(تتمة "7" ملاحظات ........ عصمت سيف الدولة )
إنشاء تنظيم مصري :
لولا أنني ألتزم الموضوعية، في هذه الملاحظات التي أعدها للدفاع، لقلت أنني أعتبر القول، بأنني أنشأت، أو اشتركت في إنشاء تنظيماً مصرياً، إهانة بالغة قبل أن تكون تهمة، ولن يصدق احد قرأ كتبي، أو سمع عني في الوطن العربي كله، أنني أفكر، ولو مجرد تفكير في إنشاء تنظيم "مصري"، بصرف النظر عن غاية هذا التنظيم، أي حتى لو كان مؤيداً لنظام الحكم في مصر العربية، أو حتى لو كانت غايته تحقيق الدولة العربية الاشتراكية الواحدة ...لماذا ؟
لأن التنظيم المصري، أو المقصورة عضويته على المصريين، هو حزب إقليمي ..، منظمة إقليمية ..، وأنا لم أكف في كل ما كتبته عن إثبات أن المنظمات، والأحزاب الإقليمية، منظمات، وأحزاب فاشلة، أي غير قادرة بحكم طبيعتها الإقليمية، وبصرف النظر عن نوايا أعضائها، وإخلاص قادتها على تحقيق دولة الوحدة العربية الاشتراكية .. إنها منظمات وأحزاب أعارضها بالتنظيم القومي – الذي هو عندي – وحده – القادر على تحقيق دولة الوحدة العربية الاشتراكية الديمقراطية .. أين قلت هذا ؟
1 – في كل كتبي، على الإطلاق، دعوة صريحة وتأكيد مستمر على أن "التنظيم القومي" هو وحده الذي يستطيع أن يحقق دولة الوحدة العربية الاشتراكية .
2 – في سنة 1968 نشرت كتابي " وحدة القوى العربية التقدمية " ،ويكاد أن يكون، كله، مخصصاً لإثبات عجز المنظمات الإقليمية عن تحقيق الغاية التي أدعو إليها : دولة الوحدة العربية الاشتراكية الديمقراطية .. في هذا الكتاب، رفضت فكرة التنظيم الإقليمي، ورفضت أيضاً فكرة أن الجبهة بين التنظيمات الإقليمية قادرة على تحقيق دولة الوحدة العربية الاشتراكية الديمقراطية .. ربما أكون قد غيرت رأيي منذ 1968 .. إذن ..
3 – فلنرجع مرة أخرى إلى مقالي " تنظيم قومي من أجل الوحدة الاشتراكية " المنشور في إبريل 1971، إن فيه دعوة صريحة إلى كل المنظمات الإقليمية بأن تعلن فشلها، وعجزها عن تحقيق دولة الوحدة الاشتراكية، وأن تقر بأنها ليست بدائل عن التنظيم القومي الواحد، وأن تسمح لأعضائها، بأن يجهزوا أنفسهم للانتقال إلى التنظيم القومي عندما ينشأ .
في تلك المقالة مناقشة طويلة – مرة أخرى – لأسباب عجز التنظيمات الإقليمية ، فكيف يمكن أن ينسب إلي، أنني أنشأت، أو شاركت في إنشاء منظمة مصرية ؟ ألم يعتبر "قرار الاتهام" نفسه، أن وصفي للاتحاد الاشتراكي في "بيان طارق" هو هجوم عليه، ومناهضة له – فكيف ينسب إلي – في الوقت ذاته – أنني أناهضه بمنظمة تستوي معه إقليمية ؟
ثالثاً : التنظيم المنسوب إلى المتهمين :
في كل الحالات، هل يمكن أن اجتمع ،أنا ،والمتهمين ،الثاني، والثالث ،والرابع، في تنظيم ، أي تنظيم ؟ إن الإجابة على هذا السؤال تتوقف على معرفة المبادئ التي التقى عليها هؤلاء، إن كانوا قد التقوا على أية مبادئ ..، ولما كنت لم اطلع على الأوراق المضبوطة معهم، ولا أعرف أية مبادئ تتضمنها، فإني أكتفي بمعرفة ماهو منسوب إليهم في "قرار الاتهام" من مبادئ :
يقول "قرار الاتهام": أنهم كانوا يتداولون دراسة الكتب الماركسية، وأن الثورة التي يريدون إشعالها هي ثورة طبقية ، وأنهم يستهدفون إقامة دولة أعرض الطبقات من العمال والفلاحين، وأن حزبهم يجب أن يقصر عضويته على الثوريين المحترفين .. الخ، إن هذه كلها أفكار مستعارة من الفكر الماركسي المتميز بنظريته في الطبقات، والصراع الطبقي، ونظريته في الاحتراف الثوري، وأسلوب العنف ، إن صح (قرار اتهام النيابة)، أنهم قد التقوا، على هذه الأفكار، فإنهم يكونون أبعد ما يمكن عني، حيث لا يمكن أن ألتقي معهم، لا على المستوى الفكري،ولا على المستوى العقائدي، ولو في تنظيم .. ،أريد أن أقول: أنه لا يمكن، أن تجمعني مع أصحاب هذه الأفكار، والمبادئ، وحدة