حصلت السلطة الوطنية الفلسطينية، خلال مؤتمر المانحين في باريس، على وعود بتقديم 7,4 مليارات دولار من أجل إنقاذ الاقتصاد الفلسطيني المتداعي، في الوقت الذي بدأت مفاوضات الوضع النهائي مع إسرائيل لإقامة دولة فلسطينية قبل نهاية سنة 2008. وكان الطابع السياسي قد طغى على الاقتصادي خلال المؤتمر، حيث كرّس المشاركون القسط الأكبر من كلماتهم لإعادة إطلاق عملية التسوية، وكان خيط الصراحة بدأ مع خطاب الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الافتتاحي، حين رمى الكرة في الملعبين الفلسطيني والإسرائيلي، فدعا الجانب الفلسطيني إلى " الشروع بالإصلاحات ومواجهة المشكلة الأمنية بتصميم "، وخاطب الإسرائيليين بأنه " حان الوقت لإنهاء الاحتلال الذي بدأ سنة 1967 وتمكين شعب بكامله من استعادة كرامته ".
وهنا لا بد من توضيح الوضع الخاص للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي الذي يختلف، من نواحٍ عديدة، عن النزاعات الدولية السابقة والحالية: هناك احتلال للأراضي الفلسطينية منذ أربعة عقود، ولا تبدي الحكومة الإسرائيلية استعدادا للانسحاب من كامل أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة بما فيها القدس العربية المحتلة عام 1967، وإنما تساوم على إبقاء احتلالها لمساحات واسعة من هذه الأراضي بعد أن أقامت عليها مستوطنات غير شرعية في نظر القانون الدولي.
وبالرغم من ذلك، فإنّ مؤتمر باريس للدول المانحة قدم فرصة واعدة لحقن الاقتصاد الفلسطيني بجرعات إنعاش، هو بحاجة ماسة إليها. ولكنّ هذه الفرصة تتطلب: أولا، الجهد الذاتي الفلسطيني، بدءا من تنفيذ الخطة الثلاثية 2008 - 2010 إلى الشفافية والحكم الرشيد. وثانيا، دور إسرائيل في محو صورتها " جندي أمام حاجز "، لأنّ آخر تقرير إسرائيلي تحدث عن ربع جنود الحواجز ممن شاركوا أو شاهدوا تنكيلا بفلسطيني في حاجز ما. وثالثا، دور الدول والجهات المانحة. وعندها يمكن معرفة حدود الفرصة وحدود التحدي.
وكان الرئيس الفلسطيني قد خاطب المؤتمر قائلا: إذا أردنا إطلاق مفاوضات جادة لإنهاء الصراع، كما قررنا وقرر معنا العالم بأسره، فكيف يمكن أن يستمر طرف أساسي في هذه المعادلة في مواصلة أعمال الاستيطان والتوسع بدون أن يجري مراجعة جادة وجذرية لتلك السياسات. وأكد: إننا نريد بناء دولة حديثة تنهض على أسس الاستقامة والاستدامة، وليس دولة تقوم على الإغاثة والطوارئ والحلول المؤقتة.
ومما لاشك فيه أنّ الدعم الذي حظيت به الخطة الاقتصادية الفلسطينية يعكس دعما دوليا للسلطة الوطنية الفلسطينية وبرنامجها، ليس على صعيد التطوير والتنمية الاقتصادية والاجتماعية فقط، وإنما أيضا على الـمسار السياسي القائم على أساس التمسك بقرارات الشرعية الدولية، والانطلاق منها لحل الصراع بالطرق والوسائل السلمية وضمان قيام الدولة الفلسطينية الـمستقلة.
وكان الرئيس الفرنسي ساركوزي قد افتتح المؤتمر برسم معالم الدولة الفلسطينية قائلا: إنّ هذه الدولة ينبغي أن تكون " مستقلة وديموقراطية وسلمية وشريكا يمكن أن يثق به جيرانه، دولة سيدة، دولة قانون تتمتع بمؤسسات قوية ومستقلة، دولة قابلة للحياة سياسيا واقتصاديا ".
لا بأس في أن يفكر المجتمع الدولي في دعم قيام الدولة الفلسطينية. ولكنّ السؤال هو: هل ستتغلب سياسة إسرائيل الـمتمثلة بـ " الأمن أولا وأخيرا " على السياسة الدولية التي تدمج الحل السياسي والتنمية الاقتصادية والأمن في بوتقة واحدة.
من أجل تحقيق ذلك يجب أن يكون هناك التزام جدي من قبل السلطة الوطنية الفلسطينية وإسرائيل، بالإضافة إلى المتجمع الدولي، لخلق ظروف مواتية على الأرض لقيام الدولة الفلسطينية. إنّ الجانب الفلسطيني عليه فرض الأمن والقانون في الأراضي الفلسطينية المحتلة، الموحدة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وإنشاء نظام حكومي رشيد له مؤسسات ذات جدوى تساعد الفلسطينيين، ولها تأثيرات إيجابية في المحيط. أما إسرائيل فعليها أن تزيل الحواجز والعراقيل أمام حركة التنقل الفلسطينية، وتوقف الاستيطان نهائيا، وتزيل المستوطنات غير الشرعية. وعلى المجتمع الدولي الاستمرار في دعم السلطة الفلسطينية بشكل مرن، وتعزيز التنسيق بين المانحين، وذلك لتركيز مساعداتها على دعم التغيير الفلسطيني.
فهل سيتحول الدعم الذي تعهد به مؤتمر باريس إلى تعزيز الانفصال الفلسطيني عن الاحتلال، وتراجع الاستيطان وصولا إلى النهاية السعيدة: الاستقلال ؟ وهل يتجه الدعم لبناء مقومات الدولة الفلسطينية حقا ؟ هذا هو الـمعيار الحاسم لمعرفة حدود الفرصة وحدود التحدي.
فإذا كانت الوعود كبيرة للسنوات الثلاث القادمة، وإذا كان المجتمع الدولي متفقا على ضرورة إقامة دولة فلسطينية، فإنّ الذي ينقص ويتطلب المتابعة هو الضغط على إسرائيل لتبدأ بتخفيف عقباتها وتعقيداتها لحياة الفلسطينيين، حتى يحس المواطن الفلسطيني، بعد مؤتمري أنابوليس وباريس، أنّ الأمر جدي هذه المرة، وأنّ هناك تحركا ملموسا وواقعيا وليس مجرد أقوال وتصريحات، وإذا لم يشعر الفلسطينيون عمليا بالذي يسمعون عنه ستعود المنطقة كلها إلى مربع الصفر، وهو ما لا يتمناه أحد عاقل، وفي المقدمة الشعب الفلسطيني التواق للسلام والعدل والحرية والاستقلال.
تونس في 23/12/2007 الدكتور عبدالله تركماني
كاتب وباحث سوري مقيم في تونس
(*) – نُشرت في صحيفة " الوقت " البحرينية – 27/12/2007.


