الجمهورية العربية المتحدة ( 11 ) عصمت سيف الدولة ... و ( بيان طارق ) ... في زنزانة واحدة ....!  - حبيب عيسى

( 46  )

في ليلة 15/2/1972 تم ألقاء القبض، في القاهرة، على عصمت سيف الدولة بتهمة إنشاء، وإدارة، وتنظيم منظمة، الغرض منها هو الدعوة إلى مناهضة المبادئ الأساسية التي يقوم عليها نظام الحكم .. وتهدف على تحقيق الوحدة العربية الشاملة عن طريق هذا التنظيم السري ، وتجنيد الشباب العربي للإطاحة بكل نظم الحكم في البلاد العربية ... وينضم إلى عصمت سيف الدولة في قفص الاتهام مجموعة من الشباب العربي المناضل في مصر .. تحت العنوان ذاته ..

                 هنا، سنقدم للشباب العربي من الجيل الجديد وثيقة كتبها عصمت سيف الدولة من زنزانته تلك . حيث تنبع أهميتها من مضمونها ذاته ، فهو متهم بجناية، ( أداة الجريمة ) فيها، هي ( بيان طارق ) ، المفاجأة للسجان كانت أن عصمت سيف الدولة لم ينف علاقته بتلك الأداة ، فهو صاحبها كما جاء في جوابه على السؤال الأول بل أكثر من ذلك يتبناها ،ويثبت أنها قانونية،وإنها أداة مشروعة لمواجهة الجريمة،والجرائم التي تم ارتكابها،والتي ترتكب يوميا حتى الآن، بحق الأمة العربية.. وبالتالي لاتوجد جريمة ... لقد أراد عصمت سيف الدولة، أن يثبت شرعية الأداة لنسف قرار الاتهام من أساسه، ليس بالنسبة إليه فقط ، وإنما إسقاطه عن مجموعة الشباب المناضل المتهمين في القضية ذاتها ، ذلك أنه عندما نكون بمواجهة أداة مشروعة قانوناً، فإن ما يترتب عليها يكتسب المشروعية منها ، .. لن أسترسل في الحديث عن تلك الوثيقة ، سأتركها تتحدث عن نفسها ، أردت فقط أن أشير إلى مدى صعوبة ذلك قانونا، ومرافعة ... ولعل رجال القانون يدركون جيداً هذه المسألة ... كيف يمكن أن تتبنى أداة جريمة متهم أنت بها ... وفي الوقت ذاته تنفي أن هناك جريمة ..؟

                 المسالة الثانية التي أردت الإشارة إليها، هي أن تلك الوثيقة يجب أن تقرأ بحذر شديد،وأن يقرأ مابين السطور، لأنها الأساس الذي سيبنى عليه الدفاع في القضية من جهة،ولإنها الأساس المعتمد لمواجهة أجهزة القمع من جهة أخرى، بمعنى، أن ما تتضمنه من القسوة أحياناً ، والنفي،والتأكيد على نفي علاقة تنظيمية سرية مفترضة بين أفراد المجموعة كان بهدف الدفاع عن مجموعة الشباب المناضل كمحاولة لفك أسرهم من جهة،ولتجنيبهم المزيد من التعذيب الوحشي الذي تعرضوا له،وخاصة التعذيب المفرط بالوحشية الذي تعرض له الأخ العزيز د.محمد عبد الشفيع عيسى  ...

                 المسألة الثالثة، أن عصمت سيف الدولة واجه مؤسسة الاتهام بما تكشف لها،أو بما علم هو أنه تكشف لها ، ولعل اصدق تعبير عن ذلك هو ما قاله في الفقرة الأخيرة من هذه الوثيقة ،والذي سأنقله، هنا، إلى هذه المقدمة، كي تقرأ هذه الوثيقة على ضوء ما جاء في ماقاله عصمت سيف الدولة في ختام هذه الوثيقة،حيث يقول : " .. في مثل هذا الموقف يكفي صدقاً، ألا أقول كذباً ، ولو قلت بعض الحقيقة، أو أخفيتها، فلم أقلها .. وحتى لو قلت ما يخالف الحقيقة، فإنني لا أكون كاذباً ، ولن يكون مثلي في هذا إلا مثل سيدنا إبراهيم بعد أن حطم بيده أصنام قومه : ( قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم ، قال بل فعله كبيرهم  هذا فاسألوه ) – لم يكذب إبراهيم .. وصدق الله العظيم " ...........