فكرية، لا في المنطلقات، ولا في الغايات، ولا في الأسلوب، والوحدة الفكرية هي أول شروط الوحدة التنظيمية . ذلك لأنني رفضت، وأرفض هذه الأفكار جميعاً ،وعلى وجه خاص النظرية الماركسية في الطبقات، والصراع الطبقي ( راجع مثلاً كتابي " الطريق إلى الاشتراكية العربية ") و(تعليقي على بيان "حركة القوميين العرب" المضبوط في مكتبي، ومقالتي عن المقاومة ،من وجهة نظر قومية، المنشورة في "مجلة الآداب" ومناقشتي للأساس الطبقي للديموقراطية في الفكر الماركسي المعروضة في كتابي " الطريق إلى الديمقراطية "، والفصل المعنون " الحرية أخيراً " من كتابي " أسس الاشتراكية العربية "، ورسالتي إلى " اتحاد قوى الشعب العاملة " في لبنان عن مفهوم البرجوازية الصغيرة ..الخ ) فكيف توجد بيني، وبين محرري الأوراق المضبوطة مع المتهمين، والتي لخصتها النيابة في "قرار الاتهام"،بإنها ماركسية، أية وحدة فكرية، وبدون وحدة فكرية، كيف ألتقي معهم في التنظيم المنسوب إليهم أنهم أقاموه على تلك المبادئ التي أرفضها ؟
منسوب إلى المتهمين، أن غاية تنظيمهم، هي الاستيلاء على السلطة، في مصر ، فما هو رأيي في مبدأ الاستيلاء على السلطة، أو مبدأ الحكم في، أية دولة عربية ..؟ هل تريدون أن تعرفوا رأيي..؟ إقرأوا إذن :
أ – كتابي " الطريق إلى الوحدة العربية " المنشور في سنة 1966 ،يكاد، أن يكون ،كله، مخصصاً، لإثبات أن أية دولة عربية لا يمكن لها أن تحقق دولة الوحدة العربية الاشتراكية، فهي لا تقل فشلاً، في هذه الغاية، عن أية منظمة إقليمية، بصرف النظر عن نوايا الحكام فيها ، أي حتى لو كانوا قوميين، ويريدون فعلاً، تحقيق دولة الوحدة العربية.
ب – وفي مقالي " خطوة حذرة ولكن إلى الأمام " الذي نشرته مجلة " الفكر المعاصر " تعليقاً على إعلان بني غازي (اتحاد الجمهوريات العربية ..) وفي مقالتي " تنظيم قومي من أجل الوحدة الاشتراكية " الذي نشر في مجلة الكاتب، إعادة، وتأكيد، لذات الفكرة : عجز الدولة الأقليمية، أية دولة ، عن تحقيق دولة الوحدة العربية الاشتراكية، مهما تكن نوايا قادتها، وإخلاصهم .
جـ - في آخر كتابي " الطريق إلى الوحدة العربية " دعوة صريحة إلى انه لا يجوز " للطليعة العربية " التي تناضل من اجل الوحدة، أن تتولى السلطة، في أية دولة عربية، حتى لا تصبح مقيدة الحركة، خارج حدود الدولة التي تتولى السلطة فيها .
د – بل، أنه من بين أوراقي التي لم تضبط ( ملف رسائل فكرية ) رسالة ثابت فيها، أن أحد أصدقائي، والملتقين معي فكرياً، عندما عرضت عليه السلطات الوزارة في بلده، قال : إذا قبلت الوزارة، فكيف أفسر موقفي للدكتور عصمت سيف الدولة، ونحن متفقون، على انه لا ينبغي لنا أن نتولى مراكز، في السلطة، في أية دولة عربية ....؟
3) ثم هناك الواقعة الثابتة مادياً، بالنسبة إلي، وبالنسبة إليهم، وهي الموقف من "اتحاد الجمهوريات العربية .."، عبرت عن موقفي، في مقال نشر في مجلة " الكاتب " بعنوان: " خطوة حذرة ولكن إلى الأمام " أشدت فيها بإعلان بني غازي .. ويقول قرار الاتهام أنه قد ضبط لدى المتهمين رأي مكتوب يهاجم "اتحاد الجمهوريات العربية .. " هذا موقف مبدئي، من حدث سياسي خطير، نحن فيه مختلفون، فكيف نلتقي في تنظيم واحد ؟
القسم الثالث : دفاع قانوني
إنني في هذا القسم الأخير من ملاحظاتي ..... لا أناقش الوقائع، إثباتاً، أو نفياً ، لقد قلت، فيما سبق، كل ما عندي .. ولكنني أورد ،فيه، ملاحظاتي على التكييف القانوني للوقائع ، مفترضاً، أن كل الوقائع المنسوبة إلي صحيحة .. والواقع أنني أتمنى، لو أن هذا الجزء، قد حظي بأولوية، واهتمام "الدفاع"، علنّا نستطيع، من خلال هذه الدعوى، أن نحصل من القضاء على حكم يرسي الحدود الديمقراطية لبعض المواد في القانون، التي لا تتضمن في نصوصها حدوداً لتطبيقها .
