الجمهورية العربية المتحدة ...(2)
( 4 )
للأسف الشديد لم ندرك تلك الحقائق ,ولم نعرف كيف نتعامل معها ,خاصة بعد غياب جمال عبد الناصر , الذي كان بقامته الشامخة يمنع الانهيار ويحافظ على القاهرة عاصمة للجمهورية العربية المتحدة , بعد غيابه انكشفت الثغرات ,وبدأ الانهيار ابتداء من بداية عقد سبعينات القرن المنصرم رغم بطولات حرب تشرين الأول (أكتوبر )1973 والتي تم التضحية بها في سياق من الصفقات مع العدو الصهيوني , لفصل القوات أولاً ثم لسكون الجبهات ثانياً ,ثم للوصل السياسي العلني مع الصهاينة بدءاً بكامب ديفد ,وليس انتهاء بما تكشف حتى الآن من معاهدات واتفاقيات ...... ونحن، هنا، إذا كنا نتحدث عن قامة جمال عبد الناصر فنحن لا نشخصن المسألة ....، وإنما نقصد أن تلك القامة استمدت أهميتها وعناصر صمودها وفاعليتها, وهيبتها من الحاضنة الجماهيرية العربية التي كانت برغم عدم تنظيمها ، وغياب برامجها وآليات تحركها ، إلا أنها كانت جاهزة دائماً ، وبالتالي فإن هذا المناخ القومي العربي الناهض لم ينتج رأياً عاماً عربياً له هيبته لترتعد من هديره فرائص الحكام وفقط ، وإنما بدأ ينتج ضباطاً أحراراً في الأجزاء العربية ... بل وصل الأمر إلى انه بدأ يفرز أمراء أحراراً من بعض الأسر الحاكمة .. وبالتالي فإن جمال عبد الناصر الذي بات رمزاً لهذا النهوض العربي بات أقوى حتى من قدرة أجهزة الدولة الإقليمية التي يحكمها بدليل أنه بعد نكبات الخامس من حزيران ( يونيه ) 1967 ، بات وحيداً إلى أن خرج الشعب في أقصى لحظات الصدمة ليحتضنه ويحميه فلم تتجرأ مراكز القوى في السلطة أن تقترب منه، واضطرت للانصياع ... لكننا لم ننتبه إلى أن غياب جمال عبد الناصر قد قلب الطاولة على رؤوسنا ، فبينما كنا مشغولين بالتشييع الجليل ، كانت الترتيبات قد بدأت ، ليس في مصر وحدها ، وإنما في أرجاء وطن العرب ... فبعد ثمانية سنوات فقط ... كان مستشار الأمن القومي الأمريكي بريجنسكي يرفع كأسه ليقرعها بكأس مناحيم بيغن يحيط بهما أ نور السادات، وجيمي كارتر، ليقول له وهو يقهقه بصوت عال ، وداعاً للقومية العربية يا مناحيم ... لقد انطلق خط الدين و ...
( 5 )
كان رحيل عبد الناصر في 28 سبتمر ( أيلول ) 1970 محطة مفصلية في التاريخ العربي الحديث ، عرف أعداء المشروع القومي العربي كيف يطلقون منها صافرة الانطلاق ، وامتلكوا القاطرة، والعربات، والربابنة، وحتى الحمولة .. باتجاه أهدافهم ... فبينما أصحاب المشروع القومي العربي كانوا غارقين بالتشييع الفجائعي في المرحلة الأولى ، ثم، وهنا كان المقتل ، لم يدركوا تبعات ما جرى ، ولم يدركوا أن عليهم أن يمسكوا بالدفة ، وقبل ذلك وبعده عليهم أن يمتلكوا البوصلة ... ثم وقبل ذلك كله عليهم أن يمتلكوا خريطة واضحة مفصلة لوطنهم بأجزائه كلها ، وطبيعته كلها ، وديموغرافيته كلها ، وللعالم كله ، أين مناطق القوة ؟ أين مناطق الضعف ؟ أين المسارات الآمنة ؟ أين المطبات ؟ أين الأفخاخ ؟ أين الألغام ؟ أين تتمركز القوى المضادة ؟ ما هي أساليب المواجهة ؟ ما هي الأدوات ؟ .. وأين ؟ ومتى؟ وكيف ؟. ... وآلاف ، آلاف الأسئلة التي لا تحتمل الانتظار ، كان علينا أن ندرك في تلك اللحظة ، أن علينا أن ننتقل من لحظة التصفيق ومن لحظات الندب ، والأحزان ، ومن لحظات الانفعال وانتظار الانتصار على يد القائد الملهم إلى لحظة الفعل ، والممارسة ، وأن نولي وجهنا شطر المستقبل لنشارك في صياغته على الأقل ، إذا لم نقل صياغته ، فلم يعد لدينا من يصوغه لنا كما نريد .. علينا نحن أن نفعل ذلك .. وعندما لم نفعل ، بات الطريق مفتوحاً للقوى المضادة لتفعل فعلها ، ومازالت تفعل ... ومازلنا حتى هذه اللحظة في مرحلة الانفعال ... فتحول الوطن العربي بأجزائه كلها إلى ساحات مفتوحة لشتى الصراعات والفتن ، والسجالات بين قوى، وعصابات ، وغزاة ، يتصارعون على أرضنا ، وبدماء شعبنا ، ويمولونها من ثرواتنا ... ونحن كأمة عربية ، وكمشروع نهضوي تنويري لا علاقة لنا بتلك الصراعات ، وغالباً لا ندرك لمصلحة من تدور ، ولا ندرك الخيوط الخفية التي تحرك المتصارعين ، ومع ذلك فإن الأجيال يتم استدراجها ...للتضحية بها في صراعات لا ناقة لها بها، ولا جمل ... فالصراع يدور بها وعليها ، وعلى وطنها ، وعلى ثرواتها ، بينما مشروعها التحرري النهضوي التنويري التوحيدي غائب عن ساحة الصراع ، ورغم ذلك كله ، ورغماً عن إرادة الجماهير العربية ذاتها يتم تصنيفها بعلاقات ما قبل المواطنة ، طائفيا،ً ومذهبيا،ً وأثنيا،ً وإقليمياً لزجها في صراعات بين مشاريع لا تعرف مصدرها ، ولا تعرف مآلها، لكنها تستهدف وجود الأمة ، مصيرها ، ووطنها ، وثرواتها ... وبهذا تدمر الأمة نفسها بنفسها .... لإتمام المهمة التي عجز عنها القتلة الغزاة القادمين من الخارج ... بأسماء متنوعة ...
( 6 )
لقد كان جمال عبد الناصر رجل المواجهة في معارك لم تتوقف ، وكان عليه أن يواجه ذلك كله بالإمكانيات المتاحة ، لتحرير مصر من الفساد الداخلي، والوجود الاستعماري الإنكليزي المباشر ، شكل تنظيم الضباط الأحرار في مصر ، ونفذ مع رفاقه انقلاب 1952 ، ثم وفي مواجهة الفساد والتفاوت الطبقي المرعب شعر أن عليه أن يحول الانقلاب إلى ثورة فصدر قانون الإصلاح الزراعي ، وفي مواجهة المحتل الإنكليزي بدأت المقاومة الفدائية في مدن القناة ، حتى خرج الإنكليز ، وفي البحث عن تنظيم القوى الجماهيرية شكل هيئة التحرير ، وفي العمل لاستعادة حقوق مصر أمم قناة السويس ، ولمواجهة قوى الهيمنة الدولية واجه العدوان الثلاثي ، فأدرك مع ذلك كله وحدة الوجود القومي العربي ، وبالتالي ترابط المشكلات وترابط الحلول ، فاكتشف أن حدود مصر شرقاً هي الخليج العربي ، وحدودها غرباً هي المحيط الأطلسي ، وأن مستوطنات الصهاينة ليست مجرد احتلال في فلسطين ، وإنما قاعدة متقدمة لمنع الشعب العربي في مصر، وفي غير مصر من استرجاع حقوقه ، منعه من التنمية ، من التطور ، من السيادة ، لهذا امتدت المواجهة من ثورة الجزائر في المغرب إلى ثورة ظفار في أقصى المشرق ... وقد عبر جمال عبد الناصر بوضوح عن ذلك فقال بالحرف الواحد ( أنا لم أخلق القومية العربية ، القومية العربية هي التي خلقتني ) وانطلق لبناء دولة الجمهورية العربية المتحدة كحجر أساس لبناء دولة الوحدة العربية بين المحيط والخليج ، كان أمام خيارين لاختيار طبيعة نظام الحكم ، وكانت الحرب الباردة على أشدها ، وكان المعسكر الغربي يدعم دولة الصهاينة ، ويقاوم بكل ما يملك مشروع النهوض القومي العربي ، وكان المعسكر الاشتراكي يبحث عن طريقة لفك الحصار اللذي تحكمه عليه الدول الغربية ، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، عن طريق الأحلاف من الأطلسي إلى الهادي، وبدأ التعاون بين المعسكر الاشتراكي ، والجمهورية العربية المتحدة ... وكان من الطبيعي نتيجة لذلك أن يختار جمال عبد الناصر نظام الحكم الشمولي وإن كان يتميز في مواقع مختلفة ... لكنه قريب إلى حد كبير من طريقة الحكم في المعسكر الاشتراكي ، وكان الاتحاد القومي نموذج حكم الحزب الواحد ، ثم الاتحاد الاشتراكي العربي ، وهكذا ... كان جمال عبد الناصر قد وجد نفسه في قلب المشروع القومي العربي التحرري ، وفي الوقت ذاته لاينتمي الى أداة قومية تنظيمية لتحقيق ذلك ، فزج بأجهزة دولة مصر الإقليمية على طريق تحقيق الحلم القومي ، فالجيش المصري في اليمن، ويساعد لطرد الاستعمار البريطاني من جنوب اليمن ، ويساعد في حركة التحرر في ظفار ، ويمد الثوار الجزائريين بالسلاح ، ويرسل الجيش المصري إلى شمالي سورية قبل الوحدة لردع التهديد التركي وألخ ... لكن، وبعد انفصال الإقليم الشمالي عن الجمهورية العربية المتحدة ، وبعد فشل مشروع الوحدة الثلاثية بين سورية ومصر والعراق ، ارتفع إلى درجة اليقين إحساس جمال عبد الناصر، أن هناك تناقضاً حاداً بين المشروع القومي العربي ، وبين الأدوات والأساليب المعتمدة ، وكان عليه أن يختار ولم يتأخر الاختيار فأعلن دون تردد أنه قرر التحرر من مناصبه في السلطة الحاكمة في مصر ، وأنه سيعطي ما تبقى من عمره لبناء الحركة العربية الواحده ،أو الطليعة العربية كأداة لتحقيق دولة الوحدة العربية بين المحيط والخليج ...
لكن الأحداث مرة أخرى لم ترحمه فاضطر للاستمرار في السلطة إلى أن حدث زلزال الخامس من حزيران (يونيه) 1967 ،فقرر مرة أخرى التنحي ، والعودة إلى الجماهير ، لكن الضرورة مرة أخرى أرغمته على التراجع فعاد مشترطاً أن ذلك مرهوناً بإزالة آثار العدوان ، لكن الرحيل كان هو الأسبق ...
لم نقصد من ذلك ، سرد الأحداث التاريخية لتلك المرحلة الزاخرة بالأحداث والآمال، والآلام ... لكننا قصدنا أن نستخلص العبر ، فجمال عبد الناصر كان محكوما دائماً بوسائل الضرورة المتاحة ، بأساليب الضرورة المتاحة ، بأدوات الضرورة المتاحة ، وأن المعارك المتلاحقة التي وجد نفسه في خضمها مختاراً ، أو مرغماً، لم تترك له لحظة واحدة للتفكير في إنتاج الوسائل، والأدوات، والأساليب التي تتلاءم وحاجات، وضرورات المشروع الاستراتيجي للأمة ، وكان كلما فكر في ذلك تعيده المعارك المفروضة للتعامل مع الواقع، إلى ساحات المواجهة المفتوحة ... ونحن بهذا لا نبرر ... لأننا وفي هذه المرحلة التاريخية في أشد الحاجة إلى الشفافية والتصادق ، وتسمية الأشياء بأسمائها ... لهذا ، فإننا لا نرى أية جدوى من السؤال : ألم يكن أمام عبد الناصر خيارات أكثر صحة ومصداقية ؟ رغم أننا نؤكد على مشروعية هذا السؤال ، وأن من حق الأجيال العربية التي عاصرت تلك الأحداث ، والأجيال التالية أن تبحث عن إجابة ... ذلك أن أحداث التاريخ لا تحتمل كلمة لو ، لو أن جمال عبد الناصر فعل كذا ...، لو أن جمال عبد الناصر لم يفعل كذا ... ذلك أن أي قرار مرهون بظروفه ، ودواعيه ، ومحدد بالزمان والمكان وبالتالي فإن أية إجابة تحتمل افتراضات عدة ...
( 7 )
ما يعنينا هنا ، وبالتحديد هو ما يخصنا نحن أصحاب المشروع القومي العربي النهضوي التنويري ، فقد قلنا ، ونعيد أننا اكتفينا إلى حد الإشباع من إلقاء تبعة أوضاعنا المذرية على الاستعمار والإمبريالية وأذناب الاستعمار ، والرجعية والعملاء والصهاينة وإلى أخرهم ...
