الخبير في القانون الدولي
d_alsaid@yahoo.com
إن المسئولية الدولية لإسرائيل طبقا للقانون الدولي متوافرة في حقها ويمكن محاكمتها وقادتها ، ولكي نصل إلي ذلك نبين النقاط التالية:.
1 – نشأة وتتطور المسئولية الدولية المدنية والجنائية في القانون الدولي
2 – الجرائم الدولية في القانون الجنائي الدولي.
3 – التكييف القانوني للممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية.
4 – كيفية محاكمة قادة إسرائيل في القانون الدولي.
نتناول كل عنصر من هذه العناصر بالدراسة علي النحو التالي:
1 – نشأة وتتطور المسئولية الدولية المدنية والجنائية في القانون الدولي
نتعقب نشأة وتتطور المسئولية الدولية في القانون الدولي، وأورد الفقه الدولي تعريفات متعددة للمسئولية الدولية إلا أنهم اتفقوا علي عناصر ثلاثة هي([1]):
- الفعل الضار أو العمل غير المشروع طبقا للقانون الدولي.
- نسبة هذا الفعل إلي أحد أشخاص القانون الدولي سواء الدول أو المنظمات الدولية.
- أن ينتج عن هذا الفعل ضرر يصيب أحد أشخاص القانون الدولي.
وإذا توافرت هذه الشروط في أي تصرف أو عمل صادر من أحدي أشخاص القانون الدولي، فأنه يترتب في حقه المسئولية الدولية وهي نوعان المسئولية الجنائية والمسئولية المدنية.
والمسئولية المدنية: تتمثل في الأمور الأمور التالية:
- على الشخص الدولي التوقف عن الفعل المخالف للقانون الدولي.
- أن تعمل على إعادة الحال إلي ما كان عليه الحال قبل وقوع المخالفة، ويطلق عليه (التعويض العيني) وفي الحالات التي لا يمكن فيها إعادة الحال إلى ما كان عليه سابقا، فعلى الدولة أن تقوم بدفع تعويض مالي يتناسب مع ما أصاب المضرور من أضرار مادية أو معنوية يطلق عليه (التعويض المالي).
أما المسئولية الجنائية: والتي تتمثل في المحاكمة الجنائية للمسئولين عن ارتكاب مخالفات للقانون الدولي الإنساني (قانون الحرب) أثناء النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية، وقد مرت المسئولية الجنائية الدولية بمراحل متعددة تقدمت خطوة خطوة لإقرار هذه المسئولية من حيث المبدأ والمفهوم والمضمون والنطاق، وسوف نقسم مشوار أقرار المسئولية الجنائية الدولية إلي مرحلتين الأولي قبل عصر التنظيم الدولي والثانية في عصر التنظيم الدولي.
1 – المرحلة الأولي: المسئولية الجنائية الدولية قبل عصر التنظيم الدولي: وتبدأ هذه المرحلة من تصريح باريس حتى عام 1919م بإنشاء عصبة الأمم،
وسادت خلال هذه المرحلة ما كان سائدا في القانون الدولي التقليدي بأن الحرب تنطلق من إرادة الدولة ومبدأ السيادة المطلقة تمارسها الدول كما شاءت وبالوسائل التي تراها مناسبة وخاصة التي تسبب آلامًا جسيمة لا تقتضيها الضرورات العسكرية، أو التي تلحق أضرارًا بالمدنيين الذين ليس لهم علاقة بسير العمليات العسكرية، أو الأشخاص الذين تحميهم الاتفاقيات لعدم قدرتهم على المشاركة في العمليات القتالية كالأسرى والجرحى من الجنود، ولذلك لم يكن هناك مسئولية جنائية في القانون الدولي تذكر، ولكن بدأت مرحلة جديدة انطلقت في العام 1856 بتوقيع تصريح باريس أول وثيقة دولية مكتوبة تنظم بعض الجوانب القانونية للحرب البحرية([2]).
ثم كانت اتفاقية جنيف الموقعة في 22أغسطس1864 أسس القانون الإنساني المعاصر، واتسمت بأنها قواعد مكتوبة ودائمة لحماية ضحايا الحروب، وهي معاهدة متعددة الأطراف جاءت تتويجًا لجهود اللجنة الدولية للصليب الأحمر لتقنين عادات الحرب وأعرافها، باعتبارها أول وثيقة دولية في مجال تدوين قواعد القانون الدولي الإنساني.
