( تتمة ملاحظات "6" ....... عصمت سيف الدولة )
......ثم أنني استشهدت في التحقيق بالسيد أمين جدعان، والسيد جاسم علوان، ويمكن أن تضاف إليهما قائمة طويلة، ولكني اخترت الأول لأنه من أنشط الشباب العربي، وأكثرهم اتصالاً بالطلاب العرب المقيمين في القاهرة، ويتردد على مكتبي وقابل فيه عشرات ..، واخترت الثاني، لأنه، وعن طريقه، أو بتوصية منه استقبلت في مكتبي عشرات الوافدين من الوطن العربي، وهو نفسه كان يتردد على مكتبي، وقابل فيه عشرات .
ثم من يدري، لقد أحسب، أن النيابة العامة، أو رئاسة الجمهورية قد تلقت عشرات الرسائل، والبرقيات من أساتذتي، وزملائي، وتلامذتي، من العرب القوميين التقدميين في الوطن العربي، وفي الخارج، الذين سمعوا بما تعرضت له من قبض علي، واتهام .. فإن لم يكن فلا بأس .. ،فإني لا أحاول إلا إثبات أن محمد عبد الشفيع لم يكن إلا واحداً ممن يترددون على مكتبي .. ويمكن سؤاله هو نفسه عن هذا .........
هذا هو محمد عبد الشفيع بالنسبة إلي – فماذا يفعل ؟ .. لقد كان ينشط في جملة دوائر فهو :
1 ) موظف في قسم الشؤون العربية في رئاسة الجمهورية ... وهو :
2 ) عضو في قيادة تنظيم " الطليعة العربية " السري "فتحي الديب" .. وهو :
3 ) عضو في تنظيم طليعة الاشتراكيين السري .. وهو :
4 ) مسؤول التثقيف في منظمة الشباب .. وهو :
5 ) الممثل للشباب العربي، في مصر، في كل المؤتمرات الخارجية ....
* ) وهو – أخيراً – ذو صلة فكرية بي .. إن نشاطه الفذ، متعدد الدوائر، قد سمح لهذه الدوائر أن تتداخل خلال حركته اليومية، فكما أن لديه نسخة من "بيان طارق" ، لديه الوثائق السرية "للطليعة العربية" ..، ولديه النشرات السرية "لطليعة الاشتراكيين .."، ولديه دراسات "منظمة الشباب الاشتراكي .."، ولديه جواز سفر يتجول به في أوروبا، وفي الوطن العربي، ويحضر به المؤتمرات، رأت الجهات التي أصدرته، أن تثبت فيه أن محمد عبد الشفيع " صحفي " ..من بين كل هذه العلاقات التي يدور فيها نشاط محمد عبد الشفيع، اختار مخرجوا هذه القضية، علاقته بي ليجعلوا منها "جريمة" .. ولو كان محمد عبد الشفيع "مجرماً"، لكان أولى، أن يتهم، أو يقدم إلى المحاكمة، كل الذين يشاطرون محمد عبد الشفيع نشاطاته المتعددة، أو على الأقل، الذين ساعدوه على تسهيل نشاطه، مع إخفاء شخصيته، فأصدروا له جواز سفر "مزور" .
إن هناك مثلين أضربهما للكشف عما وراء هذا الاختيار، من محاولة افتعال قضية أنا المقصود بها أولاً، وأخيراً .
