الجمهورية العربية المتحدة ( 3 )
( 8 )
لقد كانت الجمهورية العربية المتحدة حدثاً تاريخياُ .. وكان يمكن أن يكون له ما بعده المختلف تماماً عما سبقه ، لكن الأحداث التي تلت لم تستهدف تحويل ذلك الحدث التاريخي إلى مجرد حدث من الماضي ، حدث وانتهى وحسب ، وإنما استهدفت قبل ذلك وبعده ، وأد المشروع القومي العربي التوحيدي ، وتشتيت ذلك التيار الجماهيري العربي الذي بدا في ذلك الوقت جارفاً ، وبالتالي وأد مشروع النهضة والتنوير في الوطن العربي ، والانكفاء عن الطريق إلى الوحدة العربية، ثم الانتقال إلى الدفاع عن الأوضاع القائمة ،باختصار كان المطلوب العودة عن السؤال : ما هو الطريق إلى الوحدة العربية ؟ إلى السؤال : كيف نمنع تجزئة الدول الفعلية القائمة في الوطن إلى أجزاء جديدة ...؟ ،وبالتالي يغدو الدفاع عن الأوضاع القائمة واجبا وطنيا ....!!
وحتى تكتمل الصورة أمام الجيل العربي الجديد لابد من البحث في الظروف التي كانت سائدة في الجمهورية السورية قبل 22 شباط ( فبراير) 1958 والتي جعلتها مهيأة لتكون الإقليم الشمالي من الجمهورية العربية المتحدة ، ذلك أن دولة الوحدة قامت نتيجة توافر ظروف موضوعية بين حدين ، الحد الأول تمثل بالجمهورية المصرية وما جرى فيها بعد عام 1948 ،أما الحد الثاني فتمثل بالجمهورية السورية وما جرى فيها بعد عام 1948 أيضاً ..وإذا كنا قد تطرقنا في الفقرات السابقة للظروف التي سادت في مصر وهيأتها لتكون الإقليم الجنوبي من الجمهورية العربية المتحدة ، فإن الواقع الموضوعي في الجمهورية السورية كان أكثر تعقيداً ... وإذا كانت الظروف في مصر جعلت من خيار الوحدة مع سورية أحد الخيارات المطروحة على القيادة هناك ...، فإن الظروف الموضوعية في سورية جعلت من خيار الوحدة مع مصر خياراً يكاد يكون وحيداً بحسب المعطيات والظروف شديدة التعقيد التي كانت سائدة في ذلك الحين ...
( 9 )
لقد كانت الانعكاسات السلبية لخريطة تقسيم الوطن العربي في المشرق أكثر حدة ، ذلك أن الحدود التي رسمها كل من سايكس، وبيكو، وبلفور اخترقت الكتلة الديموغرافية لعرب بلاد الشام ، بل اخترقت حتى الأسرة الواحدة في أحيان كثيرة بحيث أن الحدود شطرت القرى والمزارع والقبائل والعشائر ، إضافة إلى الحملة الطورانية مع بداية القرن العشرين التي استهدفت الهوية العربية تحت شعار التتريك ، ومن ثم الجهود الحثيثة للإجهاز على الهوية العربية من قبل دوائر صنع القرار في الدول الاستعمارية الغربية تحت شعارات دينية وطائفية ، ومذهبية وأثنية و مناطقية وإقليمية ، وقد استدعى ذلك واستجابة لتلك التحديات ولادة الإرهاصات الأولى للأحزاب القومية العربية في الوطن العربي التي ترفع شعارات التحرير والوحدة العربية ، والعدالة الاجتماعية ، وكذلك ولادة مجموعات فدائية عربية تقاتل في العراق ، وفلسطين وشرق الأردن وسورية ولبنان ويمتد نشاطها أحياناً إلى مصر وليبيا والمغرب العربي ....
هذا كله أدى إلى أن إعلان استقلال ما عرف فيما بعد الجمهورية السورية بحدودها الحالية في منتصف عقد الأربعينيات من القرن المنصرم، قوبل بمشاعر شعبية متناقضة ، فالاستقلال يعني التحرر من الاستعمار وخروج قوات الاحتلال ، وهذا مدعاة للفرح ، والفخر ببطولات المقاومة التي أرغمت الاستعمار على الرحيل ، لكن ذلك الاستقلال يعني في الوقت ذاته الرضوخ لخريطة سايكس بيكو الاستعمارية التي ينظر إليها كاعتداء صارخ ليس على الوجود القومي للأمة العربية وحسب ، وإنما اعتداء صريح حتى على المفهوم الإقليمي الضيق ، فإقليم بلاد الشام تاريخياً ، أو سورية الطبيعية يمتد من خليج العقبة وحتى ديار بكر والاسكندرونة .. والاستقلال بهذا المعنى لم يحرر الوطن بحدوده التاريخية كما ضحى من أجله الشهداء الذين مازالت دمائهم حارة، و إنما أمام دول بالحدود التي رسمها المستعمرون لدولهم ،والتي تشبه الزنازين المتراصة بالنسبة إليهم....
