( 1 )

ها أنا ألقي مرساتي أخيراً، بعد سنوات عديدة من الإبحار في بحر مضطرب، تمزقت خلالها أشرعتي،ولم يعد الترقيع ينفع معها ،كما أن قاربي ذاته بات مخلعا يئن ،ويتوسل كي يستريح، في ركن بعيد عن تلك الأمواج الشرسة، التي قضى عمره كله، يصارعها ، هذا كله، يضاف إلى الأصل، وهو أن البحار ذاته، قد وهنت قواه ،وبات بالكاد قادر على أن يلملم جراحه،المشكلة محصورة،إذن، في العثور على شاطئ آمن بعيد عن التوحش ،وخاصة التوحش البشري...، هكذا حلمت بمساحة من الضوء بعد سنوات العتمة ،وبلقاء أناس مختلفين عن الأنماط التي عرفتها حتى الآن ،لكن ،ماذا أقول ..؟ كيف سأقدم نفسي ..؟

أعترف ابتداء، أن الأمر لن يكون بالسهولة التي تصورتها ،فأنا، لا أريد أن أستدر شفقة من ألتقيهم، بالحديث عن الأحداث المأساوية التي شهدتها،ولا أريدهم أن يصابوا بالاكتئاب، والأحباط ،لكن، ورغم قناعتي بأن القلم ليس خير وسيلة للتعبير، في مثل هذه الحالات الشديدة التعقيد ..فإنني سأحاول، ما استطعت إلى ذلك سبيلا، أن أنقل إليكم ذلك الحلم، الذي مر أمامي كشريط سينمائي، عندما غفوت من الأعياء ذات مساء....، وأعترف ثانياً، أنني استنفرت أدواتي كلها، علني أبدو أكثر عصرية،وليونة،فأخرج من جلدي،وأكف عن جلدكم بتلك المواضيع التي أرقتني ،وما زالت تؤرقني ، لكن مشاعري المحملة بما اختزنته من سنوات الصمت تأبى إلا أن تلقي كل ما في جعبتها دفعة واحدة ، وبالتالي من الصعوبة بمكان .. القيام بعملية الفرز ، والتصنيف، والترقيم، والتقديم، والتأخير ..، وأعترف ثالثاً، أن ذلك "الحلم" لامس رغبة مكبوته لدي ،على ما يبدو،حيث حاولت من خلال مشاهده، أن اطل بحلة جديدة ،في محاولة لتغيير ( اللوك ) ، علني أبدو خفيف الظل ، كي أزيل عن الأذهان صورة المشاغب ، العجوز ، العبوس ، القومي العربي ، الشوفيني ، الديماغوجي ، العاطفي ، الطوباوي ، المتشدد، والمتخشب ..، المهزوم ، المنكسر في أحلامه ، وفي وجوده ... ذلك أن القوميين العرب أمثالي قد استهلكوا كافة أشكال الشتائم، ومرادفاتها ، وأخواتها، للإمبريالية، والصهيونية،والرجعية، وإلى آخر نظم الاستبداد ...،ونسوا أنفسهم.....، لقد مضى ذلك الزمن الذي كنا نهّرب فيه شريطاً مسجلاً، لشاعر صعلوك، لمجرد انه يرميهم بـ ( أولاد  ".... " هل تسكت مغتصبة) حيث كنا، نسمعها مرة ، ونكرر، ونعيد، حتى ننتشي ، ثم نغط في نوم عميق ... ليس لأن تلك الشتائم لا تليق ، على العكس تماماً .. لكن، لأنها لم تعد تفي بالغرض منها .. ذلك أن الأفعال والممارسات التي يمارسها أولئك..... تجاوزت في أبعادها كل ما أبدعه أجدادنا من مصطلحات الهجاء، رغم غنى ذلك القاموس .. وبالتالي فإنني أحيل هذا الأمر، إلى الجيل العربي الجديد،عله يدخل تلك الأفعال في بطون الكمبيوترات، ويتوسل إليها، أن تعينه في إنتاج مصطلحات جديدة تليق بتلك الأفعال، والممارسات ..

