-
نتابع في هذه الحلقة
عرض ( بيان طارق )
دون تدخل من
قبلنا،ونعرضه بالنص
كما تمت صياغته عام
1966 ،كمحاولة
إنقاذية للمشروع
القومي
العربي ، ويتضمن هذا
الجزء من ( البيان )
مناقشة للأساليب
الثاني ، والثالث ،
والرابع المقترحة
لبناء التنظيم القومي
( الطليعة العربية )
.. فإلى القسم الثاني
من البيان:
- ثانيا - الأسلوب الثاني :
أن يتحول أحد التنظيمات القائمة في الوطن العربي إلى طليعة عربية ، وأول ما يلاحظ على هذا الأسلوب، أن ليس ثمة ما يمنعه ، بمعنى أنه لا توجد أية قوة قادرة على أن تحول بين أي تنظيم قائم، وبين أن يتحول ليكون هو التنظيم القومي الواحد أو " الطليعة العربية "، إذ لا يقتضي هذا من أي تنظيم يدعيه إلا أن يستقطب الجماهير العربية، على مستوى الوطن العربي، على وجه يعزل به التنظيمات المنافسة في قيادة الجماهير إلى غاياتها القومية ، وعندما يتحقق له هذا لا يكون محتاجاً إلى شهادة من احد بأنه التنظيم القومي لأغلبية الشعب العربي ، إذ تكفي قيادته الفعلية للجماهير وارتباطها به دليلاً على صحة ما يدعيه .
إنما الذي يمنع تلك التنظيمات، هو أنها لا تملك الخصائص اللازمة، أو القدرة على أن تكون كذلك ، وعندما نرى أن أغلب تلك التنظيمات تنادي بضرورة قيام التنظيم القومي الواحد، وأنها على استعداد لتذوب فيه متى قام، فإنها بذلك تعترف بعجزها عن أن تكون هي ذلك التنظيم .
وقد حاول حزب البعث، وحاولت حركة القوميين العرب، أن يكون أيهما التنظيم القومي الواحد عن طريق الاستقطاب التنظيمي على المستوى القومي ، ولكنهما فشلا فشلاً ذريعاً ، وبدلاً من اطراد النمو، وقع التنظيمان فريسة انشقاقات مطردة بحيث لا يمكن القول، بأن، أياً من البعث، أو حركة القوميين العرب في طريقه إلى أن يكون التنظيم القومي الواحد، والقادر على قيادة القوى التقدمية على الصعيد العربي . بل أن كلاً منهما يتجه موضوعياً إلى الزوال من خلال الانقسامات الداخلية المتتالية ، ومع أن تبرير هذا لا يدخل في موضوعنا إلا أنه يمكن القول أن مرجعه إلى أن أياً من التنظيمين لا يملك المقدرة الفكرية، أو التنظيمية ليكون تنظيماً قومياً في الوطن العربي، ولهذا ذاته أسباب تاريخية لا مبرر لسردها ، المهم، أن عجز أيهما الفادح عن قيادة النضال القومي قد ثبت بشكل لا تجدي معه السفسطة، أو الاعتذارات ، وعندما تولت قوة أخرى ( جمال عبد الناصر ) قيادة النضال العربي مع وجود التنظيمين وبعيداً عن أي اتصال بهما وعلى وجه لا يقيم وزناً لوجودهما كانا قد انتهيا تاريخياً وموضوعياً ، ومنذ عشر سنوات والأحداث القومية في الوطن العربي تسير غير متوقفة على وجود، أو عدم وجود حزب البعث، أو حركة القوميين العرب، بحيث لو لم يكونا موجودين لما اختلفت مسيرة النضال العربي .. إن هذا هو أقسى حكم تاريخي يمكن أن يصدر ضد تنظيم جماهيري ، وهو حكم صادق دائماً لأنه الواقع ذاته، وأقصى ما يمكن أن يقال في التنظيمين، أن كلاً منهما كان ذيلاً للنضال العربي، الذي تحركه، وتقوده القاهرة .
