الجمهورية العربية المتحدة ( 4 )
الإقليم الشمالي ..الطريق إلى الوحدة...! الطريق إلى الإنفصال ...!
( 13 )
والمشهد داخل الأحزاب ، والكتل، والحركات السياسية في سورية لم يختلف ، فقد باتت القواعد تتطلع إلى جمال عبد الناصر من فوق رؤوس زعمائها ، وباتت قيادات تلك الأحزاب تستمد مشروعيتها من علاقتها مع جمال عبد الناصر، تتساوى في ذلك الأحزاب القومية العربية ، وغير القومية العربية .. وكذلك الأحزاب اليسارية منها واليمينية، وكذلك الأمر في الأحزاب العلمانية، والأحزاب الدينية...والأمر ذاته ينطبق على الطبقات الاجتماعية عمالا وفلاحين وتجارا وبورجوازيين.....
لقد عبر جمال عبد الناصر نسيج تلك الأحزاب ...،والجماعات ،والطبقات، وقد انسحب ذلك على المؤسسة العسكرية في سورية تلك المؤسسة المسيسة إلى حد كبير ..،وهذا لا يعني أنه في كل تلك الفئات على اختلافها هناك من تضرر،وفقد أمتيازاته، ولكن أولئك المتضررين حوصروا، فاضطروا، اما للانزواء، أو للنفاق......
وهكذا ...أدى هذا، بمجمله، وتداعياته، إلى مشهد قل نظيره في التاريخ البشري ، لا يمكن الإحاطة به في هذا الحديث ... وسنترك للمؤرخين إضافة ما لا يمكن حصره من التفاصيل ... ما يعنينا الآن أن دولة سورية بمؤسساتها ، بمجلس نوابها، بسلطتها التنفيذية ، برئاسة جمهوريتها ، بمؤسساتها العسكرية ، بمجتمعها المدني ، بأحزابها ...،بكامل تكويناتها تطلعت إلى جمال عبد الناصر لتضع دولة سوية بين يديه، بدون قيد أو شرط ، رؤساء الأحزاب يعرضون حل أحزابهم ، قيادات المؤسسة العسكرية يعرضون عليه أن يتسلم القيادة ، رئيس الجمهورية يتنازل عن منصبه ، رئيس الوزراء والوزراء يعرضون التنحي ... والجماهير العربية في سورية لم تعد تطيق الانتظار ، تريد أن ترى جمال عبد الناصر بين صفوفها ، وكانت النتيجة أن قامت الجمهورية العربية المتحدة في 22 شباط " فبراير " 1958 ،لكن ،وهنا كانت الكارثة ،أو الطريق إليها على أقل تقدير،فقد تم تعميم أسلوب الحكم الذي كان قائماً في الجمهورية المصرية على الجمهورية العربية المتحدة ....،وهو على أية حال ليس الأسلوب الذي كان يطمح إليه جمال عبد الناصر،و إنما كان أسلوب الضرورة....
هل كان هذا الموقف من القيادات المدنية والعسكرية والحكومية والسياسية في سورية صحيحاً أم خاطئاً ...؟ هل كان تعميم التجربة المصرية في الحكم على الجمهورية العربية المتحدة من قبل جمال عبد الناصر صحيحاً أم خاطئاً ..؟ هل كان الواقع العربي منذ ذلك التاريخ سيبدو مختلفاً اختلافاً جذرياً عما هو عليه الآن، في حال كان الخيار مختلفاً في طبيعة نظام الحكم في العربية المتحدة ؟؟؟
( 14 )
لسنا هنا في وارد تقييم ما جرى ، إننا أقرب ما نكون إلى وصف الحالة التي كانت راهنة في تلك الأيام ، مع التأكيد على أن الأحداث التاريخية لا تحتمل عبارة: ( لو أن الموقف كان كذا ، لكانت النتيجة كذا ...؟