                 بقي أن أقول، أن هذه الوثيقة أودعت لدي، في مثل هذه الأيام من عام (1976)، أي منذ / 32 /  عاما، بالتمام والكمال، وقد ترك، لي، أمر نشرها في الوقت الذي أراه مناسباً ، وأعترف أنني أخرجت هذه الوثيقة من مكمنها، مرتين فقط، طيلة تلك السنوات المديدة .

-    الأولى، وكانت أثر اعتقال عصمت سيف الدولة عام 1981، للمرة الثانية، مع مجموعة من المفكرين، والمثقفين في مصر ، تلك الاعتقالات التي انتهت بمصرع أنور السادات ، لكنني بعد أن قرأتها للمرة الثانية، أعدتها إلى مكانها ....وعندما التقيت عصمت سيف الدولة بعد ذلك،وأخبرته بالأمر،قال لي ممازحا،يجوز الوجهان.......

-    الثانية، وكانت في صباح "31"آذار – "مارس" 1996"، عندما تلقيت الخبر الحزين، بوفاة عصمت سيف الدولة .. قرأتها للمرة الثالثة .. ثم أعدتها إلى مكانها ...

-    الآن ،هل آن أوان نشرها....؟أرجو أن يكون كذلك... فمن حق الجيل العربي الجديد علينا أن نكشف له أوراقنا كلها .. قبل الرحيل ... فإلى الوثيقة :

 

ملاحظات للدفاع في الجناية 37 لسنة 1972

أمن دولة عليا  

- كتبها:عصمت سيف الدولة

 

أولاً : ملاحظات أولية :

1 – من بين الأوراق المضبوطة في مكتبي ورقة بخط يدي ( مرفقة بالتحقيق ) تتضمن نقاط للتذكرة عن رحلتي الأخيرة إلى لبنان وسورية، من 6/12/1971 إلى 19/12/1971 ،ومن بين ما جاء فيها، ملخص لحوار طويل دار بيني، وبين قادة منظمة "فتح" حول موضوع الدفاع عن قتلة " وصفي التل " كانوا يعرضون علي أن أدافع عن المتهمين ، وكانت لي شروط ذكرتها، ومن بين تلك الشروط الكف عن استغلال الحادث دعائياً، أو سياسياً ، والكف عن تحويله إلى مظاهرة، والاستفادة إلى أقصى درجة من فرصة، أن الدعوى منظورة أو ستنظر أمام القضاء في مصر، وذلك بقبول الاحتكام إليه، للحصول على حكم في موضوع الثورة ذاتها ، وبررت هذا، بأن في مصر قضاء متفوق الكفاءة، عالمي السمعة، وأن حكماً يصدر عنه مقوماً الثورة تقويماً إيجابياً، سيكون أعمق أثراً على مستوى الرأي العام العالمي من ألف مظاهرة دعائية . أقول هذا في البداية لاؤكد ثقتي المطلقة بكفاءة، وعدالة قضائنا، وبالتالي ثقتي بحكم البراءة الذي أتوقعه منهم ، ثم لأؤكد رغبتي في أن يكون الدفاع قانونياً بعيداً عن أية مظاهرة فكرية، أو سياسية ... سنحكتم إلى القضاء في حدود ولايتهم : تطبيق القانون على الوقائع، وسنعفيهم مما لا ولاية لهم فيه : صحة أو خطأ أفكارنا ومبادئنا ...