وجاء إعلان سان بطرسبورج بشأن حظر استعمال المقذوفات في وقت الحرب و الموقع في 11ديسمبر 1868م، وطالب أن يكون التقدم التكنولوجي سببا في تخفيف ويلات الحروب، وأن الهدف المشروع الوحيد الذي يجب أن تسعي إليه الدول والمجتمع الدولي أثناء الحرب هو شل أو إضعاف قوة الخصم العسكرية وليس قتله، مع مراعاة أن حق أطراف أي نزاع مسلح اكتشاف واختيار أساليب ووسائل القتال ليس بلا قيود، بل لا يتعدى الضرورات الحربية بهدف إضعاف قوة الخصم.
وفي العام 1899 عقد مؤتمر لاهاي الأول للسلام والذي تمخض عنه توقيع اتفاقيتين تناولت الأولي قوانين وأعراف الحرب البرية و الثانية تناولت مرضى وجرحى الحرب البحرية، ومؤتمر لاهاي الثاني عقد عام 1907 صدر عنه اتفاقية لاهاي الرابعة والخاصة باحترام قوانين وأعراف الحرب البرية الموقعة في 18أكتوبر1907م، وقد أسهم هذا المؤتمر الثاني في وضع حد للأضرار الناجمة عن الحروب.
وأول ما يميز هذه المرحلة أنها أقرت لأول مره مبدأ المسئولية الجنائية الفردية في معاهدة فرساي عام 1919 والتي نصت في مادتها (227) على إنشاء محكمة جنائية دوليه لمحاكمة الإمبراطور الألماني غليوم الثاني عن مسئوليته الدولية في شن الحرب العالمية الأولى، و معه عدد من الرعايا الألمان لانتهاكهم قوانين وأعراف الحرب، وكان ذل خطوة أولى على طريق إقرار قضاء جنائي دولي لمحاكمة الأفراد لارتكابهم جرائم دولية، بعد أن كان سائدًا في الفقه والعمل الدولي مسئولية الدول وحدها لأنهم هم أشخاص القانون الدولي دون غيرهم، مما يسهم في وضع حد لجرائم الحرب لأن علم الأشخاص بأنهم سيتحملون شخصيًا نتائج الجرائم التي سوف يرتكبونها يجعلهم لا يرتكبونها.([3])
المرحلة الثانية:
المسئولية الجنائية
الدولية في عصر
التنظيم الدولي:
وتبدأ هذه المرحلة من
عام 1920م بإنشاء
عصبة الأمم حتى
تاريخه، وتتميز هذه
المرحلة عن المرحلة
الأولي بالأتساع
والشمول في المفهوم
والمضمون، حيث
جاء
ميلاد عصبة الأمم في
العام 1920 ليشكل
الخطوة الأولى لتحريم
الحرب ولمواصلة
الجهود لمنع اللجوء
إلى القوة في
العلاقات الدولية
واعتماد التسوية
السلمية كوسيلة لحل
النزاعات الدولية.
ولكن هذا التحريم الوارد في عهد العصبة جاء ناقصا حيث اكتفي بتحريم اللجوء للحرب إلى أن يتم استنفاد الشروط والإجراءات التي حددتها(م/12/1) والتي نصت على أن (يوافق أعضاء العصبة على أنه إذا نشأ نزاع من شأن استمراره أن يؤدي إلى احتكاك دولي على أن يعرضوا الأمر على التحكيم أو التسوية القضائية أو التحقيق بواسطة المجلس ويوافقون على عدم الالتجاء للحرب بأي حال قبل انقضاء ثلاثة شهور على صدور قرار التحكيم أو الحكم القضائي أو تقرير المجلس)
ورتب عهد العصبة
التزامات على الدول
الأطراف
وردت في
( م/10) والتي تقضي
باحترام سلامة أقاليم
الدول الأخرى الأعضاء
في عهد العصبة، ويشكل
اللجوء للحرب إخلالاً
بتلك الالتزامات وقد
أورد
العهد جزاءات
ضد من
يخالف تعهداته من
الدول الأطراف
ويرتكب
فعلاً من أفعال الحرب
ضد جميع أعضاء العصبة.