ّ! )، مع أنني أعترف أنه أتيحت لي فرصة خلوة، مؤخراً، في زنزانة منفردة استمرت أربع سنوات ونيف ، لم يفارقني فيها هذا السؤال يوماً واحداً، ترى ، لو أن الجمهورية العربية المتحدة اعتمدت نظاماً ديمقراطياً ، حرية أحزاب ، حرية رأي ، وديمقراطية تعتمد صندوق الاقتراع الحقيقي ، وفصل للسلطات ، واعتماد نظام عام يقوم على العدالة والمساواة احترام الحقوق الأساسية للمواطنين،خاصة.. في تلك الظروف التي كان فيها التيار القومي العربي تياراً جارفاً ، وقوياً ..؟ .. لو حدث ذلك هل كان يمكن لأحد في سورية ، أو في العالم كله أن يفصل الإقليم الشمالي عن الجمهورية العربية المتحدة ...؟ .. بل أكثر من هذا ، لو حدث ذلك، وأكرر، في تلك الظروف بالذات ، هل كان يمكن لأحد في الوطن العربي ، أو في العالم أن يوقف زحف الجمهورية العربية المتحدة بين المحيط والخليج ...؟ ... ثم أعود محاولاً أن أكون أكثر موضوعية فأسأل : هل كانت الظروف الموضوعية، وطبيعة الصراع تسمح بذلك ..؟ أعترف أن الجواب على تلك الأسئلة لم يكن واحداً لدي ... أحياناً ، كنت أدق رأسي في جدران الزنزانة القريبة جداً ، والتي تحاصرني فأجيب ، لماذا لم يحصل ذلك ..؟،لماذا لم تفعلها يا عمنا أبا خالد...؟، وأحياناً أخرى أستسلم للجواب التبريري : .. لم يكن بالإمكان أفضل مما كان .. على أية حال أترك تلك الأسئلة التي ستبقى ملحة ، ونجيرها للجيل العربي الجديد .. وهي على أية حال أسئلة افتراضية ، والإجابات عليها محكومة بأن تكون افتراضية أيضا ....!!
( 15 )
للإحاطة بالمشهد الذي كان سائداً في الجمهورية السورية من جوانبه المختلفة ، قبيل قيام الجمهورية العربية المتحدة ، لابد من الإشارة إلى أن ما تقدم ذكره، لا يعني خلو المجتمع في الجمهورية السورية، وأجهزة الدولة، ومؤسساتها المدنية، والعسكرية، من القوى التي تعارض التوجه القومي العربي ، بل لابد من الاعتراف أن بعض تلك القوى كانت تعارض، إلى درجة العداء، قيام الجمهورية العربية المتحدة ..فقد مرت عقود ، بل قرون على الأمة من الاستلاب، والغزو، والتجزئة ، والتغريب، والتخريب ؟، وقد انعكس ذلك كله على الواقع العربي فنشأت حركات، وأحزاب انعزالية ، وتقوقعت بعض الجماعات، والمذاهب على نفسها ، وتأثرت بعض القوى بالغزو الثقافي والتبشيري ، فارتدت عن الانتماء للأمة إلى مادون ذلك...ونشأت كتل من اللذين يرتعون،ويستفيدون من الفتن،ويكفرون،ويرفضون الآخر.....
لكن، كل ما قصدناه أن تلك القوى، والجماعات، التي تتعيش على الفتن، عصف بها التيار القومي العربي الكاسح، فباتت ضعيفة،معزولة ، وتخلت عنها قواعدها الشعبية التي التحقت بمشروع الوحدة العربية ... ولم يكن أمامها إلا أن تنحني للعاصفة ، وتراهن في الوقت ذاته على الثغرات ، والسلبيات داخل البنية القومية العربية ذاتها ، فإذا لم ينجح التيار القومي العربي في تطوير أدواته، وأساليبه ، وإذا لم يعرف القوميون العرب كيف يتحولون من تيار شعبي جارف غير منظم، إلى سياق الفعل الإيجابي المنظم ، فإن فرصة القوى المضادة ستحين،و سينهار هذا الحشد العربي،وسيتبعثر أشلاء من تلقاء نفسه ، وسيتحول إلى مجرد " هوجة " عربية ... ولذلك فإن تلك القوى باتت تتحين الفرص للانقضاض على المشروع القومي العربي في الوقت المناسب ابتداء من اغتيال الجمهورية العربية المتحدة،وليس انتهاء بما نحن عليه....!!