( 2 )

          هكذا ترون أن الطبع غلب التطبع ، أقسم لكم، أنني لم أكن راغباً، في قول كلمة واحدة، مما قلته الآن ، كنت قد استنفرت جملتي العصبية كي أكظم غيظي ،                 وأبقى في سياق "الحلم" الممتع،و ( اللوك ) الجديد  ، لكننا على ما يبدو دخلنا أرذل العمر، ولم تعد الجملة العصبية تستجيب .. على أية حال، ألتمس لديكم العذر .. وأعدكم، أن لا أعود لمثلها ثانية ، وللتدليل على ذلك، فإنني رميت قلمي ، ولن أعود إليه، إلا بعد أن أكون قد جمعت كل ما لدي من أشرطة،واسطوانات،  لسيد درويش، وصالح عبد الحي، وعبد الوهاب، وأم كلثوم ، وشادية، ونجاة، وحليم، وفيروز، والرحابنة،ونصري شمس الدين ،ووديع الصافي ...وإلى آخر ما أنتجه ذلك الزمن، الذي يتعطفون عليه بتسميته، الزمن الجميل ، وسأدعو على رؤوس الأشهاد، لتدمير جميع الآلات الموسيقية من العود، إلى الناي ، إلى القانون،إلى الرباب،وإلى آخر تلك الآلات النايصة..، والاكتفاء بالطبل...،الطبل العظيم الأوحد ، ثم سأزيل عن رفوف مكتبتي، كل تلك الكتب التي خرّبت عقولنا، وجرفتنا باتجاه القومية العربية ، والنهضة، والتنوير، والتقدمية، والعدالة الاجتماعية ، والمساواة،والأنسنة .. ثم سأستدعي ولدي خالد، الذي يربط شعره ويلقيه على ظهره ، فأنقده، كل ما في جيوبي ليحضر لي على الفور ( دفدي ) لهيفا ، وروبي ، وماريا ،ودومنيك...... وإلى أخرهن من رموز هذا العصر ( الأجمل )، والأحلى، والأمتع ...أرجو أن لا يحتج أحد، لأنني لم أسمي فنانين ذكور جدد .. فأنا لم أعد أطيق سماع أصوات الذكور، لا في الفن ، ولا في السياسة .........

ثم سأقوم بجولة واسعة على كتب الأرصفة ، والمكتبات الكبرى لجمع أكبر عدد ممكن من المراجع، عن سيرة حياة الفنانات المعاصرات المذكورات ، كي أكتسب ثقافة عميقة، تؤهلني للقب خبير يعتد برأيه في هذا الشأن ، علني ألفت نظر أحداهن فتستدعيني إلى أحد "الكليبات" الملتهبة، ولو بدور عجوز مشدوه بما يرى ، أو ألفت نظر أحد معدي البرامج الهامة ( الضاربة ) فيتم استدعائي للظهور في "ستار أكاديمي" ، أو "سوبر ستار" ، أو ...، ليس كمتسابق، وإنما كمحكم، على الأقل، بعد أن انتهت صلاحيتي للدخول في السباق ، لكنني أصارحكم، أنه في الأساس، وضعت نصب عيني، أن أتصدر لجنة التحكيم في برنامج ( هزي يا نواعم )، إلى جانب الدكتورة المبدعة نجوى فؤاد ، رغم البون الشاسع بين " هز " النواعم،        و " هزهزة " عجوز مثلي ، ذلك أنه لا يمكن أن أنسى، أن الدكتور هنري كيسنجر، قد استلهم نظرية الخطوة، خطوة ، كما صرح شخصيا،ً من الخطوة الأنيقة للمبدعة نجوى فؤاد ، ونحن كعرب، علينا أن نقدر وفاء هنري ، واعترافه بالجميل، حيث اصطحبها إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ليرشحها إلى إحدى أهم الجامعات في العالم، كي تتشرف الجامعة، بتقديم شهادة الدكتوراه لها، تقديراً لجهودها في إبداع نظرية الخطوة، خطوة ، التي مازالت نافذة المفعول حتى هذه اللحظة ، وحيث غطت تلك الخطوات الأمريكية وطن العرب ..،من حقي أن أحلم، لو تحققت تلك الأمنية، والتقيت الدكتورة في ذلك البرنامج، فستكون فرصة العمر، بالنسبة إلي، علني أستلهم منها، ولو خطوة واحدة، إلى الأمام، بعد سنوات التراجع .. والانكسار إلى ما وراء الوراء.

 

 

( 3 )