الأول : ذكر محمد عبد الشفيع، في التحقيق، أنه اجتمع بي، في منزلي، في الصيف الماضي، وكان معه محمد الحبوبي ( عراقي مقيم في القاهرة )، وسامي يوسف الأعرج ( فلسطيني موجود في القاهرة وقت التحقيق )، وقال أنني، في ذلك الاجتماع، كنت استحثهم على العمل القومي "تنظيميا" .. الواقعة صحيحة، ماعدا موضوع الحديث .. فقد كان الحديث ، على ما أذكر ، عن إعلان بني غازي (اتحاد الجمهوريات العربية)، وآثاره الإيجابية بالنسبة إلى الحركة العربية الواحدة .. ،على أية حال، فإن المهم هو، ما جاء على لسانه في التحقيق، وسألني المحقق عنه .. الاستنتاج البديهي من أقوال محمد عبد الشفيع، أن العمل الذي كنت استحثهم على أدائه هو مهمة مشتركة بيني، وبينهم، بما فيهم، هو ..، الأمر إذن لا يخرج عن واحد من اثنين : إما، أن ما كنت استحثهم على أدائه، هو عمل مشروع، ولهذا لم يقبض على محمد الحبوبي، أو سامي الأعرج، ويكون اتهام محمد عبد الشفيع، واتهامي بأن لي علاقة بعمل غير مشروع، اتهاماً ساقطاً من أساسه، .. وإما، أن ما كنت استحثهم عليه عمل غير مشروع، وهو موضوع اتهامي الحالي، واتهام محمد عبد الشفيع، وفي هذه الحالة، كان يجب القبض على شريكينا الآخرين ...، ولكن مباحث أمن الدولة، كما انتقت علاقة محمد عبد الشفيع بي، من دون باقي علاقاته، اكتفت به، دون محمد الحبوبي، وسامي الأعرج، لأنها كانت تبحث عن اتهام عصمت سيف الدولة، ولم تكن تبحث عن جريمة ارتكبها عصمت سيف الدولة .....
المثل الثاني : أسامة الغزالي، وعبد القادر أحمد شهيب، وجدت المباحث أسميهما ،في المفكرة، عندي، ووجدت المباحث أسميهما في قائمة الأسماء عند محمد عبد الشفيع .. وذكر محمد عبد الشفيع في التحقيق أنه جندهما للتنظيم، وأعطاهما أسماء حركية .. واعترف أسامة بهذا ..وقبض عليهما، ثم أفرج عنهما بدون اتهام .. والأمر هنا لا يخرج عن واحد من اثنين : إما أن محمد عبد الشفيع صادق، وأن وجود اسميهما الحقيقيين، والحركيين، كان كافيا للاتهام، وكان يجب أن يقدما إلى المحاكمة، وإما أن محمد عبد الشفيع ليس صادقاً، وأن اعترافهما بالتجنيد، والأسماء الحركية ليس كافياً، وكان يجب أن يخلي سبيلي مثلهما ..، ولكن مباحث أمن الدولة ، وكما انتقت علاقة محمد عبد الشفيع بي دون باقي علاقاته، اكتفت به، لتتهمني من خلاله، وأخلت سبيل الآخرين، ذلك، لأنها لم تكن تبحث عن جريمة، ولاعن مجرمين، إنما كانت تبحث عمن يتهم عصمت سيف الدولة، وكان محمد عبد الشفيع كافياً – بل أنني – بعد أن لمحت طريقة تفكير رجال مباحث أمن الدولة، لا أشك لحظة، في أنهم أخلوا سبيل كثيرين ممن قبض عليهم، ثم قسموا الباقي إلى مجموعتين ، مجموعة تحاكم معي، ومجموعة تحاكم فيما بعد، وما تزال تنتظر في السجون ، إلا أن المباحث لم تكن تريد إلا أن تنتقي شهوداً على عصمت سيف الدولة، وبشرط ، أيضاً ، أن يكون عددهم قليلاً، ليبدو هو صغير، من خلال تنظيمه الصغير ..،فالمقصود، ليس اتهاماً فقط، بل: اتهام وتهوين ..، هكذا فكر، ودبر الذين ضاقوا ذرعاً بكلمات منشورة كتبها عصمت سيف الدولة...... .