ولقد اقتسم التنظيمان مراحل الذيلية ، فكان البعث ذيلاً حتى عام 1959، ثم حلت محله حركة القوميين العرب ، المهم أن قيادة التنظيمين انكشفت عندما كانت تستمد قوة الإقناع في مواجهة قواعدها عن طريق الادعاء بإنها على صلة بجمال عبد الناصر، أو أنها مؤيدة من قبل جمال عبد الناصر، أو أنها الممثلة للناصرية ، وكان طبيعياً – إذن – أن تتطلع تلك القواعد – من فوق رؤوس القيادة – إلى القائد الحقيقي، وكانت على استعداد دائماً للتخلي عن قيادتها، لو أن جمال عبد الناصر بادر إلى إيجاد الصيغة التنظيمية المناسبة . انكشفت إذن قيادة هذين التنظيمين وسقطت حركياً، ولكنها كانت ساقطة من قبل فعلاً ، فمجرد أن تسبقها الحوادث في الوطن العربي يدل على أنها كانت غير واعية بالأحداث، وبمشكلات الوطن العربي، والمواقع القابلة للتفجر، والقوى المرشحة لقيادة التفجير ، إن تلك اللحظة التي تفجرت فيها ثورة 23 يوليو ( تموز ) بقيادة جمال عبد الناصر في مصر ، مركز الثقل في الوطن العربي بعيداً عن علم وبدون مساهمة من حزب البعث أو حركة القوميين العرب قد تركت التنظيمين على مسافة طويلة من التخلف وراء الأحداث لم يستطع أياً منهما أن يعوضها بعد ذلك .
مهما تكن المبررات، أو الأعذار التي ينتحلها قادة التنظيمين ، أو حتى لو كانت أعذارهم حقيقية ، فإن هذا لا يغير من الواقع الموضوعي شيئاً ، والواقع الموضوعي هو أنه منذ 23 تموز ( يوليو ) 1952 لم يعد حزب البعث، أو حركة القوميين العرب، يلعب دوراً قياديا،ً أو حتى أساسياً في تطور النضال العربي ، ثم أن ضحالة وعي قيادة التنظيمين انقلبت إلى مأساة حينما احتكت بالقيادة الجديدة للنضال العربي ، وقد كانت المأساة متشابهة بالنسبة إلى قيادة كل من التنظيمين ، فقد حاولت كل قيادة منهما في ظروف مختلفة أن " تحتوي " جمال عبد الناصر، وأن تكسب من الموجة الثورية التي حركها . حاولت قيادة البعث هذا في ظل الوحدة بين سورية ومصر سنة 1958 ، وبلغ بها عدم الوعي أنها لم تقدر – حتى، وهي في أقرب موقع من جمال عبد الناصر – أنها أقل بكثير من أن تحتويه لأنها متخلفة عنه، بدليل أنه سبقها، وتجاوزها، وحقق بدونها ما كانت تعيش على وهم أنها وحدها القادرة على تحقيقه ، بل أنها لم تفطن إلى الدلالة العميقة لقبولها حل حزب البعث كشرط لتحقيق الوحدة، فعندما يكون إلغاء أداة قامت من اجل الوحدة شرطاً مقبولاً منها لتحقيق الوحدة لا يعني هذا إلا أنها أداة قاصرة عن تحقيق غاياتها، أي أداة فاشلة ، وبدلاً من أن يدرس البعثيون، ويبحثوا عن أسباب الفشل أرادوا – وهما – ان يضموا إلى حزبهم الفاشل القيادة التي كشفت فشلهم ، ثم عادوا – فيما بعد – إلى ذات الأداة بعد أن ازدادت قصوراً ، ولم تكن سياسة الاحتواء أسلوباً نضالياً بل كانت انتهازية جاهلة من قيادة البعث ، إذ كانت تعرف أن مدى بقائها كقيادة جماعية متوقف على مدى صلتها بجمال عبد الناصر، فكانت سياسة الاحتواء محاولة للاحتفاظ بقيادة القواعد التي كان ولاؤها واحترامها قد تحولا منذ زمن نحو القاهرة ، فلما فشلت تلك القيادة في أن " تضع عبد الناصر في جيبها " انقلبت عليه واصطدمت به فتمزق البعث على مستوى القواعد، والكوادر، لأنه فقد قيادته، ولم يكسب قيادة جديدة .
