![]()
يكتبها: حبيب عيسى
الجمهورية العربية المتحدة ...(1)
50 عاماً على طريق الأماني، والأحلام ...!
50 عاماً على طريق الخيبات، والانكسارات ...!
( 1 )
في حياة كل واحد منا ، لحظات تقيم معه ،
لا تغادر ، ولا تمر ، وإنما ترافقه عبر
الزمن ، ترن في ذاكرته ، تبث الأحزان أو
تنعش الروح في أحلك الظروف وأقساها ...
لحظة هذا شأنها ، مررت بها لكنها أبت أن تمر بي .. لقد أقامت ، حتى بت لا أدري إن كان هذا الجسد مسكنا لروحي , أم مسكنا لها .
أم أن روحي وهي تعاهدتا على المساكنة في هذا الجسد الذي بدأت خلاياه بالموات الواحدة تلو الأخرى ....بحيث تقفزان منه في لحظة المغادرة حين تدق ساعتها ....تلك اللحظة التي تتجسد الآن أمام ناظري بأبعادها الثلاثة ...مضى عليها خمسون عاما بالتمام والكمال ....جاءت ذات ضحى في 22 شباط "فبراير " 1958 أطفال (مسترجلون) "كنا " لم يخامرنا أي شك بأن الأحداث التي كانت تحدث هي من صنعنا, نحن أصحاب القرار فيها , نحن الذين خططنا، ونفذنا ، نحن الذين منذ سنتين انخرطنا في المقاومة الشعبية ننظف الأسلحة من شحومها....(مازلت أذكر بفخر البارودة البولونية أم الطلقات الخمس )، ونرصف أكياس الرمل ونطلي النوافذ ,وفوانيس العربات بالأزرق, ونتدرب على الدفاع المدني، ونحفر الخنادق حول المدن ....ثم ها نحن نضع حجر الأساس لدولة الوحدة العربية ,بإعلان الجمهورية العربية المتحدة بين سورية ومصر ....وها نحن في ضحى ذلك اليوم 22 شباط 1958 ننتظر ومنذ الفجر فوق أحد الأسطحة المشرفة على ميدان السرايا الحكومي في مدينة حمص بالإقليم الشمالي لنستقبل ذلك الرجل الذي بات رمزاً لرفض التبعية ,ورمزاً للوحدة العربية , انه واحد منا يتحدث بلساننا، يتحدى باسمنا... ونحن كنا نريد أن نعطيه ذلك التفويض عندما أطل علينا من شرفة السرايا الحكومية ...قابلت يده المرفوعة ...آلاف الأيدي الغضة تلوح للدولة التي تحمي ولا تهدد, تصون ولا تبدد, تشد أزر الصديق, وترد كيد العدو..... إنها دولة الأمة على أنقاض دول معاهدات الأعداء والطامعين والمستوطنين، لا زال ذلك الشريط يمر أمام ناظري منذ ذلك اليوم تحمله عربة من الأحزان تارة,أو عربة من الأحلام تارة أخرى .... عجيب غريب أمر هذه الذاكرة البشرية ... فهي لا تختار بين الأحزان والأحلام اعتباطاً, لأن لها بكل تأكيد نواميسها التي لا ندرك كنهها....
المشهد بأبعاده الثلاثة ,لا يمكن أن ينسى , حتى الوجوه ما زالت محتفظة بنضارتها ,عيون الأطفال والعيون السود للصبايا والشباب و خطوط الزمن التي خطت على وجوه العجائز تاريخا من الأمجاد، ما زالت صامدة كما هي .../50/ عاماً مرت على تلك اللحظة التاريخية ....وما زلت كلما مررت بتلك المدينة أتعمد أن أتفحص الوجوه أتعرف عليها بدقة أحدد موقع كل رجل،كل امرأة، أين كان يقف ,وماذا كان يلبس .... ويوماً بعد يوم كنت أدرك أننا كجيل نقترب من ساعة الرحيل فالأيادي الغضة لم تعد كذلك ,وبريق العيون السوداء بات يخفت ,وبصمات الزمن باتت واضحة على الوجوه خطوطاً وتجاعيد....فجأة تعود اللحظة،لحظة ميلاد العربية المتحدة، لتخرجني من وساوسي ومخاوفي وتعيدني إلى طفولتي فأتخيل كل شيء كما كان , وكأنه يحدث اللحظة ....كان جمال عبد الناصر يتنقل على شرفة دار الحكومة، كنت على أحد الأسطحة المواجهة للشرفة من إحدى الجهات , ننتظر أن يطل علينا، يرفع يديه بالتحية لنا ثم يتجه إلى الجهة الأخرى فنصاب بالإحباط ,ثم يعود إلينا , ويتخيل كل واحد منا أنه يرفع يده إليه بالذات، وبعد أن ينتهي المشهد نلتقي بالذين كانوا على الجهة الأخرى لنتبارى على أي من الجهتين أطل أكثر ....ثم يحض كل واحد منا تلك اللحظة التاريخية ويمضي....
