- نقدم في هذه الحلقة القسم الأخير من الوثيقة التاريخية: (بيان طارق ). ويتضمن الأسلوب الخامس لبناء التنظيم القومي,و هو الأسلوب الذي دعا البيان إلى اعتماده في تلك المرحلة التاريخية منذ أكثر من أربعة عقود فإلى البيان:
- خامساً - الأسلوب الخامس:
لا يبقى إلا الأسلوب الخامس، وهو تكوين (الطليعة العربية) تكوينا جديداً لا يحمل رواسب الماضي من أية حركة، أو أي تنظيم، ويتجاوز فكرياً، وتنظيمياً كل الحركات، والمنظمات القائمة، وذلك بأن يبدأ تكوين (الطليعة العربية) من القاعدة الجماهيرية العريضة، فتنبثق (الطليعة العربية) من الجماهير ذاتها، و تنمو من القاعدة إلى القمة نمواً طبيعياً، وديموقراطياً.
إلا أن هذا الأسلوب الصحيح يصطدم بأربع مشكلات رئيسية:
- كيفية إعداد القاعدة الجماهيرية التي تكون هي(الطليعة العربية)، والمرشحة لانبثاق (الطليعة العربية) منها في الوقت ذاته.
- كيفية الانتقال بالقواعد، والكوادر المنظمة فعلا من مرحلة تعدد المنظمات إلى مرحلة التنظيم الواحد بدون إحداث فراغ تنظيمي.
- كيفية مساعدة الشباب في التخلص من رواسب الحزبية القديمة قبل الانتماء إلى(الطليعة العربية) حتى لا يحملوا إليها رواسبهم.
- و أخيراً كيف يتم هذا بغير مساعدة الجمهورية العربية المتحدة (الدولة) ،و (الأجهزة)، بدون أن يتضمن أي احتمال صريح أو غير صريح للتناقض مع قيادة القاهرة، أو حتى الوقوف موقفا سلبيا بالنسبة إلى قيادتها المعارك العربية.
ليس من المبالغة في شيء أن نقول أن كل شيء حتى مصير النضال العربي في العشر سنوات القادمة يتوقف على تخطي تلك العقبات. وعندما نرى أن كل القوى في الوطن العربي تدعو إلى قيام تنظيم قومي واحد، ولكنها لا تتقدم خطوة نحو التنفيذ فيجب أن نفهم أنها كلها – بدون استثناء – تقف أمام هذه العقبات بدون أن تعرف كيف تتخطاها. وهكذا تتبلور مشكلة النضال العربي المعاصر في هذه العقبات.
قد يوجد الأبطال الذين يستطيعون التحرك بدون توقف على نوع العقبات، إلا أن هذا كله - لو وجد - مغامرات فردية لا تؤدي إلى شيء يهم الجماهير العربية، إذ أن الذي يهم الجماهير العربية هو كيف تستطيع "هي" أن تحقق مستقبلها على الوجه الذي تريده. و مساهمة الجماهير العربية ذاتها شرط موضوعي لنحقق أي تقدم عربي. أهمية هذه الملاحظة ترجع إلى أن بعض الشباب العربي الذين تمرسوا بالنضال، وتوافرت لهم مقدرة خاصة عليه، يبدأون التفكير في النضال العربي من أنفسهم مفترضين فرضاً غير صحيح هو أن كل الشباب يجب أن يكونوا مثلهم. و ينقلب الأمر بهم إلى اتجاه عقيم، إلى اتهام الناس جميعهم، والاستعلاء على الجماهير العربية، والمن عليها بما قدموا، من قبل أن يصبحوا من أردأ أنواع المناضلين. لا لأنهم غير قادرين على النضال الثوري،بل لإن العمل الجماعي لا ينبني على الأساس الجماهيري إلا حيث يكون العمل الجماعي هو الصيغة العلمية للنضال الثوري. والعمل الجماعي لا ينبني على أساس التفوق الفردي بل هو منوط بمدى ما يتوافر في التنظيم انضباط ،ومدى تعود المناضلين على إسقاط نوازعهم الشخصية، واستعدادهم لقبول رأي الأكثرية، ولو خالف رأيهم.
إن هذا النوع الرديء من المناضلين العرب، منتشر بشكل وبائي في العراق، وفي صفوف ما يسمى بالقوى الوحدوية في سورية، حيث كل فرد على حدة قد يمثل مقدرة نضالية تستند إلى خبرة فعلية، ولكنه مع هذا يظل عاجزاً عن العمل الجماعي المنضبط. وأهمية هذا هنا ألا نتناول معالجة العقبات التي تقف في سبيل مولد الطليعة العربية بمنطق المناضل الرديء. وهذا يقتضي أن تكون المعالجة، معالجة موضوعية على ضوء الاستعداد التام، والصبر على المعالجة، وعدم الخضوع لاستفزاز الأحداث فلا نتسرع، وعدم الخضوع للطموح فلا نندفع، وعدم السقوط في هاوية "الولاء الشخصي" أو الإقليمي، فننسى أن نعالج عقبات تقف في طريق الأمة العربية، ولا تقف في طريق فرد أو في طريق دولتنا الإقليمية: نقول هذا لأننا سنرى كيف أن تخطي تلك العقبات يحتاج إلى وعي ثوري، وصبر ثوري، ونفس بالغ الطول في النضال من أجل مولد "الطليعة العربية"، وأن هذه العوامل ذاتها هي التي ستحول – بقدر التزامها – دون أن يصل الانتهازيون الذين يزايدون على قضايا الوطن العربي إلى صفوف الطليعة العربية، فالطليعة العربية ليست مجرد تنظيم للمنشقين من أحزابهم، أو من لم تقبل تلك الأحزاب انتمائهم إليها، فإن أغلب هؤلاء لا يستطيعون الصبر طويلاً على النضال المنظم. على ضوء دراسة هذه العقبات – ومع الإصرار على "إيجاد الطليعة العربية" – يقترح هذا المشروع أن يكون الحل على الوجه الآتي:
قيام تنظيم انتقالي لمدة محدودة تكون مهمته مقصورة على أعداد القاعدة الجماهيرية اللازمة لمولد الطليعة العربية، وليبقى بعد مولد الطليعة العربية قاعدة جماعية منظمة لها، تتولى الترشيح لعضويتها، وتزويدها بالمناضلين، بعد أن تكون قد أعدتهم فكرياً، وتنظيمياً لهذه العضوية.