وبالتالي فإن دولة الجمهورية السورية التي ولدت في منتصف القرن المنصرم ، لا وجود لها في العقل الاجتماعي العربي ،ولا حتى في العقل الإقليمي الضيق ... ترتب على ذلك أن العيون العربية في الدولة الجديدة كانت تخترق الحدود، المتفق على أنها مصطنعة بمؤامرة دولية كبرى، إلى لبنان و الاسكندرونة وديار بكر ، والموصل وشرق الأردن ، وامتداد بادية الشام وفلسطين ، والنكبة المزدوجة بقيام دولة المستوطنات الصهيونية ... لم ينظر إليها الشعب العربي في تلك الأجزاء كلها على أنها مشكلة خارج الحدود وإنما مشكلة تخص كل بيت...لهذا لم يكن قادراً على استيعاب ما جرى ، وبالتالي فإن نظرة من التوجس رافقت إعلان استقلالات تلك الأجزاء التهمت الفرحة بالتحرر من الاحتلالات الأجنبية ، فقد اكتشفت قوى المقاومة ، وسائر التشكيلات الوطنية على تنوعها ، دون عناء ، أن جنود الاحتلال قد رحلوا ، لكن وضع اليد الأجنبية على مصير الأمة ومقدراتها باق ، وربما يكون قد تعزز أكثر ... وقد أدى هذا كله إلى تعاظم الشعور القومي العربي فتحول إلى تجمعات ثم إلى جمعيات ، ومنتديات وحركات وأحزاب ، ومفكرين ورموز يدعو كل على طريقته ، إلى مواصلة عملية التحرير بإزالة حدود التجزئة ، وإقامة دولة الوحدة العربية ، ولم يقتصر الأمر على الأحزاب ذات التوجه القومي العربي ، فحتى الأحزاب والتجمعات التي احتفلت بتلك الاستقلالات وانخرطت في مؤسسات الدول الإقليمية لتحقيق أهداف تنحصر داخل حدود الدول الفعلية التي بدأت تترسخ كمؤسسات وأجهزة، اكتشفت من خلال الممارسة ،أن التحرر والتنمية والتطور يرتبط ارتباطاً وثيقاً بإقامة دولة الوحدة العربية ...
( 10 )
وبالعودة إلى دولة الجمهورية السورية التي استقلت بحدودها الحالية في منتصف العقد الرابع من القرن العشرين نجد أن الإدراك الشعبي لأخطار التجزئة قد بلغ ذروته مع تخاذل بعض دول التجزئة ، وتواطؤ بعضها الآخر في عملية إقامة دولة المستوطنات الصهيونية في فلسطين عام 1948 وبات التعامل مع مؤسسات الدولة والسلطة في الجمهورية السورية تعاملاً يتسم باعتبارها دولة الضرورة المؤقتة ... وأنها إلى زوال قريب على الطريق إلى دولة الوحدة العربية ... وفي مثال صارخ وشديد الوضوح على ذلك ، نجد أن دستور الجمهورية السورية الذي صدر في 5 أيلول 1950 وهو أول دستور صدر بعد الاستقلال ينص في مقدمته وبالحرف الواحد : " نحن ممثلي الشعب السوري العربي ، المجتمعين في جمعية تأسيسية بإرادة الله ورغبة الشعب الحرة ... نعلن أن شعبنا الذي هو جزء من الأمة العربية، بتاريخه وحاضره ومستقبله، يتطلع إلى اليوم الذي تجتمع فيه أمتنا العربية في دولة واحدة، وسيعمل جاهداً على تحقيق هذه الأمنية المقدسة في ظل الاستقلال والحرية..." .
وهنا لابد من التنبيه إلى تاريخ إعلان هذا الدستور في 5 أيلول 1950 حيث كانت الجمعية التأسيسية بغالبيتها الساحقة من الذين أطلقنا عليهم فيما بعد( القوى الرجعية) ، وكان الدستور بتوقيع رئيس الجمعية التأسيسية رشدي الكيخيا ، وكانت الأحزاب والحركات القومية العربية في ذلك الوقت قيد التأسيس ... ، وبالتالي فإن ما جاء بمقدمة ذلك الدستور كان تعبيراً عن الشعب العربي في الجمهورية العربية السورية على سجيته...و بمختلف فئاته السياسية.....