ثانياً : محمد عبد العزيز السخاوي :
هذا هو الشخص الثاني، الذي أدلى بأقوال خاصة بي، واجهني بها المحقق، فقال: أنه زارني، مع محمد عبد الشفيع، في مكتبي، مرتين، وقد سبق أن أوضحت الأسباب التي عاد من اجلها محمد عبد العزيز السخاوي ليذكر، بعد عشرين يوماً من التحقيق، أنه زارني مرتين، بعد أن كان قد قرر في أول التحقيق، أنه زارني مرة واحدة ، وأضيف هنا، أن محمد السخاوي زارني مرة واحدة، منذ خمس سنوات تقريباً، وقدمه لي محمد عبد الشفيع على أنه، من موظفي مصلحة الأملاك، وأنني في يوم 9/1/1972 سألت محمد عبد الشفيع عن اسم صديقه الذي في مصلحة الأملاك لأستعين به في شؤون خاصة بي في المصلحة ( في أوراقي ملف الخصومة بيني وبين مصلحة الأملاك والصلح الذي لم يتم ) فذكر لي اسمه ، الذي كنت قد نسيته ، ورقم تليفونه فكتبتهما في الأجندة حتى لا أنساه مرة أخرى، ومن ناحية أخرى، وجد اسمه مكتوباً في ورقة 31/12/69 من المفكرة المضبوطة في مكتبي : محمد السخاوي الشهاوي ( اقتصاد ) – فهل يمكن أن يدل هذا على أني أعرف محمد السخاوي ..، ولو كنت أتذكره، لما كتبت اسمه، ورقم تليفونه .. لا اسمه، ولا رقم تليفونه واردان في قائمة أسماء، وتليفونات الناس الذين أعرفهم ( مضبوطة من مكتبي نوت التليفونات في السبع سنوات الماضية وليس فيها اسمه ) ،ولو كنت أذكر أن له اسماً حركياً، لما كتبت اسمه الحقيقي .
ثالثاً : محمد عبد الشفيع والسخاوي معاً :
المفروض ، طبقاً لقرار الاتهام، أنني مع هذين الشخصين ، وآخرين قد أنشأنا تنظيماً، سرياً، له كل تلك الدراسات الدقيقة، من تأمين الاتصال، والمراقبة .. إلى آخر ما جاء في قرار الاتهام، وأني في موقع القيادة منهما ( ألست صاحب بيان طارق ؟ ) ومع ذلك يقبض على محمد السخاوي يوم 5/2/1972 ،ويقبض على محمد عبد الشفيع يوم 9/2/1972، ولا أدري أنا، صاحب التنظيم، ومنشؤه، ومديره، ومنظمه ،شيئاً عن تنظيمي الذي وقع في قبضة مباحث أمن الدولة، فأظل قابعاً في مكتبي، إلى أن يقبض علي، ويفتش، فيجد فيه رجال مباحث أمن الدولة، كل تلك الأوراق التي ضبطوها، بما فيها اسم محمد عبد الشفيع، واسم السخاوي .. أي تنظيم هذا ؟ وأي علاقة هذه بين قيادته ؟ .. محمد عبد الشفيع المكلف مني، سنة 1968 كما يقول "قرار الاتهام"، بأن ينشئ التنظيم، ويحيطني، أولاً بأول، عن مراحل تكوينه، وأعضائه .. الخ،لايبدأ في التكوين إلا في سنة 1970، ثم لا يفعل بعد ذلك شيئاً، ثم أخيرا، يظل هو أيضاً قابعاً في منزله، خمسة أيام، محتفظاً بجميع أوراق "التنظيم السري الخطير"، بينما، محمد الخاوي، عضو النواة، التي هو – أي محمد عبد الشفيع –رائدها، وقائدها، مقبوض عليه، إلى أن تأتي مباحث أمن الدولة فتضع يدها على كل أوراق "التنظيم" .. أي تنظيم هذا ..؟ أما عضو النواة القيادية الثالث حسن مكي، فيظل محتفظاً في منزله بالآلة الكاتبة ( الخردة ) المعدة لاستعمالها في التنظيم، خمسة أيام، إلى أن تضبط معه، مع أنه – كما جاء في قرار الاتهام – مسؤول التنظيم الذي يشرف على اجتماعاته ، أي تنظيم هذا ..؟، محمد عبد الشفيع يبقى أربعة سنوات لا يضم للتنظيم كادرا واحداً، وحسن مكي يبقى أربع سنوات لا يضم للتنظيم إلا كادرا واحداً، ومحمد السخاوي يضم إلى التنظيم من يشاء، ويكون مجموعتين تحت رئاسته بعيداً عن النواة القيادية......، ومع ذلك، فأنا،في نظر المباحث، منشئ، ومنظم، ومدير، هذا التنظيم الخطير الذي لا أعرف أحداً فيه، ولا يعرفني فيه أحد .. أي تنظيم هذا ؟ ألم أقل أنه ليس اتهاماً فقط ، بل تهويناً أيضاً .. وليس تنظيماً، بل مجموعة شهود، لإدانة عصمت سيف الدولة .