وفي
17يونية
1925م
تم توقيع بروتوكول
جنيف بشأن حظر
استعمال الغازات
الخانقة والسامة
والوسائل الجرثومية
في الحرب،
وفي
27أغسطس1928
تم التوقيع علي
ميثاق بريان كيلوج أو
ما يعرف بميثاق باريس
وهو
خطوة متقدمة في حظر
اللجوء للحرب
ويعتبر
أهم وثيقة دولية بعد
الحرب العالمية
الأولى
ونص في الديباجة علي
التنازل عن الحرب
كوسيلة لتحقيق
السياسات القومية،
وإحلال علاقات السلم
والصداقة بين الدول
الأطراف، ونصت المادة
الأولى
منه
على إدانة اللجوء
للحرب كوسيلة لتسوية
النزاعات الدولية،
ثم كان
توقيع اتفاقيتي جنيف
بشأن
معاملة المرضى
والجرحى والأسرى في
الحرب في عام1929
م.
وجاءت اتفاقية لندن في 8 أغسطس 1945 لتضع قواعد دولية جديدة لم يعرفها القانون الدولي التقليدي من قبل بمحاكمة مجرمي الحرب النازيين واليابانيين في محكمتي نورمبرج، وطوكيو برغم ما أخذ عليهما من كونهما تمثلان إرادة المنتصرين، فقد طغى عليهما الطابع السياسي أكثر من الطابع القانوني، بحيث حوكم مجرمو الحرب المهزومين ولم يحاكم مجرمو الحرب المنتصرين، فلم يتم تطبيقهما على مجرمي الحرب الأمريكان المسئولين عن كارثتي هيروشيما، و نجازاكي([4]).
إلا أنهما كانا التطبيق العملي الأول لمبدأ المسئـولية الجنائية الفردية بتقديم بعض الأفراد للمحاكمة سواء فيهما أو في محاكم دول الحلفاء العسكرية التي عرفت بقانون مجلس الرقابة رقم (10) الصادر من الحلفاء الأربعة بصفتهم الحكام العسكريين لألمانيا لعام 1946 لمحاكمة الأشخاص المتهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وقد جاء ميثاق الأمم
المتحدة كأهم وثيقة
دولية بشأن تحريم
الحرب في العلاقات
الدولية ولم يكتف
الميثاق بتحريم
استعمال القوة في
العلاقات الدولية
وإلغاء حق الدول في
شن الحرب كوسيلة لفض
منازعاتهم، بل حرم
مجرد التهديد
باستخدام القوة
في المادة(2/4) منه
مما
يعد
تطورا
كبيرا
في قواعد القانون
الدولي، إلا أنه لم
يتضمن آلية ملزمة
لمحاكمة مجرمي الحرب([5]).
وقد مثل توقيع
الاتفاقية الدولية
لمنع الإبادة
الجماعية والمعاقبة
عليها في 9ديسمبر
1948 أحد هذه الآليات
حيث دعت الاتفاقية
لإنشاء محكمة جنائية
دولية لمحاكمة
الأفراد المتهمين
بارتكاب جريمة
الإبادة الجماعية،
وأكدت علي
مبدأ المسئولية
الجنائية الفردية،
وأكدته
اتفاقيات جنيف
الأربعة المؤرخة في
12 أغسطس1949.
وقد تعهدت الدول الأطراف بموجب المواد المشتركة في اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949م الخاصة بالعقوبات المقررة لمن يخالف هذه الاتفاقيات باتخاذ إجراءات تشريعية لفرض عقوبات فعالة على الأشخاص الذين يرتكبون أو يأمرون بارتكاب إحدى المخالفات الجسيمة لهذه الاتفاقيات أيًا كانت جنسيتهم أو تسلمهم، وتشكل تلك المواد من اتفاقيات جنيف ليس فقط تأكيدًا لمبدأ المسئولية الجنائية الفردية وإنما توسيعًا في نطاقها.