( 2 )
أطل على ذلك المشهد بعد مرور /50/ عاماً، محاولاً أن أكون أكثر تعقلاً، وفهماً لما جرى .... لم تكن الحماسة في تلك اللحظة التاريخية مجرد موقف عاطفي , أو حب جارف , أو افتتان بسمرة جمال عبد الناصر كانت لحظة فرح , لحظة اعتزاز ,لحظة إثبات وجود .... لم نكن نلتفت للمشككين ,ولا للمحذرين , كنا فقط نريد أن نعيش اللحظة ....فنحن ولدنا من صلب أباء وأمهات طحنتهم النكبة العربية .....البعض , جاهلاً , أو متجاهلاً , أو مزوراً , حاول أن يختصرها بنكبة فلسطين , والحقيقة أنها نكبة الأمة ....من محيطها إلى خليجها، ونكبة فلسطين ليست إلا واحدة من خمس وعشرين نكبة , الوطن , بات أشلاء ,والأمة باتت نتفاً , والدولة باتت دولاً بالعدد الذي أراده غزاة الخارج , وأحصنة طروادة الداخل ..... لهذا .... فقد ولدنا عجينة من الأحزان، والخيبات، والغضب .....ولهذا .... كانت لحظة ولادة الجمهورية العربية المتحدة لحظة فرح , تشبثنا بها , وباب للحلم انفتح بأن نقرر مصيرنا بأنفسنا ..، وبالتالي لم نكن نحتمل التأويل ,والتفسير ,والتحذير .... تمسكنا بها , طهرناها , قدسناها، كنا فقط نريد أن نعيش اللحظة ..... فالوحدة العربية باتت على الأبواب , والدول الفعلية إلى زوال ,فدعونا نصل إلى دولة الوحدة ,ثم فليتفلسف المتفلسفون ..... فتلك اللحظة كانت للفرح،وفقط،لا تحتمل إلا انتظار الهدير من المحيط والثورة من الخليج، وبالتالي لا وقت للسفسطة حول طبيعة الدولة ,ومن يحكمها , وكيف ؟ ولا وقت للحديث عن الديمقراطية، واللحظة لا تحتمل الدخول في تفاصيل الاشتراكية، ولا مكان للجدل الفكري والنظري ,فهذا كله من لزوم ما لا يلزم .... ولا مجال للنقد ,أو للرأي الآخر , ولا مكان للحديث عن الأخطار , أو للتحذير من أخطار الأخطاء .....،ولم تدرك عقولنا الغضة في ذلك الوقت أننا بذلك نمهد للانفصال،فإلغاء الرأي والرأي الآخر لن يؤدي إلا إلى الكارثة،ولن يؤدي إلا إلى المنطق المرضي بأننا دائما على صواب مطلق , والآخر غارق في الخطايا على أقل تقدير ..... وبالتالي إما معنا مصفقاً , وإما رجيماً يلقى في الزنازين ليتذوق نعيمها الشائع والمعروف ..... فعمم هذا كله مناخ الخوف لدى الجميع, وانكفأت الحاضنة الشعبية التي أقامت الجمهورية العربية المتحدة متخلية عن حمايتها إلى أجهزة أمنية قادرة وفاعلة , ولاذ الصادقون بالصمت مع الدعاء لحماية الجمهورية العربية المتحدة من الأعداء , بينما تقدم المنافقون الصفوف يصيحون، ويصنمون، وينافقون، ويعُدون معاول هدم الجمهورية العربية المتحدة في الوقت ذاته .....أو يعطلون فاعلية القوى الحقيقية القادرة وحدها تحمل مسؤولية حمايتها على أقل تقدير،وذلك عن طريق تشكيل حاجز كتيم بين قائد معارك التحرير العربي ,وبين الحاضنة الجماهيرية العربية الحقيقية لمشروع النهضة والتنوير والتحرير في الوطن العربي ......