أولاً : تنسب إليّ "النيابة العامة" أنني أنشأت مع المتهمين، الثاني، والثالث، والرابع، تنظيماً، لمناهضة المبادئ الأساسية التي يقوم عليها نظام الدولة الاشتراكي ( المادة 98 من قانون العقوبات )، إن هذه المادة "العتيقة" التي حوكم بمقتضاها عشرات، من الناس، تجد في حالتي، تحدياً صريحاً لها .. ذلك، لأن، الذي يناهض النظام الاشتراكي، لا يناهضه من أجل الفراغ، بل يناهضه، من اجل أن يقيم على أنقاضه، نظاماً آخر، يكون بالضرورة، نظاماً غير اشتراكي .. ،وقد اعتادت "النيابة" أن تقدم إلى المحاكمة، بمقتضى المادة المذكورة، متهمين ذوي اتجاهات سياسية متعددة، بدون أن يسألها أحد لحساب أي نظام آخر غير النظام الاشتراكي كانت تلك المناهضة، واعتادت المحاكم، أن تحكم بالإدانة، بدون بيان للنظام الذي كان يرشحه المتهمون بديلاً عن النظام الاشتراكي . وكان كل ذلك يبرر بإن "النيابة العامة" لم تعرف، في العشر سنوات الأخيرة، ممن تقدمه بهذه التهمة، إلا الرجعيين الذين أضيروا من التحول الاشتراكي، والأخوان المسلمين، والشيوعيين ،وكان مجرد أن يكون المتهم رجعيا، أو من الأخوان المسلمين، أو من الشيوعيين، يتضمن في ذاته قرينة كافية "عند النيابة" لإثبات أنه مناهض للمبادئ الأساسية التي يقوم عليها نظام الدولة الاشتراكي . وبصرف النظر عن المقارنة الفكرية بين، كل ،تلك الاتجاهات الثلاثة المتناقضة، فيما بينها ،المتفقة في رفضها للمبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام، فإننا نسلم، بأن الصحيح قانونا، هو ما يحميه القانون، ويكون التزامه مناطا للإباحة، أو التجريم، ودليلا على المشروعية .ولهذا، لايمكن التجاوز، عن صمت "النيابة العامة"، عن الإفصاح ،عن النظام، الذي يستهدفه المتهمون، بديلاً عن النظام الاشتراكي .
والآن، هاأنذا، متهم جديد .. اشتراكي، لحماً، وعظماً، ودماً .. لا أفعل شيئاً، منذ عشر سنوات، إلا دراسة، وتعميق المبادئ الأساسية، التي يقوم عليها نظام الدولة الاشتراكي .. وكتبي هي دليلي ، عندما وجه إليّ "رئيس النيابة" المحقق، الأستاذ حسن جمعة، الاتهام، بأنني أناهض المبادئ الأساسية، التي يقوم عليها نظام الدولة الاشتراكي، قلت له في إجابتي : أنني صاحب هذه المبادئ الأساسية للنظام الاشتراكي، ومفكرها الوحيد ..، لم يكن ذلك غروراً، ولكنه كان حقيقة صارمة أواجه بها، اتهاماً غير معقول، ومن قبل الاتهام، كان القائمون على نظام الدولة الاشتراكي، يطلبون رأيي في تدعيم المبادئ الأساسية التي يقوم عليها نظام الدولة الاشتراكي ( راجع تفاصيل مقابلتي مع وزير الداخلية السابق، شعراوي جمعة، في الكشكول المضبوط ) ، ويدرسون كتبي في "الاتحاد الاشتراكي" وفي "منظمة الشباب" ، في مواجهة كل هذا، لايكفي النيابة، أن تتهمني، بمناهضة النظام الاشتراكي، ثم تصمت .. إن عليها أن تكمل اتهامها، لتقول، ما هو النظام الذي كنت أريد أن يقوم في مصر العربية، وأنا أناهض النظام الاشتراكي .. هل أعيده إلى الوراء، ليصبح نظاماً رجعياً ؟ هذا مناقض لمبادئي .. أم أدفعه إلى الأمام ليصبح شيوعياً ؟ هذا مناقضاً لمبادئي كذلك .. ماذا إذن ..؟؟
إن هذا تحدياً على مستوى الإثبات، ولكنه يتصل بصميم التكيف القانوني للوقائع .. إذ لو اقترضنا، فرضاً جدلياً، أنني أنشأت تنظيماً سرياً، يتبنى أسلوباً لوحظ فيه العنف، ولكن من اجل إقامة نظام اشتراكي، في حين، أن النظام الاشتراكي قائم فعلاً، فإننا نكون، في مواجهة نموذج، مما يعرف في القانون، باسم " الجريمة المستحيلة " ،يكون مثلي، في هذا، مثل من أعد العدة، لسرقة شيء بالإكراه، ثم تبين أن هذا الشيء، مملوك له، بدون، حتى أن يعرف . إن "النيابة العامة" قد لا تستطيع أن تحدد تلك " المبادئ الأساسية التي يقوم عليها نظام الدولة الاشتراكي " ،مع أن تحديد هذه المبادئ، أمر لابد منه، لإمكان معرفة، هل ناهضتها أم لم أناهضها ..؟، وحتى يمكن، من ناحية أخرى، التفرقة بوضوح، بين، ما يعتبر مناهضة للمبادئ الأساسية للنظام الاشتراكي، وبين ما يمكن أن يعتبر نقداً للتطبيق لتلك المبادئ الأساسية .. نقداً قائماً على الالتزام بالمبادئ الأساسية ذاتها .. ذلك النقد الذي لا يكف "الاشتراكيون الحقيقيون" عن إبدائه، إخلاصاً منهم، لمبادئهم ...وفي سبيل هذا التحديد، وتلك التفرقة، ليس أمام "النيابة" إلا أن تبحث في الشروح الفكرية المتاحة للمبادئ الأساسية للنظام الاشتراكي ، ولا شك أنها ستجد " ميثاق العمل الوطني " ولكن "ميثاق العمل الوطني" برنامج مؤقت، لعشر سنوات، لا يتضمن المبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام الاشتراكي، أو فلنقل، أن تلك المبادئ الأساسية، ترد فيه مبسطة، أو مختلطة، بالبرامج التطبيقية، بحيث تحتاج إلى فرز، لا يمكن القيام به، إلا بالرجوع إلى الدراسات المتخصصة، في المبادئ الأساسية للنظام الاشتراكي .. إن المأزق الذي يواجه "جهة الاتهام" في هذه الدعوى، بالذات، هو أنه، عندما تريد "النيابة العامة"، أو "المحكمة"، أو "الدفاع" ،أن تبحث، أو يبحث عن مرجع في المبادئ الأساسية التي يقوم عليها "النظام الاشتراكي" لن يجد، إلا مرجعاً واحداً، طبعته، ونشرته مؤسسة النشر الوحيدة للدولة في سنة 1965 اسمه " أسس الاشتراكية العربية " .. من تأليف الدكتور "عصمت سيف الدولة" ،الذي هو " بالمصادفة ": المتهم الأول في هذه الدعوى، بمناهضته المبادئ الأساسية للنظام الاشتراكي .....!!!
