أصبح واضحا اليوم أن انتظار تدخل الخارج لإيقاف حملة النظام على المعارضة السورية بلا معنى و أن المعارضة السورية قد تركت فعلا , كما وصفها غسان المفلح , يتيمة على مائدة اللئام..في الحقيقة هناك اعتراف صريح غالبا أن تحركات المعارضة و خطابها أساسا موجهان إلى الخارج بهدف انتزاع شيء من الشرعية من المجتمع الدولي أو حتى الإقليمي , كما قال الأستاذ المفلح في تعليقه نفسه , اعتمادا على توتر علاقة النظام مع المراكز الفاعلة في هذين النظامين بغض النظر عن النجاح الذي تحقق في هذا الصدد..أنا هنا أريد أن أشير إلى حقيقة أخرى تغيب عن أغلبنا المشغول بالجدل عن الخارج و هو أن الشارع السوري , و إن بصوت خفيض , قد رفض الاعتقالات الأخيرة و رفض تبرير النظام لها حتى مع كونه هدفا أساسيا لماكينة إعلام النظام التخوينية , هذا في الحقيقة هو المصدر الأساسي للشرعية التي علينا اليوم أن نعول عليها بل إنها المصدر الحقيقي لتجريد النظام من "شرعيته"..في الحقيقة ليس فقط الصفة النخبوية للمعارضة هي التي تبعدها نسبيا عن الشارع بل خيار القسم الأساسي في هذه المعارضة نفسها الذي يتمحور حول "تغيير سياسي الطابع" في شكل النظام السياسي القائم و الذي رغم الإحساس العالي للمواطن السوري اليوم بأهميته و إلحاحه فإنه لا يستوعب حتى أولويات هذا المواطن و التي في مقدمتها بدون شك وضعه المعيشي المتدهور و الأزمات الخانقة التي يلقيه النظام في أتونها..إن هناك فرصة هامة وفرها الرد العنيف للنظام على محاولة تطوير إعلان دمشق إلى حالة أكثر تقدما على الصعيد التنظيمي و هي الدفع بشرعية هذا النظام للمزيد من التآكل أمام المواطن السوري العادي , و الالتفات إلى واقع الجماهير و ليس فقط واقع النظام و توجيه الجزء الأساسي من خطاب المعارضة إلى هذه الجماهير تحديدا , الحديث عن أزماتها و الأسباب المرتبطة بسياسات و فساد النظام و مشاريع الحل الممكنة التي أزعم أنها تقوم أساسا على تغيير النظام باتجاه بديل ديمقراطي تعددي و سائل النضال المطلوبة لإنجاز هذا التغيير..من المؤسف بل من المأساوي أن دعوة قسم عريض من المعارضة إلى التغيير الديمقراطي لا تلق بالا إلى الجماهير نفسها , لا يمكن لأحد هنا أن يزعم أن الجماهير السورية قادرة في الغد على إنجاز التغيير لكن قدرتها على فرض التغيير و توجيهه أكبر بكثير مما يعتقد الكثيرون و لو لم يكن الأمر كذلك لما احتفظ النظام بكل هذه الأجهزة المخابراتية التي تحصي على الناس كل حركاتها و القضية أولا و قبل كل شيء أن التغيير يخص هذه الجماهير و ليس فقط النخبة التي تعتبر نفسها لسبب طبيعي مخولة بالتصرف و التفكير و الحديث نيابة عن هذه الجماهير فالقضية ليست فقط بتحرير النخبة وحدها من ظل النظام الأسود بل في تحرير الناس العاديين , العشرين مليون سوري من تهميشهم السياسي و الاقتصادي على يد النظام..شاهدنا الجماهير تتحول من السلبية و الخضوع لسطوة أنظمة قمعية إلى حالة نشيطة من الفعل و الاحتجاج حتى درجة التضحية بالنفس في سبيل تغيير حياتها إلى الأفضل و إسقاط نير الديكتاتوريات في فترة قصيرة بعد فترة طويلة من الإعداد المضني و من تآكل هيبة و شرعية النظام و قدرته على التحكم بحركتها , إن التغيير من أسفل هو التغيير الجدير بأن ينقل بلادنا من الاستبداد و الديكتاتورية إلى فضاءات الحرية , بهذا المعنى فالنظام هو الضعيف و الشعب هو القوي لكن الذي لم يتمكن بعد من اكتشاف قوته تلك.....

بين الحرية التي يتحدث عنها بوش و وطنية النظام السوري...

أعادت رايس صياغة السياسة الخارجية الأمريكية بالأمس مؤكدة "استعداد" بلادها للتوافق مع أية دولة تستجيب لشروط بلادها في مقابل التهديد باستخدام القوة لتحقيق أهدافها "الكبيرة"..يمكن ببساطة استبدال اسم رايس بأي مسؤول سوري كبير و أسماء الدول المارقة بأسماء المعارضين السوريين الذين كان بعضهم ضحية رغبة النظام السوري باستعراض قوته مؤخرا..من قال أن حرية الإنسان و المجتمع السوريين تخص عصابة إجرامية من القتلة و الأفاقين مثل عصابة جورج بوش التي تريد أن تحكم العالم بالحديد و النار و من قال أن الوطنية في سوريا تعني الخضوع لعصابة بشار الأسد و الأربعين حرامي التي تحكم سوريا اليوم بالسياط..من قال أنه على السوريين أن يكونوا عبيدا لجورج بوش و شركات النهب الأمريكية أو لبشار الأسد و مجموعته من الفاسدين و قادة أجهزة القمع..من قال أننا نطالب بالحرية ليعيث قتلة المارينز في شوارعنا أو بحرية وطننا لتستمر عصابة بشار الأسد بسرقة عرقنا و تعبنا..من يمتلك الجرأة ليدعي أن حرية السوريين تعني مجرما ينطق بلسان الطغمة الحاكمة في العالم المسؤولة عن الجوع و الفقر و الحروب في كل مكان في سبيل الذهب و النفط مثل جورج بوش و من يمتلك ما يكفي من نفس الوقاحة ليتحدث عن طغمة بشار الأسد كممثلة عن الوطنية السورية و هي التي أهانت و سرقت و أفقرت السوريين العاديين..هناك طرف واحد فقط هو المقصود بأي حديث عن الحرية أو الوطنية هم الناس , السوريون الذين هم أساس أية حرية أو وطنية يمكن الحديث عنها..لا يتمتع جورج بوش بسمعة طيبة كداعية إلى الحرية لا في سوريا و لا في منطقتنا و لا في العالم..إننا كسوريين لسنا بحاجة لدروس بوش في الحرية تماما كما لا نحتاج لدروس بشار الأسد في الوطنية..و لهذا بالتحديد لا نفهم عن أية حرية يتحدث هذا البوش عندما يذكر جزءا صغيرا من المزرعة الكبيرة التي يعتبرها مرتعا لكبرى الاحتكارات الأمريكية ألا و هي ذلك الجزء الصغير سوريا من المزرعة الكل التي اسمها الكرة الأرضية و لا عن أي وطن يتحدث هذا البشار عندما يتحدث عما يعتبره مزرعة خاصة به اسمها سوريا...