(تتمة "3" ملاحظات...)
وكان الحل (حل التناقض بين التنظيم القومي وقيادة ناصر..) الذي أورده "بيان طارق" بعد دراسة مطولة لعناصر المشكلة، حلاً ذا شقين، الشق الأول : تأجيل إنشاء التنظيم القومي حتى سنة 1970، وهي السنة التي كانت محددة، ليعيد المؤتمر القومي للاتحاد الاشتراكي العربي في مصر النظر في ميثاق العمل الوطني، ويقيّم تجربته، ويطوره، كما أن "بيان طارق" أورد مبرراً محدداً لاختيار تلك المناسبة .. هذا المبرر هو أنه، لو استطاع الشباب العربي أن ينجز كل ما جاء في بيان طارق، فإنه سيكون من الممكن، بمناسبة أعادة النظر في الميثاق،أن يجد مناسبة لتطوير ميثاق الاتحاد الاشتراكي، إلى ميثاق قومي، وتطوير الاتحاد الاشتراكي، إلى فرع لتنظيم قومي تحت قيادة عبد الناصر، وهو دليل آخر من "بيان طارق" ذاته، على الحرص، على ألا تنشأ الحركة العربية الواحدة بعيداً عن مساهمة الشعب العربي في مصر،أومن موقع التناقض مع قيادة عبد الناصر . الشق الثاني : الانتفاع بالفترة الزمنية من 1966 إلى 1970 في أن يعّد الشباب العربي نفسه فكرياً، وسياسياً ليسهم في إنشاء الطليعة العربية، عندما يجيء الوقت المناسب لإنشائها . وبهذا الإعداد الفكري، والسياسي، المقصود به تأهيل الشباب العربي لعضوية الطليعة العربية، يكون الذين يعدون أنفسهم "أنصاراً للطليعة العربية"، وتكون حركة الإعداد ذاتها، هي "حركة أنصار الطليعة العربية" . إن "أنصار الطليعة العربية" إذن ليس اسماً لتنظيم سياسي قائم، أو يمكن أن يقوم، بل هو صفة لمن يناصرون الدعوة إلى "الطليعة العربية"، ويعدون أنفسهم ليساهموا في إنشائها، وكل هذا مشروع بشقيه، وهو يدخل بشقية فيما نص عليه "إعلان بني غازي"، ودستور اتحاد الجمهوريات العربية بين مصر وسورية وليبيا، من ضرورة تهيئة المناخ لقيام الحركة العربية الواحدة، تهيئة المناخ بالدعوة لقيامها ، وبالحوار الفكري لإنضاج نظريتها، وبالإعداد البشري في إطار المنظمات القائمة لتجهيز كوادرها . إن هذا الأسلوب، كأي حل صحيح، لمشكلة واقعية، يصل إليه الناس، إما عن طريق الوعي، والدراسة العلمية، وإما عن طريق التجربة – لا يهم – المهم، أنه بعد وفاة الرئيس عبد الناصر ، أصبحت دولة اتحاد الجمهوريات العربية الناشئة، بكل رؤسائها، وحكوماتها، ومؤسساتها السياسية، وجماهيرها، من "الأنصار"، لأنهم جمعياً قد التزموا في مباحثات "بني غازيط، بأمرين، الأول: تأجيل إنشاء الحركة العربية، والثاني: الإعداد لإنشائها في الوقت ذاته، إن كلاً من الاتحاد الاشتراكي في مصر العربية، وفي ليبيا، وحزب البعث والأحزاب المشتركة معه في الجبهة في سورية، كل هذه المؤسسات قد أصبحت تنشط في خطوط محددة :
أ ) أن ليس أي منها هو الحركة العربية الواحدة، ولا البديل عنها، وبالتالي كما نص، في"إعلان بني غازي" لا ينبغي لأي منها أن تنشط خارج حدود دولتها . لقد اعترفت كل منها بحقيقة ماهيتها الإقليمية.
ب ) أن تكون معاً "جبهة" إلى أن تقوم الحركة العربية الواحدة، وهو ما يعني أن الجبهة، صيغة مؤقتة، وأنها ليست البديل عن الحركة العربية الواحدة .