إن المأساة تكاد تنقلب إلى مهزلة ..إذ أين يقع التناقض الأساسي في هذه القضية ؟ التناقض يقع في منطقة علم الاشتراكية، وليس في منطقة علم القانون، وإذا كان رجال "النيابة العامة" من أساتذة علم القانون، فإنني، بدون حاجة إلى التواضع، أحد أساتذة علم الاشتراكية، ودليلي على هذا، كتبي، والتعليقات الكثيرة التي نشرت عنها، وبوجه خاص، المقال الذي نشره أستاذ كرسي الفلسفة، في كلية الآداب، في فبراير 1966 تعليقاً على كتاب " أسس الاشتراكية العربية "، وتفضل فيه فرفعني إلى مرتبة "الفلاسفة العالميين" .
ثانياً : والعجيب، أن "قرار الاتهام" يقول: أن الاجتماعات التنظيمية، لمناهضة المبادئ الأساسية للنظام الاشتراكي، قد بدأت في أول نوفمبر سنة 1971 ،وهو ذات التاريخ الذي طرحت فيه الدولة "الطبعة الثانية" من كتابي " أسس الاشتراكية العربية " طرحته في شكل "طبعة شعبية" بسعر التكلفة، ليكون في متناول الجماهير الذي تشكل "الاتحاد الاشتراكي" .
ثالثاً : وسواء عرفت "أجهزة الدولة"، في مصر، أنني أقوم فيها بدور المنظر الفكري لتجربتها الاشتراكية، أم لا، فإنني هكذا اعرف خارج مصر .. ولي على ذلك دليلان ...أولهما، أنه عندما أراد – صاحب كتاب " التضليل الاشتراكي " الذي نشر في بيروت، أن يهاجم المبادئ الأساسية للنظام الاشتراكي في مصر هاجمني باعتباري – كما قال صراحة في كتابه – المفكر " الرسمي " للنظام الاشتراكي ، أما الدليل الثاني، فهو الرسالة التي قدمتها الدكتورة عفاف مراد إلى "جامعة السوربون"، وحصلت بها على درجة الدكتوراه، وكان موضوع الرسالة عن التطور السياسي في مصر، في العشرين سنة الأخيرة .. وقد أفردت في رسالتها صفحات كثيرة للدور الذي أقوم به في تطوير الفكر الاشتراكي وتفضلت فقالت أنني أسمى في مصر " هيجل العرب " ( صور مما كتب في المرجعين السابقين باللغة العربية، واللغة الأجنبية، موجودة في ملف " بعد المولد " في مكتبي ) .
رابعاً : أكثر من هذا، توجد بين الأوراق، التي في مكتبي، ثلاثة أعداد متتابعة من جريدة "البلاغ" التي تصدر في طرابلس ( ليبيا )، تتضمن ثلاث محاضرات ألقاها العميد محمد عبد الحليم، عضو مجلس قيادة الثورة في السودان، بدعوة من مجلس قيادة الثورة في ليبيا، عن " المفهوم الناصري للديمقراطية "، والمحاضرات الثلاث عن هذا المفهوم الناصري مأخوذة حرفياً تقريباً من كتابي " أسس الاشتراكية العربية " ( الفصل الثالث ) ، وهكذا لم يجد السيد المحاضر، عن "المفاهيم الناصرية"، حتى ضرورة لذكر اسمي كمرجع .
خامساً : ثم، أنه بعد وفاة الرئيس عبد الناصر، أصبح الحوار الفكري دائراً حول ما يسمى " خط عبد الناصر " ذلك الخط الذي أعلن الرئيس أنور السادات، أن المسيرة الاشتراكية، ما تزال سائرة عليه ... من الذي حدد، أو يمكن أن يحدد خط عبد الناصر هذا ؟. جاءت الإجابة من شباب الجامعة فدعيت لإلقاء محاضرة في جامعة القاهرة يوم 15/1/1972 ، أحدد فيها مفهوم خط عبد الناصر، وألقيتها فعلاً : ( صورتها الخطية موجودة بين أوراقي، وتقدم إلى المحكمة ) .
