المجتمع الذي لا أمن لادمية المرأة فيه، مجتمع مستعبد، غير حر ومتخلف وغير مستقر. فأوضاع المرأة هي بوصلة لشكل وحالة المجتمع، اي مجتمع كان، والعبودية الاحتلالية هنا مزدوجة وشاملة ايضا، عبودية البلاد كل البلاد وعبودية العباد كل العباد. فمن حيث النتيجة هو مجتمع تبعي محتل، ومقنوص، تتدرج، وتتدحرج سلسلة الاسترقاق فيه على شكل حلقات متحركة متسلسلة ومتصلة، سياسية واقتصادية، واجتماعية، وفكرية، الانحطاط هنا بكل الاتجاهات الاربعة، وعلى المستويين العمودي والافقي، شكلا ومضمونا.
والامثلة على ذلك في حالتنا العراقية لا تعد او تحصى، فاذا كانت البطالة شاملة فانها حتما ستكون مضاعفة على كاهل المرأة، واذا تراجع نظام المجتمع، الى الشكل الاقطاعي والقبلي فان تأثير ذلك سيكون كارثيا على فاعلية مشاركة المرأة في الحياة العامة، واذا فقد الامن الشخصي بسبب غياب فاعلية الدولة واجهزتها وفسادها، فانه ومن الطبيعي ان تكون المرأة هي اول المتضررين، واذا كانت البلاد خاضعة لنظام الفوضى الاحتلالية ـ الخلاقة ـ فمن الطبيعي ايضا ان تكون حالة المرأة مزرية وعلى كل الصعد، ولا عزاء للنساء !
منذ ان احتل العراق وسقطت دولته في 9 نيسان 2003، سقطت معها مكانة وحصانة الرجل العراقي والمرأة العراقية والطفل العراقي، والتي كانت ورغم كل مآسي الحصار الامريكي الظالم تنعم بنوع من السلامة العامة ومن نظام معقول للتامينات الاجتماعية والاقتصادية، ومن ضمور لنزعات الحجر، ومن الممارسة الفعلية لشؤون الحياة العامة دون مخاطر تذكر في مجالات التعليم والصحة والخدمات. فكانت المرأة تمارس عملها كطبيبة واستاذة وعالمة وصحفية ومهندسة وفنانة وسائقة تكسي، ويمكنها قيادة السيارة الخاصة دون حرج!
بهذا القياس كانت احوال الرجال تنعم بمستويات افضل، وهكذا كانت الاحوال العامة تسري على الجميع ومنها الطفل العراقي التي تتوسط حالته اوضاع الرجل والمرأة. نعم كان للحصار دوره الكبير في تدهور امكانيات الدولة العراقية، وقد انعكست مظاهره على حالة المرأة والرجل والطفل، وخاصة في مجالات الصحة والتعليم والتشغيل، وغادر البلاد وقتها موجات من العراقيين الذين يسعون لتحسين ظروف حياتهم، لكن الامر لم يصل قطعا الى فوضى شاملة وفساد شامل وهجرة شاملة، لم تكن الدولة وقتها حاضنة ومحرضة لعقائد الحجر على النساء وشل مشاركتهن الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية!
كان تصليح الجسور والطرق ومحطات الكهرباء المقصوفة امريكيا يتم بكل دقة وخلال اوقات قياسية. كان نظام البطاقة التموينية الذي نظمته الدولة وقتها يسير بشكل سلس ودون تلاعب الفاسدين، وقد شهد بذلك وقتها ممثلو المنظمات المختصة في الامم المتحدة، كما شهدوا قبلها بنجاح حملة محو الامية بين النساء، اما الان فبماذا يشهد ممثلو منظمات الامم المتحدة؟
نعم انهم يشهدون بانتشارالفساد الطاغي والمريع، وبالفوضى الطاغية، وبالدولة الفاشلة، وبالهجرة المخيفة، والقتل الجماعي، وبالتصفية المنظمة للعقول العراقية، وبالحجر على النساء، وبأعلى معدلات للعنف ضدهن بما في ذلك التصفية الجسدية وخاصة في مناطق شمال العراق ـ سوران وبادينان ـ وفي البصرة حيث الفوضى السياسية والامنية والاجتماعية الشاملة، وبدرجات اقل في بغداد العاصمة التي كان يزدهر فيها التمدن والاختلاط، وحيث دخلت وقتها المرأة اغلب مجالات العمل الاساسية والمهمة وعن جدارة.