جـ ) أن تعمل جميع تلك المؤسسات "من حزبية ومؤسسات دولة في الدول الثلاث" على تهيئة المناخ لإنشاء الحركة العربية الواحدة، وهو ما يعني أنها هي،كمؤسسات، وأحزاب، وجبهة ، ليست الجهة التي تقيم الحركة العربية الواحدة . إنهم جميعاً قد اهتدوا إلى "بيان طارق"، والتزمو به ، بدون أن يعرفوه – اهتدوا إليه عن طريق البحث عن الحل الصحيح، لمشكلة قومية قائمة، وتبنوا أسلوبه . أكثر من هذا دلالة على أن الأسلوب الذي جاء في" بيان طارق" قد أصبح نهجا على المستوى الجماهيري، والرسمي المتطور في الحركة الطلابية، ففي يوليو 1971 انعقد في "بلغراد" مؤتمر لروابط الطلاب العرب في أوروبا ( أوراق ووثائق المؤتمر والدعوة إليه موجودة عندي ) ليعلن تكوين "رابطة طلبة وحدوية عربية واحدة" من كل الشباب العربي في أوروبا، وبصرف النظر عن انتماءاتهم إلى أية دولة عربية . ثم ينص دستور الرابطة، أو مشروع دستورها: " إن غاية هذا التوحيد هو تجهيز الطلبة أنفسهم ليكونوا قواعد التنظيم القومي المنتظر "، وفي مصر العربية، يتم مثل هذا التطور، ففي سنة 1971 أيضاً تتخلى الروابط الطلابية عن هويتها الإقليمية، وتنشئ مع الطلبة المصريين "رابطة الطلبة الوحدويين الناصريين" لتقرر أن تلك خطوة لإعداد الطلبة ليكونوا قواعد "الحركة العربية الواحدة" ، وفي سبتمبر 1971 ينعقد في طرابلس بدعوة من حكومة ليبيا مؤتمر شامل للطلبة العرب، في أوروبا، وفي الوطن العربي، وتحت اسم "المؤتمر التأسيسي للطلبة العرب الوحدويين"، وينشئ رابطة قومية عربية واحدة لهم جميعا، يكون من حقها، كما جاء في وثائق المؤتمر – إعداد الطلبة ليكونوا قواعد التنظيم القومي – ومصر العربية تشارك في كل هذا بل قد انفردت السلطات في مصر بمحاولة أخرى – فقد صرحت لمجموعة من الشباب العربي، من مصر، ومن الأقطار العربية الأخرى، بإنشاء جمعية تخليد القائد عبد الناصر، وأن يكون مقرها في القاهرة، ولها فروع في البلاد العربية، ومهمتها كما جاء في بيانها الأول: ( صورته عندي ويقدم إلى المحكمة ) "تهيئة الشباب العربي من خلال دراسة، وتعميق تراث عبد الناصر الفكري، ليكونوا قواعد "للتنظيم العربي القومي" . إن "بيان طارق" قد انتصر انتصاراً ساحقاً على كل الأساليب البديلة، لأنه "لا يصح في النهاية إلا الصحيح"، وأصبح كل الجادين في إنشاء الحركة العربية الواحدة "أنصاراً" بدون حاجة إلى أن يسموا أنفسهم هكذا . فهل الأسلوب الذي قدمه "بيان طارق" غير مشروع ...؟.