الخـــلاصــــــــــــــة :
إنه في حدود ما أعلم من عناصر التحقيق ، وإذا صح ما هو منسوب إلى باقي المتهمين من أقوال، أو أفعال، تكون أدلة الثبوت ضدي غير كافية، لإثبات التهمة الموجهة إلي ، غير أنني لا أكتفي بهذا ، بل أقدم فيما يلي أدلة مادية، وقولية، لأنفي نفياً حاسماً، إمكان وجود أساس لما يسند إلي من :
أولاً : إنشاء تنظيم، ولو كان تنظيماً قومياً اشتراكياً، ولو كان الحركة العربية الواحدة .
ثانياً : إنشاء تنظيم، أياً كانت غايته ، أي حتى لو كانت مشروعه، في مصر العربية.
ثالثاً : إنشاء تنظيم، على مثل المبادئ التي وردت في الأوراق المنسوبة إلى باقي المتهمين .
القسم الثاني : أدلة النفي
إن هذه الدعوى، دعوى سياسية ، بمعنى، أن ما هو منسوب إلي، هو أنني أنشأت، وأدرت، ونظمت "منظمة سياسية" بقصد تحقيق أهداف سياسية، ومن حسن حظي، أو من سوء حظ الذين أرادوا لي الاتهام، أنني لست في هذه الدعوى متهماً عادياً كباقي المتهمين ، ذلك لأنني، منذ عشر سنوات، لم أكف يوماً عن الكتابة لتحديد أهدافي السياسية، والدعوة إليها .. فبالإضافة إلى عشرات المحاضرات، والمقالات ألفت الكتب التالية :
1 ) ثلاث كتيبات للعمال والفلاحين باللغة العربية الدارجة في مصر تحت العناوين: "يعني إيه القومية؟ "،" يعني إيه الاشتراكية؟ "، "يعني إيه الحرية؟" ( 1962 ) .
2 ) أسس الاشتراكية العربية ( 1965 ) .
3 ) الطريق إلى الوحدة العربية ( 1966 ) .
5 ) وحدة القوى العربية التقدمية ( 1968 ) .
6 ) ما العمل ؟ ( 1969 ) .
7 ) الطريق إلى الديمقراطية ( 1970 ) .
8 ) نظرية الثورة العربية (1971).
فليس من السهل على أحد،بعد هذا كله، أن ينسب إلي مبادئ، أو أهداف سياسية مخالفة، أو مناقضة لتلك المبادئ،والأهداف، التي لم أتوقف عن إعلانها، والدفاع عنها ، لا يمكنه، إلا إذا زعم، أنني بينما أتقدم إلى الجماهير العربية، بمبادئ، وأهداف، أربط بها اسمي، ربطاً علنياً، أخفي عن الناس مبادئ، وأعمل على أهداف مخالفة، أو مناقضة، وأنشئ حول ما أخفيه ،تنظيماً سرياً . إن هذا يبدو مضحكاً، ومع ذلك، فلنرى كيف يمكن تنفيذه ..؟، أعني هل من الممكن تنفيذه ..؟، إن أية منظمة سياسية لا تقوم إلا على أساس من الوحدة الفكرية، والثقة المتبادلة بإيمان كل أعضائها بالمبادئ التي وحدت بينهم، فهب أنني أردت سراً أن أقنع إنسان ، أي إنسان، يصلح لكي يكون عضواً في "تنظيم سري" محفوفة طريقه بالمخاطرة، بأن يشترك معي في منظمة سياسية على مبادئ مخالفة، أو مناقضة لما أعلنته، ودافعت عنه، وارتبط اسمي به، وهي كلها، مبادئ، وأهداف، عرضت على أجهزة الرقابة في الدولة، "هي، وطريقة التعبير عنها"، فوافقت الدولة على أن أنشرها على الناس، وأدعو