منذ البدايات الأولى لانطلاقة " عملية السلام " في مدريد اقترف الفلسطينيون والعرب الخطيئة الأولى التي لا تغتفر والمتمثلة بموافقتهم على فلسفة المسارات التفاوضية، فوقع الجميع في شر الحبائل الإسرائيلية. 

  وقد انتهج الفلسطينيون إلى جانب نظرية المسارية نظرية المرحلية، فمرحلوا في أوسلو الملفات والقضايا والحقوق وجدولوها زمنياً مع جهة لا تعترف بمواعيد مقدسة وليس لديها شيء مقدس. 

    والسياسة التي انتهجت المسارية فتعددية القنوات، فمرحلة الاتفاقيات والملفات التي احتاجت لاحقاً إلى إعادة مرحلة أخرى، لم تتمحض عملياً إلا عن تكريس الاحتلال وتقزيم واختزال القضايا والحقوق الفلسطينية،  فضلاً عن أن آفاقها النهائية ضبابية ملغومة

    في مقابل هذه الفلسفة التفاوضية الفلسطينية المسارية القنواتية المرحلية، انتهجت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة سياسة تفكيكية في المفاوضات مع الفلسطينيين. 

   " ففي كل مرحلة أو محطة تفاوضية "يغني" المفاوض الفلسطيني "موال" مطالبه واستحقاقاته واشتراطاته "كاملاً ومرة واحدة" ليأتي دور إسرائيل لتفكك "النص" الفلسطيني إلى "جزيئات " حيثية وتعيده إلى المفاوض الفلسطيني لإعادة تركيبه وخلقه من جديد، بعد أن تكون قد أخرجته عن سياقه التاريخي والسياسي الشامل، وعندما يقبل المفاوض الفلسطيني بإحدى الجزيئات لاعتقاده أن ذلك ربما يساعده في إعادة تركيبه للنص، تتكرر الحكاية و "يغني" الفلسطيني مطالبه بالنسبة  للجزء مرة واحدة، ليكتشف أن جزء النص الذي قبل به هو نص جديد، وهو قابل بدوره للتشظي والتفتت إلى جزيئات أصغر، فيصبح همه إعادة تركيب "الجزيئات" إلى "جزء النص"، من غير أن يدرك أن جزيئات الجزء هي نصوص جديدة تقبل بالطريقة ذاتها بالتجزؤ من جديد، حيث ربما تولد في النهاية نصوصاً غريبة لا تتطابق مع النص الأم.

     لقد حققت "إسرائيل" ولا تزال، انجازات خطيرة من خلال سياستها التفكيكية هذه، لم تكن لتحلم بها في يوم من أيام وجودها، فقد شظت النص الفلسطيني عن سياقه التاريخي والثقافي العربي والإسلامي، وشظت النص نفسه إلى "نصي" الديمغرافيا والجغرافيا، وتفكك "النص" الديمغرافي إلى "الداخل" و "الخارج" من جهة وإلى أجزاء في "داخل الداخل" من جهة أخرى : ضفاوي وغزاوي وحماسي وأوسلوي وألفي (ساكن منطقة أ) وبيبي (نسبة إلى منطقة ب) وجيجي (منطقة ج) وجينقصي (ج ناقص) على الطريق، وتفكك "نص" الجغرافيا بطريقة تمحى فيها تدريجياً حدود النص الأصلي، فالمسألة لا تنحصر فقط في تقسيم الأراضي المحتلة إلى مناطق "أ" و "ب" و "ج" كما حصل، بل أيضاً في انقسام كل جزء من هذه المناطق إلى "أجزاء" تحت مسميات مختلفة، لدرجة أصبحت معها صورة خريطة المناطق المحتلة (نص الجغرافيا) أشبه بصورة جلد النمر.

وحققت إسرائيل أيضاً هدف المماطلة والالتفاف على قضايا المفاوضات الجوهرية، ومكنتها في الوقت نفسه (وربما هذا هو الأهم) من الاستحواذ على موقع "الهجوم" التفاوضي في جميع مفاوضاتها مع الطرف الفلسطيني، فعلى الرغم من اعتقاد الطرف الفلسطيني بأنه قدم كل ما عنده من تنازلات لإنجاح عملية السلام وأنه قد قرأ "نصه" وفقاً لمعايير الشرعية الدولية والأمريكية، إلا أن إسرائيل تجره من خلال سياستها التفكيكية إلى تقديم تنازلات إضافية لم تكن تخطر على باله في كل "جزئية" من أجزاء النص وهو بالتالي يجد نفسه في طل مرة في موقع "الدفاع" لإعادة تركيب الجزء في السياق الجزئي للنص.

     وبما أن المفاوض الفلسطيني قد حرم نفسه أصلاً من مقومات الهجوم التفاوضي عندما سمح في أوسلو بتشظي " النص " وفي إطار معادلة توازن القوى داخل غرف المفاوضات فإن " الدفاع " الفلسطيني سيبقى هشاً وهشاً للغاية وسيقاس نجاحه في أحسن الأحوال بطول فترة صمودهم في التمسك " بالجزء " قبل أن يبدأ هذا الجزء بالتفكك من جديد عن صحيفةالأيام الفلسطينية".

     جرب الفلسطينيون وخبروا جدياً هذه السياسة التفكيكية الإسرائيلية للثوابت والنصوص الفلسطينية، غير أنهم مع بالغ الأسف يواصلون المفاوضات الى ما قبيل انابوليس والى ما بعده وفق المؤشرات، وكأن شيئاً لم يحدث، يرفضون ويحردون ويمتنعون ثم يعودون ويوافقون على النصوص الإسرائيلية الجديدة، وهكذا كانت التجربة التفاوضية الماضية من أوسلو 1- إلى أوسلو 2- إلى الواي إلى الخليل إلى شرم الشيخ فالقاهرة فالكامب فطابا فانابوليس الخ ؟!

     وهكذا تتواصل الفلسفة التفاوضية الفلسطينية...!

     ليتبين لنا اننا أمامنا طريق مسدود  ومفاوضات عقيمة متأزمة تتنفس تحت الماء، وخيبات أمل فلسطينية وعربية متلاحقة، وحسابات فلسطينية مرتبكة حتى الآن، لم تتطابق فيها أبداً حسابات الحقل مع حسابات البيدر،الأمر الذي يبقي الملفات مفتوحة على كافة الاحتمالات بما فيها الاحتمال المرعب المتعلق بمواجهات عنيفة واسعة النطاق محتملة، قد تعقب جولات المفاوضات القريبة حتى نهاية ال2008  وهو التاريخ الذي حددته الاطراف المشاركة في انابوليس للتوصل الى تسوية...!.

* nawafzaru@yahoo.com