خطوة أخرى لنقترب من قرار الاتهام، ونواجهه .. فإذا كان الإعداد لقيام الحركة العربية مشروعاً، فما هي طريقة الإعداد ؟.. هذا هو السؤال، الذي حاول الاتهام من خلال البحث عن إجابة عنه، تغيير مضمون "بيان طارق" . فلنتعرف أولا على طريقة الإعداد كما جاءت في "بيان طارق" :
كتب "بيان طارق"، في سنة 1966 ،في ذلك الوقت، لم تكن في الوطن العربي، كله، دولة تدعو، وتحمي الدعوة إلى "الحركة العربية الواحدة" إلا ج.ع.م بقيادة عبد الناصر .. كانت ليبيا تحت حكم ملكي، وكان السودان تحت حكم الأزهري ، وكانت سورية تحت حكم الذين يعتقدون أنهم وحدهم الحزب القومي القائد .. إلخ ، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، كان "بيان طارق" دراسة لمشكلة قومية، لأن "الحركة العربية الواحدة"، حركة قومية، غير مقصورة على أي بلد عربي، ولا حتى ج.ع.م، فلم يكن من الممكن أن يتضمن "بيان طارق" طريقة واحدة للإعداد الفكري، والبشري، الذي يمهد ويسبق قيام التنظيم القومي . كان القدر المشترك الذي يستهدفه هو : أن يتحول الشباب العربي، في كل مكان، وفي أية منظمة، إلى أنصار للطليعة العربية، بدون أن يغادروا أماكنهم، أو يخرجوا على منظماتهم . أما كيف يتحولون؟، وماذا تكون العلاقة فيما بينهم؟، وماذا تكون مواقفهم من السلطات في الدول التي يقيمون فيها؟، فإن تلك المواقف متباينة، تباين النظم التي يعيشون في ظلها ..، وكل هذا لم يكن من الممكن تحديده مقدماً . وهكذا جاء "بيان طارق" لينص نصاً صريحاً على أن طريقة ممارسة الدعوة، في كل قطر عربي، متروكة للأنصار يختارونها بما يناسب ظروفهم . إلى هنا، لا يكون "بيان طارق" مسؤولاً عن أية طريقة يختارها "الأنصار" في أي قطر، بمعنى أنه، من وجهة النظر القانونية، يتحمل "الأنصار"، في كل قطر، مسؤولية الطريقة التي يختارونها، ولم تكن هذه القاعدة، تمنع أن يتضمن "بيان طارق" نماذج للممارسة، من واقع الأقطار العربية، أو بعضها .. ولما كان "بيان طارق" وليد مساهمة "أثنين"، أحدهما عالم بظروف سورية في ذلك الوقت، والآخر " أنا " عالم بظروف ج.ع.م، فقد تضمنت النسخة المعدة لسورية هيكلاً تنظيمياً للممارسة ، أما في ج.ع.م فقد نص "بيان طارق"، نصاً صريحاً، قاطعاً، على أن أسلوب الممارسة فيها، هو الدعوة الفكرية، وأضاف البيان: لأنها مشروعه – إذن فلا شبهة في أنه – طبقاً، "لبيان طارق"، يكون أسلوب دعوة "الأنصار"، في الجمهورية العربية المتحدة، هو الدعوة الفكرية ( الكتب – المقالات – المحاضرات – الدراسات – الحوار، والمناقشات )، ولا شبهة، في أن مبرر اقتصارها على هذه الطريقة، هو الحفاظ على شرعيتها، حتى – وكما جاء في بيان طارق – لا تقع الدعوة القومية في تناقض صريح، أو ضمني مع قيادة ناصر .
بالرغم من هذا الوضوح الثابت، في وثيقة مكتوبة، تقول "النيابة العامة" في قرار الاتهام ما يأتي بالنص: ( ويهدف " تقصد ما أسمته بتنظيم أنصار الطليعة العربية " إلى تحقيق الوحدة العربية الشاملة، عن طريق هذا التنظيم السري، وتجنيد الشباب العربي للإطاحة بكل نظم الحكم في البلاد العربية، التي تقف في سبيل أهداف التنظيم، عن طريق استخدام كافة الوسائل، لتحقيق هذه الأهداف، بما في ذلك استخدام العنف ضد السلطات، وإثارة القلاقل الداخلية، كالمظاهرات، وتوزيع المنشورات، وتفجير المفرقعات، لإضعاف هيبة السلطات وإسقاطها ) . أقل ما يمكن أن يقال عن هذا النص المؤسف، الذي أوردته النيابة في قرار الاتهام، أنه غير مطابق للواقع ، والواقع هنا، هو