إليها .. ذلك، لأن كل كتبي ومقالاتي – ما عدا الكتاب الأخير – عرضت قبل نشرها على الرقابة طبقاً للقوانين النافذة، فصرحت الرقابة بنشرها، أو بتداولها في مصر ، والرقابة، في هذه الخصوصية ، هي ممثلة السلطات في الدولة، والتصريح بالنشر، أي حق التعبير العلني عن تلك المبادئ، والأهداف، واستعمال الحق، لا يمكن أن يكون جريمة، بل أنه حتى عندما يكون الفعل جريمة، يصبح استعمال الحق سبباً للإباحة، هذه بدهيات قانونية، ولكنها تدفع "الاتهام" إلى طريق مسدود، أو تكشف الطريق السدود الذي يسير فيه "الاتهام" ..لماذا ؟ لأنه يتهمني بإنشاء، وإدارة منظمة سياسية ، فلنرى كيف أنني من حيث المبادئ التي أعلنتها، وارتبطت بها في كتاباتي، لا يمكن، بل يستحيل أن تنسب إلي تلك التهمة ...؟
أولاً : إنشاء تنظيم قومي :
إنني أقر، أن كل نشاطي الفكري مخصص لخدمة الدعوة لإنشاء "التنظيم القومي" .. كل كتبي، ليست إلا دراسات في الفكر القومي التقدمي ، والواقع القومي ، والمصير القومي ، غايتها المساهمة في إنضاج "الوحدة الفكرية" بين الشباب العربي، تمهيداً لوحدتهم في "تنظيم قومي" ، والتنظيم القومي الذي أخدمه، لا أخفيه، فإن خصائصه واردة في الفصل السابع من أول كتبي " أسس الاشتراكية العربية" "1965، وهناك ، ومنذ البداية أسميته " الطليعة العربية "، أنا إذن، داعية لإنشاء تنظيم قومي، باسم "الطليعة العربية" .. ولكن متى.. ؟، هذا هو السؤال الذي يهم القانون .. ،لأن القانون " لا يهتم " بالمصير العربي، وما نرجوه له....، إن ما يهم القانون هو: " الواقع " الذي يحميه .. وأنا متهم بإنشاء، وإدارة تنظيم في مدة محددة في قرار الاتهام بأنها تمتد، من أول يناير 1968، حتى 5 فبراير 1972، وهو ما لا يمكن، بل يستحيل، أن ينسب إلي نسبة صحيحة لما يأتي :
1 ) إن "بيان طارق" هو الدليل الأول على هذا .. إذ، أن "بيان طارق"، هو دعوة مني، لتأجيل إنشاء "التنظيم القومي" إلى ما بعد مرحلة تمهيد فكري يتكاثر خلالها "أنصار الطليعة العربية" في كل الأقطار العربية، إلى أن يستطيعوا " هم "، أن يعقدوا " هم "، مؤتمراً، يؤسسون " هم " فيه تنظيمهم القومي .. لو أن كل هذه الشروط تحققت، وقبض علي، وأنا منصرف – مثلاً – من المؤتمر التأسيسي الذي أنشأ "التنظيم القومي"، لكانت هذه التهمة، جدية بأن تنسب إلي، ولكنت بها "جد سعيد" ..، أما أن ينسب إلي، أنني، أنا، وثلاثة شباب من مصر، قد أنشأنا تنظيماً، فهي نسبة غير شرعية، ولو كان التنظيم يستهدف دولة الوحدة الاشتراكية .. ذلك لأنني لم أفعل شيئاً في "بيان طارق" إلا أن أحذر من هذا الأسلوب فأدنته ،وأدينه، ونصوص التحذير، والإدانة في "بيان طارق" واضحة الدلالة، ولا تحتمل أي تأويل..... .