ملحوظة : تصادف أن بدأت حركة مظاهرات طلاب الجامعات يوم 17/1/1972 ،أي بعد يوم واحد، من إلقائي للمحاضرة، فلعل رجال المباحث قد أضافوا هذا إلى جلسة الوقائع، التي أساؤوا فهمها، وكانت مبرراً عندهم، لاصطناع هذه القضية، والتي أشرت إليها في ملاحظاتي الأولى .
سادساً : ليس في ما كتبت ما هو مقصور على مصر وحدها .. إن مصر، ونظامها ليست، إلا جزءاً من أفق رؤيتي القومية للمشكلات الاجتماعية، وحلولها ..إن هذا مهم .. لأنني، وأنا أكتب، أو أنشر، أو أقول، وأنا أقيم، أو أنفذ، أو أدعو، أكون مستحضراً، في ذهني، واقع أمتي العربية، كلها، لأنني قبل كل شيء قومي عربي حتى النخاع .. لا أرى المشكلات الاجتماعية إلا في إطارها القومي، ولا أرى حلولها، إلا في إطارها القومي .. لا أفهم التاريخ، إلا انه تاريخ أمة عربية واحدة، ولا أتصور المستقبل، إلا انه مصير امة عربية واحدة .. لهذا يخطئ تماماً في فهمي، من يحاول، أن يضغط مبادئي، ليقيسها على واقع دولة واحدة، ولو كانت دولة مصر العربية .. إنه قد يرى عندئذ تقييماً لتجربة في بلد عربي آخر، وكأن مصر العربية هي المقصودة بها ..وهو تشويه كامل لما أقوله، وما أعنيه ..، ومع ذلك، وفي مصر العربية، كما أقول دائماً، في كتبي، ثلث الشعب العربي، وقمة تقدمه الحضاري، لها قيادة النضال العربي، ومنها تبدأ المسيرة الوحدوية – فهل لهذا دليل فيما كتب ؟
لنراجع كتاب " الطريق إلى الوحدة العربية " ففيه أناقش فرض، أن تكون دولة الوحدة غير اشتراكية، وأرد على أولئك الذين يدعون إلى الوحدة العربية، بدون اشتراكية، فأقول بالنص تقريباً، أنه بعد التحول الاشتراكي في مصرن لم يعد من الحكمة تصور دولة الوحدة بدون الاشتراكية، إذ انه سيكون على الذين يريدون دولة الوحدة، بدون النظام الاشتراكي، أن يغزو القاهرة، لتغيير النظام فيها، وهو سخف غير قابل للتحقيق .. فهل هذا هو موقف الذي يريد أن يغير النظام الاشتراكي في مصر العربية ؟ هل أناهض النظام الاشتراكي، عندما آخذ من المبادئ الأساسية للنظام الاشتراكي في مصر نقطة انطلاق قومي، تفرض تعميم النظام الاشتراكي في دولة الوحدة العربية .
إنني أشعر، بأنني أدافع ضد أشباح، لا وجود لها، وتلك، كما يعرف المحامون، أصعب حالات الدفاع، لأنني أجد نفسي مضطراً إلى الضرب في كل اتجاه، لعل ضربة تصيب "شبح الاتهام الموهوم"، ولست أستطيع أن أختم هذه الفقرة من ملاحظاتي قبل أن أقول، بمنتهى الوضوح، أن اتهامي بمناهضة نظام الحكم في مصر، يخفي قناعة الذين يتهمونني، بأن نظام الحكم في مصر ليس اشتراكياً، كل ما في الأمر، أنهم لا يملكون شجاعة الإفصاح عما يعتقدونه .
سابعاً : لا يبقى، إلا تكييف الوقائع المنسوبة إلي ( إنشاء تنظيم ) ،بأنها غير مشروعة، لأنها تتضمن الرغبة في مزيد من التطبيق الاشتراكي .. ولكن هنا نغادر تهمة مناهضة المبادئ الأساسية التي يقوم عليها نظام الدولة الاشتراكي، وهي جريمة ينص عليها القانون، إلى نقد أسلوب التطبيق لتلك المباديء، وهذه ليست جريمة .. الدعوة، أو العمل، على مزيد من التطبيق الاشتراكي، ليس جريمة، في القانون .. وحتى لو كان جريمة – ألم أقل أنني أدافع ضد أشباح – فهي جريمة مستحيلة أيضاً ، إن آخر ما قاله الرئيس أنور السادات، في الاجتماع الموسع الذي عقده في قصر عابدين، إثر حوادث الطلبة (يناير 1972) هو أننا في مرحلة التحول الاشتراكي ..ومن قبل قال الرئيس عبد الناصر مثل هذا .. ومرحلة التحول الاشتراكي تعني أننا في طريقنا إلى النظام الاشتراكي، وسنصل إليه من خلال مزيد من التطبيق الاشتراكي .. وعندما يأتي هذا القول من رئيس الدولة، يعبر عن التزام الدولة به، وحق الجماهير فيه ..، فلنفرض أنني أنشأت "تنظيماً سرياً ... الخ" غايته تحقيق مزيد من التطبيق الاشتراكي، في حين أن هذا المزيد من التطبيق الاشتراكي، هو البرنامج المعلن للنظام القائم .. ألسنا نواجه هنا مرة أخرى الجريمة المستحيلة ؟ هو كذلك ..، والواقع، أنه لا يمكن أن تعتبر الدعوة، أو العمل، ولو في تنظيم من اجل الاشتراكية، أو من أجل المزيد من التطبيق الاشتراكي، جريمة مناهضة لنظام الحكم في مصر العربية، إلا عند الذين يرون، أو يتوقعون أن النظام القائم يتجه إلى الردة عن النظام الاشتراكي، أو تجميد المسيرة الاشتراكية، لتقف عند مرحلة التحول .. عندئذ تصبح تصفية الاشتراكية ذات مبرر موضوعي تسهيلاً للردة، أو التوقف .. فهل هذا هو الوضع ؟ لسنا نحن المطالبين بالإجابة، بل المطالبون هم الذين اصطنعوا هذه القضية، فإن أجابوا بالنفي كان على "النيابة العامة" أن تجيب على سؤال آخر .. لماذا نقدم الاشتراكيين إلى المحاكمة، بتهمة مناهضة النظام الاشتراكي .