نص "بيان طارق" المضبوط، والذي كان تحت نظر النيابة، وهي تصوغ قرار الاتهام . فبيان طارق، لا يتضمن كلمة واحدة، مما جاء في قرار الاتهام، ولا حتى كلمة قريبة المعنى مما صاغته النيابة ، بل هو مناقض لما صاغته النيابة لفظاً، ومعنى . ولو كانت هذه الصياغة قد جاءت، من أية جهة، غير النيابة العامة، لاتهمتها بالكذب، وتعمد تضليل القضاء . ولكنه، وقد جاء من النيابة، التي هي أحد أجهزة القضاء، فإنني كرجل قانون، ومحام، اعتاد أن يخدم القضاء ، أعف عن أن أوجه، إلى أي من رجال النيابة، مثل هذا الاتهام ، ومع ذلك تبقى الحقيقة قائمة، وهي أن إضافة قد أسندت في قرار الاتهام إلى "بيان طارق" لتبرير الاتهام، وأن هذه الإضافة، لا يتسق مبناها، ومعناها، مع مضمون "بيان طارق"،مما يدفعنا للتأكيد على، أن تعمد هذه الإضافة، يعني، أن من أضافها لم يجد في "بيان طارق" ما يساند الاتهام، فاختلق له سنداً من عنده، وليس هذا إلا تعبيراً عن اتجاه تلفيق عام صاغ الدعوى كلها . وهنا نقدم،مثلاً آخر، تقول النيابة العامة في قرار الاتهام : "وفي سنة 1970 قام المتهمان محمد السخاوي، وحسن مكي، بإعادة صياغة بيان طارق، في صورة دستور مكون من أربعة أجزاء، الأول: عن النظرية السياسية، والواقع العربي، والتكتيك . وكان محمد عبد الشفيع يعرض هذه التعديلات أولاً بأول على المتهم عصمت سيف الدولة الذي وافق عليها"..، يتناقض ادعاء النيابة هذا، فيما بعد، مع ما هو منسوب إلى محمد عبد الشفيع، من أنه قال، انه كان يعرض علي دستور التنظيم، أولاً بأول، وأنني وافقت عليه، إذ أن ما يناقشه هنا هو مضمون "بيان طارق"، وعلاقته بما أضيف إليه، ليتحول بتلك الإضافة، من دعوة مشروعة، إلى حركة غير مشروعة "بنظر النيابة" . إن النيابة العامة، أرادت ببساطة، أن تجعل من "بيان طارق"، ومن "الدستور" ذي ، الأجزاء الأربع، شيئاً واحداً،عل هذا يمكنها، بعد ذلك،من أن تمد اسم "بيان طارق" ليشمل الجميع، ثم تنقل إلى بيان طارق نصوصاً مما جاء في الدستور . وقد استعملت لغطاء هذا صيغة لفظية غير ذات مضمون ، إذ قالت النيابة: أنه في سنة 1970 أعاد المتهمون الثاني، والثالث، والرابع، صياغة "بيان طارق" . وبما أنه منسوب إلى المتهمين، من الثاني إلى الخامس عشر، أنهم قد اعتزموا إقامة تنظيم يلتزم "الدستور المضبوط"، فإن هذا التنظيم يكون قد التزم ببيان طارق الذي هو الدستور ذاته، بصيغة أخرى،وبذلك – هكذا أرادت النيابة – يكون، عصمت سيف الدولة، الذي اعترف بأنه صاحب بيان طارق، قد اشترك في إنشاء وإدارة التنظيم .. إلخ .
هذا هو المنطق، إن صح أن يسمى منطقاً ، الذي أوجدت به النيابة صلة بين "بيان طارق"، والدستور المنسوب إلى باقي المتهمين،وهو منطق مغلوط، وظاهر الافتعال: (1) فمن ناحية الشكل "لبيان طارق" اسمه، مكتوب عليه، وصيغته محددة، وللدستور اسم، أولا أسم له، لا يهم – وقد كتب بيان طارق سنة 1966، بينما كتب الدستور سنة 1971، وأنا مؤلف "بيان طارق"، وللدستور مؤلفين آخرين .
(2) ولم يقل، أي واحد من المتهمين، من أول الثاني إلى الخامس عشر، أن الدستور الذي أعدوه، أو أعد لهم، والذي قرأوه، كاملاً، أو منقوصاً، والذي قبلوه، أو قيل أنهم قبلوه، لم يقل أحد منهم أنه "بيان طارق"، أو إعادة صياغة، لبيان طارق، بل أن جميع المتهمين، من الخامس إلى الخامس عشر، لم يسمع في حياته باسم شيء يسمى ،بيان طارق، ولم يقرأه، أو يطلع عليه، أو يعرف أنه من وضع عصمت سيف الدولة، الذي لا يعرفونه، ولم يقابلوه في حياتهم .
