محاولة إنقاذية .......
لكن : أين الخطأ ..؟!!
( 41 )
أعترف،
دون مواربة ، أنه يعز
علي أن أختتم هذه
الاحتفالية بالذكرى
الـ 50 للجمهورية
العربية المتحدة ،
ذلك أن هذه الحديث
أخرجني ، ولو مؤقتاً
مما أنا فيه. .. على
أية حال ، وإنصافاً
لجيل عاش الحلم ،
ورزح تحت كابوس
الانكسار نقول أنه لم
يكف عن مواجهة أقسى
الظروف بتحد،وشموخ، ً
لم يرفع الراية
البيضاء ، واجه بصبر،
وعناد نظرات الإشفاق
من الجيل العربي
الجديد الذي لا يذكر
لجيلنا إلا الهزائم ،
والفشل ، والانكسار
...
لهذا الجيل العربي الجديد ، كان هذا الحديث ، وإليه أقول أن آباؤكم ، والأجداد قد واجهوا واقعاً مريراً ، انتصروا حيناً ، وهزموا أحياناً ،ولكم أن تبنوا على ما تركوا لكم من أسس صالحة متينة ، وعليكم أن تتجنبوا تكرار الهفوات ، والأخطاء ، والمناطق الرخوة التي انهارت ... وعليكم أن تواجهوا مشكلات الواقع بالمعرفة ، معرفة المشكلات ، تحديد الحلول ، توفير الأدوات ،ثم العمل ...
وإذا كنت منحازاً للجيل العربي الجديد بأن له كل الحق في إبداع أساليبه ، واستعمال أدواته ، فأنني في الوقت ذاته ، أؤكد له أن تاريخ الشعوب لا يقاس بالقطعة ، ولا يتم تقييمه بما فعله ، أو يفعله جيل من الأجيال ، فما يحققه جيل من الأجيال يتضمن عناصر أنجزتها الأجيال السابقة ، وما يصيغه يتحول مع ما سبقه ليكون أساساً يبني عليها الجيل اللاحق ، وهكذا ...
في هذا السياق نقول أن جيل الجمهورية العربية المتحدة لم يكف عن المحاولة ، وإعادة المحاولة لإنقاذ المشروع النهضوي التنويري في الوطن العربي ، وإذا كانت تلك المحاولات قد انتهت إلى ما انتهت إليه ، فإن ذلك كان نتيجة لظروف ذاتية ، وموضوعية بالغة التعقيد والصعوبة سيأتي الحديث عنها في حينه ، وبالتالي فإن النظرة العدمية التي يحاولها البعض عبر الدعوة لإعدام التاريخ هي نظرة عدمية للحاضر، وللمستقبل أيضاً .
بناء عليه نقول، أن أي بناء يسعى الجيل العربي الجديد لتشييده دون التفحص الدقيق ، تحليلاً ، وتركيباً ، لما تركه الجيل الذي سبقه لن يكون مجرد ظلم فادح لجهد تم بذله ، وإنما سيضع الجيل العربي الجديد أمام بناء معيب في أساسه ، وهذا في منتهى الخطورة ...
لهذا ، فإننا اخترنا أن نختتم هذه الاحتفالية، بالذكرى الـ 50 للجمهورية العربية المتحدة، بتقديم نموذج جاد أبدعه نفر من جيل الجمهورية العربية المتحدة لإنقاذ المشروع القومي العربي، النهضوي، التنويري ، ذلك أن هذا النموذج، بالإضافة إلى نماذج أخرى بالغة التنوع، والثراء، والمصادر ، وإن كانت لم تؤد إلى نتائج سياسية مباشرة على أرض الواقع ،فإنه،وإنها شكلت تراكمات مهمة ، وهامة ، ما كان لأي حديث عن استئناف مسيرة النهوض والتنوير ، أن يؤخذ على محمل الجد دون التأسيس عليها
، ذلك أن تلك المحاولات التي تميزت بتنوع مصادرها ، واتساع الموضوعات المطروحة ، أدت إلى فتح ملفات الواقع العربي بعمق، وجدية، مما يوفر للجيل العربي الجديد رؤية حقيقية للمشكلات، ولطرق حلولها ، ويوفر على هذا الجيل تكرار تجارب، وأساليب خاطئة، وعاجزة تم اختبارها ، وتم التثبت من فشلها ...
