الجمهورية العربية المتحدة ( 14 ) ملاحظات للدفاع في الجناية /37/ لسنة 1972  -  (  4  ) أمن دولة عليا 

 - عصمت سيف الدولة

( تتمة 4 ملاحظات ... عصمت سيف الدولة )

 

ثانياً : طبيعة بيان طارق :

ما هي طبيعة بيان طارق ؟ هل هو كتاب – أم مقال – أم نشرة، أم منشور – أم نداء، أم رسالة ؟ هل هو علني، أم سري ؟ - لقد كتبت بيان طارق، كدراسة، وكثيراً ما كتبت دراسات مثله، إما لكي تتحول بعد ذلك إلى مقال، أو إلى جزء من كتاب، أو أن تبقى معي ( أمثلة كثيرة مضبوطة )، وقد كتبت دراسات مثله لغيري، ومنها الدراسة التي كتبتها عن البرجوازية الصغيرة بناء على طلب التنظيم الناصري في لبنان ( إتحاد قوى الشعب العاملة )، وهو من بين المضبوطات في صيغة خطاب ...، كذلك الأمر بالنسبة للرد المطول على بيان المؤتمر القومي لحزب البعث السوري الذي انعقد سنة 1968 ، لقد أعددت الرد، وقام بطباعته، وقام بتوزيعه في سورية، الاتحاد الاشتراكي السوري، ويشهد بذلك السيد "جاسم علوان" الأمين السابق للإتحاد الاشتراكي العربي في سورية، الذي أخذ الدراسة مني ، وقد كان "بيان طارق"، قبل أن يسمى بيان طارق، دراسة من هذا النوع، أعددتها بناء على طلب أمين عام حركة "الوحدويين الاشتراكيين في سورية" – المحامي محمد الخير - الذي قام بطباعته، وأعطاني نسختين منه . وفي صيغة البيان تأكيد لطبيعته الدراسية، فهو لا يتضمن، أي نداء إلى أحد، ولا يطلب من أحد أن يفعل شيئاً، باختصار: إنه دراسة تقريرية ، وعندما انتشر في سورية، ثم انتقل إلى الأردن، حيث أطلقوا عليه اسم "بيان طارق" ثم إلى أقطار عربية كثيرة، تحول عن طريق الاقتناع به إلى نوع من الوحدة الفكرية بين عديد من الشباب العربي المنتشرين في الكثير من الأقطار العربية، كل ما يجمع بينهم أنهم قرأ وه، واقتنعوا بصحة مضمونه فاعتبروا أنفسهم " أنصاراً " للطليعة العربية، بدون أن يعرفوا من الذي وضعه ، إن عدم معرفة من الذي وضعه، تنقلنا إلى السؤال الثاني، الذي يتصل بطبيعة "بيان طارق" : هل هو سري، أم علني ؟ إن السرية، أو العلنية، ليست مناط المشروعية، ومع ذلك فقد تؤخذ السرية قرينة على أنها تخفي ما هو غير مشروع . لقد سؤلت، من كثيرين، من المشرق العربي (من سورية خاصة ) عن بيان طارق، فقلت أنني لم أضعه، ولكنني اشتركت في وضعه، وكان لهذا الرد ثلاثة أسباب، السبب الأول: هو آن الصديق الذي أسهم معي في صياغته كان قد غادر إلى سورية في أوائل 1968 فانقطعت أخباره عني ( هذا الانقطاع ثابت في خطاب وارد منه في أواخر سنة 1971 )، ولم أكن أعرف ما هي الإجابة التي تناسب موقفه في سورية . السبب الثاني: هو أن هذا الصديق كان قد أسهم فعلاً في صياغة بيان طارق في نسخته المتداولة هناك، والتي أثارت إعجاب الكثير من الشباب العربي في المشرق عامة، وفي سورية خاصة، فلم أكن أريد أن أستحوذ لنفسي بكل الفضل في صياغته، لذلك، كنت أكتفي بذكر أنني اشتركت في صياغته ولكن لما أصبح "بيان طارق" موضعاً للمسؤولية، ومبرراً لدخول السجن، اعترفت منذ أول كلمة في التحقيق بأنني صاحبه . السبب الثالث: هو "بيان طارق" ذاته لأنه يدين بقسوة النزوع الفردي إلى تكوين الشلل، أو الالتفاف حول الأفراد، ومع تبني كثيرين من الشباب العربي لبيان طارق، كان إعلاني أني صاحبه، لا يعني إلا رغبتي في أن يكون المتبنون له، مرتبطين بي شخصياً كفرد .