فقد جعلت محاكمة مجرمي الحرب التزامًا دوليًا يرتب على الدول مسئولية ملاحقتهم بغض النظر عن جنسيتهم، مما يفيد بأن اتفاقيات جنيف أقرت ما يعرف بالاختصاص القضائي العالمي والذي بموجبه يحق لأية دولة موقعة على اتفاقيات جنيف ملاحقة المتهمين بارتكاب جرائم حرب ومحاكمتهم، وهو ما أكدته المادة 86 من البروتوكول الأول المضاف لاتفاقيات جنيف لعام 1977 الخاصة بقمع الانتهاكات الجسيمة التي تنجم عن التقصير في أداء عمل واجب الأداء، وقد أكدت مبدأ المسئولية الجنائية مبادئ نورمبرج التي صاغتها لجنة القانون الدولي عام 1950م وقد نص المبدأ الثالث على عدم اعتبار الصفة الرسمية مانعًا للمسئولية.
وقد جاءت نصوص مشروع تقنين الجرائم ضد سلامة وأمن البشرية عام 1954صريحة في منع اللجوء للقوة في العلاقات الدولية وعدم اعتبار الصفة الرسمية مانعًا للمسئولية، وجاءت اتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية واعتمدت بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم(2391/ د/23) في 26/11/1968 تدعيمًا الجهود الدولية الهادفة لإقرار مبدأ المسئولية الفردية، فنصت في المادة الثانية على انطباق أحكام الاتفاقية على ممثلي سلطة الدولة والأفراد الذين يقومون بوصفهم فاعلين أصليين أو شركاء بالمساهمة في ارتكاب أية جريمة، أو بتحريض الغير، أو مرؤوسيهم لارتكابها أو الذين يتسامحون في ارتكابها، ولا يسري التقادم على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لأنهما من أخطر الجرائم في القانون الدولي، وأعطت اختصاصًا عالميًا للدول الأطراف في ملاحقة المتهمين بارتكاب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وألزمتهم بذلك.
وأقرت الجمعية العامة مبادئ التعاون الدولي في تعقب واعتقال وتسليم الأشخاص مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بقرارها رقم (3074/د/28) في 3/12/1973، وجعل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية أيًا كان المكان الذي ارتكبت فيه موضع تحقيق مع مرتكبيها بمن فيهم مواطنيها محل تعقب وتوقيف ومحاكمة.
وأكدت اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بالقرار رقم 39/46 المؤرخ في 10/12/ 1984 في تأكيد مبدأ المسئولية الجنائية الفردية وعدم جواز التذرع بالأوامر الصادرة عن موظفين أعلى مرتبة أو عن سلطة عامة كمبرر للتعذيب، ورتبت الاتفاقية التزاما على الدول الأطراف باتخاذ إجراءات تشريعية أو إدارية أو قضائية فعالة لمنع التعذيب في أي إقليم يخضع لاختصاصها القضائي.
وجاء تشكيل المحكمة الجنائية ليوغسلافيا السابقة تطبيقًا لمبدأ المسئولية الجنائية الفردية، والتي أنشأت بقرار مجلس الأمن رقم 808 في 22/2/1993 بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة لمحاكمة الأشخاص المسئولين عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني، ونصت (م/7) من النظام الأساسي للمحكمة على المسئولية الجنائية الفردية لمرتكبي الجرائم التي اختصت بالنظر فيها، والتي ارتكبت ضد المسلمين في البوسنة والهرسك وهي الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949م، ومخالفات قوانين وأعراف الحرب، والإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية.
وأسهمت المحكمة
الجنائية الدولية
لرواندا المنشأة
بقرار مجلس الأمن
رقم(955) في 8
نوفمبر1994 بموجب
الفصل السابع من
الميثاق
علي
تعزيز مبدأ المسئولية
الجنائية الفردية
ونصت
عليه
في
المادة السادسة من
النظام الأساسي
للمحكمة،
والتي اختصت بنظر
الجرائم التي تتعلق
بالحرب الأهلية وهى
الانتهاكات الجسيمة
للمادة الثالثة
المشتركة بين
اتفاقيات جنيف
الأربعة لعام 1949م
والبروتوكول الإضافي
الثاني لعام 1977م
والتي تعد جرائم حرب
بموجب المادة (85) من
البروتوكول
الإضافي
الأول، وجرائم
الإبادة الجماعية
والجرائم ضد
الإنسانية وتعتبر
محاكمات يوغسلافيا و
رواندا أول محاكمات
تنشأ منذ محاكم
نورمبرج 1945م
وطوكيو 1946 لمحاكمة
مجرمي الحرب تطبيقًا
لمبدأ المسئولية
الجنائية الفردية
التي لا تجيز الدفع
بالأوامر العليا أو
بعدم مسئولية القادة
أو حصانة رؤساء الدول
أو المسئولين.