( 3 )
لم يتأخر الهجوم المضاد، فبعد سنوات ثلاثة وبضعة أشهر، وفي ليلة ليلاء قبل فجر ( 28 ) أيلول / سبتمر / 1961 كان حفنة من الضباط في دمشق يصدرون الأوامر باعتقال الضباط المصريين وإعادتهم إلى مصر ، بينما كان الضباط السوريين في الإقليم الجنوبي يحزمون حقائبهم للعودة إلى سورية .. ثم يعلن الانفصاليون فصل الإقليم الشمالي عن الجمهورية العربية المتحدة التي لم تجد من يدافع عنها فعلياً فأجهزة الأمن التي نجحت في بث الرعب في نفوس الناس رفعت الراية البيضاء أمام بضعة انفصاليين وتحولت بالولاء للدفاع عن الانفصال والانفصاليين....وبث الرعب في صفوف الذين تصدوا للانفصال بعد ذلك ...
لم تستوعب عقولنا الغضة ما جرى ، ورغم أن الواقع الأليم بات واضحاً لا مجال لتكذيبه إلا أننا ، ومرة أخرى رفضنا المراجعة ، هربنا من السؤال: لماذا فشلنا نحن ..؟ ...إلى إلقاء المسؤولية على الرجعية، والاستعمار، وأذناب الاستعمار ، وتوسعت مداركنا الثقافية لتشمل الشتائم، الإمبريالية الرأسمالية من قبل البعض ، أو النفوذ الشيوعي من قبل البعض الآخر ، ولم نرى في كل ما جرى إلا انه مؤامرة مدبرة نفذتها تلك القوى المعادية ...
الآن ، وبعد 50 عاماً على تلك الأحداث الأليمة ندرك مدى القصور الذي كان يحكم تفكيرنا وسلوكنا .. لاشك أن الانفصال وقع بفعل أكثر من فاعل ، وبمؤامرة بين أطراف عدة ، لكن هل هناك عاقل على هذه الأرض يتوقع أن لا يحدث ذلك ..؟ هل يعقل أن يفرط المستعمرون وورثتهم بتلك الخريطة التي تقسم الوطن العربي ، والأمة العربية ، والتي دفعوا لرسمها دماء قلوب جنودهم وحشدوا لها عصارة عقول الاستراتيجيين الاستعماريين ... دون أن يبذلوا كل ما يملكون من إمكانيات للحفاظ عليها ، بل وتجزئة المجزأ إذا كان هذا ممكناً وإيقاف ذلك المد الجماهيري القومي العربي الجارف والغاضب .. هل هناك عاقل يتوقع غير ذلك ..؟ .. وبالتالي فإن الغضب كان يجب أن يوجه إلى الداخل ، إلى البيت الوحدوي العربي ذاته .. والإجابة على السؤال : لماذا تمكنوا من اغتيال العربية المتحدة ؟ ثم كيف نعيد البناء ..؟ ثم كيف نحصنه من عفن الداخل ، وعواصف الخارج ..؟ ولأننا لم نفعل ، تحول حلم الوحدة العربية إلى سراب في تلك الصحراء العربية ،و إلى وهم في بريتها ، وتعمقت الإقليمية بل وانتعشت علاقات ما دون الإقليمية ، وبات الطريق مفتوحاً أمام الصهاينة إلى نكبات الخامس من حزيران ( يونيو ) 1967 التي أدت فيما أدت إليه إلى توقف قلب ذلك الرجل الذي كان يعلن في كل مناسبة أن الجمهورية العربية المتحدة باقية في قلوب الأجيال العربية المتعاقبة ، وأنها لم ولن تكون في ذمة التاريخ ، وأن راياتها ، وأعلامها ، وأحلامها ستبقى مرفوعة في الإقليم الجنوبي للجمهورية العربية المتحدة ، إلى أن تنطلق مرة أخرى في رحلة المشرق والمغرب بين المحيط والخليج .... لكننا , ومرة أخرى لم نتعلم الدرس ....لقد عرفنا بالفعل كيف نشيع جمال عبد الناصر في مواكب مهيبة امتدت من تطوان إلى الأحواز لا مثيل لها في التاريخ العربي ..... لكننا وللأسف الشديد ,لم نعرف كيف نحيا جمال عبد الناصر، عرفنا كيف نحمل نعشه في القاهرة , ونعوشه الرمزية في كل مدينة، وبلدة، وقرية عربية .....