                 غير أن هذا لا يعني أن "بيان طارق" دراسة سرية لم أطلع عليها أحداً إلا محمد عبد الشفيع ، لقد أطلعت عليه كثرين، وسؤلت في التحقيق أكثر من مرة عما إذا كنت أطلعت عليه أحداً، فقلت أنني لابد أن أكون قد أطلعت عليه كثيرين، وأن بعض مقالاتي هي أجزاء منه، وأن مقالي المنشور في مجلة الكاتب، في إبريل 1971 تلخيص له ، وأنني لا أفعل إلا التعبير عنه في كل ما أكتب، وما أقول، تعبيراً علنياً، ولكنني مع ذلك لم أقل في التحقيق من هم الذين أطلعتهم عليه .. ،لماذا ؟ ... لماذا لم أقل ...؟ لم أقل، لأبدد على الأقل الشك الواضح الذي كان ثائراً في ذهن المحقق في علنية بيان طارق، وما ترتب على الشك من اعتباره لبيان طارق، أنه، وثيقة سرية فيما بيني، وبين محمد عبد الشفيع فقط ؟ .. إن لهذا سبباً هو عندي فوق القانون، وفوق أية معاناة أعانيها .. لأنه سبب أخلاقي .. لقد قبض علي في منتصف ليلة الثلاثاء 15/2/1972 ،وانتزعت من بين أفراد أسرتي، وفتش منزلي، ومكتبي حتى الساعة الثالثة صباحاً، ثم ألقيت في زنزانة خانقة، في سجن القلعة، في يوم 19/2/1972، أسمع كل ليلة الناس، وهم يعذبون، ولم أكن قد عرفت بعد، لماذا كل هذا الإذلال .. فلما بدأ التحقيق يوم 19/2/1972 الساعة التاسعة مساء في إدارة مباحث أمن الدولة، وبحضور ضباط المباحث، واستمر التحقيق حتى الساعة الثانية بعد منتصف الليل.. عرفت معرفة يقينية، ما الذي يمكن أن يعانيه الناس قبل أن يثبتوا براءتهم، في هذا الوقت سؤلت مرة، ومرات عن الذين أطلعتهم على "بيان طارق"، وهم بعد أصدقاء، وزملاء، وكان ذكري، أي اسم، يعني تعرضه لما تعرضت له، فكنت أمام أحد أمرين : إما مصلحتي الشخصية بأن أذكر للمحقق أسماء الزملاء، والأصدقاء الذين أطلعتهم على بيان طارق لأبدد شبهة أنه يرمز إلى علاقة خاصة بيني، وبين محمد عبد الشفيع، ولو أدى هذا أن يعاني هؤلاء الزملاء والأصدقاء ما كنت أعانيه، وإما إعفاءهم من التجربة المرة، وتأجيل مصلحتي الخاصة إلى أن أمثل أمام المحكمة، ولو أدى هذا إلى البقاء بضعة أشهر في السجن فاخترت الثانية .. اخترت السجن، وفضلته على أن أخذل أصدقاء، وزملاء كانوا يحاورونني فيما أكتب، ويشاركونني في الدراسة ،والإطلاع ، وعلى أساس هذا الاختيار عندما عرض علي "بيان طارق" المضبوط في مكتبي، عرفت فوراً خط من كتبه، وكنت في اليوم السابق قبل القبض علي، أعزيه في وفاة والده، فلم أقبل مجرد التفكير، في أن أنزعه من الجنازة إلى السجن، وأحول المأتم إلى مأتمين .. ويبقى السؤال .. من الذي أطلع على بيان طارق ؟ .. كثيرون ، لو ذكرتهم الآن أمام المحكمة، أو استشهدت بهم، لأمكن أن يقال أنهم شهود أعدوا أعداداً لدرء الاتهام ، لهذا أكتفي بشخصين منهم : يشهد كل منهما بأني أطلعته على "بيان طارق"، وأنني لم أطلب منه، بالرغم من علاقتي الوثيقة جداً به، أن يقوم بأي نشاط تنظيمي، أو غير تنظيمي، أحدهما الأستاذ ماهر محمد علي المحامي صديقي، وزميلي منذ ربع قرن، ورفيق نضال طويل، يوم أن كنا معاً في الحزب الوطني، وأقرب الناس إلى خاطري فيما لو فكرت أن أنشئ تنظيماً .. ،أما الشخص الآخر، فهو الذي لم يكتفي بالإطلاع عليه، بل نسخه بخطه، وأعطاني نسخة مما كتب، هي النسخة المضبوطة ،وكان ذلك في أوائل سنة 1969 إنه الأستاذ يسري مرعي المحامي ، إنه ليس مجرد محام، بل هو محام لصيق بي إلى درجة كبيرة، لأن له في مكتبي حجرة خاصة وضعتها تحت تصرفه ليواصل فيها عمله القانوني بعد الظهر بدون مقابل – فهو معي كل يوم تقريباً ومن أكثر الناس إيماناً بأفكاري وبالمبادئ التي أنشرها وأدعو إليها – استشهد به الآن – لأنه شاهد لا يمكن اتهامه للتطوع لقول غير الحق وذلك لتعرض عليه نسخة بيان طارق المضبوطة بمكتبي، فسيجد أنها بخطه .