ثامناً : وأخيراً لنواجه شبحاً موهوماً آخر ،لعله أن يكون هو المسؤول عن "قرار الاتهام" : إن إنشاء تنظيم سري هو ذاته الفعل غير المشروع بصرف النظر عن الغاية التي أنشئ من أجلها .. هل هذا هو الوضع القانوني في مصر العربية ؟ أقول "الوضع القانوني" لأنني، لا أدير مناظرة فكرية أمام المحكمة، وإنما أحتكم إلى ذات القوانين السائدة، والمطبقة، بصرف النظر عن رأي، أي أحد، في تلك القوانين .. فهل إنشاء تنظيم طليعي في مصر العربية غير مشروع طبقاً للقوانين السائدة ؟ يبدو أن الخوف هو الذي يولد أمامنا الأشباح التي ندافع ضدها ، لقد كانت في مصر أحزاب قبل يوليو 1952، وبعد الثورة صدر قرار، من مجلس قيادة الثورة يحل تلك الأحزاب، وينص على تحريم إنشائها .. وكان ذلك في نطاق الفترة الدستورية المؤقتة التي حددها البيان الدستوري الصادر من مجلس قيادة الثورة في 10/2/1954 ، ولكن ما الذي أصاب هذا النص من تطور تشريعي ..؟
لنعد إلى سنة 1962 ، في ذلك العام أصدر المؤتمر الوطني لقوى الشعب العاملة "ميثاق العمل الوطني" الذي أصبح منذ ذلك الحين، حتى الآن، هو الأساس لكل البناء الدستوري، والقانوني في الدولة، بمعنى أن كل الدساتير، والقوانين التي صدرت، منذئذ، تفسر، وتطبق، في نطاق "الميثاق"، وتبطل إذا لم تكن متسقة مع أحكامه ...، وينص الميثاق، على أن تشكل قوى الشعب العاملة "اتحاداً اشتراكياً عربياً" فيما بينها، يضمها، ويجسد التحالف المفترض بينها – واستناداً إلى هذا النص، قام "الاتحاد الاشتراكي العربي" وما يزال قائماً ... واستناداً إليه، نص دستور 1971 على أن "الاتحاد الاشتراكي" هو الصيغة المناسبة لتحالف قوى الشعب العاملة في مصر العربية .. غير أن في "الميثاق" نصاً آخراً ،عن إنشاء "تنظيم طليعي" يقود الاتحاد الاشتراكي نفسه .. وبعكس ما جاء بخصوص الاتحاد الاشتراكي لم ينص "الميثاق" على الجهة التي تنشئ هذا "التنظيم الطليعي .."، وليس في أي قانون، في مصر العربية، نص يحدد من هو صاحب الحق في إنشاء "التنظيم الطليعي" ،بالرغم من أن إنشاء "التنظيم الطليعي" مشروع بحكم الميثاق .. وقد كان التفسير السليم، للميثاق، يقتضي أن يقال، أنه حق للشعب، مادام، لاالميثاق، ولا الدستور، ولا أي قانون آخر، قد خص به شخصاً معيناً ، أو جماعة معينة .. ولكن الذي حدث، حتى يوم 15 مايو 1971، أن السلطة التنفيذية، في الدولة، هي التي أنشأت "التنظيم الطليعي"، وأنشأته سرياً، وكونته عن طريق الأختيار، وليس الانتخاب .. فمن أين جاءها هذا الحق ؟ ولماذا تحتكر السلطة التنفيذية لنفسها حقاً مقرراً في الميثاق للشعب كله ..؟، لا أحد أثار السؤال، ولا أحد أراد أن يبحث عن إجابته الصحيحة لظروف تاريخية لا مبرر لإعادتها هنا، ولعل القرار الذي صدر بعد 15 مايو 1971 بإيقاف نشاط "التنظيم الطليعي السري" المسمى "طليعة الاشتراكيين"، بعد القبض، والمحاكمة، وإدانة قيادته .. ثم عدم اتخاذ أي قرار بشأن مصيره إلى أن يعاد النظر جملة في طبيعة كافة المؤسسات السياسية ( وهو ما يجري الآن )، لعل هذا، أن يكون دليلاً على أن السلطة القائمة في الحكم مازالت تبحث عن إجابة على هذا السؤال .. من أين استمدت السلطة التنفيذية الحق في أن تنشئ هي، دون الشعب، التنظيم الطليعي ..؟، ونسهم نحن في الإجابة، فنقول: أن السلطة التنفيذية، جملة، وكل واحد منها على حدة، ممنوعين بحكم القانون، من أن ينشئوا، أي تنظيم سياسي .. ،إن اختصاصات رئيس السلطة التنفيذية محددة في الدستور، وليس من بينها إنشاء تنظيم طليعي ..، وابتداء من رئيس الوزراء، إلى مخبري مباحث أمن الدولة ،يعتبرون موظفين عموميين، وكلهم ممنوعون، بحكم القانون، من الاشتغال بالسياسة .. إذا فبحكم القانون، يستطيع، أي واحد، من الشعب، أن يدعو الشعب نفسه، إلى أن يقيم تنظيمه الطليعي، ويكون على السلطة التنفيذية، أن تحمي هذه الدعوة، ولكن لا تتدخل فيها .. إذن فالدعوة، أو العمل على إنشاء "تنظيم طليعي" عن غير طريق السلطة، دعوة، وعمل مشروعان، مادامت غاية التنظيم، الحفاظ على المبادئ الأساسية للنظام الاشتراكي .