لكننا لم نعرف كيف نحمل استراتيجيته , ومبادئه الثابتة والأصيلة ونحررها من الأساليب الفاشلة , والنظم العاجزة , والمنظمات الشكلانية ....لم نعرف كيف نحدد موقفاً من النظام الشمولي الذي أدى جزء منه إلى تسهيل تنفيذ المؤامرة بفصل الإقليم الشمالي عن الجمهورية العربية المتحدة ,ثم أدى ما تبقى منه إلى نكبات الخامس من حزيران 1967 ,ثم قام ما تبقى من ذلك النظام بعد غياب جمال عبد الناصر بالانقلاب على الإقليم الجنوبي للجمهورية العربية المتحدة فأسقط أعلامها، وراياتها , وانقلب على الخط الاستراتيجي للنضال القومي ,وذهب وما زال يذهب بمصر إلى الصفقات مع المستوطنات الصهيونية .والتواطوء مع أعداء المشروع القومي العربي في هذا العالم .....
باختصار، لم نعرف أن نحدد موقفاً حاسماً من طبيعة النظام الذي خذل النهج الاستراتيجي لجمال عبد الناصر حياً , وانقلب على ذلك النهج بقضة وقضيضة بعد غيابه ...... وما زال ذلك النظام يمارس هذا الانقلاب حتى هذه اللحظة .... حيث حول، ويحول مصر، وغير مصر من جمهورية عربية متحدة و كقاعدة لانطلاق مشروع التحرر والوحدة في الوطن العربي , إلى قاعدة للاتجاه المعاكس على طول الخط .....
( 4 )
للأسف الشديد لم ندرك تلك الحقائق ,ولم نعرف كيف نتعامل معها ,خاصة بعد غياب جمال عبد الناصر , الذي كان بقامته الشامخة يمنع الانهيار ويحافظ على القاهرة عاصمة للجمهورية العربية المتحدة , بعد غيابه انكشفت الثغرات ,وبدأ الانهيار ابتداء من بداية عقد سبعينات القرن المنصرم رغم بطولات حرب تشرين الأول (أكتوبر )1973 والتي تم التضحية بها في سياق من الصفقات مع العدو الصهيوني , لفصل القوات أولاً ثم لسكون الجبهات ثانياً ,ثم للوصل السياسي العلني مع الصهاينة بدءاً بكامب ديفد ,وليس انتهاء بما تكشف حتى الآن من معاهدات واتفاقيات ...... ونحن، هنا، إذا كنا نتحدث عن قامة جمال عبد الناصر فنحن لا نشخصن المسألة ....، وإنما نقصد أن تلك القامة استمدت أهميتها وعناصر صمودها وفاعليتها, وهيبتها من الحاضنة الجماهيرية العربية التي كانت برغم عدم تنظيمها ، وغياب برامجها وآليات تحركها ، إلا أنها كانت جاهزة دائماً ، وبالتالي فإن هذا المناخ القومي العربي الناهض لم ينتج رأياً عاماً عربياً له هيبته لترتعد من هديره فرائص الحكام وفقط ، وإنما بدأ ينتج ضباطاً أحراراً في الأجزاء العربية ... بل وصل الأمر إلى انه بدأ يفرز أمراء أحراراً من بعض الأسر الحاكمة .. وبالتالي فإن جمال عبد الناصر الذي بات رمزاً لهذا النهوض العربي بات أقوى حتى من قدرة أجهزة الدولة الإقليمية التي يحكمها بدليل أنه بعد نكبات الخامس من حزيران ( يونيه ) 1967 ، بات وحيداً إلى أن خرج الشعب في أقصى لحظات الصدمة ليحتضنه ويحميه فلم تتجرأ مراكز القوى في السلطة أن تقترب منه، واضطرت للانصياع ... لكننا لم ننتبه إلى أن غياب جمال عبد الناصر قد قلب الطاولة على رؤوسنا ، فبينما كنا مشغولين بالتشييع الجليل ، كانت الترتيبات قد بدأت ، ليس في مصر وحدها ، وإنما في أرجاء وطن العرب ... فبعد ثمانية سنوات فقط ... كان مستشار الأمن القومي الأمريكي بريجنسكي يرفع كأسه ليقرعها بكأس مناحيم بيغن يحيط بهما أ نور السادات، وجيمي كارتر، ليقول له وهو يقهقه بصوت عال ، وداعاً للقومية العربية يا مناحيم ... لقد انطلق خط الدين و ...