من ناحية أخرى تولت حركة القوميين العرب، بمنتهى الغباء القيادي، تكرار التجربة، فقد واتتها الفرصة للالتحام بجمال عبد الناصر، بعد انقلاب القيادة البعثية عليه، وحظيت الحركة بما لم يحظ به البعث، من مساعدات، ودعم ، وكما حدث في البعث، بدأ ولاء القواعد يتجه إلى القاهرة ، وبدأ القادة يستجدون ولاء القواعد، بقدر ما يحققونه، أو يدعونه، من اتصال، أو تمثيل لجمال عبد الناصر ، وكما فعلت قيادة البعث، حاولت قيادة الحركة احتواء جمال عبد الناصر، كل الفرق، أن البعث – القيادة – أراد أن يحتويه تنطيمياً عن طريق لجنة مشتركة " بعثية – ناصرية " اقترحها ميشيل عفلق سنة 1959 تتولى قيادة الاتحاد القومي والدولة ، فجاءت قيادة حركة القوميين العرب وأرادت أن تحتويه فكرياً ، ولمدى عامين كانت كتابات القيادة في مجلة " الحرية " عبارة عن ملاحقة لما يقول جمال عبد الناصر، لمحاولة " تنظيره "، ولم تكن الكفاءة الفكرية لتلك القيادة قادرة، لا على الملاحقة، ولا على التنظير، فلم تفعل شيئاً، إلا أن تقدم لأعضائها، وقواعدها، أكبر مجموعة من الأفكار الملفقة ، ولم يكن ذلك كله اجتهاداً فكرياً حتى لو كان خاطئاً، بل كان انتهازية فكرية ، كان هّم القيادة، أن تحتفظ بمواقعها القيادية، وكانت – ممثلة في محسن إبراهيم – تعرض نفسها أسبوعاً، وراء أسبوع، عرضاً رخيصاً، على صفحات مجلة " الحرية " لتثبت لجمال عبد الناصر أنها تستطيع أن تكون " سوسولوف " الناصرية . ولعل محسن إبراهيم، بالذات، كان يحلم بهذا الموقع في قصر القبة، ووراءه باقي قيادة الحركة.
ولما لم ينجحوا، انقلبت القيادة على جمال عبد الناصر، وبدأت أحلام اليسار العربي، والماركسية العربية التي أدت إلى خروج القيادة تماماً عن الخط القومي، وكانت نتيجة ذلك ،أن تصبح قيادة حركة قومية بحكم نشأتها، قيادة لا قومية بحكم فكرها الجديد،وأن تتمزق قواعد حركة القوميين العرب ، وهو ما حدث، فقدت قيادتها، ولم تكسب قيادة جديدة .
لماذا حدث كل هذا ؟
لأن، أياً من التنظيمين، لم يكن يملك الخصائص الفكرية، والتنظيمية، والقيادية التي تمكنه من قيادة الظروف في الوطن العربي، فسحقتهما الظروف ، ولما كانت مهمة التنظيم القومي الواحد " الطليعة العربية "، أن يقود الظروف العربية، ويغيرها، ويتجه بها إلى المصير الذي يحدده ، فإن أياً من البعث، أو حركة القوميين العرب، أو ما تبقى منهما، لا يصلح للتحول إلى تنظيم قومي، لأنه عاجز عن هذا التحول .
ما ينطبق على هذين التنظيمين ينطبق – من باب أولى – على أي تنظيم غيرهما، لأنه مهما كان من أمر فشلهما، فإن الذي لا شك فيه، هو أن كلاً منهما بدأ من المنطلق الصحيح، على الطريق الصحيح، بالصيغة القومية الصحيحة ، ولكنهما ذهبا ضحية الضحالة الفكرية المريعة، خاصة على المستوى القيادي ، وملاحظة هذا العامل مهمة جداً في تقدير قواعد البعث، وقواعد حركة القوميين العرب ، كثير من الذين خرجوا، وقليل من الذين لا يعرفون كيف يخرجون ، أولئك الشباب الذين كانوا ضحايا قياداتهم – بقدر ولائهم للخط القومي، ورفضهم الإقليمية – من أفضل أنواع الشباب، ومن أكثرهم نقاء، ومقدرة على العمل الثوري ، كما أن تجربة التنظيمين تعتبر تجربة رائدة للتنظيم القومي في الوطن العربي، فلابد من الاستفادة منها إلى أقصى درجة لأي تنظيم قومي، يريد أن يكون " طليعة عربية " .