وأكدت
المحكمة الجنائية
الدولية التي دخلت
حيز النفاذ في الأول
من يوليو2002 دعائم
المسئولية الجنائية
الفردية
في
نظامها الأساسي كأول
نظام قضائي جنائي
دائم على شكل معاهدة
ملزمة للدول الأطراف
وقد أكدت في ديباجتها
أن أخطر الجرائم التي
تثير قلق المجتمع
الدولي بأسره يجب ألا
تمر دون عقاب ومقاضاة
مرتكبيها، وقد عقدت
العزم على وضع حد
لإفلات مرتكبي هذه
الجرائم من العقاب
وعلى الإسهام بالتالي
في منع الجرائم مما
قد يدعم أسس النظام
العالمي ويسهم في
إرساء أسس السلام
والأمن وإضفاء القيم
الإنسانية في
العلاقات الدولية.
ويقتصر اختصاص المحكمة على الأشخاص الطبيعيين ويكون الشخص مسئولاً عن الجرائم بصفته الشخصية سواء ارتكبها بنفسه أو بالاشتراك مع غيره أو عن طريق شخص آخر، أو بالأمر أو بالإغراء على ارتكابها، وهذا هو الاختصاص الشخصي للمحكمة، الاختصاص الموضوعي للمحكمة ورد في المادة الخامسة من نظامها الأساسي وهي جرائم لا تسقط بالتقادم وهي جريمة الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجريمة العدوان
ترتيبا علي ما سبق فقد ثبتت في القانون الدولي المسئولية الجنائية الفردية لمرتكبي الجرائم الدولية، حتى أصبحت من النظام العام الدولي أي من القواعد الآمرة التي لا يجوز مخالفتها ولا الاتفاق علي مخالفتها.
فأصبح نطاق المسئولية الدولية يشمل المسئولية الجنائية الفردية عن الجرائم المرتكبة خلافًا لقوانين وأعراف الحرب بميلاد معاهدة فرساي عام 1919 وتقريرها المسئولية الشخصية للإمبراطور الألماني غليوم الثاني بنص المادة (227) عن إثارة الحرب، وأقرت كذلك مبدأ المسئولية الجنائية الفردية (م/7) من لائحة محكمة نورمبرج العسكرية 1945 لمجرمي الحرب الألمان، وكذلك (م/6) من لائحة محكمة طوكيو 1946 لمجرمي الحرب اليابانيين في أعقاب الحرب العالمية الثانية، والمبدأ الثالث من مبادئ نورمبرج التي صاغتها لجنة القانون الدولي في أعقاب محاكمات نورمبرج، وأكدته اتفاقيات جنيف الأربعة بنص المواد المشتركة الخاصة بالعقوبات الجنائية، و(م/7) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا، و(م/6) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لرواندا، وأيضا الحكم الذي أصدره مجلس اللوردات أعلى هيئة قضائية بريطانية باعتباره سابقة قانونية في منع مرتكبي الجرائم الدولية من الإفلات من العقاب وعدم منحهم الحصانة القضائية بناء علي طلب تقدمت به أسبانيا عام 1998 لتسليمه لارتكابه جرائم ضد الإنسانية.
وما أخذ به القانون البلجيكي الصادر في 16حزيران 1993 والذي يمنح المحاكم البلجيكية اختصاصًا عالميًا بمحاكمة مسئولين أجانب عن جرائم القانون الدولي، بمحاكمة أربعة روانديين في العام 1994بناء عليه وتم تعديله ليمنع ملاحقة ومحاكمة القادة والمسئولين ماداموا على رأس السلطة بعد الضغوطات الأمريكية والإسرائيلية في أعقاب الدعوى المرفوعة ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون لمسئوليته عن مجزرة صبرا و شاتيلا، والتي تقدم بها 23 فلسطينيًا من الناجين من المجزرة عام 2001، وتم رفع دعوى عام 2002 ضد وزير الدفاع موفاز أمام القضاء البريطاني لمسئوليته الفردية عن مجزرة مخيم جنين في الانتفاضة لكونه رئيسًا لأركان الجيش لإشرافه على المجزرة، وثبتها النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية بالمادة (25)فقرر عدم جواز إثارة المسئولية الجنائية الدولية إلا في حق الأشخاص الطبيعيين فالدولة شخص معنوي لا تسأل مسئولية جنائية، بل مسئوليتها مدنية بالتعويض المالي عن الأضرار الناتجة عن الأعمال غير المشروعة التي يرتكبها ممثلوها.