وهذا المشروع المقترح يرى أن هذه البداية تحقق أمرين معاً:
الأول: أنها تكون بداية سليمة، وفعلية لمولد الطليعة العربية بتكوين أعرض مستوياتها، وهي القاعدة الجماهيرية، وبهذا ينبثق التنظيم القومي من الجماهير العربية ذاتها صاعداً خلال مدة محددة من هذه القاعدة الجماهيرية لينتهي بالمستويات العليا حتى القيادة القومية، بحيث أنه في نهاية المرحلة الانتقالية يكون قد تحققت في هذا التنظيم قاعدة من الجماهير الواعية بالفكر الطليعي ،والمدربة على العمل معا في سبيل غاية واحدة ،والمصقولة والمفرزة خلال العمل العقائدي والنضالي في فترة الأعداد .في نهاية تلك الفترة يمكن أن يتكون من أصلب عناصرها القيادية مؤتمر قومي تأسيسي تنبثق عنه " الطليعة العربية" تنظيما قوميا، وذلك بدون أن يكون عملها – أي القاعدة الجماهيرية – قبل مولد الطليعة فعلا محسوبا على "الطليعة العربية "، حتى إذا فشلت المحاولة لا يؤثر الفشل في فكرة التنظيم العربي الواحد، ولا تهتز ثقة الجماهير في ضرورته ، أي أن تظل الفرصة متاحة أمام الشعب العربي لمحاولة أخرى لخلق تنظيمه القومي .إن هذا التحفظ ضد عجز الذين يبدأون، فلا ينقلب عجزهم حكما على مصير الشعب العربي أمر لازم بحكم أن الولاء أولا وأخيرا للأمة العربية. ومن خلال هذا التنظيم الانتقالي ستتاح الفرصة كاملة لاختبار الفكر الطليعي، ومدى قدرته على أن يحقق الوحدة الفكرية اللازمة لزوما لا يمكن تجاهله، أو تخطيه لأي تنظيم قومي ، أو تتاح فكرة صقله أو إكماله أو تعديله خلال الممارسة بحيث يصبح عند مولد "الطليعة العربية" على أكثر قدر من النضج، والتكامل، والصلابة، والوضوح ، وأن أي فشل لا يكون محسوبا على "الطليعة العربية "، فلا يهز الثقة، وتتسع الفرصة مرة أخرى لمزيد من الاجتهاد الفكري والطليعي .
الثاني : من ناحية أخرى فإن هذا المشروع المقترح يتغلب على العقبات التي ذكرناها على الوجه الآتي :
1- كيفية إعداد القاعدة الجماهيرية :
يتم هذا بتحقيق الوحدة الفكرية قبل الوحدة التنظيمية، إذ أن النظرية تسبق الثورة دائما، أو يجب أن تسبقها، ليصبح ولاء المناضلين من أجل أهداف أمتهم ولاء عقائديا لهذه الأمة، وليس ولاء حزبيا، أو شخصيا لقيادتهم . ولما كانت مهمة التنظيم هي الأعداد للطليعة العربية، وكانت تلك المهمة مؤقتة في الوقت ذاته فإن مهمته الأساسية لن تكون القيادة السياسية، والنضالية للجماهير العربية – فتلك مهمة الطليعة العربية عندما توجد – بل ستكون أكمال، وتعميق، ونشر الفكر الطليعي، وتثبيته في أذهان الجماهير على الوجه الذي يحقق قاعدة فكرية واحدة تجمعها، أي أن عدم تحمل التنظيم بحكم مهمته الإعدادية، والمؤقتة، لأعباء النضال السياسي سيجعله تنظيما للوعي الفكري، والتوعية غايته تحقيق الوحدة الفكرية في أعرض قاعدة جماهيرية. و معاركه كلها ستكون بصيغة أساسية متجهة إلى طرد كل فكر مناقض للفكر الطليعي، و تثبيت هذا الفكر الطليعي في كل مكان. و هذا ذاته سيفرز المناضلين أيا كانت مواقعهم، لأن مدى الوعي سيتحدد بمدى مقدرة الواعين على التأثير في مواقعهم بدون أوامر قيادية. أي أنه من خلال مراقبتهم و هم يتحركون في كل الظروف بدون توجيه يمكن بسهولة معرفة إلى أي مدى يوفر وعيهم العقائدي في تصرفاتهم، ومواقفهم الذاتية, أي يمكن معرفة مدى التزامهم العقائدي قبل معرفة مدى مقدرتهم على الانضباط التنظيمي، وهذا في منتهى الأهمية بالنسبة إلى التنظيم القومي، لأن