2 – تقوم الملاحظات التي سأبديها فيما يلي، على ما أعرفه من عناصر التحقيق، ولست أعرف إلا ما ووجهت به من أقوال، أو أدلة                                              "ثبوت" لأن الأمر في ظل سرية التحقيق – كما نعرفه – يقتضي ألا يعرف المتهم إلا ما هو ضده، وبالتالي فإن التحقيق قد يكون متضمناً أقوال، أو أدلة " نفي " لا أعلمها، وليست داخلة في حساب ملاحظاتي هذه، وإن كنت على يقين من أن الزملاء المحامين سيتصدون للدفاع عني، وهم يملكون كامل المعرفة بعناصر التحقيق .. وسيكونون أكثر مقدرة مني على وضع الدفاع في شكله الشامل المتسق .

3 – إن ما هو منسوب إلى المتهمين من الثاني إلى الخامس عشر لا يرقى في تقديري إلى مستوى التنظيم

 ( لا وحدة فكرية ،لا لائحة،لا قيادة،لا أسم ..الخ)                                                                                                      وسيتولى الدفاع عنهم نفي تهمة إنشاء تنظيم، أو الانضمام إليه واعتقد، أن النفي يمثل مصلحة مشتركة بيني وبينهم، بمعنى أنه لو ثبت من تحليل طبيعة العلاقات فيما بين باقي المتهمين، أن ليس ثمة تنظيم، فإن التهمة المسندة إلي تكون سقطت بسقوط محلها ، ومع ذلك ففي هذه الملاحظات المقدمة إلى الزملاء أعضاء هيئة الدفاع سأفترض أسوأ الفروض، وهو أن ثمة تنظيماً قائماً بين باقي المتهمين على المبادئ المسندة إليهم فيما يسمى " بالدستور " إن هذا الافتراض كان وراء الإجابات على الأسئلة التي وجهتها إلي النيابة في التحقيق، إذ لم يكن من الممكن لي أن أتحقق، قبل أن أجيب، من صحة الوقائع التي تسندها النيابة إلى آخرين، وتسألني عنها ، مثلاً عندما ووجهت بأن ثمة تنظيماً بين محمد عبد الشفيع ( المتهم الثاني )، وآخرين على مبادئ معينة، واردة في "دستور"، قرأ لي المحقق بعض فقراته، افترضت إجابتي، أن هذا ثابت في التحقيق، فانصبت تلك الإجابة على نفي العلاقة بيني، وبين ما هو منسوب إلى الآخرين ، وأحب أن يكون هذا هو خط الدفاع الأساسي – نفي التهمة عني بدون إساءة إلى أحد – إن هذا عندي أهم من أية نتيجة محتملة للمحاكمة، إذ القيم الخلقية عندي أسمى من القانون – لهذا أرجو أن يكون الدفاع عني ذا مقدمة ثابتة : لو صح ما هو منسوب إلى الآخرين فإن موقفنا كذا .

4 – مما يتصل بالملاحظة السابقة تطور التحقيق ذاته فقد قبض علي يوم 15/2/1972،وبدأ الحقيق معي يوم :20،ثم يوم : 21/2/1972،كان المحقق هو الأستاذ حسن جمعة رئيس نيابة أمن الدولة ، دار التحقيق كله على واقعتين أساسيتين : أ ) بيان طارق وقد اعترفت منذ أول كلمة أنني صاحبه ......

ب ) علاقتي مع محمد عبد الشفيع، وقد فسرتها، وكانت أقوالي كلها قائمة على افتراض أن التنظيم المنسوب إلى محمد عبد الشفيع ملتزم ببيان طارق الذي كتبته، ولم يذكر لي المحقق أي شيء عن وجود دستور آخر، أو عما جاء به من مبادئ لا تتفق مع بيان طارق . ولم اعرف هذا، أو أواجه به، إلا يوم 21/2/1972 عندما استدعيت للتحقيق مرة أخرى، أمام الأستاذ عدلي حسين وكيل النيابة ، وقد تبينت حينئذ، أن ثمة شيئاً مختلفاً عن موضوع التحقيق الأول الذي وجه إلي فيه الاتهام، وكانت إجاباتي كلها نفياً حاسماً لهذا الشيء الجديد المختلف، فإني أشعر بإن التحقيق الأول تحقيق استدراجي لم أواجه فيه بحقيقة موضوع الاتهام، ومع ذلك فقد قلت الحقيقة أولاً، كما قلت الحقيقة أخيراً .