ثم هناك إضافة ....
من الذي أعطى السيد فتحي الدين، والسيد حافظ عزيز، والسيد سمير حجازي، والسيد محمد عبد الشفيع، "الموظفون العموميون"، في قسم الشؤون العربية في رئاسة الجمهورية ، من الذي أعطاهم الحق في أن ينشئوا، ويديروا تنظيماً سرياً، باسم "الطليعة العربية" يتجاوز نشاطه حدود دولة مصر العربية، إلى الدول العربية الأخرى ... لقد كان فتحي الديب يزعم، للشباب العربي، أن لديه تفويضاً، بإنشاء، وإدارة، هذا التنظيم السري، من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر .. ونستطيع، أن نتحدى، أن هذا التفويض لم يصدر قط، ونطلب من المحكمة أن تضعه في الأوراق إن كان موجوداً .. ومبرر هذا التحدي هو أن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، قد قال في خطاب له سنة 1963، وكرر هذا فيما بعدن أنه لن يقوم بإنشاء الحركة العربية الواحدة، وأن إنشاؤها يقع على عاتق الشباب العربي، ونحن لا نتردد لحظة، عندما تناقض مزاعم فتحي الديب، ما يقوله عبد الناصر، في أن نصدق عبد الناصر ونكذب فتحي الديب .
دلالة كل هذا، أن التنظيمات الطليعية قائمة على قدم وساق في مصر العربية، تحت سمع، وبصر مباحث أمن الدولة، والنيابة العامة، ومع أن أحداً من الذين أنشاؤها لا يملك حقاً خاصاً به، دون غيره، بإنشائها فإن أحداً لم يقدمه للمحاكمة .. ليس معنى هذا أنني أنشأت، أو أرغب في إنشاء، أو أدعو إلى إنشاء تنظيم طليعي في مصر العربية، ولكن معناه، أن مناط مخالفة القانون في مصر، أو عدم مخالفته، ليس إنشاء تنظيم طليعي سري، ولكن مناطه الغايات التي أنشئ التنظيم لتحقيقها .. وعندما يفتقد الاتهام في هذه الدعوى المقدرة، أو الدليل على أن ينسب إليّ غايات غير مشروعة، فإن كل ما يثيره حول وجود تنظيم سري، أو علني يكون خارج نطاق البحث الجدي عن المشروعية .
خاتمة
وفي النهاية، فإني أختم ملاحظاتي، بدفع تهمة لم توجهها إلي النيابة، ربما لأن القانون لا يعاقب عليها، مع أنها عندي تهمة اخطر من كل ما نصت عليه القوانين ...
إنها تهمة الكذب ، ففي التحقيق، لم أذكر كل الحقائق، وذكرت بعضها منقوصاً، فهل كنت أكذب على المحققين ؟ .. لا .. إن المحقق، وأنا لم نكن باحثين عن الحقيقة، ولكن كان، هو، يحاول الزج بي في مأزق الاتهام، وكنت أصارعه من أجل إنقاذ نفسي ..، وفي مثل هذا الموقف، يكفي صدقاً، ألا أقول كذباً، ولو قلت بعض الحقيقة، أوأخفيتها، فلم أقلها ..، وحتى، لو قلت ما يخالف الحقيقة، فإنني لا أكون كاذباً .
ولن يكون مثلي في هذا، إلا مثل سيدنا إبراهيم، بعد أن حطم بيده أصنام قومه " قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم ؟ قال : بل فعله كبيرهم هذا فاسألوه "
*لم يكذب إبراهيم .....وصدق الله العظيم.
( انتهى )
عصمت سيف الدولة
... أما بعد ...!