2 – الجرائم الدولية في القانون الجنائي الدولي
بعد أن بينا المسئولية الدولية المدنية والجنائية في القانون الدولي، نبين في هذا الجزء من الدراسة الجرائم الدولية من حيث المفهوم والمضمون والأركان، والجرائم الدولية واردة في المادة الخامسة من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية وهي علي سبيل الحصر، وهي جريمة الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجريمة العدوان، ونبين كل جريمة علي حدة.
(1) - جريمة الإبادة الجماعية Le Crime de Genocide:- توصف جريمة الإبادة الجماعية (Crime de genocide Le) بأنها أ]شد الجرائم الدولية جسامة وبأنها ( جريمة الجرائم )ومن الملفت للنظر بأن تعريف جريمة ( الإبادة الجماعية ) جاء موحدا في معظم التشريعات الدولية التي تعرضت للجريمة بالتقنين بداية من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة علية والتي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 9/12/1948م، والنظام الأساسي لمحكمة مجرمي يوغوسلافيا السابقة في المادة الرابعة وأيضا محكمة مجرمي رواندا وأخيرا المادة السادسة من النظام الأساسي للمحكمة لجنائية الدولية التي نصت على (لغرض هذا النظام الأساسي تعني ( الإبادة الجماعية ) أي فعل من الأفعال التالية يرتكب بقصد هلاك جماعة قومية أو أثنية أو عرقية أو دينية بصفتها هذه إهلاكا كليا أو جزئيا:-
أ) قتل أفراد الجماعة.
ب) إلحاق ضرر جسدي أو عقلي أو جسمي بأفراد الجماعة.
جـ) إخضاع الجماعة عمدا لأحوال معيشية يقصد بها الإهلاك الفعلي كليا أو جزئيا.
د) فرض تدابير تستهدف منع الإنجاب داخل الجماعة.
هـ) نقل أطفال الجماعة عنوة إلى جماعة أخرى ).
وأول ظهور المصطلح ( الإبادة الجماعية ) في القانون الدولي، كان عام 1944م من خلال(Rephael Lemkin)مستشار وزارة الحرب الأمريكية من أجل توضيح خصوصية الجرائم المرتكبة من النازيين، إلا أن ظهور المصطلح رسميا لأول مرة في التوصية رمق (96/1) الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادرة في 11/21/1946م).
وقد تعرضت محكمة العــدل الدولية لجــريمة الإبادة الجماعية في عدة مواضع في الرأي الاستشاري الصادر في 28/5/1951م بخصوص التحفظات على اتفاقية مكافحة جريمة الإبادة الجماعية ومعاقبة مرتكبيها. والحكم الصادر في 8/4/1993في طلب تدابير تحفظية وتطبيق اتفاقية مكافحة جريمة الإبادة الجماعية ومعاقبة مرتكبيها والحكم الصادر في 11/7/1996م بشأن يوغوسلافيا وصدر الحكم في 29/ 4 1999م مما أدى إلى تطور لا يستهان به لكافة جوانب جريمة الإبادة الجماعية([6]) ويتلخــص الركن المادي لجريــمة الإبادة الجــماعية في الآتي:-
1- قتل أعضاء من جماعة معينة.
2- الاعتداء الجسيم على السلامة الجسدية أو العقلية لأعضاء الجماعة.
3- إخضاع الجماعة لظروف معيشية قاسية تقضى إلى القضاء عليهم بصفة كلية أو جزئية.
4- إعاقة التناسل داخل الجماعة.
5- نقل الصغار قهراً من جماعتهم إلى جماعة أخرى.
كما حددت اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها في المادة الثالثة صور السلوك الإجرامي المؤثم لجريمة إبادة الجنس البشرى فيما يلي:-
1- إبادة الجنس البشرى.
2- الاتفاق أو التآمر على ارتكاب جريمة إبادة الجنس.