5 – إن الأدلة المقدمة ضدي واهية، بحيث لم يكن من الممكن، لو أن الأمور طبيعية أن تقيد ضدي جناية ، وسأعرض فيما بعد لمن قبض عليهم، وقامت ضدهم أدلة مماثلة تماماً لما اعتبر دليلاً علي، ( أقوال، وأوراق، وأسماء حركية .. إلخ )، ومع ذلك أفرجت عنهم النيابة بدون اتهام ، نفس عضو النيابة الذي حقق معي واتهمني، بل إني على يقين تام من أن كل أولئك الذين اتهمتهم النيابة في هذه الدعوى قد صاغتهم مباحث أمن الدولة تنظيماً لمجرد أن تسنده إلي، لأنني أنا المقصود بالاتهام قبل كل شيء ، وهنا يثور سؤال، يفرض ذاته، ولابد من أن تجد المحكمة إجابة معقولة عنه – هو : إذا صح ما هو منسوب إلى باقي المتهمين فلماذا زج بي في الدعوى بالرغم من أن الأدلة ضدي واهية ؟ .. إن هذا السؤال حيوي في الدعوى، وهو أكثر من حيوي بالنسبة إلي، إذ قد عرفت بعد انتهاء التحقيق، وانتقالي إلى سجن القناطر ( 15/3/1972 ) أن ضباط مباحث أمن الدولة قد ضغطوا على كل المتهمين إلى حد التعذيب الجسدي كما حدث مع محمد عبد الشفيع – لإكراههم على الإدلاء – بأقوال تؤيد اتهامي أو تؤدي إليه . بل لقد حدث هذا مع آخرين ( عبد الشكور حسين خليفة – عبد الرحمن محمد خير ) حبسوا على ذمة القضية المتهم فيها أنا، ولم يدلوا بأقوال تؤدي إلى اتهامي ... بقوا في السجن بدون إفراج، وبدون محاكمة حتى الآن 11/4/1972 – أن ثمة دليلين ثابتين في التحقيق ذاته على هذا الإكراه واصطناع الاتهام – أولهما تكرار استجواب كل من محمد عبد الشفيع، ومحمد السخاوي ( أربع وخمس مرات ) ليدلي كل منهما بأقوال جديدة لي فيها نصيب حتى أن محمد السخاوي بعد أن كان قد قرر في تحقيق يوم 10/2/1972 أنه لم يزرني إلا مرة واحدة أعيد استجوابه مرة أخرى يوم 28/2/1972 لمجرد أن يذكر أنه زارني مرتين، وأنني تحدثت معه في المرة الأخيرة، منذ أربعة أشهر كما قال في ضرورة إنشاء تنظيم الطليعة العربية – أما الدليل الثاني فهو الإقرارات المكتوبة التي حصل عليها ضباط مباحث أمن الدولة في السجن قبل التحقيق، ثم طلب وكيل النيابة المحقق من محمد عبد الشفيع، أن يوقع إقراراً خاصاً، بأنه لم يتعرض لإكراه ( سمعته بنفسي يعوي كالكلب الملدوغ يوم 18/2/1972 ).... على أية حال، لقد اصطنعت هذه القصة من أجل الزج بي في المأزق الذي أنا فيه الآن .. فلماذا ؟

