بالإضافة إلي الجنسية والانتماء، تعني المواطنة إمكانية تدخل
المواطن في اقتراح وصياغة القرار، وفي تدبير وتسيير كل من
الشأنين المحلي والعام، كما في تقاسم السلطة وتداولها والرقابة
عليها، وذلك بمساواة في الحقوق و المسؤوليات مع المواطنين
الآخرين.
وكما هو الحال بخصوص المواطن ، إن المواطنة بعبارة أخري ليست
مجرد صفة لوضعية تطلق فيها النصوص القانونية لدولة ما تسميه
مواطنين علي الأفراد الذين يحملون جنسيتها وتوحد بينهم مجموعة
من القواسم المشتركة.إنها، فوق ذلك، عملية المشاركة النشيطة
والعادلة لهؤلاء المواطنين في الحياة السياسية لجماعتهم
ودولتهم. وإنها، أيضا، نوع الفعل الذي يجسد هذه المشاركة.
ولأنها كذلك، فهي والديمقراطية تكونان في هذا الصدد بمثابة
وجهين لنفس العملة، كل منهما تقر في نوع من التماهي بعبق
الأخري وتمنحها حقيقتها.
في القديم، في ديمقراطية أثينا، كان كل مواطن كما يقول برتراند
راسل يشعر بأن له أهميته التي يحسب لها حساب ، وكان مواطنوه،
المصوتون والموظفون التنفيذيون المنتخبون وغيرهم بمن فيهم
الذين يتم إسقاطهم، يعترفون له بهذه الأهمية. غير أن
الديمقراطية، سواء بمعناها الكلاسيكي حكم الشعب للشعب بالشعب
أو بتعريفها الحديث حكم الشعب للشعب بواسطة ممثليه ، يمكن أن
تكون اليوم في عديد من دول العالم الثالث التي تدعيها أي شيء
آخر شكلي إلا أن تبلغ درجة التطابق الفعلي مع مبادئ
الديمقراطية وخاصياتها ومقتضياتها ومنهجيتها. أما السبب فبسيط
يتلخص في أن الديمقراطية إما أن تكون نظام أمة تتكون من جماعة
المواطنين الذين يحسب لأهميتهم حساب أو لا تكون. كيف ذلك؟
كما أن المواطنة لا تشكل مبدأ من مبادئ جميع الأنظمة السياسية
القائمة في العالم، فإنها لا تحظي بنفس التثمين لدي جميع هذه
الأنظمة. ويمثل التفسير الذي يعطي للسيادة واحدا من المعايير
التي تعكس مدي القبول أولا ثم مدي الالتزام ثانيا بإعمال هذا
المبدأ.
فالسيادة، كمقابل لمفهوم souverainetژ، هي مصطلح سياسي حديث
تفرع في أصله اللاتيني القديم عن كلمة superus، أي الأعلي.
واشتق في اللغة العربية من فعل سود (ساد، سودد) ليدل علي من له
المكانة الأرفع والأشرف. وهو في كلتا الحالتين كان يحمل خلال
العصور الوسطي محتوي لاهوتيا يحيل علي الله الذي له القوة
العليا (السيادة) علي كافة الخلق.
ولأن الناس هم الذين يتدبرون اجتماعهم الإنساني فوق الأرض،
انتقل موطن السيادة مع التحولات الفكرية والسياسية الحداثية
التي رافقت النهضة الأوروبية إلي الملك ثم إلي الدولة، كما
انتقل مصدرها، بما يعنيه من سلطات، إلي الشعب. وهكذا فالبلدان
التي اختارت أن تكون السيادة فيها للأمة، أي اختارت شرعية
الشعب وإرادته عن غيرها من الشرعيات، هي التي استوت فيها
الديمقراطية وشكلت المواطنة بمبادئها وقيمها الإنسانية الراقية
جهازها العصبي الذي يقدر المواطنين علي الاعتراف باختلافاتهم
واحترامها وعلي إدراك أن الدولة للجميع والحكومة للتناوب. أما
البلدان التي لم تتح فيها للمواطنين فرصة الاختيار، أو واصل
مواطنوها يتحملون علي مضض فقدانهم للحق في السيادة وفي تفويضها
بناء علي كامل إرادتهم وحريتهم، واستمرت الأجهزة القمعية
والإيديولوجية لأنظمتها السياسية تتمسك بالسلطة الشخصية لفرد
أو لأقلية من الأفراد وتبررها بكل المسوغات غير العقلية، هي
بلدان بعض سلطاتها يغيب مبدأ المواطنة تماما عن مفرداتها،
وبعضها تربط بينه وبين المعارضة والمجتمع المدني، وبعضها
الأخري توظفه كحصة مضبوطة من الحقوق غالبا ما تختزله في فعل
التصويت في الانتخابات والاستفتاءات.
لكن، وبالنظر إلي أن الانتخابات والاستفتاءات هي، مع ذلك، شكل
من أشكال المشاركة التي تعكس سيادة الشعب وتعبر في نفس الآن عن
المواطنة، فإن البند الثالث من المادة 21 من الإعلان العالمي
لحقوق الإنسان يؤكد علي أن تكون نزيهة تجري دوريا بالاقتراع
العام وعلي قدم المساواة بين الناخبين وبالتصويت السري أو
بإجراء مكافئ من حيث ضمان حرية التصويت ، كما يؤكد في البندين
الأول والثاني من نفس المادة علي حق المواطن في المشاركة
المتساوية في تقلد الوظائف العامة لبلده وكذا في إدارة الشؤون
العامة للبلد إما مباشرة وإما بواسطة ممثلين يختارون بحرية.
وذلك علما بأن هذه المشاركة لا تتوقف عند حدود التسجيل في
القوائم الانتخابية والتصويت، بل تتعداها إلي التساؤل حول
كفاءة النظام الانتخابي السائد وطرقه وأساليبه وأشكاله مقارنة
مع غيره وبناء علي الحاجات الفعلية التي راكمها المسار
الديمقراطي، وحول كفاءة السياسات الجارية والعلاقة المؤسسية
وغيرها التي تربط بين المواطن والسلطة. أما الاكتفاء بالإشارة
في كل مرة، كما يحدث في المغرب وغيره من بلدان، إلي أن
الانتخابات هي في حد ذاتها تشكل مدرسة للمشاركة المواطنية،
وذلك مهما طبعها ويطبعها من تحصيص مسبق ويواكبها من عرقلة
للحرية في الحركة والتعبير ويشوبها من شطط وغش وتدليس ورشوة و
عنف وتزوير لوثائقها ونتائجها، فتتجلي خطورته في كونه يجرد
العمليات الانتخابية من دورها الأساسي في الكشف عن درجة ارتباط
شعب بقيم المواطنة الضرورية للديمقراطية، الأمر الذي يسبغ
الشرعية، بفعل التكرار المتواتر، علي تلك العيوب والانتهاكات
ويرتد سلبا علي مجريات العمليات الموالية ويولد المزيد من
الشكوك حولها وحول جدواها وجدوي المشاركة فيها.
ہ كاتب وباحث من المغرب