3- التحريض المباشر والعلني على ارتكاب جريمة إبادة الجنس البشرى.
4- الشروع في ارتكاب جريمة إبادة الجنس البشرى أو الاشتراك فيها.
وتجدر الإشارة إلى أن كل صورة من الصور السابقة تشكل جريمة مستقلة قائمة بذاتها واجبة العقاب عليها.
1- وقد تفادى النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، العوار القانوني الذي أصاب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها فنص في المادة (77) على العقوبات التي يجوز للمحكمة الجنائية أن تقضى بها حال ثبوت ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية أو أي جريمة واردة في المادة (5) من النظام (17) فأوردت (رهناً بأحكام المادة (110) يكون للمحكمة أن توقع على الشخص المدان بارتكاب جريمة في إطار المادة (5) من هذا النظام الأساسي إحدى العقوبات التالية:-
(أ) السجن لمدة محددة من السنوات لفترة أقصاها (30) سنة.
(ب) السجن المؤبد حيثما تكون هذه العقوبة مبررة بالخطورة البالغة للجريمة وبالظروف الخاصة للشخص المدان.
2- بالإضافة إلى السجن فللمحكمة أن تحكم بما يلي:-
(أ) فرض غرامة بموجب المعايير المنصوص عليها في القواعد الإجرائية وقواعد الإثبات.
(ب) مصادرة العائدات والمتحصلات والأصول المتأنية بصورة مباشرة أو غير مباشرة من تلك الجريمة دون المساس بحقوق الأطراف الثالثة الحسنة النية ).
ولقد ارتكبت القوات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين الجرائم الواردة في الفقرات(أ/ب/ج) سالفة الذكر لذلك فهي مرتكبة لجريمة الإبادة الجماعية.
(2) الجرائم ضد الإنسانية ( Les Crims Contre L'humcenite ):
اهتم الفقه الدولي حديثاً بتعريف الجرائم ضد الإنسانية باعتبارها من الجرائم الدولية التي تستوجب المسئولية الدولية والعقاب عليها. فقد عرفها البعض بأنها ( جريمة دولية من جرائم القانون العام بمقتضاها تعتبر دولة ما مجرمة إذا أضرت بحياة شخص أو مجموعة أشخاص أبرياء أو بحريتهم أو بحقوقهم، بسبب الجنس أو التعصب للوطن أو لأسباب سياسية أو دينية، أو إذا تجاوزت أضرارها في حالة ارتكابهم جريمة ما، العقوبة المنصوص عليها )
وعرف النظام الأساسي الجرائم ضد الإنسانية في المادة (7) التي اشترطت أن تتوافر الأركان التالية في الجرائم ضد الإنسانية([7]):
1- أن تكون هناك سياسة دولة أو سياسة من قبل منظمة غير حكومية (م/7/2)
2- أن تكون الجريمة من الجرائم المذكورة والمحددة حصراً في المادة (7/1)([8]) والمتمثلة في:-
أ- القتل العمد ويقصد به التسبب عن قصد وإرادة وعلم في إزهاق روح شخص أو أشخاص بطريقة مباشرة وغير مباشرة.
ب- الإبادة الجماعية: التسبب عن قصد وإرادة وعلم في موت جماعة مدينة من الناس أو تعمد خلق ظروف معيشية صعبة يقصد بها الإبادة الجسدية أو الإيذاء الجسدي أو الإبادة البيولوجية أو الإبادة الثقافية.
ج- الاسترقاق: وهو مرادف الرق والاستعباد.
د- الإبعاد القسرى: يقصد به نقل الأشخاص قصراً من إقليم دولتهم أو مدينتهم إلى أماكن أخرى.
ه- السجن التعسفي: أي الحبس بدون حكم نهائي يقضى بذلك ويمكن إضافة التعذيب إلى السجن التعسفي.
و- الاغتصاب والاعتداء الجنسي الخطير.
ز- الاضطهاد السياسي أو العنصر الديني.
3- أن ترتكب هذه الجرائم على نطاق واسع أو بشكل منهجي (م/7/1) والسياسة هي التعامل الأساسي الذي يعمل على تحويل الجريمة من جريمة وطنية إلى جريمة دولية.