( 5 )
كان رحيل عبد الناصر في 28 سبتمر ( أيلول ) 1970 محطة مفصلية في التاريخ العربي الحديث ، عرف أعداء المشروع القومي العربي كيف يطلقون منها صافرة الانطلاق ، وامتلكوا القاطرة، والعربات، والربابنة، وحتى الحمولة .. باتجاه أهدافهم ... فبينما أصحاب المشروع القومي العربي كانوا غارقين بالتشييع الفجائعي في المرحلة الأولى ، ثم، وهنا كان المقتل ، لم يدركوا تبعات ما جرى ، ولم يدركوا أن عليهم أن يمسكوا بالدفة ، وقبل ذلك وبعده عليهم أن يمتلكوا البوصلة ... ثم وقبل ذلك كله عليهم أن يمتلكوا خريطة واضحة مفصلة لوطنهم بأجزائه كلها ، وطبيعته كلها ، وديموغرافيته كلها ، وللعالم كله ، أين مناطق القوة ؟ أين مناطق الضعف ؟ أين المسارات الآمنة ؟ أين المطبات ؟ أين الأفخاخ ؟ أين الألغام ؟ أين تتمركز القوى المضادة ؟ ما هي أساليب المواجهة ؟ ما هي الأدوات ؟ .. وأين ؟ ومتى؟ وكيف ؟. ... وآلاف ، آلاف الأسئلة التي لا تحتمل الانتظار ، كان علينا أن ندرك في تلك اللحظة ، أن علينا أن ننتقل من لحظة التصفيق ومن لحظات الندب ، والأحزان ، ومن لحظات الانفعال وانتظار الانتصار على يد القائد الملهم إلى لحظة الفعل ، والممارسة ، وأن نولي وجهنا شطر المستقبل لنشارك في صياغته على الأقل ، إذا لم نقل صياغته ، فلم يعد لدينا من يصوغه لنا كما نريد .. علينا نحن أن نفعل ذلك .. وعندما لم نفعل ، بات الطريق مفتوحاً للقوى المضادة لتفعل فعلها ، ومازالت تفعل ... ومازلنا حتى هذه اللحظة في مرحلة الانفعال ... فتحول الوطن العربي بأجزائه كلها إلى ساحات مفتوحة لشتى الصراعات والفتن ، والسجالات بين قوى، وعصابات ، وغزاة ، يتصارعون على أرضنا ، وبدماء شعبنا ، ويمولونها من ثرواتنا ... ونحن كأمة عربية ، وكمشروع نهضوي تنويري لا علاقة لنا بتلك الصراعات ، وغالباً لا ندرك لمصلحة من تدور ، ولا ندرك الخيوط الخفية التي تحرك المتصارعين ، ومع ذلك فإن الأجيال يتم استدراجها ...للتضحية بها في صراعات لا ناقة لها بها، ولا جمل ... فالصراع يدور بها وعليها ، وعلى وطنها ، وعلى ثرواتها ، بينما مشروعها التحرري النهضوي التنويري التوحيدي غائب عن ساحة الصراع ، ورغم ذلك كله ، ورغماً عن إرادة الجماهير العربية ذاتها يتم تصنيفها بعلاقات ما قبل المواطنة ، طائفيا،ً ومذهبيا،ً وأثنيا،ً وإقليمياً لزجها في صراعات بين مشاريع لا تعرف مصدرها ، ولا تعرف مآلها، لكنها تستهدف وجود الأمة ، مصيرها ، ووطنها ، وثرواتها ... وبهذا تدمر الأمة نفسها بنفسها .... لإتمام المهمة التي عجز عنها القتلة الغزاة القادمين من الخارج ... بأسماء متنوعة ...