القيادة التنظيمية هي التي تأخذ عادة القرارات الحركية، و تقوم القواعد بتنفيذها -اتكالا- على أن القيادة قد أخذتها في حدود العقائد التي تربط، أو من المفروض أن تربط ، القواعد بالقيادة. و قد أثبتت خبرة الأحزاب في الوطن العربي، وخاصة حزب البعث، وحركة القوميين العرب، أن القيادات كثيراً ما كانت تأخذ قرارات حركية لا تتفق مع الخط العقائدي المعلن للتنظيم اتكالا على أن القواعد لا تتوفر لديها المقدرة الفكرية على مراجعتها, أو محاسبتها. وهذا التواكل المتبادل لعب دورا مدمرا في التنظيمين. وكلما عرفت القيادة، أن القواعد تملك دائما الوعي الفكري بالتزامها العقائدي، وتستطيع أن تحتكم إليه، وتحاسب قرارات القيادة على ضوئه، كلما كان هذا حائلا دون انحراف القيادة، ودفعا لها على الاهتمام بتنمية مستواها الفكري, أوالتخلص منها قبل أن تنحرف بالتنظيم كله. لهذا يعتبر التكوين الفكري قبل التكوين التنظيمي شرطا لازما لنجاح أي تنظيم. وإعداد هذه الوحدة الفكرية مهمة ثورية من الدرجة الأولى. فتفرغ التنظيم الإعدادي المؤقت لها لمدة محدودة لازم موضوعيا، بالإضافة إلى أنه عامل مساعد لتخطي العقبات الأخرى كما سنرى. الخلاصة: أن يكون التنظيم المؤقت تنظيما فكريا بصفة أساسية. ليس معنى هذا أن يكون تنظيما أكاديميا، بل معناه، أن تكون معركته، و ساحة نضاله موجهة لانتصار – الفكر- الطليعي، وهزيمة الأفكار المضادة, و خلق الوحدة الفكرية، بالدراسة، أو التوعية، ومن خلال النضال السياسين، و الاجتماعي الذي يقوم به، الأنصار، كل في موقعه. أي أن تكون الممارسة النضالية وسيلة لاغتناء، وتصحيح، ثم تدعيم الفكر الطليعي، وطريقا لنشره، والتدليل على صحته. أي أن الاستفادة من الممارسة النضالية لتحقيق الوحدة الفكرية هو الهدف المرحلي المحدد للتنظيم الانتقالي، بينما تكون مهمة "الطليعة العربية" التي تنبثق من هذا الإعداد، الاستفادة من الوحدة الفكرية لتحقيق الممارسة النضالية. وسيحتاج التنظيم إلى كل الوعي الثوري، للتركيز على هذه المهمة الجوهرية الأولى، وعدم الاستجابة للاستفزاز الذي يأتي من جانب الأفراد، والحوادث.ولهذا فسيتعرض الأنصار لضغوط نفسية هائلة ، إما داخلية تحت عامل الطموح المتسرع إلى المساهمة الإيجابية في تنظيم معلن، ومتميز مادياً، أوخارجية بما قد يسند
إليهم من سلبية، وأكاديمية ، وتعتبر من المهمات الثقيلة، التي لابد من إنجازها بنجاح، التغلب على تلك الضغوط النفسية، والمثابرة على إنجاز الهدف المرحلي بدون تغيير طوال مدة الإعداد المؤقت ، والصمود في مواجهة تلك الضغوط النفسية، والتغلب عليها، هو ذاته سيكون محك الجدية، والمقدرة على الممارسة النضالية المقبلة، ويدخل التدريب عليه، في مهام التوعية والإعداد .
2 – كيفية الانتقال بالقواعد المنظمة فعلاً من مرحلة التغاير إلى مرحلة الوحدة :
تتعلق هذه العقبة بالشباب الذين يكونون قواعد بعض الحركات والأحزاب والجماعات القائمة في الوطن العربي ، ومن المسلم به انه من الإحراج المثالي وغير العلمي دعوة هؤلاء الشباب إلى ترك مواقعهم التنظيمية، والانتظار السلبي إلى أن توجد الطليعة العربية ، إن اغلب الشباب المناضلين حقيقة لا يقبلون ترك العمل الجماعي المنظم إلى فراغ الانتظار الفردي ، ومن ناحية أخرى فإن هناك معارك يومية قائمة في الوطن العربي لا تسمح بالاستغناء عن الإمكانيات المتاحة مهما كانت عيوبها بدون أن يكون قد توافر البديل الأفضل .