نعني، أنه يجب النظر إلى البعث، والقوميين العرب باعتبارهما مشروعين فاشلين " للطليعة العربية " والاستفادة من هذا الفشل ، ومن أجل هذا خصصنا هذين التنظيمين بالحديث، مثلاً، لمعرفة هل من الممكن أن يتحول تنظيم قائم في الوطن العربي إلى " الطليعة العربية "؟ ، إذ أن كل منهما كان يتجه – بالنية على الأقل – إلى أن يكون تلك الطليعة ، وبرغم هذه النية فشلا في التنظيم على المستوى القومي ، وطبيعي أن المنظمات الإقليمية التي تفتقد – بحكم نشأتها واتجاهاتها – حتى مجرد الرغبة في أن تتحول إلى تنظيم قومي أكثر عجزاً عن هذا التحول .
ومع ذلك فقد عرضت أخيراً صيغة صاحبها قدر كبير من الحماس الدعائي الذي يعرضها كأسلوب لمولد التنظيم القومي الواحد ، تلك هي وحدة القوى الثورية العربية ، فلابد من معرفة ما يمكن أن تؤدي إليه هذه الصيغة .
- ثالثا - الأسلوب الثالث :
هو التقاء كافة المنظمات العربية الثورية في وحدة عمل نضالي، بكل ما يتطلب ذلك من تبادل الخبرات الفكرية، والحركية، والتعاون، وتنسيق الجهود، ثم بقبول التعايش معاً، ومؤقتاً ، ولسنا نريد هنا أن نثير مشكلة تمييز المنظمات الثورية، من المنظمات غير الثورية، من بين المنظمات العديدة في الوطن العربي ، ومقياس هذا التمييز، وكيفية الاتفاق عليه بين المنظمات المعنية، فهو أمر مهما كانت صعوبته، من الممكن التغلب عليه عن طريق تحديد مواقف المنظمات من قضايا خاصة مثل الموقف من الاستعمار، أو الصهيونية، أو الاشتراكية ... إلخ وأصحاب الدعوة إلى التقاء القوى الثورية في الوطن العربي يطرحون فعلاً هذا المقياس، وإن كانوا يختلفون في مدى شموله، على أي حال، فإن طبيعة المعركة التي تخوضها الأمة العربية، وتنوعها ، فهي معارك تحريرية في بعض الأحيان ، ومعارك اشتراكية في البعض الآخر ، ومعارك وحدوية في بعض ثالث ،كل هذا، قد يفرض على المناضلين في سبيل أي من الحرية، أو الوحدة، أو الاشتراكية الالتقاء، أو التعاون النضالي مع قوى أخرى تتفق معهم في وحدة العدو الذي تناضل ضده، وإن اختلفت معهم في الأهداف النهائية لهذا النضال ، يبدو هذا واضحاً في معركة التحرر من الاستعمار، والصهيونية حيث تضم جبهة المناضلين العرب في سبيل الحرية، واسترداد فلسطين عديداً من القوى التي لا تتفق مواقفها مع هدف الوحدة والاشتراكية ، وهنا يصبح الالتقاء النضالي " المرحلي " ضرورة تفرضها طبيعة المعركة . من هنا يصبح التقاء كل القوى الثورية العربية، أو بعضها في " جبهة " واحدة تتبادل فيها الخبرة الحركية، والتعاون، والتنسيق في نضالها المشترك ضد عدوها المشترك أمراً لازماً لاشك فيه ، غير أنه يكون من الخطأ الفادح أن ينسى دعاة هذا الالتقاء وأطرافه أنه التقاء قوى متميزة، ومختلفة في جبهة مرحلية ، وخبرة العمل الجبهوي، المرحلي، ليست جديدة، لا في التاريخ العربي، ولا في تاريخ النضال الثوري عامة ، إحدى خلاصات هذه الخبرة، وما يعتبر قانوناً للعمل الجبهوي، هو الجمع بين الوحدة والصراع معاً بصرف النظر عما يعلنه جميع الأطراف فيتجه نشاط كل من المنظمات الملتقية في جبهة على محورين :
1- المحور النضالي الموحد، والمؤقت، بالمعركة التي تخوضها معاً .
2- محور الصراع فيما بينها، إعداداً لما بعد المعركة المشتركة .