ربما تظل الإجابة الصحيحة على هذا السؤال سراً إلى حين، ولا أستطيع الآن، إلا تصور الفرضيات الممكنة على ضوء ما أذكره من الأحداث التي وقعت ما بين نوفمبر(تشرين الثاني) 1971 ،وفبراير(شباط) 1972 – لماذا نوفمبر 1971 – لأنه في ذلك الشهر قدمت مباحث أمن الدولة إلى رئاسة الجمهورية، لمناسبة سأذكرها فيما بعد، تقريراً تقول فيه: أن ما ينسب إلى الدكتور عصمت سيف الدولة، من علاقة تنظيمية مع بعض الشباب العربي هو محض افتراء ... إذن فإن الباعث على الاتهام قد وجد في نوفمبر 1971 ،أوبعد هذا ، وقد وقعت في تلك المدة أربعة أحداث يمكن أن يكون أحدها الباعث، أو يمكن أن يكون اجتماعها معاً في تلك المدة هو الباعث :

أولاً : بعد أربعة أشهر من الحوار مع الرقابة، وإلحاحي في أن تحذف من كتابي : "نظرية الثورة العربية " ما تشاء، أو أن تذكر لي ما لا يرضى عنه في الـ 500 صفحة ، وبعد مناقشة الموضوع، في لجنة شكلت لهذه الغاية، ردت إلي الكتاب مؤشراً عليه " غير مسموح بنشره " هكذا جملة بدون تحديد ( النسخة المؤشر عليها موجودة بمكتبتي ) فلما اطلعت عليها، وجدت بعض الفقرات مؤشراً عليها ( X )، فحذفتها، ولكني مع ذلك، وبالرغم من المنع الكامل نشرت "نظرية الثورة العربية" في بيروت، أي تعاقدت على نشره في يوم 7/12/1971، ولقد لفت نظري إلى هذا السبب أحد ضباط مباحث أمن الدولة، ( فهمي )، الذي سألني، في اليوم الثالث من القبض علي، إذا كنت أعرف السبب الحقيقي وراء اعتقالي، فقلت له ربما نشر الكتاب – فقال بالنص :( طيب، ازاي يا دكتور تنشر كتاب قالت لك السلطات أنه غير مسموح بنشره ...؟!!)

ثانياً : أعرف ضابطاً من أمن الدولة، من قرية بجوار قريتي، زارني في أغسطس "آب" 1971 في مصيف المعمورة، مع بعض زملائه في إدارة مباحث أمن الدولة الذين كانوا يقضون إجازتهم – كان من بينهم من يدعى" جابر" وقد نسيت باقي أسمه، وهو مسؤول شؤون الطلبة في إدارة مباحث أمن الدولة ، ودار الحديث حول الوضع السياسي، فقلت "لجابر": يجب أن تتوقع اضطرابات طلابية واسعة النطاق في شهر فبراير 1972 ،وشرحت له لماذا... فالرئيس يعبئ الناس لحسم المعركة قبل نهاية 1971بينما الظروف المحلية، والقومية، والدولية، لا تسمح بحسمها في هذا التاريخ – غضب شعبي إذا لم تحسم – رد الفعل النشيط سيكون في قطاع الشباب، والطلبة ،خاصة بعد اجترار الآلام، لمدة شهر، يبدأ رد الفعل في فبراير، وفي نوفمبر أيضا " 1971" زارني السيد جابر في مكتبي، وأعيد الحديث في الموضوع، فأكدت له أنه طبقاً لتحليلي للأمور، لابد من أن تحدث اضطرابات طلابية في شهر فبراير، فحدثت الاضطرابات فعلاً ... بعد القبض على الطلاب تردد على مكتبي مجموعة من الطلاب بقصد توكيلي للدفاع عن الطلاب جميعاً ، صدرت لي الوكالة من اتحاد الطلبة في كلية الهندسة ( جامعة القاهرة ) ، وجهت على أثرها مذكرة إلى رئيس الجمهورية أطلب فيها الإفراج عن جميع الطلاب المحتجزين – وردت في المذكرة ( وكلها سياسية ) فقرتان : تقول الأولى : أرجو ألا أذكرك بالأيام السوداء التي سبقت ثورة 23 يوليو، وأدت إليها، يوم كان كل وطني يتهم بأنه شيوعي ( كانت صيغة غير موفقة لأن الرئيس هو الذي اتهم قيادة الطلاب بأن لهم لوناً خاصاً ) .. الفقرة الثانية تقول لرئيس الجمهورية ، إن الطلاب قد عبروا عن حقيقة المشاعر الشعبية تعبيراً أكثر صدقاً من التقارير التي ترفع إليك من الأجهزة المتخصصة بدون أن تعرف مصادر المعلومات فيها ( وهو طعن على مباحث أمن الدولة ) .