وبما أنني أحاول أن أكون أمينا لإحداث "الحلم"، كما تراءى لي، في تلك الليلة الليلاء، فإنني سأواصل سرد اعترافاتي ،أو،كي أكون صادقا،سرد ما أجرؤ على سرده منها ،لأنني مشدوه، كيف تجرأ "صانع الأحلام" أن يعرض لي بعض المشاهد البالغة الخطورة عن ،وعن.... ،لكن ،ورغم سعادتي ب"اللوك الجديد"،  لا أضمن المضي قدماً في تغيير ( اللوك )،خاصة، في ظل هذه الأوضاع المضطربة ، فقد أعود في أية لحظة إلى حلتي القديمة، التي قد لا يحتملها أحد .. وأعود إلى إحياء تلك الفكرة التي راودتني طيلة سنوات العزلة ، وتتمثل في أنني ، في يوم ما ، سأستثمر كل ما لدي، من أدوات، وإمكانيات لفظية ، حتى أحتل زاوية، كهذه الزاوية التي أكتب فيها الآن ، ثم سأتمسكن، حتى أتمكن ، وأبدأ باستدراج أكبر عدد ممكن، من القراء لأحشرهم فيها.. ، ثم أحولها إلى "زاوية" من تلك "الزوايا" التي انتشرت في عصور الانحطاط السالفة ، أو إلى "رباط" من تلك "الرباطات" التي أبدعها أجدادنا المتصوفين، رفضاً للاستبداد المتوحش، من الأعلى ، ورفضاً، لاستلاب "المستبد بهم" من الأسفل إلى درجة الإعجاب بالمستبدين  .. فتحولت تلك  " الزوايا"، و"الرباطات"في ذلك الزمان، إلى، خلوات للتطهر من أدران الواقع المتردي ، يتحاور فيها أولئك المتصوفون ، يقرأون ، يتبادلون الآراء ، يرقصون على جراحهم حتى الثمالة ... ويشهرون سيوفهم عند الحاجة للدفاع عن الثغور .. دون الالتفات إلى السلاطين، والمتسلطن عليهم ...هكذا حلمت باستحضار تلك التجربة،وحلمت بتحويل هذه الزاوية التي أكتب فيها الآن إلى "زاوية من تلك الزوايا"، ثم حلمت ، أو توهمت، أن القراء سيتوافدون، على هذه الزاوية، جماعات ، ووحدانا، وأن الجميع سيحتكمون إلى الكلمة السواء ، وسيتفاعل الرأي، مع الرأي الآخر، بكل حرية، وشفافية ... لكن هذا لو حصل سيكون ارتدادا إلى "اللوك القديم" لهذا، وتمشياً مع ( اللوك الجديد )، سأجري بعض التعديلات الطفيفة، لعل الفكرة، تصبح مقبولة، في هذا الزمن الاعربي، الأكثر انحطاطاً، بما لا يقاس، من ذلك الزمن السابق ...، وتتعلق تلك التعديلات، فقط بمكانتي،وشخصي العظيم، الذي لم تنجب البشرية، إلا نسخة واحدة منه.... ، فأنا وحدي، مصدر الحق، والحقيقة ، القول هو ما أقوله ، وعلى الجميع أن ينصاع ، والرأي الآخر مجرد زندقة ، وهكذا فإنني سأطل على هؤلاء القراء المحتشدين في هذه الزاوية ، أخلع صوفتي على من أقرر ، وعلى الآخرين المغادرة إلى الزنازين ... بهذا أكون قد أديت رسالتي السامية في هذه الدنيا ، أغادرها قرير العين ..( عذراً مرة أخرى، فقد خانني التعبير ثانية ..) ،الصحيح...، أن القراء هم من سيرحلون . أما أنا فباق إلى الأبد ...

( 4 )

ثم، سأعترف، أنه،قد آن الأوان للتخلي عن الأوهام ، واعتماد الواقعية، والكف عن التشكيك بشرعية، ومشروعية سلاطين هذا العصر، اللاعربي، في الوطن العربي ، فالوجود لا يحتمل الفراغ ، هكذا يقولون ، والفراغ الذي خلفه، خروجنا،خروج العرب من التاريخ، بات الآن تحت وضع اليد لكائنات غرائبية الأطوار، ملكية، وجمهورية ، سلطات، وسلطنات ، وجماهيريات، وإمارات ، أما الواقع التحتي، فقد " تّذرر"، إلى ما دون ذلك بكثير ، ديانات، وطوائف، ومذاهب، وإقليميات ، وقبائل، وعشائر، وإثنيات ، كل منها يطالب بحق تقرير المصير ، إلا العرب لا يجدون، في هذه الأيام، من يطالب لهم، بحق تقرير المصير ...، وبالتالي من الواقعي جداً، الاعتراف، بأن العرب خرجوا من التاريخ ،وإلى بئس المصير ، وأن على الملايين الثلاثمائة المنتشرة بين المحيط والخليج أن تتخلى عن مواطنيتها العربية ، وأن تنحط إلى عصر مادون المواطنة، سواء بالرضى، أو بالإكراه ، وأن تتحول إلى وقود لنيران معارك، لا نعرف لماذا تنشب ، ولا لماذا تنطفئ ... على جماهير الأمة، أن تصفق للحرب،وتستشهد، إذا طلب إليها ذلك ، وعليها أن تفرح حتى الموت، "بالسلام" مع العدو المحتل،  إذا طلب إليها ذلك أيضا ..، وعليها أن تلقي هويتها العربية، وتتوزع على الانتماءات الواقعية ...، وإذا كان الغرب المتحضر قد أطلق علينا، منذ عقود طويلة، أننا كائنات شرق أوسطية ، وأننا لسنا أمة عربية ، ولا يحزنون ... فقد آن الأوان، أن نعترف، بأن ذلك الغرب المتحضر، لا ينطق عن الهوى ، وانه كان يعني ما يقول ، وأن الرفض الذي واجهنا به ذلك، كان مجرداً عن أي مدلول .. فنحن شرق أوسطيون ... ولا داع على الإطلاق، بعد الآن، حتى البحث في مدلول المصطلح ، فليس مهماً، أن نعرف،  أي وسط نحن ، أو بين، من، ومن، هذا الوسط... المهم، أن الذين أطلقوا المصطلح، يعرفون،وهذا يكفي.وهزي يانواعم.............. 