وكلما اقتربت الجبهة من النصر في معركتها الواحدة كلما نما الصراع فيما بين أطرافها ، وينتهي الأمر عادة إلى محاولة متبادلة للتصفية والاستئثار بالقيادة بعد تحقيق الأهداف المشتركة ، ولم يحدث أبدا،ً ولا يمكن أن يحدث، أن تنتهي الجبهة بين منظمات مختلفة العقائد، إلى اندماج كامل في منظمة واحدة ، إنما الذي قد يحدث هو أن تستوعب أقوى المنظمات في الجبهة باقي المنظمات، الأطراف، عن طريق امتصاص أغلب قواعدها، أو كوادرها ، والمنظمات أو المنظمة التي تتلاشى هي عادة التي لم تع طبيعة قوانين النضال الجماعي " الجبهوي " وكثيراً ما تشكو تلك المنظمات من أنها كانت ضحية إخلاصها للأهداف المشتركة، وتتهم غيرها بأنهم كانوا يستغلون القضايا العامة لمصلحة حزبية ، هذه الشكوى في حد ذاتها تكشف جهل الشاكين بحقيقة العمل الثوري، وقوانينه التي أكدتها الممارسة التاريخية في جميع أنحاء العالم، وتخفي وراء ما يسمى إخلاصاً للقضية المشتركة ما يتضمن اعترافاً من تلك المنظمات بأن وجودها المستقل لم يكن لازماً للقضية المشتركة ، لهذا فإن المنظمات التي تصفى أثناء الصراع من خلال العمل الجبهوي الموحد تكون قد لاقت ما تستحقه فعلاً ، بعكس هذا تقبل المنظمات المتمرسة بالنضال الجماهيري على الالتقاء مع غيرها من القوى المنظمة والتعاون معها في جبهة مرحلية، وتدعو إلى هذا اللقاء، وقد تقدم في سبيله بعض التنازلات كلما كانت المعركة التي تواجهها تستلزم حشد أكبر عدد ممكن من الجماهير والقوى التي تتفق مع موقفها من تلك المعركة المحدودة . وهي لا تخشى هذا اللقاء لأنها تعلم وتلتزم قوانينه ، فبينما تبذل كل ما تستطيع لدعم نضال الجبهة المشترك في سبيل تحقيق النصر المشترك لا تنسى أنه بعد النصر المرحلي سيحتدم الصراع بين الأطراف جميعاً حول أهداف النضال في المرحلة التالية . وقد يكون هذا في حد ذاته مؤدياً لمزيد من الصلابة في النضال المشترك يعجل بالنصر، ويربط قواعد الجبهة جميعاً بعناصر قيادتها خاصة ، على وجه يسهل مهمة الانفراد بالقيادة فيما بعد ، ولو أخذنا الواقع الموضوعي مقياساً للإخلاص لوجدنا أن هؤلاء أكثر إخلاصاً لعقائدهم وأهدافهم من أصحاب الإخلاص المثالي المجرد الذي لا يمكن التعويل عليه في الصراع الثوري العقائدي .
هذا كله، إذا كانت صيغة الجبهة في حدود الإقليم، ولكن عندما يضاف إليه، أن الصيغة الجبهوية للنضال العربي المطروحة تحت شعار وحدة القوى الثورية تقوم على أساس انفصال أقليمي أيضا، بحيث يصبح العمل جبهويا حتى بين المتفقين على هدف واحد بحكم عزلتهم التنظيمية، والأقليمية ، فإن عوامل عودة كل إلى مواقفه تكون أكثر وضوحا ، أي أن خلاصة ما ستنتهي إليه وحدة القوى العربية الثورية، هو أن تصفى منظمات لحساب منظمات أخرى، أو تنسق – وهذا أرجح – عند شعورها بخطر التصفية ، ثم أن تظل كل منظمة منها محتفظة بطابعها الأقليمي. .