( 11 )
وإذا كنا نحصر هذا الحديث بالسنوات العشر التي سبقت إعلان قيام الجمهورية العربية المتحدة 1948 – 1958 ، فإن تلك السنوات العشر لا يمكن فصلها تعسفياً عن السياق التاريخي الذي سبق ، لكن، ولضرورات هذا الحديث الذي لا يطيق التوسع أكثر من ذلك ، فإننا نسجل المراحل التالية التي تلت أحداث عام 1948 في فلسطين وحتى عام 1958 .
أولاً : مرحلة الانقلابات العسكرية التي حدثت واستمرت على فترات متقطعة بين أعوام 1949 و 1954 تخللتها فترات تعليق العمل بالدستور ، وأحكام عرفية كما تخللتها فترات انفراج ديمقراطي كان احد تداعياتها إصدار دستور عام 1950 المشار إليه .. وهنا لابد من تسجيل ملاحظة على تلك المرحلة حيث كانت أجهزة الدولة ، بما في ذلك مؤسستها العسكرية أضعف من أن تستبد بالشعب ، وبالتالي فإن الانقلابات العسكرية الثلاث التي شهدتها الأعوام 1949 – 1954 لم تتمكن من إحكام سيطرتها على المجتمع، فسقط الانقلاب الأول خلال أشهر ، وسقط الانقلاب الثاني خلال أيام ، وسقط الانقلاب الثالث خلال عامين ....كما أن تلك الانقلابات العسكرية لم تتمكن من الحد من الحراك الجماهيري المتصاعد ، والذي تم التعبير عنه بتوسيع قواعد الأحزاب والحركات السياسية ، وخاصة الأحزاب ذات التوجه القومي العربي ، وهذا يؤكد أن البنى الاجتماعية والسياسية والثقافية ، كانت هي الأقوى من مؤسسات وأجهزة الدولة الناشئة ، بحيث لم يتمكن الانقلابيين من إحكام سيطرتهم على المجتمع، فقتل قائد الانقلاب الأول ، وقتل قائد الانقلاب الثاني ، وحمل قائد الانقلاب الثالث حقيبته ورحل إلى أمريكا اللاتينية حيث لاحقه إلى هناك أحد المتضررين فأرداه قتيلاً ...!!
( 12 )
ثانياً : المرحلة الديمقراطية والتي استمرت بين الأعوام 1954 و 1958 حيث قامت الجمهورية العربية المتحدة .
تميزت تلك المرحلة ابتداء بإعادة العمل بدستور عام 1950 الذي أشرنا إليه ، وبقيام حياة ديمقراطية نسبية ، مجلس نيابي منتخب ، قضاء مستقل ، فصل بين السلطات ، وقد شهدت تلك المرحلة تطوراً ملحوظاً في الحياة السياسية ، وفي تنوع منابر الرأي والرأي الآخر ،وحريات واسعة للصحافة، ونمو المؤسسات الحزبية والجماهيرية ، وتوسع النشاطات من خلال الجمعيات، والمنتديات ، ونمو الوعي الاجتماعي، والسياسي، والفكري حتى بات يقال أن الشعب العربي في الجمهورية السورية هو شعب من السياسيين ... فالجميع يشتغل بالسياسة ، ولكل موقفه السياسي ...رغم أن نسبة الأمية كانت تتجاوز التسعين بالأمة، لكن لا يمكن على الإطلاق فهم تلك المرحلة ، وما شهدته من حراك جماهيري فاعل على مختلف الصعد دون الإشارة إلى مؤشر هام، وفاعل جاء هذه المرة من خارج حدود دولة الجمهورية السورية ، وبالتحديد جاء من مصر ، فقد تبين أن ما حدث في 23 تموز ( يوليو ) 1952 ليس مجرد انقلاب عسكري على طريقة الانقلابات العسكرية السورية ، وأن جمال عبد الناصر يتحدى القوات البريطانية الاستعمارية التي تحتل مصر ، ويواجه في الوقت ذاته سياسة الاحتواء التي تحاولها الولايات المتحدة الأمريكية بأساليب اقتصادية وسياسية ،ويعيد أنصاف الفلاحين والعمال،ويعيد توزيع الثروة بطريقة أقرب للعدالة، وبدا تأثير جمال عبد الناصر يتصاعد على الجماهير العربية عامة ، وعلى الجماهير العربية في سورية خاصة ، وبلغ هذا التأثير ذروته بعد معركة بناء السد العالي مع الولايات المتحدة ، ثم معركة تأميم قناة السويس، ومواجهة العدوان الثلاثي ، ثم معركة كسر احتكار السلاح ومواجهة الأحلاف الاستعمارية ، وفتح المواجهة على صعيد العالم بتحويل دول العالم الثالث من ساحة للصراع في الحرب الباردة بين القوتين العظميين إلى ما يشبه تحالف للتحرر من الهيمنة والنفوذ الأجنبي تحت اسم دول عدم الانحياز ... وقبل ذلك ، وبعده، تحويل مصر إلى قاعدة لحركات التحرر العربية في مواجهة الاستعمار المباشر ، والهيمنة الأجنبية ، والأحلاف من المحيط وحتى الخليج ...