2) الشهود " الأدلة القولية " :

                 بقي من أدلة الثبوت ما جاء في التحقيقات على لسان كل من محمد عبد الشفيع المتهم الثاني، ومحمد عبد العزيز السخاوي المتهم الثالث :

أولاً : محمد عبد الشفيع :

                 محمد عبد الشفيع هو "مخلب القط" الذي جذبتني به مباحث أمن الدولة إلى داخل هذه القضية ، لقد كان لابد من إنشاء تنظيم بقيادة محمد عبد العزيز السخاوي، وقد قام بهذه المهمة الشاهد، وعميل المباحث الشاهد محمد مصطفى حسين، الذي لعب دوراً تحريضياً في الدعوى ( يلاحظ أنه بدأ اتصاله بالسخاوي طبقاً لقرار الاتهام في فبراير 1971 ،ولم يبدأ تسجيله للمحادثات التي دارت بينه، وبين السخاوي إلا في ديسمبر 1971 ،أي بعد عشرة أشهر، كان قد دفع فيها السخاوي إلى قرب إنشاء  التنظيم )، وأعتقد أن المشروع التحريضي كان مقصوداً به أولاً : محمد السخاوي، ومجموعة الشباب من أصدقائه الذين يعملون معاً في لجنة واحدة، هي لجنة الشباب في قسم السيدة زينب ، فلما أريد لي أن أمر بمحنة الاتهام، أخذت مباحث أمن الدولة مشروع الإيقاع بالسخاوي قبل أن ينضج التنظيم تماماً، أي قبل أن يتطور إلى تنظيم، وألصق بي عن طريق محمد عبد الشفيع باعتباره الحلقة الذي يربط بيني، وبين السخاوي، وبين بقية المتهمين ، وكان لابد له من أن يكون أداة إثبات ضد السخاوي، وباقي المتهمين، من ناحية ليكمل صورة التنظيم الذي لم يكتمل، ثم ليكون أداة إثبات ضدي، ليصل بيني، وبين التنظيم، ولكي يقوم محمد عبد الشفيع بهذا الدور، عذب تعذيباً شديداً، وأمليت عليه التفسيرات الخاصة لعلاقته بي . إن مراحل القبض على المتهمين تؤكد هذا .. فلقد قبض أولاً على محمد عبد الشفيع .. ،ولما أصبح التنظيم جاهزاً، والحلقة جاهزة، قبض علي بعد ستة أيام من القبض على محمد عبد الشفيع .. أما محمد الخاوي، الذي لم أره إلا مرة واحدة في حياتي، منذ خمسة سنوات فقد انضم إلى محمد عبد الشفيع تحت ضغط المباحث أيضاً، ليضيف إلى زيارته الوحيدة البعيدة، زيارة جديدة، وقريبة حتى يصبح اتصالي به قريباً من تاريخ التسجيل للحديث بينه وبين الشاهد (عميل المباحث محمد مصطفى حسين...) على أية حال إن في التحقيق قرائن كثيرة تثبت هذا الإكراه :