( 6 )
لقد كان جمال عبد الناصر رجل المواجهة في معارك لم تتوقف ، وكان عليه أن يواجه ذلك كله بالإمكانيات المتاحة ، لتحرير مصر من الفساد الداخلي، والوجود الاستعماري الإنكليزي المباشر ، شكل تنظيم الضباط الأحرار في مصر ، ونفذ مع رفاقه انقلاب 1952 ، ثم وفي مواجهة الفساد والتفاوت الطبقي المرعب شعر أن عليه أن يحول الانقلاب إلى ثورة فصدر قانون الإصلاح الزراعي ، وفي مواجهة المحتل الإنكليزي بدأت المقاومة الفدائية في مدن القناة ، حتى خرج الإنكليز ، وفي البحث عن تنظيم القوى الجماهيرية شكل هيئة التحرير ، وفي العمل لاستعادة حقوق مصر أمم قناة السويس ، ولمواجهة قوى الهيمنة الدولية واجه العدوان الثلاثي ، فأدرك مع ذلك كله وحدة الوجود القومي العربي ، وبالتالي ترابط المشكلات وترابط الحلول ، فاكتشف أن حدود مصر شرقاً هي الخليج العربي ، وحدودها غرباً هي المحيط الأطلسي ، وأن مستوطنات الصهاينة ليست مجرد احتلال في فلسطين ، وإنما قاعدة متقدمة لمنع الشعب العربي في مصر، وفي غير مصر من استرجاع حقوقه ، منعه من التنمية ، من التطور ، من السيادة ، لهذا امتدت المواجهة من ثورة الجزائر في المغرب إلى ثورة ظفار في أقصى المشرق ... وقد عبر جمال عبد الناصر بوضوح عن ذلك فقال بالحرف الواحد ( أنا لم أخلق القومية العربية ، القومية العربية هي التي خلقتني ) وانطلق لبناء دولة الجمهورية العربية المتحدة كحجر أساس لبناء دولة الوحدة العربية بين المحيط والخليج ، كان أمام خيارين لاختيار طبيعة نظام الحكم ، وكانت الحرب الباردة على أشدها ، وكان المعسكر الغربي يدعم دولة الصهاينة ، ويقاوم بكل ما يملك مشروع النهوض القومي العربي ، وكان المعسكر الاشتراكي يبحث عن طريقة لفك الحصار الذي تحكمه عليه الدول الغربية ، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، عن طريق الأحلاف من الأطلسي إلى الهادي، وبدأ التعاون بين المعسكر الاشتراكي ، والجمهورية العربية المتحدة ... وكان من الطبيعي نتيجة لذلك أن يختار جمال عبد الناصر نظام الحكم الشمولي وإن كان يتميز في مواقع مختلفة ... لكنه قريب إلى حد كبير من طريقة الحكم في المعسكر الاشتراكي ، وكان الاتحاد القومي نموذج حكم الحزب الواحد ، ثم الاتحاد الاشتراكي العربي ، وهكذا ... كان جمال عبد الناصر قد وجد نفسه في قلب المشروع القومي العربي التحرري ، وفي الوقت ذاته لا ينتمي إلى أداة قومية تنظيمية لتحقيق ذلك ، فزج بأجهزة دولة مصر الإقليمية على طريق تحقيق الحلم القومي ، فالجيش المصري في اليمن، ويساعد لطرد الاستعمار البريطاني من جنوب اليمن ، ويساعد في حركة التحرر في ظفار ، ويمد الثوار الجزائريين بالسلاح ، ويرسل الجيش المصري إلى شمالي سورية قبل الوحدة لردع التهديد التركي وألخ ... لكن، وبعد انفصال الإقليم الشمالي عن الجمهورية العربية المتحدة ، وبعد فشل مشروع الوحدة الثلاثية بين سورية ومصر والعراق ، ارتفع إلى درجة اليقين إحساس جمال عبد الناصر، أن هناك تناقضاً حاداً بين المشروع القومي العربي ، وبين الأدوات والأساليب المعتمدة ، وكان عليه أن يختار ولم يتأخر الاختيار فأعلن دون تردد أنه قرر التحرر من مناصبه في السلطة الحاكمة في مصر ، وأنه سيعطي ما تبقى من عمره لبناء الحركة العربية الواحدة ،أو الطليعة العربية كأداة لتحقيق دولة الوحدة العربية بين المحيط والخليج ...