وقد عكس النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في المادة (7) الدقة والتطور الملحوظ في القانون الدولي العرفي في تحديد حدود وأركان الجرائم ضد الإنسانية، منذ ميثاق نورمبرج (م/1)([9])
وهكذا فإن كل فعل ترتكبه سلطات الدولة أو منظمة سياسية أو منظمة أخرى بتواطؤ من الدولة، يتسبب عمداً في إحداث معاناة شديدة أو ألم شديد أو أذى خطير بالجسم أو بالصحة الجسدية أو العقلية لجماعة أو جماعات ذات اعتناقات مدنية، يشكل جريمة ضد الإنسانية ولو لم يرد ذكره في الصور السابقة، التي نصت عليها المادة (7) من النظام الأساسي للمحكمة([10]).
وقد ارتكبت قوات الاحتلال الإسرائيلي ما في الفقرات(1/2//أ/ب/د/هـ/ز) من المادة السابقة
(3) جرائم الحرب: ( Les Crimes du Guerre )وهي الجرائم التي ترتكب ضد قوانين وعادات وأعراف الحرب، سواء صدرت عن المحاربين أو عن غيرهم، وقد عرفتها المادة (6/ب) من لائحة محكمة نورمبرج بأنها( الأعمال التي تشكل انتهاكاً لقوانين وأعراف الحرب)وقد عرفتها المادة (8/2 – أ/ب) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية بأنها (الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف المؤرخة في 12 أغسطس 1949م وكذلك الانتهاكات الجسيمة الأخرى للقوانين والأعراف السارية والمطبقة على المنازعات المسلحة الدولية في النطاق الثابت في القانون الدولي).
تنقسم جرائم الحرب طبقاً في قانون الحرب إلى قسمين، هما: جرائم ضد المجتمع الدولي، وجرائم ضد الأفراد العاديين، فيتمثل القسم الأول في احتلال أقاليم دولة أخرى، أي توجيه عمل عدواني ضدها كما يندرج تحت مفهوم جرائم الحرب ضد المجتمع الدولي جريمة إبادة الجنس البشري أو القضاء على ذاتيته، وقد حوكم القادة الألمان على جرائم من هذا النوع في القسم الثاني من الجرائم التي تُعدّ جرائم حرب، يتضمن الجرائم التي ترتكب ضد الأفراد العاديين، وهي تقسم إلى ثلاثة أنواع هي: جرائم تتعلق بسلوك المحاربين أثناء الحرب (مثل استخدام الأسلحة الممنوعة دولياً كالغازات السامة والنابالم وضرب المستشفيات أو الطائرات الطبية)، وجرائم تتعلق بمعاملة الجرحى والأسرى والمرضى (كقتلهم أو تعذيبهم أو الإجهاز على الجريح)محاكمات نورمبرج.
القسم الثاني من الجرائم التي تُعدّ جرائم حرب، يتضمن الجرائم التي ترتكب ضد الأفراد العاديين، وهي تقسم إلى ثلاثة أنواع هي: جرائم تتعلق بسلوك المحاربين أثناء الحرب (مثل استخدام الأسلحة الممنوعة دولياً كالغازات السامة والنابالم وضرب المستشفيات أو الطائرات الطبية)، وجرائم تتعلق بمعاملة الجرحى والأسرى والمرضى (كقتلهم أو تعذيبهم أو الإجهاز على الجريح)
ترتيباً على ما سبق فإن جرائم الحرب هي التصرفات والأعمال التي ترتكب بالمخالفة لقوانين الحرب وعاداتها وأعرافها المقررة في قواعد القانون الدولي، ويرجع أصل تلك الجرائم إلى مخالفة القواعد العرفية التي كانت تحكم وتنظم الحرب قبل القرن التاسع عشر، والقواعد الواردة في اتفاقيات لاهاي لعام 1899م و1907، والقواعد التي وردت في قائمة لجنة المسئوليات لجرائم الحرب لعام 1919م ثم في لائحة نورمبرج لعام 1945م، ولائحة طوكيو لعام 1945م، والمادة (2/12) من مشروع تقنين الجرائم ضد سلم وأمن البشرية لسنة 1952م، واتفاقيات جنيف لعام 1949م، وبصفة خاصة نص المادة (50) من الاتفاقية الأولى والمادة (51) من الاتفاقية الثانية، والمادة (130) من الاتفاقية الثالثة، والمادة (147) من الاتفاقية الرابعة وأ