3 – كيفية تخلص الشباب من الرواسب الحزبية :
لهذا فإن التنظيم الإعدادي المؤقت لازم لإيجاد الطليعة العربية حزباً قومياً واحداً من قلب التمزق القائم، وبدون إحداث فراغ تنظيمي ، ومهمته التي يتبناها في الفترات السابقة على قيام "الطليعة العربية" ومدته المحدودة تمكنه من أداء هذه المهمة بنجاح ، إذ أن طبيعة عمله كتنظيم،والتي هي الإعداد الفكري، لا تجعله تنظيماً موازياً، أو منافساً للتنظيمات القائمة، ولكنه ينمو في وجودها ، خارجه، وفي قلب قواعدها، بدون احتمال للاصطدام بها ، ولما كانت مرحلة الإعداد مقتصرة على التكوين العقائدي، والإعداد النضالي، فإن وجود المنظمات المتعددة ذاتها يقدم ميداناً منظماً لغزوها الفكري، ثم الاختبار الحزبي، بدون مسؤولية على الطليعة العربية أو على فكرتها ، وبهذا تكون الأحزاب، والمنظمات القائمة ساحات يتم فيها إعداد المناضلين، حتى خلال المهمات التي تحددها قيادة تلك المنظمات ، وهكذا بينما تبقى المنظمات قائمة في مرحلة إعداد الطليعة العربية تكون قواعدها قد تهيأت فكرياً، ونضالياً للتحول إلى قواعد للطليعة العربية، بمجرد مولدها دون أن يحدث فراغ تنظيمي، أو نضالي ، ويساعد على هذا، أن كل تلك المنظمات، أوأغلبها، يعاني من فراغ فكري، وعقائدي مروع، بحيث أن الفكر الطليعي لن يجد صعوبة كبيرة في كسب القواعد، والكوادر، حتى القيادات التي ستدعي أنه فكرها الخاص ، وشيء من هذا يحدث الآن حتى بدون تنظيم، أي أن الأسس الفكرية لا تجد أية مقاومة داخل أغلب تلك التنظيمات ، ومع أن هذا يشكل خطراً على الفكر الطليعي ذاته عندما يتردد على ألسنة منظمات لا تلتزم به، ولكن تدعيه وتنتحله تغطية لعجزها العقائدي، إلا أن هذا يسهل مهمة التنظيم الإعدادي المؤقت، إذ يسمح له القبول العام للفكر الطليعي، كسب القواعد كسباً منظماً لحساب الإعداد للطليعة العربية ، فلن تستطيع القيادات التي رحبت بالفكر الطليعي، ونشرته في منظماتها أن تقف ضد قواعدها إذا تحركت، أو انتظمت تجسيداً للبناء الفكري الذي روجت له ، وبمولد " الطليعة العربية " سيكون الأمر بالنسبة إلى القواعد مجرد تغيير للإطار الشكلي للتنظيم والقيادة بدون أي فترة فراغ ، أما بالنسبة إلى القيادات فستكون مجرد عزلة عن القواعد التي تم تحولها بمساهمة منها، وإن كانت غير مقصودة، وعلى هذا لن يكون مولد " الطليعة العربية " في نهاية فترة الإعداد سوى طوراً تجاوزت به القواعد المنظمة مواقفها الفاشلة .
- الموقف من ج.ع.م وقيادة جمال عبد الناصر :
ليس ثمة أي مبالغة في القول بأن علاقة التنظيم القومي، الذي يحتم المصير العربي وجوده، بجمال عبد الناصر قد أصبحت في السنين الأخيرة عقدة النضال العربي ، ومعرفة كيف أصبحت عقدة لازم لمعرفة كيفية حلها، وتتلخص الآن في أن نجاح النضال العربي في تحقيق غاياته القومية في الحرية والوحدة والاشتراكية يحتم موضوعياً، وعمليا،ً أن يتولى قيادة هذا النضال تنظيم قومي واحد ينبثق عن الجماهير العربية، ويستند إليها، ويقودها طبقاً لاستراتيجية عربية واحدة تقوم على مصلحة الأمة العربية ككل ، وقد وصل كثيرون إلى الاقتناع بهذه الحقيقة عن طرق مختلفة، بالدراسة العلمية للواقع العربي، وكيفية تغييره ، نصل إليها لو انطلقنا من واقع الاستعمار نريد التحرر، ونصل إليها لو انطلقنا من واقع التجزئة نريد الوحدة، ونصل إليها لو انطلقنا من واقع الاستغلال والتخلف نريد الاشتراكية، ونصل إليها حتماً لو انطلقنا من واقع العلاقة بين هذه الأهداف الثلاثة نريد أن نحققها معاً في دولة عربية واحدة متحررة اشتراكية ، فكل عربي اهتم بأي من هذه القضايا، أو بها جميعاً في ظل ولاء حقيقي لجماهير الأمة العربية انتهى إلى ضرورة قيام التنظيم القومي الواحد قائداً للنضال العربي ، غير أن كثيرين قد وصلوا إلى ذات النتيجة من معاناة الفشل في تحقيق غايات النضال العربي ، وبأساليب أخرى، أي من واقع معرفتهم خلال ممارسة النضال ذاته بالسلبيات المريرة التي يسببها غياب التنظيم القومي الجماهيري الواحد ، وإذا كان الاختلاف لا يزال قائماً حول كيف يوجد هذا التنظيم فإن ضرورة وجوده تكاد تكون مسلماً بها من الجميع . هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن الأمة العربية مشتبكة فعلاً في معارك تحريرية ضارية للتخلص من الاستعمار الظاهر في الجنوب العربي، وفلسطين، ومن الاستعمار الجديد في بعض الأقطار العربية الأخرى، ومقاومة تسلله إلى باقي الأقطار ، والواقع أن ج.ع.م وعلى رأسها جمال عبد الناصر تتولى قيادة هذه المعارك الثورية في أي مكان من الوطن العربي منذ ثورة الجزائر حتى الآن ، وتحمل مسؤولية إمدادها بإمكانيات النضال السياسية، والمادية، والعسكرية، وتشكل بالنسبة إلى المناضلين قاعدة يستندون إليها ، وقد أدى هذا كله، إلى أن أصبحت ج.ع.م في نظر الجماهير العربية، قاعدة النضال العربي، كما يسمونها فعلاً ، وأصبح جمال عبد الناصر، عند هذه الجماهير، قائداً للنضال العربي كما يسمونه أيضاً ، وإذا كان هذا هو موقف الجماهير العربية بوجه عام، فإن موقف الاستعمار من ج.ع.م وجمال عبد الناصر وهما الطرف الذي يواجهه في معركته لم يترك وسيلة ، ولم يتوقف عن البحث عن وسيلة لإسقاط قيادة جمال عبد الناصر وعزل ج.ع.م عن باقي الوطن العربي بقصد عزل المناضلين من أجل التحرر ثم تصفيتهم ، وقد شملت الوسائل التي استعملها كل ما هو في مقدوره من أول القوة المسلحة إلى التآمر الداخلي إلى – وهذا أخطرها – دعم التيارات الإقليمية في ج.ع.م، وفي الأقطار الأخرى بصرف النظر عن أي مضمون اجتماعي لهذه الإقليمية ، فهو لم يتردد في التعاون ودعم الإقليمية الاشتراكية، كما يتعاون ويدعم الإقليمية الرجعية، لأن غرضه المرحلي الأساسي تصفية حركة التحرر العربي، بعزل القاهرة – القيادة – عن ساحات النضال التحرري، وهو ما تؤدي إليه الإقليمية أياً كان مضمونها ، وكان مفروضاً ولو من أجل الانتصار النهائي في معركة التحرر، أو كرد على المخطط الاستعماري، أن يزيد التحام القاهرة وقيادتها بالنضال العربي .