( 42 )
وقبل الدخول إلى صلب النموذج الذي اخترناه، نشير إلى أنه كمحاولة للإنقاذ ظهرت في منتصف عقد الستينات من القرن المنصرم، ليس إلا محاولة من عشرات المحاولات الجادة الأخرى التي شملت مختلف الفصائل والقوى السياسية على طول الوطن العربي وعرضه ... ذلك أن جيل الجمهورية العربية المتحدة من مختلف الاتجاهات ، والفصائل، والأحزاب الذي عاصر مرحلة ما قبل الوحدة ، ثم عاصر الوحدة ، ثم ما بعد الانفصال قد شهد حراك موجات صاخبة ، من هذا الفصيل إلى ذاك ، وداخل كل فصيل، أو حزب ، ذلك أن الحال لم يبق على ما هو عليه قبل الجمهورية العربية المتحدة، وما بعدها ... فالحركة الشيوعية العربية ، بعد الجمهورية العربية المتحدة أفرزت فصائل جديدة ذات توجهات مختلفة ، وإذا أخذنا الإقليم الشمالي كنموذج نجد أن التفاعلات داخل الحزب الشيوعي السوري على خلفية الموقف من الوحدة العربية ، والموقف من وجود الأمة العربية، من عدمه، قد أفرزت فصائل جديدة، فبدأت الإرهاصات الأولى لموقف يتميز لما عرف مجموعة المناضل رياض الترك ورفاقه ، ثم مجموعة الحزب الشيوعي العربي ، ثم انتقل من انتقل إلى رابطة العمل الشيوعي ،أو اتحاد الشغيلة ، أو أبدع صيغا جديدة ... إضافة إلى انقسامات لم تتوقف داخل من بقي في الحزب الشيوعي السوري التقليدي ... وكذلك، فإن الأحوال داخل الحركة الإسلامية في الوطن العربي لم تختلف كثيرا عن ذلك ، وإذا اعتمدنا، أيضا، نموذج الأخوان المسلمين في الإقليم الشمالي .. فإن موجات هامة التحقت بمشاريع أخرى ، كما أن اختلافات مهمة عصفت ببنية الحزب حول الموقف من قضية الوحدة العربية ، وظهرت فصائل جديدة منضوية ، أو متمردة .. أما الأحزاب، والقوى المحلية ، والأثنية، والمذهبية، والليبرالية،فقد أفرزت قوى جديدة ، وعصفت بها، وبأفكارها الأمواج الهادرة التي رافقت قيام الجمهورية العربية المتحدة ، ثم انفصال الإقليم الشمالي عنها ...
أما بما يتعلق بالتيار القومي العربي ، وأحزابه وفصائله وحركاته فإن ما ناله من تلك التحولات لم يكن أقل شأناً ، فالأحزاب القومية العربية بعد انفصال الإقليم الشمالي للجمهورية العربية المتحدة لم تبق كما كانت ، فقد اهتزت بنيتها اهتزازاً شديداً ، وتوزعت قواها على أحزاب وفصائل جديدة ، وحصلت داخلها انشقاقات وتفاعلات وحوارات هامة ، فاختفت أحزاب وولدت أحزاب جديدة ، وهكذا ..