باختصار شديد ، نقول أن الشعب العربي، في الجمهورية السورية، استثمر إلى أقصى الحدود المناخ الديمقراطي النسبي الذي أتاحه دستور 1950 في السنوات 1954 – 1958، فعبر عن نفسه كما هو على السجية ، انتفض أولاً على واقع لم يعد يطيقه ، وتمرد ثانياً على انتماءات كان قد تقوقع داخلها لعقود طويلة ، وضاق بالذل والهوان والهزائم ثالثاً، مطالبا بالكرامة، والتحرر، والانتصار ، فعبر الحواجز المصطنعة داخل المجتمع العربي في سورية،وتطلع لعبور الحواجز التي تذبح أمته ، واعتصم بهويته العربية التي تتضمن الانتماءات الأخرى ، لا تلغيها، لكنها في الوقت ذاته تمنع تورمها السرطاني مهما كانت المسميات .انه جزء من الشعب العربي الذي تميز بخصائص حضارية لا يمكن نكرانها :
1 – فهذا الشعب العربي اعتنق الأديان التي تدعو إلى العدل والمساواة ومقاومة الظلم، والظالمين ، وتحفز على الأنسنة في مواجهة التوحش ، وتمنع استعباد الإنسان للإنسان وتدعو إلى التسامح، والحب، والإخاء ، لكنه في الوقت ذاته ضاق ذرعاً بالتدين الطقوسي الذي يمجد الظالمين ، ويفتي بإلغاء الآخر، حتى الإبادة ...
2 – وانتسب إلى الطوائف ، والمذاهب الفقهية ، لكنه لم يعد يطيق تلك المذاهب التي تكفر بعضها بعضاً، وتتلاعن صبحاً، ومساءاً ... ، وتحض على القتل والسبي والإبادة والفتن ...
3 – وشعر بالفخر لأنه ينتمي إلى حضارات تاريخية هي من أقدم الحضارات في التاريخ البشري من فرعونية وحميرية ، وبابلية وفينيقية وآشورية وإلى آخره .. لكنه لم يعد يطيق ذلك التعصب العنصري الذي يذبح التاريخ العربي ، ويحول تلك الحضارات من منجز حضاري، إلى موقف عنصري، ليس من التاريخ، وحسب ، وإنما من الحاضر، والمستقبل أيضاً، فلا يرى الترابط، والتكامل، والجذر الحضاري الواحد، الذي أنتج تلك الحضارات العظيمة ...فيحولها من عامل توحد إلى عامل احتراب
4 – وتطلع إلى عصر الأنوار في أوروبا، وما أنتجه من حرية ، وديمقراطية وإلغاء للاستبداد في ديارهم الأوروبية ، لكنه شعر بالاشمئزاز من التوحش الرأسمالي، الذي استند إلى مبادئ الحرية تلك، وانطلق إلى العالم يستعمر ويتوحش في القتل والإبادة ، ويتفنن في استعباد الشعوب ، ونهب ثرواتها، ودعم أشنع النظم الاستبدادية في العالم ...
5 – وتطلع بشغف إلى الأفكار والتجارب الاشتراكية التي تدعو إلى إلغاء استغلال الإنسان للإنسان ... لكنه رفض الاستبداد ، وتعلم من تجاربه أن الاستبداد يلتهم أنبل الأفكار والمبادئ ، بل، ويقضي على أنسنة الإنسان ، ويحول البشر إلى هوائم ... وبالتالي فإن الحرية شرط لأنسنة الإنسان ، وأنسنة الإنسان شرط لإلغاء استغلال الإنسان للإنسان ...
ذلك هو الشعب العربي،وتلك هي خصائصه على حقيقتها رغم قرون من الاستلاب،والتخلف،والاستبداد،ومحاولات الإلغاء،والهيمنة المستمرة حتى الآن...،وذلك هو مبعث ذلك القلق الخلاق الذي يبعث الأمة العربية من الرماد،في كل مرة يعتقد فيها البعض أنها دفنت،وباتت من الماضي الذي لا يعود...
( 16 )
ذلك القلق العظيم الذي تفجر انتفاضة في المجتمع العربي،وخاصة السوري منه، أطاح بعوامل التجزئة،وذلك الجو النسبي من الحرية، والديمقراطية، أتاحها دستور 1950 في الجمهورية السورية ، وذلك المؤثر الهائل الذي هب من أرض الكنانة،هذا كله أنعش مجمل الأحلام العربية مرة واحدة ،و أدى، فيما أدى إليه إلى خروج المجتمع من حالة الاستنقاع ، فانتفض الشعب، وخرج من جلده ،أو على الأصح خرج من تلك الجلود التي كبلته، وأعاقت تطوره ، وتطلع إلى مستقبل يبنيه ويصنعه ، فتحول هذا كله إلى عاصفة أطاحت بكل من حاول أن يواجهها ، فتحصن المجتمع في سورية ، وفشلت كل محاولات الانقلابات بين 1954 و 1958 ، لهذا قلنا أن القوى، والفئات التي تعارض التوجه القومي العربي كانت أمام خيارين ، إما أن تكيف نفسها مع المشروع القومي العربي ، أو تحني رأسها، لعل تلك العاصفة القومية العربية تمر ...