 

( 5 )

 

لابد، أن احتجاجاً، عارماً، قد تصاعد ، ووصل إلى حد رمي هذه الكلمات، وصاحبها بشتى النعوت ... ينطلق من سؤال مشروع يقول : ما علاقة كل ما تقدم بعنوان هذا الحديث : ماذا جرى ، وماذا يجري، في دنيا العرب ... ؟ لن أهرب من الجواب،لكنني سأعترف قبل ذلك، أنني، إذا كنت قد تمكنت منكم،وجرجرتكم في القراءة، إلى هذه النقطة ، فهذا يعني، أن خطتي في استدراجكم قد نجحت،وهذا أول الغيث ...، فهذا الأسلوب، جاء في سياق ( اللوك الجديد ) ، لكن دعوني أختم هذا اللقاء بمحاولة الإجابة على السؤال عن طريق إثارة قضية، غاية في الجدية، سأدخل إليها عبر سؤال يقول: هل يوجد عاقل، في هذه الدنيا، يمكن أن يصدق، أن مواطنا عربياً،أيا كان، تعرض لسلب"99,9بالمئة من حقوقه الأساسية، يمكن أن يجيب على السؤال عنوان هذا الحديث ..؟ نحن العرب ، أيها السادة، آخر من يعرف، ماذا جرى، وماذا يجري في وطننا ...؟، ذلك أن توفر المعطيات، والمعلومات الحقيقية، شرط المعرفة ، وبما أننا، كعرب مجرد وقود في لعبة تدور بين لاعبين يقتحمون وطننا العربي من الجهات الأربع ، ويحتكرون وحدهم المخططات ، والمعلومات ..، والأدوات ..، فإن كل ما نملكه،وحتى أشعار آخر، هو ( التبصير ) ..؟ .. ترى ما هي الخطوة القادمة ؟ إنهم يقضمون الأرض العربية ، والحقوق العربية ، والثروات العربية ، والوجود العربي، خطوة ، خطوة ...،وهم من يقرر الخطوة القادمة...

 إنني، لا أدعو لليأس ، على العكس تماماً .. فأنا على يقين، أن هذه الأمة عصية على الأعداء، منذ عقود، يديرون اللعبة ... واللاعبين ،ومشروع الأمة غائب تماما، ورغم ذلك ، كلما هموا بإعلان ( إنجاز المهمة ) يكتشفون، أن الطريق مازالت طويلة ...

الآن ، كل أولئك، لا يعنون لي شيئاً ... ما يعنيني، أن مشروع استئناف مسيرة النهوض، والتنوير، في الأمة العربية، ينتظر جيلاً عربياً جديداً يثق بقدراته الذاتية ، يطرح الأسئلة، لا ليهرب من الإجابة عليها ، وإنما للبحث في عمقها ، وتمحيصها ، كيف نبدأ النهوض، من أين ، من أي واقع ، ومتى، وبأية وسائل ..؟ وهذا كله ... يبدأ بتغيير صيغة السؤال المطوح الآن : والذي يوجه للجيل العربي الجديد:  مع من أنت ..؟، دعونا نصحح السؤال إلى:  من أنت ..؟ من نحن ..؟،ما هو مشروعنا..؟

إن البحث عن جواب على هذا السؤال، يستحق العناء .. ذلك أنه عندما نصل إلى إجابة محددة،ونعرف من نحن، عندها،وعندها فقط، قد نعرف، ماذا جرى، وماذا يجري في وطن العرب.....؟؟

وبما أن السؤال في منتهى الأهمية،وبما أنه لم يعد في العمر بقية....ولم يعد يستأهل تغيير "اللوك"،فإنني أعترف، بفشل محاولاتي لتغيير "اللوك"، دعوني، أقر بذلك، قبل أن أواجه به، من الآخر.......!

و... ربما إلى اللقاء