ثالثاً : في ذات الوقت، أي في الأسبوع الأخير من شهر يناير 1972 أسند إلى مجلس نقابة الصحفيين مهمة صياغة ميثاق الشرف الصحفي، الذي كانوا يزمعون تقديمه إلى رئيس الجمهورية، وقد صغته بخط يدي، وسلمته إلى أمين سر النقابة الأستاذ مصطفى نبيل – الفقرة الأولى منه تقول : " إن الصحفي يستمد شرفه من شرف القضية التي يخدمها، وهو لا يكون شريفاً إلا إذا كان قد اختار قضية عن وعي وإرادة حرة، وبالتالي فلا محل لشرف الصحفي، أو لشرف الصحافة، عندما تكون الصحافة محل احتواء، وتوجيه، أو رقابة ."

رابعاً : إنني أقوم منذ عشر سنوات على الدعوة إلى تنظيم قومي كتبت في هذا" 7" كتب، وعشرات المقالات ، وليس لهذه الدعوة من يضيق بها إلا الإقليمين... ،وقد ذهبت إلى سورية في المدة من 9/12/1971، إلى 17/12/1971 ،وكانت أياماً حافلة باللقاءات مع عديد من القوى السياسية، وهي لقاءات مراقبة طبعاً ، ومنها لقاءاتي مع بعض من يسمون أنفسهم" أنصاراً للطليعة العربية" وهم تلامذتي ، وعدت من هناك بانطباع ذكرته في الورقة المضبوطة في مكتبي، والتي أشرت إليها،من أنه قد يكون البعض ضاق ذرعا بتأثر الشباب العربي بإفكاري ،والدعوة إلى التنظيم القومي،فعّن له أن يطلب من حكومة مصر العربية وضع حد لنشاطي الذي تعدى حدود إحدى دول اتحاد الجمهوريات العربية إلى دولة أخرى مما يتناقض مع دستور الإتحاد ...، هل يمكن هذا ؟ لست أدري....................؟ ولكن لنأمل أن كل الأدلة المقدمة في هذه القضية كانت تحت يد مباحث الدولة يوم 19/12/1971 ،ففي ذلك اليوم تم تسجيل آخر حديث للمتهم الثالث،  وأصبح لدى المباحث أربعة أشرطة مسجل عليها " دستور " التنظيم، وشروحه بصوت محمد السخاوي، ومع ذلك لم تستعمل المباحث هذه الأشرطة، ولم تحاول أن تصنع منها قضية إلا بعد شهرين ، وعلى أي حال، إني لا أتهم أحدا، ولست واثقاً مما إذا كان واحداً من هذه الأحداث، أو هي جميعاً، أو غيرها مما لا أعرفه، هو الذي حمل مباحث أمن الدولة على أن تصنع لي تنظيماً، وهي التي كانت في نوفمبر 1971 قد أكدت، أن القول بأن لي علاقة تنظيمية بأي أحد هو " محض افتراء " ،وقد اخترت هذه الأحداث الأربعة لأن المباحث لم تكن تعرف أنني أجريت تعديلاً في كتاب "نظرية الثورة العربية" قبل التعاقد على نشره، ولعلها لم تصدق أن تردد الطلبة على مكتبي كان لتوكيلي، أو لم تصدق أن توقعي اضطرابات الطلاب كانت مجرد نتيجة لتحليل سياسي . أو لم تصدق مبررات إسناد نقابة الصحفيين إليّ صياغة ميثاقهم، أو قد استفزتها لهجة المذكرة التي قدمت إلى رئيس الجمهورية، أو لم تفهم دفاعي عن جميع الطلبة إلا أنه موقف سياسي ذو علاقة بأحداث الطلبة ذاتها ، أو أن كل هذه كانت عناصر متاحة لها، وفي متناول يدها فاصطنعت منها قضية حتى لا يقال أنها فشلت في معرفة " القوى " التي حركت الطلبة، والتي قال رئيس الجمهورية، بناء على تعليمات المباحث أنها موجودة، ومعروفة ... أياً ما كان الأمر فإن هذه القضية مصطنعة ضدي اصطناعاً قد يبدو ركيكاً .. وقد يفهم من ركاكته أنه ليس من صنعة إدارة مباحث أمن الدولة المشهود لها بالكفاءة، ولكن الواقع أن نسبة الكفاءة إلى إدارة مباحث أمن الدولة ككل ، أي كجهاز نسبة صحيحة ، ولكنها نسبة قد لا تصح على واحد، أو أكثر من العاملين فيها، وقد كان من حظي، وحظ المتهمين في هذه القضية، أن الذي تولى صنعها هو المقدم منير محيش وهو يتمتع بقدر متفوق من الغباء، وضيق الأفق ...لمست هذا بنفسي، ويمكن إثباته علمياً فيما لو عرض على أجهزة اختبار الذكاء .. هل يؤسفني هذا ...؟، الحقيقة الغريبة أنني لم أتوقف طوال مدة سجني في القلعة ،( سجن المباحث )، من التفكير، والأسف، لأن أمن الدولة التي تمر بأدق مراحل تاريخها ، ويرتبط بمصيرها، مصير أمة،وتواجه أشد القوى ذكاء، وشراسة، منوط بجهاز يضم أمثال منير محيش .