(3) ومن ناحية المنطق البحت، لو أن ثمة حاجة إلى إعادة صياغة "بيان طارق" لكنت أنا الذي توليت إعادة صياغته، كما صغته أول مرة، ولا يقبل أي منطق أنه، في مجال الكتابة الفكرية، أو السياسية،أن يتولى محمد عبد الشفيع، والسخاوي، وحسن مكي، الكتابة الفكرية لي، وبدلاً مني، لإلتزم، أنا، بها، معهم في تنظيم ، ليس من المعقول، أن مؤلف "أسس الاشتراكية العربية" – و"نظرية الثورة العربية" – وخمسة كتب أخرى، وعشرات الدراسات، يعهد إلى من هم في مستوى تلاميذه، أن يكتبوا له المبادئ التي يقوم عليها تنظيم، يريد أن ينشئه هو، أو يديره .
(4) ومع ذلك، يبقى الفارق الأساسي في مضمون الوثيقتين "بيان طارق" الذي توليت وضعه، و"الدستور" الذي يقال أنهم وضعوه ، أن أحداً لا يستطيع هنا أن يبتكر الصلات الفكرية إذا كانت مقطوعة، ولا يغني إطلاق الأسماء الواحدة، عن الوحدة الفكرية . إني أكتب هذه الملاحظة، ولم تتح لي، بعد فرصة، قراءة ما يسمى بالدستور، غير أن وكيل النيابة، الأستاذ عدلي حسين، كان قد عرض علي مجموعة من الأوراق في التحقيق الذي أجراه يوم 29/2/1972 ،قال أنها الدستور، ثم تلى علي فقرات، من أوراق أمامه، قال أنها، أيضاً، من الدستور . وقد تصفحت صفحتين من المجموعة الأولى، واستمعت إلى ماقرأه علي من الثانية، وكان ردي حاسماً، وقاطعاً، بأن ما قرأته، وما سمعته، لا يمكن أن يصدر عني، أو أن أقبله، لا لفظاً، ولا معنى، وأن تلك الأوراق، متناقضة، مبنى، ومعنى مع أفكاري، ومع "بيان طارق" .إن الحديث الفج عن الطبقة الفقيرة، وعن الشغيلة، وعن البرجوازية، أبعد ما يكون عن اتجاهي الفكري، ولغتي، التي أعبر بها عن ذلك الاتجاه، أنها أفكار، وألفاظ قريبة، أو مشابهة، لما صدر عن "حركة القوميون العرب" في سنة 1965 ،وقد ضبط تقرير قيادة حركتهم عندي مؤشر على صفحات بتعليقات رافضة المنطق، واللغة، والمضمون، وكان آخر تأشيرة عليه أنه : "هجص" ، ولهذا كانت إجابتي على ما قرأت، وماسمعت أثناء التحقيق أنه : سخف ، يكفي خلافاً، وتناقضاً بين "بيان طارق"، وبين "الدستور" المنسوب إلى المتهمين، أن بيان طارق ينص صراحة على أن أسلوب ممارسة دعوة "الأنصار" في ج.ع.م ،هو الدعوة الفكرية لأنها مشروعة، بينما يقال، إن صح ما يقال، أن الدستور يحدد العنف، ومقاومة السلطات، والمفرقعات... الخ، في مصر العربية،إن هذا ليس مجرد إعادة صياغة للدعوة الفكرية المشروعة، قد يكون ثمة أفكار مشتركة بين "بيان طارق"، وبين "الدستور" في القومية، أو في الحركة العربية الواحدة، كهدف قومي .ولو كان الاشتراك في مثل هذه الأفكار تهمة، لكان على النيابة، أن تعتبر مصر العربية، سجنا كبيرا، للشعب العربي، فيها، لأن هذا الشعب العربي في مصر، قد أقر ،بالإجماع، دستور دولة اتحاد الجمهوريات العربية، الذي يؤكد القومية منطلقا، والاشتراكية نظاما، والحركة العربية الواحدة هدفا قوميا، لاخلاف بين الناس في هذا، ولكن الخلاف قد يقع على مستوى الوسائل التي تصل إلى تلك الغايات، وهنا يكون مناط المشروعية، أو عدم المشروعية، و"بيان طارق" مشروع، فلا يمكن أن تبتكر له النيابة، صلة بما هو غير مشروع ، ثم يقال أن تحوله من مشروع إلى غير مشروع هو مجرد إعادة صياغة.............................................!!!