أولاها : الاعترافات ذاتها، لا يمكن لإنسان أن يعترف على نفسه بمثل ما اعترف به محمد عبد الشفيع والسخاوي إلا في حالتين : إما أن يكون راغباً في الانتحار، وإما أن يكون مكرهاً .. ليس من الطبيعي أن يملي كل منهم صفحات كاملة في التحقيق لمجرد أن يذهب بقدميه إلى السجن ..

 والثانية : الحصول متهما (عبد الشفيع والسخاوي)، ومن باقي المتهمين على إقرارات خطية بما يراد لهم أن يقولوه، قبل عرضهم على النيابة للتحقيق ..

 إن هذا يثبت، أن استجواباً قد حدث في السجن بمعرفة ضباط أمن الدولة قبل التحقيق، لماذا ؟ لأنه هل يعقل أن يستعجل المتهمون الإدلاء بأقوالهم قبل أن يعرفوا الاتهام الموجه إليهم ؟ كلا .. إن ما تريد المباحث أن تستوثق منه، أن المتهمين سيقولون أمام النيابة ما تريد هي أن يقولوه، وقد كان الضباط يحضرون التحقيق، ليعرف كل متهم، أنه لو حاول تغيير أقواله سيلقى ما يناسبه بعد انتهاء التحقيق. الثالثة : تكرار التحقيق ...، فلقد سمعت أقوال كل من محمد عبد الشفيع والسخاوي، أمام النيابة العامة حوالي أربع مرات .. كل " علقة " يتبعها تحقيق يدلي فيه كل منهما بأقوال جديدة .. المثال الحي لهذا هو ما أدلى به محمد السخاوي بعد حوالي عشرين يوماً من القبض عليه، من أنه زارني في مكتبي مرتين، في حين أنه قرر في بداية التحقيق بعد القبض عليه من أنه لم يزرني إلا مرة واحدة .. ومسألة الزيارة هذه لا يمكن أن تنسى .. ويمكن بسهولة معرفة تواريخ الإكراه الذي وقع على كل منهما، بتواريخ استدعائهما للتحقيق أمام النيابة .