ثانياً : التهمة :

                 جاء في قرار الاتهام، أنها " إنشاء، وإدارة، وتنظيم منظمة الغرض منها الدعوة إلى مناهضة المبادئ الأساسية التي يقوم عليها نظام الحكم الاشتراكي في الدولة، والحض على كراهيتها، والازدراء بها، والدعوة ضد تحالف قوى الشعب العاملة ، والتحريض على مقاومة السلطات العامة، وكان استعمال القوة والعنف ملحوظاً في ذلك ... بأن : اشترك عصمت سيف الدولة في تأسيس، وإدارة منظمة سرية، باسم " أنصار الطليعة العربية " تهدف إلى مناهضة تحالف قوى الشعب العاملة، والاتحاد الاشتراكي كتنظيم سياسي يقوم عليه، عن طريق الحض على كراهية، ومقاومة السلطات، والتحريض على الاعتصام والتظاهر وتوزيع المنشورات السرية المعادية وتفجير المفرقعات .

وألاحظ : اختلاف صيغة الاتهام في طبيعة " الفعل " المسند في الفقرة الأولى عنه في الفقرة الثانية -- والفعل المسند هو مناط تحديد الاتهام لأنه هو الجريمة – في الفقرة الأولى هو " دعوة " إلى فعل ( مناهضة .. مقاومة .. إلخ )، وفي الفقرة الثانية هو " مناهضة .. مقاومة ... إلخ " وأعرف أن العبرة بنص المواد التي طلبت النيابة تطبيقها ، ولكن الانتباه إلى هذا الفارق بين الفقرتين، ومحاولة الجمع بينهما يكشف الطبيعة التلفيقية في القضية ذلك لأن بيان طارق يتضمن مجرد " دعوة " لإقامة التنظيم القومي، بينما الأوراق المسماة "دستور" المسند تحريرها إلى المتهمين الثاني والثالث والرابع تتضمن بيان لأفعال يجب أن تمارس وتتجاوز مجرد الدعوة ( هكذا فهمت من الفقرات التي قرأها لي المحقق )، وسنرى فيما بعد أن مباحث أمن الدولة، قد حاولت اختلاق صلة ، أية صلة بين موقفي، ومواقف أخرى مناقضة .

- ملاحظات للدفاع.... عصمت سيف الدولة.."يتبع"