لقد كان لتراكم عوامل الحصار الشامل على العراق ثم الحرب عليه واحتلاله والعمل على تقسيمه وتقاسمه وزرع الشقاق والنفاق فيه طائفيا وعرقيا دور حاسم في انحدار المجتمع وتراجع مدنيته، وتقهقر الاوضاع العامة والخاصة للمرأة العراقية، واحتقار مكانتها بما في ذلك استسهال تصفيتها اذا لم تطع ما يراد لها. لقد برز هذا التدني الوضيع للحياة المدنية في العراق وتتوج بشكل صارخ بحيث صار سمة عامة للوضع الاجتماعي البائس للحالة المجتمعية العراقية بعد ان انفرط عقد الدولة المدنية لتحل محلها دولة مسخ يريدها المحتل واجهة تغلف هيمنته واهدافه وبرامجه المشوهة لكل ما هو مدني واصيل في العراق ـ اغتصاب احتلالي مزدوج ومتعدد الجنسيات، واغتصاب طائفي وعرقي، تقييد للحريات الشخصية والاجهاز على كل معالم مدنية المدن، مخدرات، وعنوسة، وتفسخ، وتهجير، وهجرة قسرية للمنافي حيث الضياع والابتزاز، عسر شامل لا شفاء منه الا بمعالجة مسبباته، وهي قد باتت اكثر من نار على علم ـ الاحتلال وانحطاط الدولة العراقية طائفيا وعرقيا، فلاحرية حقيقية للمجتمع، ولا حرية للمرأة فيه الا بزوال الاحتلال وعمليته السياسية البغيضة.
نساء البصرة ودهوك واربيل والسليمانية وبغداد والعمارة وبعقوبة وكركوك، وكل نساء العراق بل كل رجاله واطفاله، المشردين منهم في دول الجوار او داخل البلاد، والمحبوسين في دورهم او سجون الاحتلال وجلاوزته، يستصرخون العالم كله لتقريب ساعة خلاصهم من الطغم الطائفية والعنصرية المتحكمة بمصائرهم برعاية ودعم المحتل الامريكي الغاصب الذي لا يميز بالافتراس والاغتصاب بين رجل وامرأة وطفل، يستصرخون شرفاء العراق ووطنيه ومقاومته المقدامة لتقريب ساعة الخلاص.
لا أمن حقيقي في العراق دون امان المجتمع كله وفي مقدمتهم النساء والاطفال من كل اجحاف وسوء وعوز وضياع، وقتل عشوائي.
لا أمن حقيقي الا بطرد المحتلين والطائفيين والعنصريين من سدة الحكم في العراق الذي لا قدر له غير التمدن المناهض لشريعة الغاب التي يريد تكريسها المحتلون واذنابهم في العراق.
شعب العراق لن يركع ولن يستسلم للتخلف والتقسيم والاستهلاك الذي جاء من اجل نشره فيه الامريكان وجحافلهم الموبوءة المستهترة المريضة. والمرأة العراقية اكثر من نصف هذا الشعب وهي لن ترضى باقل من الخلاص والنصر الكامل.
المرأة العراقية حفيدة عشتار التي لا ترضى بغير تموز شريكا، وهي ستنتصر حتما لانها لم تكن ابدا عاقر، هي من انجبت الذين علموا العالم المدنية، والذين علموا المحتلين الدروس، حفيدات فدعة سيفدعن الزمن العراقي الاغبر هذا بافق العراق الجامح والحر والمتمدن باصالة روحهن.