ليس مطلوبا من كل الذين يدعون إلى وحدة القوى الثورية العربية، إلا أن يكونوا مخلصين ، أي، أن يفهموا هذا، ويعترفوا به، ولا ينكروه، ثم لهم أن يلتقوا في جبهة. إن هذا يعني، أنه لا اعتراض على وحدة القوى العربية الثورية، بل هي دعوة إلى لقاء تفرضه فعلا طبيعة المعركة التي تواجهها الأمة العربية المجزأة ،ويفرضه تنوع أهداف النضال العربي المرحلي، إلا أن هذا كله بعيد عن كيف يوجد في الوطن العربي تنظيم قومي واحد يجسد الوحدة العربية في ذاته، ويدخل معارك التحرر العربي في أي مكان كأداة نضال واحدة تحت قيادة واحدة ، وعندما يوجد هذا التنظيم سيكون له ، ويكون عليه ، أن ينظم علاقات مع كافة القوى التي تلتقي معه في أرض المعركة، ولو اختار صيغة جبهوية .
ولكن الحديث عن الجبهة بين منظمات أقليمية متميزة، ومختلفة، باعتبارها طريقا إلى اندماجها في تنظيم قومي واحد، هو حديث مثالي غير قابل للتحقق، لأنه يتجاهل طبيعة الصراع الذي لا بد منه بين تلك المنظمات، بحكم اختلافها العقائدي، وغاياتها البعيدة ، وهو صراع قد يخف، أو يؤجل مرحليا، ولكنه لا يمكن إلا أن يبقى عقبة في سبيل الاندماج الكلي . وبدون اتهام الدعوة إلى وحدة القوى العربية الثورية في جبهة، أو التشكيك في نوايا أحد من الداعين إليها ، نقول أنه عندما تطرح تلك الدعوة كبديل تستغني به الجماهير العربية عن تنظيمها القومي الواحد، فإنها تكون دعوة ملتقية – في التحليل النهائي – مع أعداء الأمة العربية في تكريس التجزئة، وتثبيت عزلة الجماهير العربية داخل الدول الأقليمية .
لهذا فإن موضوع الجبهة بين القوى الثورة العربية، موضوع لا يتصل بمولد "الطليعة العربية" . وستظل غيبة "الطليعة العربية" سببا أساسيا في فشل الجهود الداعية إلى الالتقاء الجبهوي بين القوى العربية حتى لو اقتضت بعض المعارك الملحة ذلك اللقاء . مهما يكن من أمر، فإن التقاء الأحزاب الأقليمية، أو تقاربها أو تحالفها في جبهة، ليس أسلوبا لمولد "الطليعة العربية" .
- رابعاً – الأسلوب الرابع :
ثمة أسلوب رابع يراود بعض المثقفين في الوطن العربي يمكن أن يسمى "أسلوب الصفوة" صيغته – كما يقولون – أن يتنادى الثوريون العرب إلى مؤتمر ينبثق عنه التنظيم القومي الواحد . إن هذا الأسلوب لا يحتاج إلى مناقشة، لأنه إذا استطاع هؤلاء الذين يعتبرون أنفسهم "الصفوة"، أن يعرف بعضهم بعضا، ثم أن يجتمعوا، ثم أن يتفقوا على أي شيء، فإن ما يسفر عنه هذا الاتفاق سيكون حزبا جديدا يضاف إلى عديد من الأحزاب القائمة في الوطن العربي يسمي نفسه الطليعة العربية، أو الحركة العربية الواحدة، ولكن هذا سيظل مجرد ادعاء إلى أن تحصل تلك الصفوة على قواعد بين الجماهير العربية على المستوى القومي ، ثم أن تصارع الأحزاب الأخرى فتصبح قيادة فعلية للنضال العربي . عندئذ يمكن أن يقال أن حزبا عربيا قد استطاع أن يتحول إلى طليعة عربية، وهو غير ممكن . إذ أن الاستعلاء الفردي لا يمكن أن يؤدي إلى تنظيم جماهيري قومي .
الدليل على ذلك أن الذين تراودهم هذه الفكرة غير قادرين على إنجاز تلك الخطوة الأولى، معرفة من هم الذين يمكن أن يتنادوا إلى مؤتمر قومي .
- بهذا نصل إلى القسم الأخير من (بيان طارق) ،ويتضمن الأسلوب الخامس لبناء التنظيم القومي (الطليعة العربية ) ،وهو الأسلوب الذي يدعو البيان للمضي فيه،فإلى الجزء الأخير من (بيان طارق ) في الحلقة القادمة....
- (يتبع بيان طارق )
- حبيب عيسى