وإذا كانت التجزئة المتمثلة في الدولة الإقليمية تحول دون هذا الالتحام ( الرسمي ) فإن البديل كان ولا يزال متاحاً، وهو الالتحام الشعبي الجماهيري ، التحام المناضلين في تنظيم واحد ، ولأن هذا الغرض يكاد يكون بديهياً لم تكف الجماهير العربية، ولم يتوقف كثير من المناضلين العرب عن توقع أن يبادر جمال عبد الناصر، القائد، إلى هذا الالتحام التنظيمي، بل أن بداهة هذا الواجب القومي، قد شلت مقدرة كثير من العرب عن مجرد التفكير في غيره، فعاشوا في سلبية كاملة منتظرين أمراً يعتقدون اعتقاداً غيبياً أنه سيتحقق بدون أن يحاولوا حتى معرفة كيف ، وانقلب الأمر إلى مأساة حقيقية عندما وفد إلى القاهرة عديد من المناضلين العرب لاجئين إليها تحت تأثير الاقتناع بأنها قاعدة للنضال العربي، وأنهم فيها يضعون أنفسهم تحت تصرف القيادة ، فإذا بالقاعدة، والقيادة تهيئ لهم ملجأ رغداً كل شيء متوفر فيه، ومباح إلا النضال العربي ، وكأن القاهرة قد انقلبت إلى معسكر لغسيل المخ للمناضلين العرب الوافدين عن طريق ممارسة نوع حياة البطالة والتواكل انتهت ببعض منهم إلى الانحلال .
وكانت في تلك الحياة الميتة جاذبية خاصة لبعض من أردأ العناصر العربية، فزجوا بأنفسهم في الأحداث لمجرد اختلاق سبب ليصبحوا لاجئين في القاهرة ، ويردد الجميع في القاهرة، وخارج القاهرة، أنهم في انتظار مبادرة القائد إلى إنجاز ذلك الواجب القومي البديهي الذي ينقذ النضال العربي، وينقذهم " الحركة العربية الواحدة "، ومع هذا، وبرغم هذا، فإن جمال عبد الناصر، الذي أعلن، وكرر، وأكد أن الحركة العربية الواحدة ضرورة تاريخية، أعلن، وأكد، وكرر أيضاً، أنه لن يأخذ على عاتقه مسؤولية المبادرة التنظيمية القومية ، وأن تلك مسؤولية الثوريين العرب أنفسهم ، وقد عرفنا من قبل بعضاً من أسباب هذا الإعلان، وطبيعي أن هذا الإعلان المتكرر وضع كل المناضلين العرب في اختبار عقائدي يمتحن فيه ولاؤهم لمن يكون، ويكشف عن حقيقة البواعث التي ينطلقون منها في نضالهم ، وكان من المتوقع، ولو من أجل الحفاظ على كرامتهم الشخصية أن يبادروا، إلى إيجاد تنظيمهم القومي، الذي يجمعهم، ويقود نضالهم في سبيل مصير أمتهم ، ولأن هذا التوقع بديهي فإن سلبية المناضلين العرب إزاء واجبهم القومي، أحاطتهم بشبهة قوية تمس ولائهم لجماهير الأمة العربية، وتمس زعمهم العقائدي، وتمس مقدرتهم الثورية، وتزحف حتى تحيط بأخلاقيات كثير منهم ، وهي شبهة تروجها قوى لا قومية معادية للنضال العربي تجتهد اجتهاداً نشيطاً في تشويههم، والتشهير بهم، وسلب الثقة في مقدرتهم، ثم نجد في عجز المناضلين العرب في تجسيد دعوتهم إلى التنظيم القومي، وفي سلوك نماذج كثيرة منهم مادة خصبة لهذا التشويه .