( 43 )
نريد من ذلك، التأكيد على أن الوثائق الفكرية والتنظيمية التي أسست لذلك الحراك ، والتي قرأت الواقع العربي من مختلف الجوانب الاقتصادية، والثقافية والاجتماعية، والسياسية، والتي تنوعت بحسب مصادرها المتنوعة منهجياً، وفكرياً وعقائدياً .. هي بمجملها، في منتهى الأهمية ، وإذا كانت الظروف الموضوعية التي سادت في العقود السابقة قد فرضت السرية على تلك الوثائق فإن مبررات السرية قد انتفت الآن ، ذلك أن تلك الوثائق التي تحجب عن الكتلة الواسعة من الجماهير العربية ، متوفرة بالكامل لدى الأجهزة الأمنية للسلطات الحاكمة في الوطن العربي من محيطه إلى خليجه ...فعلى من يتم حجبها....؟!!
لذا فإننا نرى أنه من الحيوي، والهام، للجيل العربي الجديد أن يطلع على جميع المحاولات التي بذلها الجيل الذي سبقه لمواجهة الأوضاع المعقدة التي سادت،وامتدت إلى الحاضر .. حتى لا يكرر الجيل الجديد أخطاء فادحة ارتكبها الجيل الذي سبقه ، ولا يقع في مطبات يمكن تدارك الوقوع فيها ...
إن هذه المهمة الحيوية تقع على عاتق أصحاب، وكوادر تلك التجارب أنفسهم ، وذلك تمهيداً لتهذيب الخطاب السياسي في الوطن العربي ، والبعد عن التشهير والمهاترات، والاحتكام للكلمة السواء ، فبهذا، وبهذا فقط تتوفر أرضية إيجابية للحوار المنتج الذي لابد منه ليستأنف كل من موقعه مسيرة النهوض والتنوير في الوطن العربي ..
( 44 )
تنفيذاً لما تقدم ، فإننا نقدم للجيل العربي الجديد وثيقة تاريخية ظهرت في منتصف عقد الستينات لحل المشكلات التي كانت تواجه المشروع النهضوي القومي العربي ، بعد انفصال الإقليم الشمالي ، وبعد تعثر إعادة الجمهورية العربية المتحدة ، كل ما نأمله أن تقرأ تلك الوثيقة وفق ظروفها التي كانت سائدة ، وتأكيداً لما قلناه فإننا سنعرض تلك الوثيقة كما هي دون تدخل ، كما سنعرض لوثيقة أخرى تتعلق بها وهي المذكرة التي قدمها عصمت سيف الدولة دفاعاً عن بيان طارق إثر اعتقاله في فبراير ( شباط ) 1972 ... وهذا سيشكل بحد ذاته أرضية صالحة للحوار حول تلك الوثيقة ، وظروفها ولماذا تعثرت التجربة ، وأين كان الخطأ ..؟ ... هكذا ، فإننا لا نبرر، ولا نجمل، ولا ندافع، ولا نهاجم ، وإنما ندعو للحوار الجاد ، حول وثيقة نقول ابتداء، أن الواقع العربي قد تجاوز ، أو على الأصح،قد تراجع عن إمكانية العمل بها ، وبالتالي فإننا لا نقدم وثيقة للعمل بها ، وإنما نقدم وثيقة تاريخية لوضعها مع وثائق تلك المرحلة من مختلف الفصائل والأحزاب والقوي بتصرف الجيل العربي الجديد ، وهو، كما نأمل، يعد لاستئناف مسيرة النهوض والتنوير في الوطن العربي ... فإلى الوثيقة ...