بهذا، نختتم هذه "الاحتفالية بالذكرى" الـ 50 للجمهورية العربية المتحدة ، بعد أن أخلينا الحلقات الأخيرة من "بساط الثلاثاء" لوثيقتين هامتين" من وجهة نظرنا ، ولم يكن ذلك بهدف استحضار الماضي ، وإنما للدلالة على أمور عديدة :
1 – إن هيمنة "الأجهزة التنفيذية" على مؤسسات المجتمع، ومؤسسات الدولة، قد سلب تلك المؤسسات هيبتها، ومصداقيتها، وكيانيتها الاعتبارية ، بما في ذلك المؤسسات القضائية، فرغم تهافت الأدلة، في القضية /37/ لعام 1972 ،جاءت الأحكام من خارج السياق القانوني، حيث حكم على الدكتور عصمت سيف الدولة ورفاقه الآخرين بعشر سنوات سجن مع الأشغال والتجريد لكل منهم .. وبالتالي فإن ميدان البحث عن العدالة .. تعدى ساحات القضاء، إلى مفاصل المجتمع العربي، ومؤسساته كلها .
2 – إن الاحتفاء " بالعربية المتحدة " كان تحفيزا، للجيل العربي الجديد، تأسيسا على أن آبائهم، وأجدادهم، من ذلك الجيل، الذي حمل راية النهوض، والتحرير، والتنوير لم يرفع الراية البيضاء بمجرد وقوع جريمة انفصال الإقليم الشمالي، وإنما حاولوا ، وضحوا، بغض النظر، عن الهزائم، والانكسارات، والمعركة لاتزال في أوج استعارها، رغم المحاولات الهائلة، لفرض الاستسلام، والاستلاب ، فأعداء الأمة العربية انتصروا ، ولكن إلى حين ، وتيار النهوض القومي التحرري التنويري انهزم ، ولكن أيضاً إلى حين .. وعندما يحين موعد استئناف مسيرة النهوض، والتنوير القومي التحريري، فإن هذا يعني بالتحديد، أن الأوان قد آن ليحين وضع حد لأعداء الأمة العربية، من أول المستبدين، والطغاة في الداخل، إلى آخر الغزاة ، وقوى الهيمنة الخارجية ..
3 – إن القضية الأساس في اللحظة العربية الراهنة هي : كيف ، ومتى ، وأين وبمن ، وبماذا يتم استئناف مشروع النهوض، والتنوير القومي العربي ..؟ وكل ما عدا ذلك، مجرد تفاصيل، ترتبط بالقضية الأساس ، وهذا يفرض علينا، وعلى سوانا، أن نعترف بداية، أن مؤسسات، ومشاريع، وأفكار النهوض، والتنوير التي كانت الأسساس للنضال القومي، في القرن المنصرم، تحولت الآن، وفي هذه اللحظة الراهنة، إلى مجرد أشلاء مبعثرة في ساحة تشتعل فيها الحرائق ، وتتبختر فيها الوحوش الكاسرة ، وتدب على أراضيها، كافة أشكال الهوائم المحلية، والدولية ، تنكل بالجثث، وتستنفر أجهزة الاستشعار لديها لاستكشاف الساحة العربية من المحيط إلى الخليج، للانقضاض بضربات استباقية على رأس أي حراك نهضوي في الوطن العربي ..
4 – إن مواجهة ذلك، يفرض على الجادين في استئناف مشروع النهضة والتنوير، أكبر قدر ممكن من المصداقية، والشجاعة، والمراجعة، حتى لو كانت مرة ، وهذا يعني، أنه لا يكفي، أن نعرف لماذا حصل ما حصل ، فتلك المعرفة تفقد قيمتها، إذا لم تترافق مع توفير مناخ شامل، ورؤية صائبة للخروج من المحنة ، وبالتالي تحقيق ما يجب ، ليحصل، ما يجب أن يحصل .. وتنهض هذه الأمة من كبوة استمرت أكثر مما ينبغي ، وهذا كله برسم الجيل العربي الجديد .. فلم يبق لجيلنا إلا أن يلقي تحية الوداع ... وبما يخصني ، فقد قررت أن أفرش تحية الوداع تلك، على "بساط الثلاثاء" الذي سيبقىً ممدودا نطرح عليه الهموم ، والشجون، والأحزان، والورود ،وربما – من يدري -- للاحتفاء مجددا، بجمهورية المستقبل العربية المتحدة، وسيبقى "بساط الثلاثاء" رحبا،ومتاحاً، لكل من يريد، أن يقول كلمة، أو يقرأ كلمة ، أو يحاور، أو يتحاور، حول فكرة ، أو يلقي سؤالا، أو يساهم في تقديم جواب ..
وبالتالي سأحتفظ بمكاني في زاوية من زوايا " بساط الثلاثاء " أرحّب، وأودع، وأقول،وأكتب، وأستمع، وأحاور ...
فإلى اللقاء .. على "بساط" أرجو أن نساهم جميعاً في نسجه .. عله يمتد بين المحيط والخليج .. نتحلق، في فضائه الرحب، جماعات متراصة، تتحاور، وتحاور .. ثم من يدري ....ربما يضيق الشباب، بالجلوس الطويل، مع العجائز، أمثالنا، فينطلقون إلى ساحات النضال التي طال انتظارها لعقولهم النيرة ،والحكيمة حيث ‘ للفعل ‘ طعم الانتصار ...... .
" يــــــــــتبع "
حبيب عيسى
E-mail: habib.issa@yahoo.com