2 ) قد يقال، أن تلك هي الفكرة القديمة، لأن "بيان طارق" كتب سنة 1966، وإني قد أكون غيرت رأيي، فلم أصبر على "أنصار الطليعة العربية" إلى أن ينشئوا تنظيمهم القومي، بأسلوبهم، الذي دعوت له أولاً، فسارعت بإنشاء التنظيم بنفسي .. الرد سهل ..فآخر ما كتبته، ونشر لي، في هذا الموضوع، كانت المقالة المعنونة : " تنظيم قومي من أجل الوحدة والاشتراكية " ( مجلة الكاتب إبريل 1971 )، في تلك المقالة أعدت طرح ذات الفكرة ، وأدنت، إدانة صارمة، الأسلوب الذي أسميته في المقالة: " أسلوب الصفوة "، أي أن يجتمع بضعة أفراد، ويتفقوا على مبادئ معينة، ويعلنوا أنهم ( هم التنظيم القومي، أو مؤسسوا التنظيم القومي، ويدعون الناس إليه ..)، لقد سخرت منهم، في المقالة، "سخرية مرة"، وانتهيت فيها، إلى ما ينفي، أن يكون "التنظيم" الذي ينشأ بهذا الأسلوب "تنظيماً قومياً" أصلاً، ولو رفع شعارات قومية . وأوضحت أن الولاء للمبادئ القومية، والتطبيق الفعلي لمفهومي للقومية، في خصوصية أسلوب قيام "التنظيم القومي" ،هو: أن ينشأ التنظيم ديمقراطياً، حتى لا يتحول "التنظيم القومي" إلى تنظيم شلة، أو فرد .. إلى آخر ما جاء في المقالة...، فكيف ينسب إلي بعد ذلك... أنني اتفقت اتفاقاً " ثنائياً " مع محمد عبد الشفيع، على إنشاء تنظيم، وإداراته......... ؟
3 ) في القاهرة، "جماعة علنية"، ذات مقر، في شارع عبد الخالق ثروت، تسمي نفسها: " جمعية تخليد القائد عبد الناصر " ،تضم مجموعة من الشباب العربي، من مصر، ومن غير مصر ، وقد حددت أغراضها في نشرتها الأولى ( في أوراقي نسخة منها تقدم إلى المحكمة )، فإذا بتلك الأغراض، تتضمن: إنشاء فروع لها في الأقطار العربية، وتعميق فكر عبد الناصر ، والخط القومي ..ألخ ،وقد حدث الآتي: في مساء يوم السبت 12/2/1972 ذهبت إلى فندق "سمير اميس" ،ووجدت هناك الدكتور عبد الكريم أحمد وكيل وزارة التعليم العالي ،والدكتور محمد خلف الله وكيل وزارة الثقافة ،والدكتور عبد العزيز الأهواني الأستاذ بكلية الآداب (جامعة القاهرة)،والسيد جاسم علوان قائد ثورة 63 ضد الانفصال في سورية ،والمقيم حاليا في القاهرة،ووجدت أمين سر جمعية تخليد القائد عبد الناصر ،والسيد عبد الوهاب مشعل عضو مجلس إدارتها، يطلبان من الدكتور عبد الكريم احمد، أن يكتب دراسة في موضوع معين ،تكون خاصة للجمعية ،لتقوم الجمعية بطباعتها ،وتوزيعها على أعضائها، وفروعها في الوطن العربي .ثم تبين، أثناء الحديث، أن الدكتور عبد الكريم احمد، ليس إلا واحدا من قائمة، معهما، تتضمن أسماء الكتاب، والمفكرين الذين رأت الجمعية أن تحصل منهم على أبحاث، ودراسات في القضايا القومية، تنشرها الجمعية باسمها، كجزء من نشاطها، وكان أسمي في تلك القائمة، فعرض علي مندوبا الجمعية، أن أعد لها "البحث" الذي اختارت موضوعه، فاعتذرت، ودعوت – أمامهما – الدكتور عبد الكريم احمد، ألا يتسرع بالقبول... وكانت حجتي بالنص: أنني أستشف من أغراض الجمعية، وطريقة انتشارها، كما جاء في نشرتها الأولى، أنها، إما أن تكون تنظيما سياسيا، وإما أنها قابلة، من خلال ممارستها نشاطها، إلى أن تتحول إلى تنظيم سياسي، وأنني لاأقبل، أن أكتب أبحاثا تخدم أهداف تنظيم سياسي معين، لإني أرى في ذلك، نوعا من الرابطة التنظيمية، الذي أرفضه، ولو كانت الأهداف قومية .