لكن لابد من التنويه، بأن ، الجمهورية العربية المتحدة، التي ترد في البيان يقصد منها،( الإقليم الجنوبي )، برئاسة جمال عبد الناصر، لأن انفصال الأقليم الشمالي كان قد حدث قبل ذلك ، كما أن \ ميثاق 17 نيسان ( إبريل ) 1963\لإقامة الجمهورية العربية المتحدة، بين سورية ومصر والعراق، كان قد فشل أيضاً .فما هي الأساليب الخمسة التي تطرق لها البيان،لإنقاذ المشروع القومي العربي،ولماذا تم اعتماد الأسلوب الخامس....؟
( 45 )
بيان طارق
إن قيام التنظيم القومي الثوري الواحد " الطليعة العربية " يواجه مشكلة أساسية هي : كيف ينشأ من قلب الواقع العربي، ويتجاوز هذا الواقع ذاته ؟ فقد أصبح مسلماً أن وجود الطليعة العربية ، تنظيما قوميا واحدا ، ضرورة حيوية بالنسبة إلى مصير الأمة العربية . وأغلب الشروط المتطلبة في هذا التنظيم القومي متفق عليها بشكل عام . ولكن ليس ثمة اتفاق على الخطوط المتطلبة لإنشائه . فكيف تولد " الطليعة العربية " . ..؟
بصرف النظر عن التفاصيل فإن هناك خمسة أساليب يمكن طرحها لمولد الطليعة القومية، على افتراض الوحدة في الفكر الطليعي، وعلى افتراض جدية الرغبة في وجود تنظيم قومي ثوري واحد :
أولاً – الأسلوب الأول :
أن تنشأ " الطليعة العربية " بمبادرة من إحدى السلطات التقدمية الحاكمة في الوطن العربي ، والجمهورية العربية المتحدة هي المرشحة لهذه المبادرة ، وكل الإمكانيات اللازمة متوافرة في الجمهورية على ما يبدو . كما أن وجود جمال عبد الناصر عامل هام في تطلع الجماهير العربية إلى القاهرة وإلى جمال عبد الناصر شخصياً في انتظار مبادرته لحل مشكلة مولد التنظيم القومي الواحد . ويكاد هذا التطلع يشل مقدرة القوى العربية الثورية على مجرد تصور إمكان بداية غير مبادرة القاهرة إلى تنظيم تلك القوى في تنظيم قومي واحد تحت قيادة جمال عبد الناصر ، إلا أن هذا الأسلوب يصطدم بعقبات حقيقية تتلخص فيما يلي :
1 - كون عبد الناصر في مركز القيادة في ج.ع.م لا ينفي أن الجمهورية دولة ، وأنه هو نفسه رئيس دولة بكل دلالة الكلمة ، فهي، وهو بصفته رئيسها ملتزمان بالتصرف، والتحرك خارج حدود الجمهورية في نطاق القيود التي يفرضها الوضع الدولي من ناحية، ومسؤولية تلبية حاجة الشعب العربي هناك من ناحية أخرى ، وهذه القيود تحدد للجمهورية العربية المتحدة كدولة ولرئيسها جمال عبد الناصر أغراضاً قد لا تتفق مع متطلبات النضال القومي ، يتجسد هذا في امتناع عبد الناصر عن القيادة المباشرة لنضال الجماهير العربية عن طريق تنظيم قومي ثوري واحد ، وهي مهمة هو مرشح لها بصفته الشخصية، ولكنه غير قادر عليها بصفته رئيس دولة .