بل وقاعدة لحركات التحرر في العالم أجمع، هذا كله أدخل جمال عبد الناصر،و ما يحدث في مصر، إلى تفاصيل الحياة في الشارع السوري ... وشيئاً فشيئاً تحول جمال عبد الناصر إلى رمز لا يمكن تجاهله في الحياة السياسية الداخلية في دولة الجمهورية السورية ، وقد ساهم في ذلك الحياة الديمقراطية النسبية التي سادت دولة سورية بعد عام 1954 ،وحرية الرأي، والصحافة، والأحزاب من جهة ، والصورة المطهرة لجمال عبد الناصر من أخطاء الحكم في دولة الجمهورية المصرية التي تمثلت بمشكلات عدة أهمها تجاوزات الأجهزة ، وإلغاء الأحزاب ، وتقييد الحريات ، و... فالشعب العربي في سورية لم يكن معنياً بذلك كله .. ولم يكن يعرف عنه إلا القليل ، ذلك أن كل ما كان يصل إلى سورية، هو الأغاني الوطنية لعبد الحليم حافظ، وأم كلثوم ، و فايزة كامل ... وهدير صوت العرب بصوت أحمد سعيد ، والصورة الوردية للحلم العربي الذي طال انتظاره ... ولهذا كله فقد تحول جمال عبد الناصر إلى رجل عابر للجماعات والأحزاب والمذاهب والأديان ، والاثنيات في سورية وقد أدى هذا الموقف الجماعي الذي أطلقته مختلف فئات المجتمع العربي في الدولة السورية من جمال عبد الناصر، إلى تعزيز المواطنة في سورية ، وتجاوز علاقات ما قبل المواطنة، سواء منها،الدينية،أو المذهبية، أو الأثنية، في سورية ، ومع كل موقف تحد،ومواجهة لقوى الهيمنة الخارجية،أو لقوى التخلف في الداخل يتخذه جمال عبد الناصر ، ومع كل دعوة لتغيير الواقع العربي المتردي ، ومع كل معركة يخوضها ... كان يتحول إلى رمز ، وبدأ الشارع في سورية ينسج الأساطير حول جمال عبد الناصر ، ففي أزقة دمشق القديمة هناك من شاهد جمال عبد الناصر يتجول ليلاً يتفقد الرعية على طريقة عمر ابن عبد العزيز ، وعلى صعيد المذاهب الإسلامية برغم تنوعها ، وتناقضاتها، ولأول مرة في تاريخها، خرجت من قواعدها جماعات تتجاوز مؤسساتها الدينية، ومشيخاتها، وتنسج كل منها الحكايات، فكل، يدعي أن جمال عبد الناصر ينتمي إلى مذهبه ، فهناك من صلى معه في المسجد الأموي على المذهب الذي ينتمي إليه المتحدث ، وهناك من صلى معه في أحد خلوات الاسماعليين، أو شاهده في أحد جمعات الموحدين الدروز ، أو رتل معه تحت قبة أحد الأولياء في جبل العلويين ، وهناك ممن ينتظرون المهدي، اعتقد أنه قد يكون هو ... وإذا كان بعض الظن إثم، فإن بعضه قد لا يكون آثماً ... والشيء ذاته حصل في بعض الأديرة،والكنائس ... حتى القبائل والعشائر في البادية، والجزيرة السورية بدأت تنقب في أنسابها عن علاقة كل منها بالقبيلة التي تحدر منها جمال عبد الناصر في بني مر،وصعيد مصر .. والوضع في الاثنيات لم يختلف ، فالأكراد، رأوا في جمال عبد الناصر صلاح الدين الأيوبي ، وكذلك الأرمن، والشراكسة رأوا فيه فرسانهم الشجعان،وتوسموا فيه الموقف القومي العربي الحضاري المطهر من العنصرية ... وحتى النساء ابتدعن تسريحة السد العالي يتباهين بها ، وهكذا ...إنني أضع هذا كله برسم الجيل العربي الجديد ليدرك كيف أن النهوض القومي الحضاري يشد النسيج الاجتماعي، ويحصنه، ويقارنون ذلك بالتدمير الذي أحدثته مرحلة النكوص الراهنة ..
و للحديث بقية.... (يتبع)