وفي الواقع، أن الأمر ليس بسيطاً إلى الحد الذي يسمح باتهام القاصرين عن بناء التنظيم القومي، بما تحاول القوى المعادية للنضال العربي أن تتهمهم به ، فبصرف النظر عن بعض حالات الانحلال، والتبعية، والارتزاق، والانتهازية الفردية ، فإن وراء الإحجام عن تكوين تنظيم قومي دون مساهمة القاهرة، وقيادة جمال عبد الناصر، أسباباً جدية يستحسن أن تناقش :
أولاً : أن أي تنظيم قومي يتصدى لقيادة النضال العربي بدون أن يكون معبرا،ً وشاملاً، وقائداً للشعب العربي في ج.ع.م لا يمكن أن تتوافر له الصفة القومية ، إن استثناء ثلاثين مليوناً من العرب ( عدد سكان مصر في ذلك الحين ) يمثلون الثقل البشري، والاجتماعي، والسياسي في الأمة العربية، يعني أن هذا التنظيم ليس جماهيرياً قومياً، وهي الصفة الأساسية التي يجب أن تتوافر في التنظيم القومي المنشود .
ثانياً : أن التنظيم على المستوى القومي بدون ج.ع.م قد يسهم في مخطط عزل القاهرة عن باقي الوطن العربي، عن طريق تثبيت فكرة النضال الإقليمي داخل ج.ع.م، وخارجها، وهو مخطط استعماري، لا قومي .
ثالثاً : إن ج.ع.م هي المرشحة تاريخياً لتكون دولة النواة في الوحدة العربية، ولما كان أهم غايات أي تنظيم قومي أن يحقق الوحدة العربية فإن قيادته بمعزل عن ج.ع.م يخلق ازدواجاً في القيادة، وأساليب النضال، إن لم يكن على المستوى الاستراتيجي، فعلى المستوى التكتيكي، وهو ما قد يؤدي إلى اصطدام بين هذا التنظيم، وبين قيادة ج.ع.م، فيجد التنظيم نفسه في مواقع القوى المعادية للجمهورية وقيادتها بالرغم من اختلاف أسباب الوجود في هذا الواقع .
رابعاً : إن ممارسة جمال عبد الناصر قيادة، ودعم معارك التحرر في الوطن العربي، قد أسفرت عن حقيقة لا يمكن تجاهلها، هي ارتباط الجماهير في الوطن العربي بقيادته، وتطلعها إلى تلك القيادة، بحيث أن أي محاولة تنظيمية، أو تحرك نضالي سيواجه من تلك الجماهير بسؤال أولي عن مدى، ونوع علاقته بجمال عبد الناصر، والقاهرة ، والإجابة السلبية قد تؤدي إلى اتهام عاجل، أو على الأقل إلى سلبية تحول دون نمو هذا التنظيم جماهيرياً .
خامساً : إنه كان في مقدور المناضلين العرب أن يشاركوا فيما تقوم به أجهزة ج.ع.م، وأن يسهموا في تنميته، لو أن لتلك الأجهزة خطاً واحداً يمكن التجمع عليه، ومن حوله، ولكن الواقع أن اتصالات تلك الأجهزة، ومراكز دعمها، متعددة، ومتوازية، بعدد تعدد، وتوازي مكاتب الأجهزة نفسها، وهو ما يفرغ طاقة المناضلين العرب من ناحية، ويمزق صفوفهم من ناحية أخرى، وعلى أي حال يحول دون التحامهم ومواجهة مسؤولياتهم مواجهة مباشرة .
هذه هي الأسباب التي يطرحها – عادة – بعض العرب كمبررات للتقاعس عن تكوين التنظيم القومي ، وظاهر هذا الموضوع، أنه يدل دلالة واضحة على الإخلاص للنضال العربي ، وليس في تاريخ الثوريين العرب ما يبرر تفسير موقفهم على غير هذا الوجه ، ومهما يكن ما وراء هذا الموقف من إخلاص، أو عجز، فإن الأسباب المطروحة، أسباب لها أصول موضوعية، لا يمكن تجاهلها، وتعبر في مجموعها عن مشكلة لابد لها أن تحل ، إن تعبير " لابد لها من أن تحل " يحسم نصف المشكلة، وذلك لأن الموقف من تلك العقبات يختلف تبعاً لما إذا نظرنا إليها باعتبارها مبررات لعدم قيام تنظيم قومي، أو باعتبارها صعوبات في مواجهة تنظيم قومي لابد أن يقوم ، أخذها على الوجه الأول يؤدي إلى السلبية إزاء ما تفرضه مصلحة الأمة العربية ، بوضوح أكثر أن تأخذ تلك الأسباب على أنها مبررات لعدم قيام التنظيم القومي يدل على أن أصحاب هذا الموقف ينطلقون من ولاء إقليمي، أو شخصي، وأن ولاءهم للأمة العربية، وجماهيرها، غير قائم، أو انه يأتي بصفة تبعية للولاء الإقليمي، والشخصي، ومن خير الأمة العربية أن يظل هؤلاء إلى الأبد عاجزين عن تجسيد أنفسهم في تنظيم ، أي تنظيم ، أما أخذها مشكلة تعترض النضال القومي " ولابد لها أن تحل " فإنه يعني أمرين لازمين :
الأول : أنها مشكلة معروضة للحل، وعلى كل الثوريين العرب أن يسهموا في إيجاد هذا الحل، وتطبيقه .
