في العديد من الثقافات القديمة يُعتقد بأن الروح تغادر الجسد عند النوم، وتسافر لمسافات بعيدة ولهذا يجب إيقاظ النائم بلطف لتتنبه الروح وتعود إليه..... هذا الاعتقاد موجود لدى سكان وسط البرازيل وفي إندونيسيا،وجزر الأندمان في المحيط الهادي و بعض سكان أستراليا،وشبيهة  بهذه الرؤية يرى العديد من العلماء سيما علماء التاريخ بأن الأمم تدخل عبر مراحل حياتها في سبات يكون عميقا أحياناً تطول مدته وتقصر بفعل عوامل محيطة خارجية وداخلية ذاتية،ثم تعاودها الصحوة لتبدأ عطاءات جديدة وإسهامات في مجال الحضارة الإنسانية،ووقائع التاريخ تثبت هذه المقولة،والحقيقة المؤكدة  لسلامة النظرة و التعبير عنها وصدقها أن الروح خالدة أبدية خلود الدهر والحياة لأنها من الذات الإلهية وقد نفخها ونفحها في جسد الإنسان

.

     مقدمة قادتني إليها ظروف قديمة مرت على الأمة العربية تجلت صحوتها فيما أعطته للإنسانية من روائع العلوم على تعددها وتنوعها دفعها الإرث الحضاري الثقافي لها، و أكدتها وكرستها شواهد وأعلام تعد من المفاخر وهي موضع كرامات واعتزاز.

كان الرائد الأول في هذا المجال الرسول العربي صلى الله عليه وسلم في حديثيه الأول:

قوله:"خير الدنيا والآخرة مع العلم،وشر الدنيا والآخرة مع الجهل".

والثاني قوله:"يوزن مداد العلماء ودماء الشهداء يوم القيامة فلا يفضل أحدهما على الآخر،ولغدوة في طلب العلم أحب إلى الله من مائة غزوة،ولا يخرج أحد في طلب العلم إلا وملك موكل به يبشر بالجنة،ومن مات وميراثه المحابر والأقلام دخل الجنة".

فمداد العلماء في ذات درجة دماء الشهداء،والحامل في آخرته لقلمه ومداده موعده الجنة،معانٍ مستمدة من الوحي الإلهي ومصداقاً لقوله تعالى في الآية الأولى التي نزلت على النبي الأعظم:"اقرأ باسم ربك الذي خلق،خلق الإنسان من علق،اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم"سورة العلق.

وهو القائل جلت قدرته مميزاً بين أهل العلم والبعيدين عنه:"قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لايعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب"سورة الزمر،الآية رقم9.

وهو العلي القدير محفز للإنسان على متابعة العلم والبحث المستمر الدائم في الذات في قوله:"فلينظر الإنسان مم خلق"سورة الطارق،الآية رقم9.

بل يفرض على عباده إضافة إلى معرفة الذات ،   معرفة الكون:  "أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها ومالها من فروج"سورة ق،الآية رقم6.

 

     وبعد الصحوة تلك دخلت الأمة العربية في إغفاءة طال أمدها لكن في هذه الأيام ظهرت بوادر صحوة جديدة ، وراحت جهود خيّرة مبعث أمل ورجاء وتقدير في إمارة قطر بدأ انبعاثها  فقد تنادت قيادته وفي عام2006إلى عقد المؤتمر التأسيسي للعلماء العرب المغتربين شكل في نهايته لجنة للمتابعة التنفيذية لتوصيات المؤتمر التي حددت  مرحلياً المجالات البحثية الثلاثة:

1-  الطب الحيوي                2- البيئة        3- تكنولوجيا المعلومات

ومنذ أيام وتحديداً وبتاريخ10من كانون الأول – يناير  عقد المؤتمر الأول للعلماء العرب المغتربين وقد حضره بالإضافة لهم علماء من أنحاء العالم منهم من حصل على جائزة نوبل على جهوده البحثية،والمهم وكما يبدو لنا أن الإرادة السياسية لمثل هذا العمل متوفرة وهي أساسية وضرورية وهي المرتكز أيضا إضافة  إلى عوامل أخرى متممة،والسيدة راعية المؤتمر حرم أمير قطر تجلت في كلمتها الافتتاحية معانٍ رائعة معبرة أصدق التعبير عن الأبعاد الحضارية والعمل من أجل إنماء البحث وتطويره فقد قالت:"إن الإنسان هو المنتج للحضارة،وما الحضارة إلا لحظة انتقال من كون التاريخ......تاريخنا بالقوة إلى كونه تاريخنا بالفعل"مضيفة:"إن الاستثمار الأفضل لمواردنا لايقتضي الاكتفاء باستهلاك المعرفة فحسب بل العمل والمساهمة في إنتاجها ولابد من زرع ثقافة البحث العلمي والشراكة البحثية  ناسبة انطلاقة  البحث العلمي في قطر للعقول العربية،وتتالت كلمات للعديد من العلماء مركزين على استراتيجية بحثية متضمنة المحاور الثلاثة التي كلفت بها لجنة المتابعة،ولأجل هذا الهدف رصدت دولة قطر مبلغ2.8%من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي لدعم العلوم والبحوث في إطار تنظيمي يتكون من أربعة فروع:

 

1-  الصندوق القطري لرعاية البحث العلمي والذي تأسس عام2006،ويمول الأبحاث في مجالات الهندسة والتكنولوجيا والعلوم الفيزيائية والحياتية،والطب والإنسانيات،والعلوم الاجتماعية والفنون،ويستقطب الصندوق باحثين مؤهلين لدراسة موضوعات ذات أهمية إقليمية وعالمية،والتركيز ينصب بالدرجة الأولى على تمويل الأبحاث التي تهم البلاد.

2-    مركز البحوث الطبية:ويعتبر مركزاً لبحوث الطب الحيوي وسيقدم عطاء ه  وإنتاجه في عام2009وبكلفة    8    مليارات دولار.

3-  واحة قطر:تقوم بأبحاث متعددة المجالات مؤكدة على البحث في مجال التكنولوجيا،  بادئة العطاء في عام2008والبحث يتركز فيها في مجال تعزيز ثروة الغاز.

4-  شبكة بحوث العلوم والتكنولوجيا:وهي شاملة متدرجة في دراساتها للجوانب العديدة للعلوم والتكنولوجيا،ولأهمية موضوعاتها  والحاجة الى ذوي الاختصاص تدعو العلماء العرب المختصين للمشاركة في نشاطاتها .

 

     وفكرة تدريب الطلبة أثناء الدراسة الجامعية وبعد التخرج  على منهجية البحث العلمي استأثرت باهتمام المؤتمرين فتقرر العمل على توسيع دائرة المتدربين جاعلين من الصين نموذجاً يُقتدى به، فالصين  تدرب كل عام3ملايين خريج،  وما يسترعي الانتباه أن مستشار التنمية الاقتصادية في مجلس الوزراء بسنغافورة كان من بين الحضور ومساحة بلاده صغيرة مثلها مثل قطر وفي كلمته بيّن أن الإرادة الواعية تخلق المعجزات وتتحدى المستحيلات  .و عدد الإنجازات الكثيرة  التي حُققت خلال العشرين عاماً الماضية فقد أصبحت تصنع فيها معظم المكونات المستخدمة لإنتاج الكومبيوتر،وحصلت تطورات كبيرة فيها بالانتقال إلى التكنولوجيا والطب الكيميائي وإنشاء مراكز لصناعة الدواء،ومصانع سنغافورة تعد الأكبر في آسيا باستثناء مصانع كوريا واليابان،والتركيز يدور الآن حول أدوية علاج السرطان

 

