف أن كل "ديمقراطية" في الحقيقة لم تكن و لن تكون أي شيء إلا "أوليغاركية" – حكومة الأقلية , أي ديكتاتورية . لكن لغرض هذا المقال , فإنني أفضل أن آخذ جانب الديمقراطيين و أن أفترض أنه من الممكن فعلا أن توجد حكومة أغلبية حقيقية و صادقة .

تعني الحكومة الحق في وضع القوانين و فرضها على كل شخص بالقوة : من دون قوة الشرطة لا وجود لأي حكومة .

الآن , هل يمكن للمجتمع أن يعيش و يتطور بسلام نحو خير أكبر للجميع , هل يمكنه أن يتكيف تدريجيا مع الظروف دائمة التغير إذا كان للأكثرية الحق و الوسائل لفرض إرادتها بالقوة على الأقليات الناشزة ؟

إن الأكثرية , بالتعريف , متأخرة , محافظة , عدوة الجديد , بليدة في الفكر و الفعل و في نفس الوقت تلقائية , جامحة , سهلة التأثر بالإيحاء , و سهلة في تعصبها و مخاوفها اللا عقلانية . تصدر كل فكرة جديدة عن شخص أو قلة من الأشخاص , و تقبل , إذا كانت قابلة للحياة , من قبل أقلية كبيرة نسبيا ثم تفوز بالأغلبية , إن فعلت , فقط بعد أن تكون أن أطلت أو نسخت من قبل أفكار و حاجات جديدة و أصبحت باطلة بالفعل و بالأحرى عقبة , أكثر منها حافزا للتقدم .

لكن هل نريد , إذا , حكومة أقلية ؟

لا بالتأكيد . إذا كان من الظلم و الضار للأكثرية أن تقمع الأقليات و تعرقل التقدم , فإنه سيكون ظلما أكبر و أشد ضررا أن تقوم الأقلية بقمع كامل السكان أو فرض أفكارها الخاصة بالقوة هذه الأفكار التي حتى لو كانت جيدة سوف تستفز الكره و المعارضة بسبب نفس حقيقة كونها مفروضة .

و عندها يجب ألا ينسى المرء أن هناك كل الأنواع من الأقليات المختلفة . هناك أقليات من الأنانيين و الأوغاد كما هناك تلك من المتعصبين الذين يعتقدون أنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة و , بإيمان جيد بالكامل , يسعون إلى أن يفرضوا على الآخرين ما يعتبرونه الطريق الوحيد إلى الخلاص , حتى لو كانت مجرد سخافة . هناك أقليات من الرجعيين الذين يسعون إلى إعادة عقارب الساعة إلى الوراء و ينقسمون فيما يتعلق بطرق و حدود الرجعية . و هناك أقليات ثورية , المنقسمة أيضا فيما يتعلق بوسائل و أهداف الثورة و الاتجاه الذي يجب على التقدم الاجتماعي أن يتخذه .

أية أقلية يجب أن تسيطر ؟

إنها قضية القوة الوحشية و الخداع , و أن تؤول أفضلية النجاح إلى الأكثر إخلاصا و الأكثر تفانيا للصالح العام شيء مستبعد . ليستولي أحد ما على السلطة فإنه يحتاج إلى ميزات ليست هي بالضبط تلك التي يحتاجها لضمان أن العدالة و الخير العام ستنتصر في هذا العالم .

لكنني سأمضي هنا في إعطاء الآخرين ميزة الشك و أفترض أن الأقلية التي ستصل إلى السلطة التي , من بين كل أولئك الطامحين إلى السلطة , سأعتبرها الأفضل بسبب أفكارها و اقتراحاتها . أريد أن أفترض أن الاشتراكيين الذين وصلوا إلى السلطة و سأضيف , الأناركيين أيضا , إذا لم يمنعني دون ذلك تناقض في التعابير .

هل سيكون هذا أسوأ ما يمكن ؟

نعم , فللفوز بالسلطة , سواء بشكل شرعي أو غير شرعي , يحتاج المرء إلى أن ينحني جانبا جزء كبير من نظرياته الإيديولوجية و أن يتخلص من كل تردداته الأخلاقية . و عندها , عندما يكون في السلطة , تصبح المشكلة الكبرى كيف يبقى هناك . يحتاج المرء إلى أن يخلق اهتماما مشتركا في الحالة الجديدة من الشؤون العامة و أن يربط بأولئك الذين في الحكومة طبقة جديدة صاحبة امتيازات , و أن يقمع أي شكل للمعارضة بكل الوسائل الممكنة . ربما للصالح الوطني , لكن دوما مع نتائج مدمرة للحرية .

إن أية حكومة قائمة , مؤسسة على الإجماع السلبي للأكثرية القوية بعددها , سواء بالتقليد أو بالإحساس – المخلص أحيانا – من كونها من اليمين , يمكنها أن تترك بعض المجال للحرية , على الأقل طالما كانت الطبقات صاحبة الامتيازات لا تشعر أنها مهددة . أما حكومة جديدة , تعول في دعمها على أقلية محدودة غالبا , فهي ملزمة من خلال الضرورة أن تكون مستبدة .

يحتاج المرء فقط ليفكر في ما فعله الاشتراكيون و الشيوعيون عندما وصلوا إلى السلطة , إما خيانة مبادئهم و رفاقهم أو استبدال ألوانهم باسم الاشتراكية و الشيوعية .

لذلك فإننا لا نقف لا مع حكومة أكثرية أو أقلية , لا مع الديمقراطية أو الديكتاتورية .

إننا نقف مع إلغاء الحراس . إننا نقف مع حرية الجميع و مع الاتفاق الحر , الذي سيتوفر للجميع عندما لن يكون لدى أي كان الوسائل ليكره الآخرين , و يكون الجميع منخرطين في الإدارة الجيدة للمجتمع . إننا نقف مع الأناركية .        

 

نقلا عن www.prole.info