ولفت الاعتراض، نظر الدكتور عبد الكريم احمد، الذي طلب الاطلاع على "نشرة الجمعية" فقرأناها جميعا، معا، وتناقشنا فيها، وانتهينا إلى أن النشرة لاتتضمن، أو توحي بالمخاطر التي أستشفها فيها .واقتنعت بما شرحوا، فقبلت أن أقدم "للجمعية"، البحث، الذي طلبته مني .. وبالمناسبة ،وحتى لايقال، كيف أعطي محمد عبد الشفيع آلة كاتبة، بدون مقابل، وأعطي يسري مرعي ،حجرة، بدون مقابل .فقد طلب مني ممثلا "جمعية تخليد القائد عبد الناصر" في تلك الجلسة،أيضا، أن أصرح لهما، بإعادة طبع أحد كتبي (وحدة القوى العربية التقدمية) ،بدون مقابل، على أن تبيعه الجمعية لحسابها، فقبلت دون تردد ..، هذه إذن جماعة مكونة من شباب عربي، من مختلف الأقطار، ولها فروع في الوطن العربي، فهي مشروع جاهز لمن يريد "تنظيما قوميا".رفضت الكتابة لها، بمجرد أن جال بخاطري، أنها قد تتحول في المستقبل إلى تنظيم قومي.... بالرغم من موافقتي على دعوتها....،وعندما زالت شكوكي بهذا الشأن، وافقت على الكتابة إليها، بل وأكثر من ذلك.......... فهل ينسب إلى من يحذر من الاقتراب، ولو خطوة واحدة، من أي تنظيم تنشئه "جماعة" ...،أنه قد أنشأ مع ثلاثة من الشباب تنظيما قوميا...؟
لقد طلبت في التحقيق، سماع أقوال الدكتور عبد الكريم احمد عن هذه الواقعة لإنها تثبت موقفي الرافض، لأية محاولة تنظيمية، أو من الممكن أن تتحول إلى تنظيم الآن... عن طريق قلة من الشباب تتصدى للإنشاء، ولو كانت الأهداف قومية ..وهو موقف آخر لحظة....، كما يمكن أن يقال، لأنه سابق على القبض علي، بثلاثة أيام فقط....ولكن النيابة العامة لم تستمع إلى أقوال الدكتور عبد الكريم احمد.فلتستمع إليه المحكمة إذن...
4) ويشهد الدكتور عبد الكريم احمد، أيضا، أنه، والدكتور محمد خلف الله، والدكتور عبد العزيز الأهواني، والسيد جاسم علوان، والأستاذ عبد الله الرجاوي، وآخرين، من مصر، ومن أحرار العرب، المقيمين في القاهرة، وأنا معهم، نلتقي مساء كل سبت في "فندق سمير اميس" منذ سبع سنوات، تقريبا، بانتظام، ماعدا الأعذار الطارئة ، والإجازات، وأننا ننتمي جميعا، بالرغم من بعض الخلافات، إلى مدرسة فكرية واحدة، هي المدرسة القومية الاشتراكية ،وأننا نناقش في كل لقاء مايعن، لأي واحد منا، إثارته من موضوعات فكرية، أو سياسية،وأن مناقشة فكرة الحركة العربية الواحدة، تشكل موضوعا رئيسيا من مناقشاتنا ،وأننا في نطاق تهيئة المناخ للحركة العربية الواحدة الذي نص عليه الدستور، نحاول أن نساهم، بشيء إيجابي، فاتفقنا في لقاء السبت، السابق على عيد رمضان، أن ننشىء جمعية اسمها "جمعية المثقفين العرب"، وكلفوني أن أكتب قانونها، وبالفعل كتبت قانونها، واختاروني رئيسا، وأمينا عاما لها ،ووقعنا على وثائقها، وأخذها الدكتور عبد الكريم احمد، ليقدمها إلى وزارة الشؤون الاجتماعية، للحصول على ترخيص بها ،هكذا كنت أفكر، وأرى مع هؤلاء الذين هم زملائي، وأصدقائي، وأندادي سنا، وثقافة، المتفقين معي فكرا، وغاية...