لكن الأحداث مرة أخرى لم ترحمه فاضطر للاستمرار في السلطة إلى أن حدث زلزال الخامس من حزيران (يونيه) 1967 ،فقرر مرة أخرى التنحي ، والعودة إلى الجماهير ، لكن الضرورة مرة أخرى أرغمته على التراجع فعاد مشترطاً أن ذلك مرهوناً بإزالة آثار العدوان ، لكن الرحيل كان هو الأسبق ...
لم نقصد من ذلك ، سرد الأحداث التاريخية لتلك المرحلة الزاخرة بالأحداث والآمال، والآلام ... لكننا قصدنا أن نستخلص العبر ، فجمال عبد الناصر كان محكوما دائماً بوسائل الضرورة المتاحة ، بأساليب الضرورة المتاحة ، بأدوات الضرورة المتاحة ، وأن المعارك المتلاحقة التي وجد نفسه في خضمها مختاراً ، أو مرغماً، لم تترك له لحظة واحدة للتفكير في إنتاج الوسائل، والأدوات، والأساليب التي تتلاءم وحاجات، وضرورات المشروع الاستراتيجي للأمة ، وكان كلما فكر في ذلك تعيده المعارك المفروضة للتعامل مع الواقع، إلى ساحات المواجهة المفتوحة ... ونحن بهذا لا نبرر ... لأننا وفي هذه المرحلة التاريخية في أشد الحاجة إلى الشفافية والتصادق ، وتسمية الأشياء بأسمائها ... لهذا ، فإننا لا نرى أية جدوى من السؤال : ألم يكن أمام عبد الناصر خيارات أكثر صحة ومصداقية ؟ رغم أننا نؤكد على مشروعية هذا السؤال ، وأن من حق الأجيال العربية التي عاصرت تلك الأحداث ، والأجيال التالية أن تبحث عن إجابة ... ذلك أن أحداث التاريخ لا تحتمل كلمة لو ، لو أن جمال عبد الناصر فعل كذا ...، لو أن جمال عبد الناصر لم يفعل كذا ... ذلك أن أي قرار مرهون بظروفه ، ودواعيه ، ومحدد بالزمان والمكان وبالتالي فإن أية إجابة تحتمل افتراضات عدة ...
( 7 )
ما يعنينا هنا ، وبالتحديد هو ما يخصنا نحن أصحاب المشروع القومي العربي النهضوي التنويري ، فقد قلنا ، ونعيد أننا اكتفينا إلى حد الإشباع من إلقاء تبعة أوضاعنا المذرية على الاستعمار والإمبريالية وأذناب الاستعمار ، والرجعية والعملاء والصهاينة وإلى أخرهم ...