 الرابعة : أستطيع أن أضيف أنا من خبرتي، أنني قد سمعت بأذني مساء يوم 16/2/1972 – محمد عبد الشفيع ( وهو الوحيد الذي أعرفه وأعرف صوته ) يعوي كالكلب الجريح .. وسمعت أصوات العواء مرات، ممن لا أعرف أصواتهم ..، ومع أنني لم أكن موضع إكراه بدني، إلا أنني عشت أياماً سوداء في سجن القلعة، عانيت فيها ما هو أبعد بمراحل، من الإكراه البدني ..توقع الاعتداء علي، في كل لحظة ...  توقع أن يكون دوري في العواء بعد الإنسان الذي أسمعه ، الخوف من النوم، ومقاومته، حتى لايعتدى علي فجأة .. إن الاعتداء الفعلي أخف بكثير، طبقاً لخبرتي في الحياة، من ظل اعتداء متوقع لا يعرف الإنسان متى يجيء ليلاً، أم نهاراً، وهو يقظان، أم وهو نائم، ثم كيف يجيء ، وما هي أداته، وتصور معاناة ذلك الألم الذي يجعل الإنسان حيواناً يعوي .. والعبرة في النهاية بمقدرة كل إنسان على تحمل هذا العذاب النفسي، أو الجسدي، يستويان ... ويبدو أن محمد عبد الشفيع ببنيته، ونفسيته، قد انهار منذ اللحظة الأولى ..، وهو معذور .. ومع ذلك فإن الإكراه لا يمكن أن يخلق صورة محكمة، فالذهن الذي يصطنع، وهو في حالة عذاب من الخوف، لا يمكن أن يكون قادراً على الاحتفاظ بسلامة المنطق .. من هنا لابد أن تكون أقوال محمد عبد الشفيع والسخاوي متضمنة في ذاتها ما ينقض منطقها .. ولن يكون لهذا تفسير، إلا أنها إفراز عقول معذبة – إن اكتشاف هذا التناقض ليس في إمكاني الآن، لأنني كما ذكرت في البداية لا أعلم من التحقيق إلا نصيبي منه، ونصيبي السيئ أيضاً، لهذا فإني أترك للدفاع أن يكتشف آثار العذاب في أقوال محمد عبد الشفيع، ومحمد السخاوي . إلا أنني برغم هذا لا أريد أن أعلق مصيري في هذه الدعوى على ما قاله، أو ما سيقوله محمد عبد الشفيع، أو غيره، فسواء استطاع، أي منهما، أو كليهما، أن يقنع المحكمة  بما وقع عليه من تعذيب، أو لا.. سواء صحت أقواله، أم لا، لابد من اخذ الأمور على أسوأ فروضها ، وأسوأ فروضها، هو لاشك ما اختارته النيابة من أقوالهما، وضمنته قرار الاتهام ، على هذا الأساس أورد الملاحظات الآتية :

تتلخص أقوالي في الآتي بذات النص الوارد في قرار الاتهام :

1 -             اتفقت مع محمد عبد الشفيع على إقامة تنظيم سري باسم " أنصار الطليعة

       العربية"...

2 -     سلمته بياناً أطلقت عليه اسم "بيان طارق" كخطة يتعين عليه السير على   هديها .

3 -             طلبت منه موافاتي، أولاً بأول، بكل مراحل تكون التنظيم .

4 -     زودته بالعديد من الكتب خدمة للتنظيم، بعضها من تأليفي، والعديد من الدراسات التي تتضمن شرحاً لخطوات تجنيد الأعضاء، وبعض الموضوعات التنظيمية .

5 -             سلمته آلة كاتبة عربي، لاستعمالها لأغراض التنظيم .

6 -     وعدته بإعطائه آلة طباعة، لاستخدامها في طباعة ما يحتاج إليه التنظيم، من دراسات ومنشورات .

7 -     وعدته بالمساهمة في تمويل التنظيم بنصف حصيلة بيع كتاب يطبع لي في بيروت .

8 -             عرض علي لائحة التنظيم، ووافقت على كل ما جاء بها .

9 -     عرض علي خطوات تجنيد بعض أفراد التنظيم، وأملاني أسماء بعضهم مقرونة بأسمائهم الحركية .