إن إعلان جمال عبد الناصر نفسه ، في عشرات المرات والناسبات أنه لن يأخذ على عاتقه زمام المبادرة لمولد هذا التنظيم بالرغم من دعوته له وإيمانه بضرورته وتأكيده دائماً بأن مولده يقع في نطاق مسؤولية القوى العربية الثورية – وليس هناك أي أمل في أن يراجع عبد الناصر موقفه هذا – هو موقف يستند إلى معرفة عبد الناصر بعديد من العوامل الموضوعية التي تحول دون هذه المبادرة ، منها ما يلي :
أ – إن الضغوط التي تعرضت لها ج.ع. م تضع في المرتبة الأولى من مهمات القيادة فيها ضمان سلامة الحكم وأمن الدولة ، وقد استطاعت ج.ع.م فعلاً أن تكون لنفسها أجهزة ذات كفاءة عالية في ضمان أمن الدولة، والمحافظة على سلامة النظام في مواجهة محاولات متعددة من قوى عالمية، وعربية تسعى بكل الطرق لإسقاط النظام، وقيادة عبد الناصر . ولا شك في أن أجهزة ج.ع.م. تؤدي دورا نضاليا جديرا بالثقة والدعم في محافظتها على قاعدة النضال العربي تحت قيادة جمال عبد الناصر ، وهو الضمان الوحيد المتاح في غيبة التنظيم القومي للمحافظة على إنجازات النضال العربي في السنين الأخيرة . إلا أن طبيعة المعركة التي تخوضها ج.ع.م. من حيث هي منصبة أساسا على أمن الدولة انعكست على أجهزتها فكرا وأسلوبا :
(1) فمن ناحية الفكر تكرس في أذهان تلك الأجهزة ، من فرط انتباهها لمهمتها المحدودة ، نوع من الإقليمية، فأصبح تفكيرها محصور في سلامة ج.ع.م. كدولة دون إمكان تجاوز هذا الموقف للنظر إلى تلك السلامة داخل إطار سلامة الأمة العربية، فلم تستطيع الأجهزة أن تفهم، أن أسلم مكان ل ج.ع.م. وقيادتها أن تكون في موضع القلب من دولة الوحدة العربية ، وأدى هذا النظر الضيق إلى أمرين متداخلين بالغي الخطورة على مستقبل النضال العربي، وعلى سلامة ج.ع.م نفسها كقاعدة للنضال العربي .
أولهما :
أن الأجهزة المنوط بها مهمة الدفاع عن الجمهورية، أصبحت تنظر إلى قضايا الوطن العربي، وتعالجها على ضوء مصلحة الجمهورية العربية " كدولة " أي تنظر إلى النضال العربي وتعالجه بطريقة إقليمية .
ثانيهما :
أن ذلك أدى تلقائياً إلى الأمر الثاني، وهو اتجاه تلك الأجهزة إلى البعد بالجمهورية – ما أمكنها – عن مخاطر النضال القومي، ومتاعبه، يتجسد هذا الاتجاه في الشعارات التي ترفع من أن الوحدة العربية تقتضي أولاً الوحدة الوطنية، وأن على كل شعب عربي، أن يحل مشاكله الخاصة ، وحتى حينما طرح شعار وحدة القوى الثورية العربية، وضعت الجمهورية على عاتق تلك القوى مهمة توحيد نفسها في داخل كل قطر على حدة ، وحتى هذا الشعار الأخير نفسه تنشره الجمهورية وتدعو له على أساس أنه جبهة بين عدة قوى عربية ، ولا تخفي بعض أجهزة الإعلام والصحف في الجمهورية أن تلك الصيغة " الجبهوية " مقدمة كبديل عن الحركة العربية الواحدة، وعلى حسابها ، وقد أدى ذلك إلى أن الأجهزة المتاحة في ج.ع.م تفقد بالتدريج، أو تفتقد الكفاءة الفكرية والعقائدية اللازمة، لأية مساهمة مجدية في النضال القومي الجماهيري . وأول خصائص هذه الكفاءة النظر إلى المصالح الإقليمية ومعالجتها على ضوء مصلحة الأمة العربية ككل ، أي من موقف قومي بحت .
(2) ومن الناحية الخاصة بالأسلوب فإن نوع الأسلحة التي تستعملها القوى المعادية للجمهورية العربية المتحدة ( السرية المطلقة – التجسس – الإغراء المادي – العملاء – الفتن – التخريب ..إلخ ) حتم على أجهزة الجمهورية أن تستخدم أسلحة من نفس النوع للدفاع عن الجمهورية، وإبطال مفعول الأسلحة المعادية ، وقد استطاعت الجمهورية أن تعطل كل الأسلحة التي وجهت إليها ، إلا أن هذا قد طبع أسلوب أجهزة الجمهورية بهذا الطابع الذي هو أسلوب كفء في مواجهة الأعداء ولكنه أسلوب فاشل في تنظيم الجماهير، وتحريكها، وقيادتها، وما يقتضيه كل ذلك من تنمية الثقة المتبادلة، والقيادة الجماعية، والنقد الديمقراطي، وتقسيم العمل .