     لست هنا في معرض المديح وإن كانت الإشادة بالجهود المبذولة والعرفان بها واجبة فهي تمثل الصحوة والإشراقة نتلمس قلوبنا خوفاً عليها ،  فلقد تعودنا أن تظهر إطلالات مشابهة بأشكال مختلفة وفي مجالات متعددة   لا تلبث أن تنمحي وتذهب ويطويها النسيان،إنما الأمل كل الأمل أن تستمر هذه المسيرة الرائدة في منهجيتها وعطاءاتها  لتكون القدوة  لمراكز البحث العلمي المتواجدة في الوطن العربي لزيادة رفدها العلمي , والأمانة   تقتضي ورغم كل القصور والتقصير فقد ذكرت الدراسات  أن نسبة معدل إنتاج البحوث في السعودية والكويت الى  الفرد الواحد من السكان يضاهي المعدل السائد في أقطار النمور الآسيوية وفي عام 1990 كانت البلدان الرئيسية الثلاثة في ترتيب الإنتاج البحثي العربي  - مصر37 %  العربية السعودية 20%  والكويت 12 %  ومع هذه الاضاءات تبقى الحصائل أقل  من القليل بكثير ،ومما يعزز نجاح الأمل الجديد توافر الشروط الأساسية والمناخات السليمة لهذه التجربة فالإرادة السياسية مصممة  والكل يأمل استمرارها رغم الصعاب التي ستتعرض لها خاصة من  أعداء الأمة ،والاعتمادات  المالية متوفرة ولتقدير ذلك لنفا رن هنا بين ما رصد ,   وبين إحصائيات المنظمة العالمية اليونسكو التي ذكرت أن الدول العربية مجتمعة خصصت للبحث العلمي في عام2004مايعادل1.7مليار دولار فقط أي ما نسبته0.3% من الناتج القومي المحلي ,  ومما يقوي الأمل بهذه الانطلاقة  سعي المسؤولين عنها لاستكمال نقص الفنيين والمتخصصين بدعوة العلماء العرب  المغتربين،ومن المؤكد أن ظروف عمل العلماء ومكانتهم والإمكانات المرصودة لهم وكذلك الموضوعة تحت تصرفهم  لابد وأنها متوافرة أو ستتوفر بشكل جيد وأمثل،  وما يعزز أيضا مقومات النجاح الجمع ما بين الاهتمامات القطرية وإيجاد الحلول العلمية لها إضافة إلى النظرة القومية تحت عنوان الشراكة البحثية،وفي تقديرنا أن مفهوم الشراكة هذا يعني أول ما يعني تضامن وتضافر الجهود العلمية العربية وتعميم نتائجها على الوطن الكبير بأكمله.

 

     إن البحث العلمي تعريفا يشمل كل جوانب الحياة الاقتصادية والعلمية والثقافية والاجتماعية،والنتائج توظف لحساب المجموع العام،وإجماع المفكرين والباحثين"على أنه الوسيلة للوصول إلى الحقيقة النسبية واكتشاف الظواهر ودرجة الارتباط فيما بينها،وذلك في مختلف مجالات المعرفة،والبحث العلمي لا يقتصر على أسرار المادة والكون المحيط بنا بل يشمل الأحداث اليومية لحياة الإنسان".

 

     وفي إطار التعريف والتطبيق المتوقع اعتبر ما قامت به  - قطر-  صحوة وعودة للروح العربية الأصيلة في قيمها العلمية وتراثها الثقافي الديني والوطني،إذ ما زالت الأقطار العربية بأغلبيتها بل بكليتها تعتبر بيئات طاردة للعلماء بينما تسعى كل الأمم الراغبة في الصعود الحضاري إلى تكوين بيئات جاذبة للعلماء بكل الوسائل اللازمة المادية والمعنوية،وتقرير الأمم المتحدة للتنمية الإنسانية يبين أن25%من المبعوثين للدراسة لا يعودون إلى بلادهم،ومنظمة اليونسكو تعتبر الإنتاجية العلمية في الوطن العربي متدنية جداً لعاملين اثنين هما قصور التشجيع إضافة إلى  قلة الاعتمادات المالية المخصصة فلدى العرب بمجملهم7آلاف باحث كان من المتوقع أن ينتج هؤلاء ما بين8000إلى14000بحثاً سنوياً،إلا أن المنشور فعلا ًبلغ847بحثاً أي بحدود10%من المتوقع،ونسبة الإنفاق الكلي من الناتج المحلي كانت0.31%عام1970ارتفعت إلى0.67%عام1990،وظلت الفجوة على حالها بين الأقطار العربية والدول الأخرى،والاعتمادات متباينة بين قطر وآخر،ففي عام1999رصدت مصر0.4%،والأردن0.33%، والمغرب0.2%، وسوريا ولبنان وتونس والسعودية0.1%من الناتج القومي، وبمقارنة مع الدول الأخرى ففي السويد تبلغ النسبة2.9%،وفي فرنسا2.7%والمقارنة تظهر خللا ًكبيراً بين ما ترصده كل الأقطار العربية وبين ما يرصده العدو الصهيوني فإسرائيل تصل نسبة إنفاقها في هذا المجال إلى4.7%من ناتجها القومي.