الثاني : إن حتمية حلها، تستند إلى ولاء لا رجوع فيه لجماهير الأمة العربية، وعلى كل الراغبين في حلها أن ينطلقوا من هذا الولاء لحلها، وأن يبحثوا لها عن الحل الذي يتفق مع هذا الولاء دون غيره . إن هذا يسقط الأسباب الأربعة الأولى التي تدور حول محاذير قيام تنظيم قومي بعيداً عن الشعب العربي في ج.ع.م، أو مساهمته . إن الولاء القومي للجماهير العربية، في أي مكان، كان يحرم، تحريماً قاطعاً، قبول الإقليمية تحت أي شعارات صيغت، وفي أي شكل تجسدت، ومن أوجه الإقليمية أن يبقى الشعب العربي في ج.ع.م معزولاً عن جماهير الأمة العربية، أو قبول هذا العزل، أو التحرك على أساسه ، إن أي تنظيم يقوم على استثناء إقليمي، هو تنظيم إقليمي، مهما شمل من أقاليم ، فإذا كان ثمة اتجاهات لقيام تنظيم قومي تستثني ج.ع.م، أو أي إقليم آخر، من نشاطه، فمن خير الأمة العربية، أن يظل هذا التنظيم إلى الأبد، حلماً غير متحقق ، إن هذا لا يعني أن التنظيم لا يكون قومياً إلا إذا بدأ في كل الأقاليم، أو كان فيه ممثلون لكل إقليم، فإن هذا أمر يتصل بمقدرة التنظيم على النمو والانتشار، ولكنه يعني بحسم رفض الحصر الإقليمي ، وذلك بأن تكون غايته أن يشمل كل أرجاء الوطن العربي، ويمثل كل جماهير الأمة العربية بدون أن يكون ممثلاً لأي إقليم، ولا للأقاليم كلها بصفتها أقاليم . إن التمثيل الإقليمي ينقل إلى التنظيم القومي جرثومة الإقليمية لهذا يجب، لكي يكون التنظيم قومياً، أن يرفض، رفضاً حاسما،ً قبول الحدود الإقليمية لأية دولة عربية حاجزاً، أو جسراً يصله بالجماهير ، وانتشاره، وممارسة مسؤولياته . على ضوء هذا تصبح العقبات التي تطرحها ظروف أي إقليم أمام قيام التنظيم القومي، أو انتشاره،وممارسة مسؤولياته، صعوبات عملية، ومرحلية لابد من تخطيها .
وهنا يجب التفرقة بين الصعوبات التي تطرحها الإقليمية، والإقليميين، وبين الصعوبات ذات الصفة القومية، أي التي تطرحها طبيعة النضال القومي في الوقت الحاضر ، ذلك، لأن الصعوبات التي تطرحها الإقليمية والإقليميين لن تنتهي ، وسيجد الإقليميون في كل وقت ما يطرحونه على طريق التنظيم القومي ليوقفوا مسيرته ، إن الطريقة الوحيدة للتغلب على العقبات التي تطرحها الإقليمية والإقليميون هي وجود التنظيم القومي فعلاً ، لهذا فإن تلك الصعوبات لا يمكن أن تقبل كعذر لتقاعس الثوريين العرب عن تكوين التنظيم القومي ، إنها بعض الأسباب الجدية التي يجب أن تحرضهم على الإسراع في هذا التكوين ، أما الصعوبات ذات الطبيعة القومية فهي النابعة من صفوف الثوريين العرب، وعلاقاتهم، وطبيعة المرحلة التاريخية التي يمر بها النضال العربي، وهذه هي التي تشكل بالنسبة إلى مولد التنظيم القومي مشكلة لابد لها أن تحل بالطريقة المناسبة، أي بالطريقة التي توفق بين وحدة الثوريين العرب في تنظيم قومي واحد، وبين متطلبات النضال القومي قبل مولد هذا التنظيم قياساً على هذه التفرقة نجد أن الصعوبات المتبقية مما عددناه آنفاً تنقسم إلى قسمين :
الأول : يمثله نشاط بعض الأجهزة في ج.ع.م، وعدم كف يدها عن التدخل في الميدان الجماهيري العربي، مع عجزها من أن يكون هذا التدخل في خدمة مولد التنظيم القومي ، وهذا القسم من الصعوبات هو الذي يحتج به الكثير من العرب ذوو الخبرة في التعامل مع هذه الأجهزة،وينسى هؤلاء أن تلك أجهزة ج.ع.م الدولة ، الدولة الإقليمية، أي أنها في التحليل النهائي، أجهزة إقليمية، تفكر إقليمياً، وتقدر إقليمياًَ، وتنشط إقليميا،ً ويترتب على هذا أمران :
أولهما : أن نشاطها مهما كانت صورته، ومهما كان مداه، لن يؤدي إلى مولد التنظيم القومي العربي الواحد .
ثانيهما : إن التنظيم القومي العربي الواحد هو الوسيلة الوحيدة لاستغناء النضال العربي الواحد عن نشاط تلك الأجهزة .
وهذا يحدد للثوريين العرب واجباً ذو شقين : أولهما : الكف عن توقع أن تلك الأجهزة رائدة، وقائدة إلى تكوين التنظيم .
ثانيهما : المبادرة إلى تكوين تنظيمهم القومي .
وهكذا تنحصر المشكلة في علاقة الثوريين العرب بقيادة جمال عبد الناصر لمعركة التحرر العربي ، فمن ناحية لابد من أن يقوم التنظيم القومي قائداً للنضال العربي، وهو ما يعني أن تكون قيادة جمال عبد الناصر، وكل المناضلين في معركة التحرر جزءاً منه ، ومن ناحية ثانية لابد لجمال عبد الناصر أن يسهم إيجابياً في تأسيسه ، وحل هذه المشكلة المشتركة تقع على عاتق طرفيها وليس على أي طرف منهما .