بقيت نقطة أخيرة، فيما يتعلق بمضمون "بيان طارق" .فقد جاء في الملاحظات العامة التي أوردتها النيابة في قرار الاتهام، تحت بند رابعاً ما يأتي :"تضمن بيان طارق المضبوطة نسخة منه لدى المتهم الأول عصمت سيف الدولة، و نسخ أخرى لدى المتهم الثاني محمد عبد الشفيع، هجوماً على نظام الحكم في البلاد، وأوضح البيان ضرورة تشكيل تنظيم طليعي ."ـ أن قرار الاتهام لم يفصح عما اعتبره هجوماً على نظام الحكم في البلاد، ولعل الذي أثار في ذهن النيابة هذا الظن، واحدة من الفقرتين الآتيتين،الواردتين في بيان طارق :
(1 )- الفقرة الأولى التي تقول: أن الإتحاد الاشتراكي منظمة إقليمية، وليست منظمة قومية، وأي إنسان يعرف الفارق بين التنظيم القومي، والتنظيم الإقليمي لا بد أن يعرف أن الإتحاد الاشتراكي العربي منظمة إقليمية يعني أن الانتماء إليه حق مقصور على أبناء ج.ع.م، ومجال نشاطه مقصور على ج.ع.م، ولو كان الاتحاد الاشتراكي العربي منظمة قومية ، بمعنى أن الانتماء إليه حق متاح لكل الجماهير العربية، و مجال نشاطه ممتد إلى كافة الأرض العربية، لكان هو التنظيم القومي، أو الحركة العربية الواحدة، ولما احتاج الأمر أن يتضمن "إعلان بنى غازي"، و "دستور دولة اتحاد الجمهوريات العربية" أن الحركة العربية الواحدة، أمل غير متحقق في الواقع، وأن على الدول الثلاث، وعلى منظماتها السياسية، بما في ذلك الإتحاد الاشتراكي العربي، أن تعمل على قيامها . و لكان النص الوارد في "إعلان بني غازي" على تحريم مد نشاط الإتحاد الاشتراكي إلى أية دولة من دول الإتحاد نصاً لا مبرر له، في حين أنه نص، يؤكد إقليمية الإتحاد الاشتراكي العربي .وقد يأتي اللبس من أن المنظمات الإقليمية ترفع شعارات قومية، أو تستهدف غايات قومية، فيقال أنها، قومية، للتفرقة بينها، وبين المنظمات المضادة للوحدة العربية،ولكن هذا لايعني أنها قد تحولت إلى منظمات قومية،لقد أوضحت هذا الفارق في مقالتي التي نشرت في مجلة "الكاتب" عدد أبريل 1971 وأوضحته مرة أخرى في حديث نشرته في جريدة "الثورة" التي تصدر في ليبيا حيث سؤلت عن طبيعة الاتحاد الاشتراكي العربي فقلت أنه منظمة أقليمية ذات اتجاهات قومية،وكل من الجريدتين"الكاتب"و"الثورة" أجيز تداولها في مصر (مطلوب تقديم العددين للمحكمة)،فهل اعتبرت النيابة القول، بإن الاتحاد الاشتراكي العربي منظمة أقليمية،هجوم على الاتحاد الاشتراكي، أو على نظام الحكم في البلاد.....؟؟
(2) – الفقرة الثانية التي، قد تكون، قد أثارت لبسا أدى إلى أن تظن النيابة العامة، أن في "بيان طارق" هجوم على نظام الحكم في البلاد، هو ماجاء فيه خاصا بإجهزة الأمن.... لقد جاء في "بيان طارق" أن :ج.ع.م ،وهي مشتبكة في صراع ضار مع قوى تريد أن تسقط نظام الحكم فيها، كانت بحاجة إلى أجهزة أمن قوية،وأنه كان لابد لإجهزة الأمن تلك من أن تستعمل في ممارسة نشاطها ذات الأساليب التي تلجأ أليها القوى المعادية من سرية، وعملاء.....