                 هذه هي أقوال محمد عبد الشفيع ... ولو كانت صادقة، لما كان ثمة أي  جريمة ، لأن الفقرات من 3 إلى 9 خاصة بالمساعدة، أو الوعد بالمساعدة في إنشاء تنظيم ... لكن أي تنظيم ؟ هذا هو السؤال الجوهري .. إنه التنظيم الذي تحدد مبادئه وغايته الفقرتان 1، 2، تنظيم على مبادئ، وغايات بيان طارق الذي سلمته إليه كخطة " يتعين " عليه أن يسير عليها ، فتكون " التهمة " التي يمكن توجيهها – لو سلمنا تسليماً مطلقاً بصدق كل كلمة قالها محمد عبد الشفيع، هي : " الاتفاق معه على إنشاء تنظيم سري باسم " أنصار الطليعة العربية " تكون غايته تنفيذ "بيان طارق " .. ألم يقل هو، أو قالت المحكمة انه قال، أني سلمته "بيان طارق" كخطة  " يتعين " عليه السير على هداها .. وهذه ليست تهمة .. ليست جريمة لأن "بيان طارق" مشروع في مضمونه، وغايته، وأسلوبه، كما أثبتنا من قبل .. الخطة التي   " يتعين " على محمد عبد الشفيع السير على هديها جاءت بالنص في بيان طارق : الدعوة الفكرية لأنها مشروعة .. وتبدأ الأسئلة، ومع استمرار افترض صدق محمد عبد الشفيع .

                 هل نفذ محمد عبد الشفيع الخطة التي يتعين عليه السير عليها ؟ .. أبداً فإن التنظيم المنسوب إلي إنشاؤه مع آخرين، والذي جاء على لسان المتهم الرابع، أنه هو، والمتهمين الثالث، والثاني، كانوا نواته الأولى، والتي كانت الأوراق المضبوطة معه، ومع السخاوي " دستوره "، كل هذا لا علاقة له ببيان طارق ،إنه خارج ومضاد للخطة التي سلمته إياها، وألزمته إياها... " يتعين عليه " ...!!

 ويقول حسن مكي، المتهم الرابع، في التحقيق – كما جاء في قرار الاتهام – أنه هو، ومحمد عبد الشفيع، في أوائل عام 1970، أخذا ينتقدان بعض الأوضاع الداخلية في البلاد، وهاجما أجهزة الدولة التنفيذية، وقياداتها، وعرض عليه المتهم محمد عبد الشفيع تكوين تنظيم سري يهدف إلى إقامة الدولة الاشتراكية العربية الواحدة على ثلاث مراحل .. الأولى: مرحلة للإعداد ثقافياً، وسياسياً، بعد حشدهم للتنظيم ، الثانية: مرحلة الانتشار بين الجماهير، وتوعيتهم، والعمل على كشف أخطاء النظام .. والمرحلة الأخيرة: مرحلة التفكير الثوري، وفيها يتم إصدار منشورات، والقيام بمظاهرات، ومقاومة السلطات بالعنف ، ويقول محمد السخاوي ،المتهم الثالث، أو تقول النيابة أنه قال، أنه بعد تشكيل النواة الأولى، منه، ومن محمد عبد الشفيع، وحسن مكي، قام بوضع الدستور .. وتقول النيابة في تلخيصها لأقوال الشاهد (المخبر محمد مصطفى حسين) عن الدستور : هو الدستور الذي يتضمن كيفية تشكيل التنظيم، وأهدافه، وتكتيكه .. إن هذا يلخص كل ما يمكن أن يكون قد دار بين الثلاثة المنسوب إليهم تكوين النواة الأولى للتنظيم، فأين هو "بيان طارق" من هذا الحديث ؟ لا وجود له .. لم يقل واحد منهم، أنه قد وجد في "بيان طارق" المراحل الثلاث التي ذكرها محمد عبد الشفيع لحسن مكي فوافق عليها .. أو قد وجد فيه إلزاماً بإنشاء تنظيم، أو كتابة دستور ... الخ، إذن فلو صح كل ما قال محمد عبد الشفيع عن الاتفاق، الذي يقول أنه قد تم بيني وبينه، وسلمت إليه بناء عليه "بيان طارق" والآلة الكاتبة، ووعدته .. الخ، فلا يعني هذا إلا أن محمد عبد الشفيع قد نسي كل ما قلته له، أو لم يشأ أن ينفذه، أو وجده غير قابل للتحول إلى تنظيم، فلما أن اجتمع بصاحبيه أدار الحديث معهما على أمور أخرى لا شأن لها ببيان طارق ..  

( يتبع 5 ملاحظات ... عصمت سيف الدولة )