فما تتوقعه جماهير الأمة العربية من جمال عبد الناصر يعتبر واجباً قومياً على جمال عبد الناصر، وهو مسؤول تاريخياً عن أداء هذا الواجب ، والتغلب على ما يصادفه من عقبات يطرحها التركيب السياسي الداخلي في ج.ع.م، ومسؤولية إدارة دولة إقليمية ، المنطلق القومي يحتم أن تكون الأولوية لكل ما هو قومي، فلا يضحى به من أجل ما هو أقليمي.ومع معرفة الكثافة التاريخية للإقليمية في مصر، فإن أصعب مراحل الانطلاق القومي، وهي الانفتاح على الأمة العربية، وتسخير الإمكانيات الإقليمية من اجل النضال القومي، قد تمت بقيادة جمال عبد الناصر في معركة التحرر العربي ، فما هو مطلوب من جمال عبد الناصر هو مد المنطلق العربي الذي يدير به معارك التحرر ليكون أساساً موحداً لمعارك الوحدة والتنمية والاشتراكية، وعلى وجه خاص ليكون أساساً للعمل الجماهيري، والشعبي ، إذ يبدو عجيباً ومتناقضاً أن يقاتل أبناء ج.ع.م في أطراف الوطن العربي، وأن تستقبل ج.ع.م أبناء الوطن العربي من كل مكان ، ومع هذا تبقى تعبئة الجماهير وتنظيمها قائمة على أسس إقليمية ، إن الخط القومي لـ ج.ع.م لاشك فيه، ولهذا فهو يعبر عن جماهير قومية، ويحتاج إلى تنظيم تلك الجماهير قومياً لتكتمل له فعاليته ، وما لم يستند التحرك السياسي القومي إلى تنظيم جماهيري قومي سيظل ضحية نكسات من فعل التناقض بين غاياته وأدواته .
إلا أن جمال عبد الناصر لايعفي الثوريين العرب من مسؤولياتهم، فما تتوقعه الجماهير العربية منهم يعتبر واجبا ًقومياً عليهم ، وهم مسؤولون تاريخياً عن أداء هذا الواجب والتغلب على ما يصادفونه من عقبات يطرحها تخوفهم، وسلبيتهم، والمنطلق القومي يحتم، أن تكون الأولوية للتنظيم القومي، فلا يضحى به من أجل الولاء الشخصي، أو الإقليمي ، ومع معرفة، إلى أي حد كان الثوريين العرب ضحايا الظروف تدعمها قوى معادية، فإن أصعب مراحل الانطلاق إلى التنظيم القومي الواحد قد تمت بفعل الفشل المتكرر، والسلبيات التي خلقها المنطلق الإقليمي ، إن كل ما هو مطلوب من الثوريين العرب أن يحرقوا مراكب الإقليمية، أحزابا،ً وحركات، واتجاهات، ويلزم قبل أن يلوموا غيرهم، أن يثبتوا، انهم قادرون على تحمل مسؤولياتهم القومية فيكونون تنظيمهم القومي .
إن الصيغة التي اقترحها المشروع بسيطة ومناسبة تماماً : قيام تنظيم قومي مرحلي تكون مهمته الإعداد لمولد الطليعة العربية في تاريخ محدد يحل المشكلة على الوجه الآتي :
1 – فمن حيث أنه إعدادي‘ لا يصطدم، ولا يمكن أن يصطدم بقيادة ج.ع.م لمعارك التحرر العربي، بل انه لا يزيد كثيراً عن تحويل الدعوة إلى التنظيم القومي ، وهي دعوة متاحة قائمة على قدم وساق في ج.ع.م، من دعوة فردية إلى دعوة جماعية منظمة تحضر، فكرياً، وبشرياً عن طريق التنظيم، والمتابعة، لمولد الطليعة العربية .
2 – ومن حيث هو مرحلي يمنح الثوريين العرب فرصة معلومة النهاية، ليثبتوا فيها مقدرتهم على الالتحام، والخروج من مأزق تمزقهم، وتعدد قواهم بحيث يصبحون فعلاً كيانياً تنظيمياً لا يمكن تجاهله، أو قبول بديلاً عنه ، كما تمنح قيادة ج.ع.م فرصة معلومة النهاية لتسهم، في نهاية مدة الإعداد، في مولد الطليعة العربية، وأن تستبدل بها أدوات النضال المتاحة حالياً، مع إعفائها، مادامت تريد، من الإسهام في مرحلة الإعداد المؤقتة .
وهكذا يكون الأمر في آخر مرحلة الإعداد :
أ – إن هناك تنظيماً قومياً على وشك أن يولد بعد أن تم الإعداد لمولده .
ب – أن على قيادة ج.ع.م أن تسهم في هذا المولد ومع افتراض الولاء القومي فستكون النتيجة إيجابية لاشك فيها .
(انتهى بيان طارق)
- وبهذا نكون قد قدمنا تلك الوثيقة التاريخية، ونؤكد على ما قلناه في التقديم لها ، من ضرورة قراءتها بمعايير المكان ، والزمان .. والظروف الموضوعية التي كانت سائدة ، وقد شاءت الظروف بعد حوالي خمسة سنوات ونيف من كتابة ذلك البيان ، أن يحشر صاحبه في زنزانة ، وأن يضطر لتقديم دفاع هام عن ذلك البيان ، فماذا قال ..؟
( يتبع )
o حبيب عيسى