( 17 )
هكذا قامت دولة الجمهورية العربية المتحدة ، وتحول ذلك اليوم 22 شباط " فبراير " 1958 إلى عرس وطني في سورية ، وكان حضور جمال عبد الناصر وتجواله في المدن والبلدات السورية حدثاً تاريخياً ... بكل ما تعنيه الكلمة من معنى ...
لم تعد الوحدة العربية حلماً ، باتت بالنسبة للشعب العربي في سورية حقيقة ملموسة ، ولم تكن الجمهورية العربية المتحدة بإقليميها دولة النهاية ، لكنها كانت دولة البداية ، أو حجر الأساس لدولة تمتد بين المحيط الهادر، والخليج الثائر ... كان من حق هذا الشعب الذي صنع دولة الجمهورية العربية المتحدة أن يشارك في إدارتها ، أن يطور أدواته ، وأساليبه لاستكمال مشوار الوحدة العربية ، أن يشارك عبر مؤسسات ديمقراطية في التخطيط، والتنفيذ، والمواجهة ، وأن يرعى النظام العام، الحريات العامة للمواطنين،ويصونها ، ويصون الحقوق الأساسية لهم ، كان من حق الشعب العربي في سورية، ومصر، أن يكون دستور الجمهورية العربية المتحدة، الأكثر تطوراً من دستور عام 1950 السوري ، والأقدر على تحصين الحريات العامة من دستور 1923 المصري ، وذلك لإطلاق الطاقات الخلاقة للشعب العربي في الإقليمين، للمضي في تحقيق الأحلام القومية العربية، التي باتت واقعاً في الإقليمين ، وفي طريقها لتصبح كذلك في الوطن العربي ...
هكذا كان الحلم ، وهكذا كان يعتقد الكثيرون ، أنه في متناول اليد، وأنه قابل للتحقيق، بعد سلسلة طويلة من الخيبات ....
( 18 )
المهم ، أن ميلاد الجمهورية العربية المتحدة في 22 شباط " فبراير " 1958 فتح باباً للأمل ... وتدفقت الجماهير الشعبية في الإقليم الشمالي إلى الميادين والساحات تقيم الأعراس ، والاحتفالات بدون دعوة من أحد ، فقد كانت هي صاحبة المناسبة ، وكان جمال عبد الناصر يشاركها تلك الاحتفالات ، وكانت تعد نفسها لما بعد الاحتفال ، فالطريق مازال طويلاً ، ووعراً ... لكن ، جاء من يهمس بأذن الناس لقد انفض الاحتفال ، فليعد كل إلى مكانه ، وعندما نحتاجكم إلى احتفالات قادمة سنعرف كيف نستدعيكم ، وتحول المشير القادم من الإقليم الجنوبي إلى حاكم عسكري ، والعقيد الصاعد من الإقليم الشمالي إلى حاكم أمني .. وصدر الدستور المؤقت ، وهو نسخة من الاستثنائي الذي كان قد صدر في مصر .. فقيد الحريات العامة ، وفقدت الحقوق الأساسية للمواطنين مقومات حمايتها ، وبات قرار الأجهزة الأمنية فوق كل قرار ، بدءاً من قرار جمع الحشود، إلى قرار انفضاضها ، وهي التي تقرر الاعتقال، وتقرر إخلاء السبيل حسب ما تراه، دون ضوابط ، ودون وجود أي رقابة قانونية ...والأخطر من ذلك أن أي مخبر، بات بتقرير قد يكون كاذبا،يقرر مستقبل،ومصير أي مواطن.....