،ولو خطر لي مرة، أن أنشيء تنظيما قوميا، لكان أولى بي، أن أفاتح، أي واحد منهم في الأمر، وأدعوه إليه، ويستطيع كل واحد منهم،( وإن كنت أكتفي بالدكتور عبد الكريم احمد، وجاسم علوان، لإنهما يشهدان على وقائع أخرى)، أن يشهد، بإني لم أفاتح، أي واحد منهم، لاتصريحا، ولاتلميحا، ولم أعرض، مجرد عرض، فكرة، أن نقوم معا، أو يقوم بعضنا، بإنشاء "التنظيم القومي" ،وأنني كنت دائما، أؤكد، أن ذلك، من حق الشعب العربي وحده، وليس من حق الصفوة المثقفة منه ..... أليس غريبا أن ينسب إلي أن أترك كل هؤلاء الأصدقاء الناضجين، سنا، وثقافة، الموثوقين صداقة، الموحدين فكرا، وأن لاأختار منهم أحدا، فأفاتحه، بتنظيم أريد أنشاؤه....؟ على أي حال، إني أثبت هنا، أنني: – أصلا -- ضد إنشاء "التنظيم القومي" بتلك الطريقة، الفردية، أو الشللية، التي تنسبها إلي النيابة....وأن أثبت هنا أيضا، بإنني لم أزل، حتى آخر لحظة، مؤمنا بصحة أسلوب "بيان طارق" الذي كتبته في عام 1966 ........
5) بل، أني أستشهد على هذا "بمباحث امن الدولة"...فبمناسبة انعقاد مؤتمر الطلبة العرب الوحدويين في طرابلس الغرب يوم 22 سبتمبر 1971 تقدم الدكتور احمد صدقي الدجاني، وكان يعمل مع فتحي الدين، ومن بعده مع حافظ عزيز الذي خلف فتحي الديب ... تقدم الدكتور الدجاني بتقرير، ينسب إلي فيه، أن لي صفة تنظيمية، مع مجموعات الطلبة العرب، الذين سيحضرون المؤتمر، وأنني سأحاول عن طريقهم أفساد المؤتمر .... ورفع حافظ عزيز التقرير إلى "إدارة مباحث أمن الدولة". وجاء رد، مباحث أمن الدولة، إلى السيد حافظ عزيز في أكتوبر، أو نوفمبر 1971، تقول فيه بالنص :إن ماينسبه الدكتور احمد صدقي الدجاني، إلى الدكتور عصمت سيف الدولة، من علاقة تنظيمية بالشباب العربي، هو "محض افتراء". ،ومن قبل عرفت من مدير إدارة "مباحث امن الدولة" اللواء حسن طلعت، أنه – بناء على تبليغ آخر من فتحي الديب – ،وعلى رقابة صارمة، فقد تحققت "مباحث امن الدولة"، من، أن كثيرا من الشباب العربي يلتفون حول أفكاري ،وبعضهم يدعي، أن له علاقة تنظيمية معي، وأن ذلك غير صحيح... (لقد طلبت في التحقيق ضم تلك التقارير، فإذا كانت لم تضم، فإني أطلب من المحكمة ضمها ) إذن.....، فحتى أوراق "مباحث امن الدولة"، تثبت استحالة، أن ينسب إلي، أنشاء تنظيمن بتلك الطريقة، ولو كان تنظيما قوميا....
مؤدى هذا، بمجمله، أنني بحكم المبادئ، التي ارتبط بها، مع الجماهير العربية، وأمامها ،والتي لم تتغير منذ عام 1965، حتى الآن، أرفض أن أتسرع، أنا، أو أي واحد آخر، أو مجموعة من الناس ... إلى أنشاء "تنظيم قومي"، وأعتبر هذا مصادرة لإصحاب الحق في إنشائه، وهم: الجماهير العربية ...حصرا: الجماهير العربية....
( يتبع "7" ملاحظات...عصمت سيف الدولة "الحلقة الأخيرة" )