 

     لذلك فليس غريباً أن تكشف الخلل نسبة أعداد العلماء والباحثين إلى عدد السكان فالوطن العربي بأتي في نهاية سلم التصنيف والأرقام تشير إلى أن136باحثاً عربياً لكل مليون نسمة،بينما في تركيا300لكل مليون،وجنوب إفريقيا192لكل مليون،والمكسيك217،والبرازيل315،واليابان5آلاف،وروسيا2015،والاتحاد الأوروبي2439،وأمريكا4374،و "إسرائيل " 1395،وفي البلدان التي قطعت أشواطاً متقدمة يسهم القطاع الخاص بنسب عالية في التمويل،ففي اليابان تصل مساهمته الى70%وفي  " إسرائيل  "   52%وإسهام القطاع الخاص العربي يكاد لا يذكر لضآلة مبلغه لذلك بادرت الكويت مؤخراً إلى فرض نسبة على أرباح القطاع الخاص لتغطية جزء من  الاحتياجات التمويلية  ،ورغم الإيجابيات الكبيرة والمتعددة لمراكز الأبحاث التي تشمل أغلب نواحي الحياة الا أن الدراسات أشارت إلى أن مساهمة التقدم العلمي في إنتاجية العمل في الولايات المتحدة الأمريكية تساوي80-90%،والتقدم التكنولوجي مسؤول عن90%من الزيادة في متوسط دخل الفرد الأمريكي خلال الفترة من1900-1960فيما كانت الزيادة في استخدام رأس المال محدودة وبسيطة وتعادل10%فقط.

 

     وفي الواقع العربي ومما يزيد الطين بلة والتقصير الرسمي سعة فبالإضافة إلى العوامل النابذة والتي ذكرناها جاءت الأحداث السياسية لتزيد من هجرة وهروب العلماء ففي الجزائر هاجر عشرات الآلاف من الخبراء بعد الحرب الأهلية التي أعقبت الانتخابات التشريعية في أوائل العقد التاسع من القرن الماضي،ومن العراق هاجر2500أستاذا وعالما بعد الاحتلال هرباً من عمليات القتل التي قامت المخابرات " الإسرائيلية " بنصيب كبير فيها إضافة إلى تشجيع المحتل الأمريكي.

إن أعداء الأمة العربية سيعملون أقصى جهودهم لوأد الأبحاث والباحثين وحتى مجرد فكرة القيام بمثل هذه المشاريع، لذلك فقيامها وتبنيها ذروة من ذرى العمل الوطني.

 

     وأمام هذه البارقة  -  القطرية  -  والتي نتمنى وندعو من قلوبنا أن تستمر وتنجح  ,   نجد وحتى تكتمل وتعطي أفضل ثمارها لابد من أن ترفدها مراكز أبحاث سواء داخل الجامعات أو خارجها في كل أرجاء الوطن العرب شاملة كل فروع التخصص والمعرفة،والنجاح يتأكد أكثر فيما إذا تخصص كل قطر في مجال معين أو أكثر  وجرى تنسيق بين كل الفروع،وذلك ضمن إطار إرادة سياسية واعية مستوعبة لأهمية هذا المنهج ،وزيادة الاعتمادات المرصودة لها،ووسعت لطلائعها وروادها كل الآفاق ليبدعوا ويقدموا أفضل أبحاثهم مؤمنة لهم العيش الكريم اللائق بأمثالهم مفسحة كل المجالات أمام حرياتهم فهم طلائع أمتهم والأمل المعقود عليهم كبير....إن الحرية شرط لازم وضروري وأساسي للإبداع البحثي وخاصة في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، والأحرار دوماً يصنعون معجزات التاريخ مزينة بباقات عطرة يتنسم منها كل أفراد الأمة.

 

     وأخيراً فلقد قرر أمير قطر تخصيص دخل بئر نفطي أطلق عليه اسم بئر المعلومات للأبحاث العلمية.

إنها عودة إلى الأصول وأكرم بها من عودة ولتكن نقطة بدء جديدة تتنافس الأقطار العربية على تقليدها،بل تطويرها والزيادة في شعابها وتفرعاتها لتصبح المنطقة جاذبة لا نابذة للعلماء ففي إحصائية لجامعة الدول العربية ومنظمة العمل العربي تشير إلى أن الوطن العرب يساهم بنسبة 31%من هجرة الكفاءات من الدول النامية منهم50%أطباء،و23%مهندسين،و10%علماء،وتقرير التنمية الإنسانية الدولي لعام2004صنف دولنا بدول الثقب الأسود للحجم الكبير لهجرة عقول أبنائها ،ويشير التقرير إلى أن التأثير السلبي لها على مناحي الحياة الاقتصادية والتربوية والتي بلغ رقم الخسارات الاجتماعية الناجمة عنها بحدود200مليار دولار.

فلنشد الرحال مع الأشقاء القطريين،ليتحول مبلغ الخسارات إلى موازنات البحث بذلك نرضي الله والمجتمع،ونبني أقطارنا في تكامل علمي عربي،ولنتذكر الحكمة التي تقول"الأمة التي تفرط بعقولها تهون على أعدائها".

إنها عودة للروح............