هكذا نرى ، وبعد /50/ عاماً على ذلك اليوم. أن الطريق إلى انفصال الإقليم الشمالي عن الجمهورية العربية المتحدة بات سالكاً اعتباراً من تلك اللحظة التي انفض فيها الاحتفال بقيام الجمهورية العربية ، منذ تلك اللحظة التي تم فيها تحييد الجماهير التي بنت دولة الوحدة ، ذلك أنها وحدها التي كانت قادرة على الدفاع عنها ، منذ تلك اللحظة التي أعلن فيها قيام الاتحاد القومي عوضاً عن قانون تنظيم الحياة السياسية والحزبية ، منذ تلك اللحظة التي انكفأت فيها الجماهير الشعبية التي صنعت دولة الوحدة عن الفعل إلى الانفعال تصفيقاً أو بكاء ... ، لقد بات الطريق إلى انفصال الإقليم الشمالي سالكة اعتباراً من تلك اللحظة التي أخلت الجماهير التي صنعت دولة الوحدة مواقعها ، ليس في دولة الجمهورية العربية المتحدة، وحسب ، وإنما في كل مكان من الوطن العربي ، ذلك أن التعامل مع المناضلين من أجل الوحدة العربية بات يتم عن طريق الأجهزة الأمنية ، والأجهزة الأمنية التي حاصرت جماهير الوحدة العربية في داخل العربية المتحدة ، أحبطت وأجهضت نضال المناضلين في سبيل الوحدة خارج الجمهورية العربية المتحدة ، أو أنها على أقل التقدير لم تعرف كيف تتعامل مع القوى المناضلة في الوطن العربي ، هكذا وجدت الانتفاضة الشعبية في لبنان نفسها أمام طريق مسدود ، وتحولت ثورة 14 تموز في العراق من مشروع وحدة مع العربية المتحدة إلى قاعدة في مواجهتها ، و... لكن ، في مواجهة ذلك فإن الأجهزة الأمنية والعسكرية للعربية المتحدة نجحت في دعم المقاومة المسلحة في بعض الأجزاء العربية المحتلة ... في الجزائر ، وفي غير الجزائر ... وقد كانت السلبيات، والايجابيات في المحيط العربي تنعكس سلباً وإيجاباً على الساحة الداخلية في الجمهورية العربية المتحدة .
( 19 )
إننا، هنا لسنا في وارد الإحاطة بالعوامل الداخلية والخارجية التي أدت إلى انفصال الإقليم الشمالي ، فهي متشعبة ومعقدة ، فقط نقول أنه بعد سنوات ثلاث بات الانفصال ممكناً ، وقد أدرك جمال عبد الناصر خطورة الموقف ، وما أن بدأ بمعالجة الأخطاء ، وسد الثغرات ، حتى كان الانفصاليون ينقضون على دولة الوحدة ، تلك الدولة التي تفوق الشعب العربي في سورية على نفسه ، وعلى ظروفه لتحقيقها ، لم تجد من يدافع عنها .. والتفاصيل تدمي القلب قبل العيون ، ولو بعد خمسين عاماً ...
باختصار شديد ، نقول وبعد تلك السنوات العربية العجاف ، بل، ويجب أن نقول دون تردد أن خمس سنوات من الديمقراطية النسبية ، وحرية الرأي، وحرية العمل السياسي ، قادت الجمهورية السورية بقضها، وقضيضها لتكون الإقليم الشمالي من دولة الجمهورية العربية المتحدة ، وان ثلاث سنوات من حكم الأجهزة الأمنية ، وغياب الديمقراطية ، وانتهاك الحقوق الأساسية للمواطنين ، وتقييد الحريات العامة قادت الإقليم الشمالي إلى الانفصال عن العربية المتحدة ،أو على الأقل أتاحت لقوى الاستعمار ، وأذناب الاستعمار، والرجعية، والإمبريالية،ومن شئتم..... أن تنجح في فصل الإقليم الشمالي عن الجمهورية العربية المتحدة ، ونحن نقول... أن تضافر جميع العوامل قد أدى إلى الكارثة القومية ، لكن ما كان للقوى الأخيرة بدون العوامل الداخلية التي أشرنا إليها أن تصل إلى ما وصلت إليه ...
هكذا ، وبعد أيام من الانفصال خرجت الجماهير ذاتها ، التي كانت قبل سنوات ثلاث أمام أفراح لا تتسع لها الدنيا كلها ، تبكي وحدتها ، تبكي أحلامها ...
لقد كان جمال عبد الناصر قبيل الوحدة صاحب القرار الأول في الإقليم الشمالي ، تكفي إشارة منه لتملأ الجموع الساحات، والميادين، وتفرض ما يريد ، وما تريد .. كل هذا بدون مخبرين ، بدون جيوش ، بعد الوحدة كان على تلك الجماهير أن تخلي الملعب وتنتقل إلى مدرجات المتفرجين ، وأحياناً ممنوع عليها حتى الفرجة ... وفي ليلة 28 أيلول " سبتمبر " 1961 وقعت واقعة الانفصال ، كان العقيد قد عاد للتو من القاهرة يشكو المشير ، فتم تحميل المشير على متن أول طائرة إلى القاهرة ....
لكن ، ما أن وقع الانفصال حتى استعادت الجماهير زمام المبادرة ، وحاصرت الانفصاليين ... حتى تمكنوا من محاصرتها مرة أخرى ، ومازالوا ... وللحديث بقية ...
( يتبع )
§ حبيب عيسى