لهذا فإن هذه الأجهزة لا تتمتع بأية كفاءة في تنظيم الجماهير، وقيادتها، وقد فشلت في كل مرة حاولت هذا ، أمثلة هذا الفشل في سورية واضحة ، وقد ترتب على هذا أن تلك الأجهزة قد فقدت نهائياً ثقة الجماهير العربية، وأصبح مجرد الاتصال بها، والتعامل معها، مصدر شبهة، ومبرر اتهام بالانتهازية، والنفعية .
ب – إن الجمهورية العربية المتحدة حاولت العمل الجماهيري في داخلها بالاتحاد الاشتراكي العربي على أساس الالتزام بميثاق العمل الوطني ، والاتحاد الاشتراكي العربي والميثاق كلاهما في موضع التجربة على المستوى الفكري، والمستوى التنظيمي، ولم يتبلور أي منهما في فكر محدد، أو تنظيم متكامل ، مؤدى ذلك أن تحويل الاتحاد الاشتراكي العربي إلى منظمة قومية، أو تحويل الميثاق، إلى ميثاق قومي تجربة ، حتى لو كانت ممكنة ، فهي غير موثوقة، لأنها لم تثبت نجاحها حتى في حدودها الإقليمية ، كما أن هذا التحويل يصطدم بالخصائص الإقليمية التي تطبع الاتحاد الاشتراكي العربي، والميثاق كليهما ، وقد فشلت فعلاً محاولات نقل تجربة الاتحاد الاشتراكي العربي إلى أقطار أخرى في شكل منظمات تغدو به ميثاقاً وحركة بالرغم من أنها تحمل ذات الاسم، وبالرغم من النوايا الطيبة التي كانت تأمل من ورائها أن تكون تنظيماً قومياً واحداً، ولو عن طريق التقارب التدريجي .
جـ - بالإضافة إلى هذه العقبات ذات الصبغة العملية ترد عقبة مبدأية مستمدة من خبرة النضال الثوري الجماهيري في العالم، وفي الوطن العربي ، إذ أن هذه الخبرة العينية قد أكدت في كل مرة أن إنشاء التنظيمات الجماهيرية عن طريق القيادة تسلب الرابطة بين تلك الجماهير أحد شرائطها الأساسية فتصبح تنظيمات فردية ، فعندما تتولى القيادة إنشاء التنظيم :
1 - تكسب صفتها كقيادة قبل نشأة التنظيم .
2 - تدعو إلى التجمع حولها في التنظيم .
3 - تختار الكوادر القيادية في هذا التنظيم .
ويترتب على ذلك :
1 – أن تظل القيادة " دائماً " فوق التنظيم الذي أوجدته، فتحول بالتالي دون التطور الديمقراطي، والثوري، للتنظيم، ومن داخله ، إذ يصبح النشاط الديمقراطي، والثوري مباحاً على ألا يصل إلى حد نقد القيادة، أو تغييرها .
2 – كما أن الدعوة إلى التجمع في تنظيم حول قيادة معينة، يحول هذا التنظيم إلى تنظيم القيادة، وليس تنظيماً للأمة العربية ، وينعكس هذا على مقدرة التنظيم في مواجهة مشكلات النضال العربي، في مواقع بعيدة عن اهتمامات القيادة ،ثم انه يعرض التنظيم ذاته إلى ما تتعرض له القيادة من انتكاس، أو تراجع، أو انحراف .
3 – أن تولي القيادة اختيار الكوادر بعيداً عن الديمقراطية التنظيمية – لأن التنظيم لم يكن موجوداً أصلاً قبل اختيار الكوادر – يحصر التنظيم منذ نشأته في مضايق التقدير الشخصي والتجارب المحدودة التي لابد لها من أن تكون إقليمية بحكم الحصر الإقليمي الذي يفرضه واقع التجزئة في الوطن العربي ويتضاعف هذا وينكشف كلما اتسع التنظيم .