وإلى آخر تلك الأساليب. إن اعتمادها هذا الأسلوب قد جردها من الصلاحية للعمل الجماهيري،والعمل العقائدي،وبالتالي فهي لاتصلح للمشاركة في قيام التنظيم القومي ،وهذا صحيح ،ودليله الفشل الذي أصاب محاولة فتحي الديب ،وأنا مازلت أصر على موقفي ،وبما أني في مقابلتي مع وزير الداخلية-السيد شعراوي جمعة- في ديسمبر1970 التي أخذ فيها رأيي في كيفية اقامة التنظيم القومي ،قلت له بوضوح :إن أهم شرط لصحة إقامته أن لاتقيمه الدولة ،وأوضحت له الأسباب التي أراها مانعة الدولة ،أية دولة،من أن تقيم تنظيما قوميا ،وكذلك كان رأيي في مقابلتي مع الرئيس معمر القذافي في طرابلس،في أكتوبر 1970 (مادار في المقابلتين مسجل بالتفصيل في كشكول من ضمن المضبوطات)،ولم أكن في المقابلتين كليهما إلا مرددا لفكرتي التي أعتقد أنها صحيحة ،والتي تستمد كل عناصر صحتها من التناقض الدستوري بين تولي الحكم في الدولة الإقليمية،والمسؤوليات القومية التي على التنظيم القومي أن ينجزها خارج حدود الدولة .وهو ذات التناقض الذي كان يعنيه الرئيس عبد الناصر،وذكره كمبرر لعدم قيامه ،هو،بإنشاء الحركة العربية الواحدة ،في خطاب له في صيف 1963 (مطلوب تقديم نص الخطاب إلى المحكمة)،ثم أنني لم ألبث، بعد مناقشة هذا الرأي مع الرئيس القذافي، ثم مع شعراوي جمعة ثانية، أن طرحته علنا في المقال المشار إليه،والذي نشر في عدد ابريل 1971 من مجلة "الكاتب" تحت عنوان "تنظيم قومي من أجل الوحدة والاشتراكية" ،والذي أجازت الرقابة نشره....فهل تجيز الرقابة نشر هجوم على نظام الحكم في البلاد....؟ ،أم أن ثمة محاولة عنيدة ،ولكن عقيمة،لتضمين "بيان طارق" مالا يتضمنه من معاني وألفاظ...؟.
لكل الأسباب السابقة،عندما سؤلت عن "بيان طارق" قلت على الفور :أنني صاحبه.وعندما سؤلت عن محمد عبد الشفيع ،قلت أنني أطلعته على بيان طارق ،وعندما سؤلت عن نشاط محمد عبد الشفيع ،قلت بالنص:إن كان محمد عبد الشفيع قد التزم في نشاطه ببيان طارق ،فإني سعيد به،وإن كان قد انحرف به ،أو عنه ،فإني آسف له..،وعندما سؤلت عما أسندته النيابة إلى محمد عبد الشفيع ،وآخرين،من أنهم قد أنشأوا تنظيما سريا ملتزما ببيان طارق،قلت :إنني أعتقد ،أن ليست العبرة بالتنظيم ،ولا بالسرية،وإنما بالمضمون،فإن كان المضمون هو "بيان طارق" فلا وجه للمسؤلية ،حتى لو كان ثمة تنظيم ،ولو كان سريا،فليس كل تنظيم غير مشروع ،وليس كل تنظيم سري غير مشروع،وضربت لذلك مثلا "طليعة الاشتراكيين"،وهو تنظيم سري ،أنشأته الدولة ،فلا يعتبر غير مشروع لمجرد أنه تنظيم ،أو أنه سري ،وما أزال مصرا على هذا أيا كانت النتائج ،أو بصراحة أكثر ،إذا كانت الدولة ،أوالمحكمة ،تعتبر الأفكار التي جاءت في "بيان طارق" ،ذنبا ،فيشرفني أن أكون مذنبا ،وإذا كانت تعتبر أن تقييم الاتحاد الاشتراكي العربي بإنه منظمة أقليمية، ذنبا، فإني مذنب ، وإذا كانت تعتبر أن رفضي لقيام الدولة – أية دولة – بإنشاء التنظيم القومي ،ذنبا ، فإني مذنبا ،وأن اعتبار كل هذا هجوما على نظام الحكم، لايثير في ذهني ، إلا ذكرى قصة الذئب والحمل المتهم بإنه هو أو أحد أجداده قد عكر الماء على الوحش الذي يبحث عن أسباب لالتهامه...،وعندما يكون الأمر كذلك،أو إذا تبين أمام المحكمة أن الأمر كذلك ،أي أن الأمر قد صدر بإلقائي في السجن، بإية طريقة ،فإني أطلب من هيئة الدفاع عني ،الاعتراض على استمرار المحاكمة ،والانسحاب ،ومهما يكن الحكم ،فإنني خارج السجن أو داخله ،لست حملا ،ولست أرى في الدولة وحشا قادرا على التهامي.....
( يتبع "4"ملاحظات......عصمت سيف الدولة )