إننا نبحث عن المشكلة في ذواتنا ، في أوضاعنا ... دون أن يكون ذلك جلداً للذات ، وإنما إعادة إحياء لها، لوضعها في سياق الفعل ، والتأثير ، والعودة إلى الساحة التي أدى غيابها الفاعل عنها إلى وضعها الراهن ... وبالتالي فإنني سأعود إلى تلك اللحظة المفصلية التاريخية وأعني ... لحظة غياب جمال عبد الناصر ... ففي تلك اللحظة كان علينا أن ننتقل بكل ما نملك من مرحلة الفرجة ، والتأثر، والانفعال ، إلى مرحلة نتسلم فيها راية المشروع القومي العربي الاستراتيجي مطهراً من الأساليب الفاشلة، والأدوات القاصرة ، والأفكار التلفيقية ، وأساليب الضرورة ، والمواقف التكتيكية، التي اضطر إليها جمال عبد الناصر بوصفه رئيساً لدولة فعلية في الوطن العربي، محكوماً بمحدودية إمكانياتها ، وقصورها عن حمل مشروع قومي عربي يتجاوز مقدرة تكوينات أجهزتها ومؤسساتها على حمله ... لم نعرف كيف نحقق ذلك في ذواتنا ، على العكس تماماً ، فقد تمكنت القوى المضادة في الداخل العربي ، وفي الخارج الدولي من إشغال أصحاب المشروع القومي العربي بالدفاع عن الأدوات ، والأساليب والممارسات التي ثبت فشلها في تحقيق المشروع الاستراتيجي للأمة العربية ... لقد ركزت القوى المضادة هجومها على النظام الذي كان يديره جمال عبد الناصر على النظام الشمولي،على الديكتاتورية، على أجهزة المخابرات، والتعذيب ، على نظام الحزب الواحد ، على غياب الديمقراطية ، على ..!!!. فانبرى الكثيرون منا للدفاع عن ذلك كله ... وأدرنا ظهورنا للطريقة التي علينا أن نتبعها لرفع راية المشروع القومي العربي الاستراتيجي التي كان يحملها جمال عبد الناصر .. كان علينا ، ومازال أن ننبري نحن للمراجعة ، للنقد ، للاستفادة من التجربة والخطأ ، التي اضطر جمال عبد الناصر لانتهاجها ، أن ندرك أن الأساليب والوسائل والأدوات التي خذلت جمال عبد الناصر حياً ، وانقلبت عليه غائباً لا تصلح لنا ، ولا تصلح لأمتنا ، وأن الراية التي كان يحملها جمال عبد الناصر لا يمكن أن يرفعها بعده فرد ، وإنما لابد من إبداع الوسائل والأدوات لتتكاتف الأيدي،كل الأيدي، ، وتحشد الجهود،كل الجهود، لحمل تلك الراية إلى حيث ترفرف بين المحيط والخليج .. وأن الوسائل والأدوات التي خذلت عبد الناصر القائد الملهم ، لا يمكن أن تكون صالحة بعد غيابه ... وهذا ما بات واضحاً بعد السنوات المريرة التي انقضت بعد غياب جمال عبد الناصر ...
إن ما يعنينني من هذا الحديث ، ليس جلد الذات ، وان ما يعنينني ليس الندب ، واللطم ، وتوجيه الاتهام لأي كان داخل التيار القومي العربي، أو خارجه ، فقط، أريد القول بوضوح ، ودون مواربة أن المشروع القومي العربي الاستراتيجي ، بعد التجارب المرة ، هو الرافعة للمشروع النهضوي التنويري في الوطن العربي ، وهو مل الوقوف في محطة الانتظار ، إنه ينتظر القاطرة ، وتحديد لحظة الانطلاق ، وهذا ما لا نقدر عليه، نحن أبناء الجيل العربي الراحل، لألف سبب وسبب ، ولهذا فإن هذا الحديث موجه إلى الجيل العربي الجديد ، المؤهل وحده، دون سواه،لحمل الراية،و دون الالتفات إلى واقع جيلنا المأساوي ، وما جرى له، وما تعرض له من هزائم ، وما أصابه من رضوض سيكولوجيه، وسيسيولوجية، إلا بالقدر اللازم له لاستخلاص الدروس والعبر ، وأن يخرج نفسه من إطار الصراعات، والمعارك التي حصلت داخلنا وعصفت بنا ،فقط ألتمس لدى الجيل العربي الجديد بعضا من الأعذار المخففة لجيلنا ،فقد كانت ظروفنا بالغة التعقيد،المهم أن يولي الجيل العربي الجديد وجهه شطر المستقبل ... ولهذا فإن للحديث بقية...
( يتبع )
o حبيـــب عيســـــى