إذ تتولى القيادة، شخصيا،ً اختيار ما يليها من مستويات، وهذه تختار ما يليها .. إلخ وهكذا تصبح الرابطة الحقيقية في التنظيم مستندة إلى علاقات شخصية مجردة تماماً من المبرر الموضوعي، أو العقائدي، وعندما يصل الأمر إلى هذا الحد، يكون التنظيم قد أصبح مؤسسة من الأشخاص الذين تربطهم روابط خاصة لا علاقة لها بالمتطلبات الموضوعية لنضال الأمة العربية ، فلا يلبثون أن يتخذوا من التنظيم أداة لعزل القيادة عن القواعد في داخله، وعزل التنظيم ككل عن الجماهير خارجه ، أو مطاردة من يتوقعون منهم أن يكونوا منافسين لهم في مراكزهم القيادية ، ويؤدي هذا – وغيره – إلى أن ترفض عناصر ثورية مجرد الزج بنفسها في هذا الجو التنظيمي، وصراعاته، الانتهازية .
هذا، إذا نشأ التنظيم عن طريق القيادة، أي التجمع حول القيادة ، أو من أعلى ، فإذا أضيف إلى كل هذا أن تكون القيادة الداعية المنشئة في السلطة فسيضاف إلى كوادر التنظيم، وجماهيره، أكثر المنافقين، والانتهازيين مقدرة على التسلل، ويصبح التنظيم مطعماً بمجموعة نشيطة من أردأ العناصر التي لا تلبث أن تشيع الفساد في التنظيم ذاته ، وقد تستطيع أن تطرد منه أفضل من فيه، وأن تنحرف به عن غاياته المعلنة .
إن كل هذا، كان الحصيلة الفعلية لخبرة ثلاث محاولات متتالية أراد بها الرئيس جمال عبد الناصر أن يقيم تنظيماً جماهيرياً في ج.ع.م بدأت بهيئة التحرير، ثم الاتحاد القومي، ثم الاتحاد الاشتراكي العربي ، فبالرغم من كل المحاولات الجادة الدؤوبة، والمجهودات الضخمة التي بذلت ، وبالرغم من وجود القيادة المقبولة، ثم وجود دليل عمل مكتوب ، لم يكن ممكناً – على أي وجه – أداء تلك الخطوة الأساسية الأولى : فرز الصادقين من المنافقين ، لم يكن هذا نتيجة لأخطاء شخصية، بل مرده، أن أسلوب الإنشاء لا يسمح موضوعياً بهذا الفرز .
ولما كانت ج.ع.م لا تستطيع عملياً أن تتولى القيادة إلى خلق التنظيم القومي، إلا عن طريق جمال عبد الناصر ، وهو لا يريد ، أو عن طريق أجهزتها، وهي غير مؤهلة لهذا العمل القومي ، أو عن طريق الاتحاد الاشتراكي العربي، وهو غير صالح لأنه منظمة إقليمية، ذو طابع إقليمي، ويباشر مهماته فعلاً بمنطق إقليمي خالص ، بالإضافة إلى العجز الراجع إلى وجود القيادة في السلطة ، فلكل هذه الأسباب يستحيل على ج.ع.م – لفترة غير معروفة نهايتها – أن تأخذ زمام المبادرة فتتصدى لحل مشكلة مولد التنظيم القومي " الطليعة العربية " بالرغم من تطلع الجماهير العربية إلى هذه المبادرة المستحيلة موضوعياً ، ويصبح محتوماً البحث عن أسلوب آخر .
· كان هذا هو الأسلوب الأول الذي عرضه بيان طارق،لإنقاذ المشروع القومي العربي،وحدد موقفا منه ، وسنعرض في الحلقة القادمة للأساليب، الثاني، والثالث، والرابع ، أما الأسلوب الخامس، الذي يعتمده البيان، فسنتركه للحلقة التي تلي .
- ولبيان طارق تتمة.....- يتبع
- حبيب عيسى