إننا نبحث عن المشكلة في ذواتنا ، في أوضاعنا ... دون أن يكون ذلك جلداً للذات ، وإنما إعادة إحياء لها، لوضعها في سياق الفعل ، والتأثير ، والعودة إلى الساحة التي أدى غيابها الفاعل عنها إلى وضعها الراهن ... وبالتالي فإنني سأعود إلى تلك اللحظة المفصلية التاريخية وأعني ... لحظة غياب جمال عبد الناصر ... ففي تلك اللحظة كان علينا أن ننتقل بكل ما نملك من مرحلة الفرجة ، والتأثر، والانفعال ، إلى مرحلة نتسلم فيها راية المشروع القومي العربي الاستراتيجي مطهراً من الأساليب الفاشلة، والأدوات القاصرة ، والأفكار التلفيقية ، وأساليب الضرورة ، والمواقف التكتيكية، التي اضطر إليها جمال عبد الناصر بوصفه رئيساً لدولة فعلية في الوطن العربي، محكوماً بمحدودية إمكانياتها ، وقصورها عن حمل مشروع قومي عربي يتجاوز مقدرة تكوينات أجهزتها ومؤسساتها على حمله ... لم نعرف كيف نحقق ذلك في ذواتنا ، على العكس تماماً ، فقد تمكنت القوى المضادة في الداخل العربي ، وفي الخارج الدولي من إشغال أصحاب المشروع القومي العربي بالدفاع عن الأدوات ، والأساليب والممارسات التي ثبت فشلها في تحقيق المشروع الاستراتيجي للأمة العربية ... لقد ركزت القوى المضادة هجومها على النظام الذي كان يديره جمال عبد الناصر على النظام الشمولي،على الديكتاتوريه، على أجهزة المخابرات، والتعذيب ، على نظام الحزب الواحد ، على غياب الديمقراطية ، على ..!!!. فانبرى الكثيرون منا للدفاع عن ذلك كله ... وأدرنا ظهورنا للطريقة التي علينا أن نتبعها لرفع راية المشروع القومي العربي الاستراتيجي التي كان يحملها جمال عبد الناصر .. كان علينا ، ومازال أن ننبري نحن للمراجعة ، للنقد ، للاستفادة من التجربة والخطأ ، التي اضطر جمال عبد الناصر لانتهاجها ، أن ندرك أن الأساليب والوسائل والأدوات التي خذلت جمال عبد الناصر حياً ، وانقلبت عليه غائباً لا تصلح لنا ، ولا تصلح لأمتنا ، وأن الراية التي كان يحملها جمال عبد الناصر لا يمكن أن يرفعها بعده فرد ، وإنما لابد من إبداع الوسائل والأدوات لتتكاتف الأيدي،كل الأيدي، ، وتحشد الجهود،كل الجهود، لحمل تلك الراية إلى حيث ترفرف بين المحيط والخليج .. وأن الوسائل والأدوات التي خذلت عبد الناصر القائد الملهم ، لا يمكن أن تكون صالحة بعد غيابه ... وهذا ما بات واضحاً بعد السنوات المريرة التي انقضت بعد غياب جمال عبد الناصر ...
إن ما يعنينني من هذا الحديث ، ليس جلد الذات ، وان ما يعنينني ليس الندب ، واللطم ، وتوجيه الاتهام لأي كان داخل التيار القومي العربي، أو خارجه ، فقط، أريد القول بوضوح ، ودون مواربة أن المشروع القومي العربي الاستراتيجي ، بعد التجارب المرة ، هو الرافعة للمشروع النهضوي التنويري في الوطن العربي ، وهو مل الوقوف في محطة الانتظار ، إنه ينتظر القاطرة ، وتحديد لحظة الانطلاق ، وهذا ما لا نقدر عليه، نحن أبناء الجيل العربي الراحل، لألف سبب وسبب ، ولهذا فإن هذا الحديث موجه الى الجيل العربي الجديد ، المؤهل وحده، دون سواه،لحمل الرايه،و دون الالتفات إلى واقع جيلنا المأساوي ، وما جرى له، وما تعرض له من هزائم ، وما أصابه من رضوض سيكولوجيه، وسيسيولوجية، إلا بالقدر اللازم له لاستخلاص الدروس والعبر ، وأن يخرج نفسه من إطار الصراعات، والمعارك التي حصلت داخلنا وعصفت بنا ،فقط ألتمس لدى الجيل العربي الجديد بعضا من الأعذار المخففه لجيلنا ،فقد كانت ظروفنا بالغة التعقيد،المهم أن يولي الجيل العربي الجديد وجهه شطر المستقبل ... ولهذا فإن للحديث بقية ...
( يتبع )
o حبيـــب عيســـــى


