التحية التي وجهها الرئيس الأمريكي جورج بوش الى المعارضة السورية لا يمكن النظر إليها ببراءة تامة، وهي لا تدخل حتما في سياق دعم الديمقراطية وانجاز التغيير الوطني الديمقراطي، فما كان الرئيس الأمريكي ومعه الإدارات الأمريكية المتعاقبة وخصوصا أولئك المحافظون الجدد يوما مع الديمقراطية وتحديدا في وطننا العربي، بل دعم باستمرار ولا يزال يدعم الأنظمة الاستبدادية وعارض بقوة نتائج الديمقراطية عندما لم تصبّ في صالح السياسات الأمريكية وهي حتما تصب في غير مجرى تلك المصالح، ولعل الاحتلال الأمريكي للعراق والدعم الأمريكي المطلق للاحتلال الصهيوني يبرز صورة وحقيقة الموقف الأمريكي من الديمقراطية.

إن هذه التحية لا تقوي ولا تساعد التيار الوطني الديمقراطي ولا هي تعمل على إحداث تغييرات في السياسة الداخلية السورية، بل هي تأتي ضمن سياسة الابتزاز المترافق مع صفقات مطلوبة لتغيير سياسات النظام السوري الخارجية وتحديدا السياسات المتعلقة بما يسمى بالمسيرة السلمية والطموحات الإقليمية للقيادة السورية، وهي ليست موضوع الخلاف الرئيسي بين قوى المعارضة الديمقراطية وبين السلطة الحاكمة في سورية، بل قد يكون الخلاف حولها بالاتجاه المعاكس حيث أن تيارا عريضا من المعارضة الديمقراطية السورية يرى أن المطلوب تعزيز نهج مقاومة المشروع الأمريكي – الصهيوني وتصليبه وإخراجه من دائرة الصفقات والمساومات.

إن خطورة هذه التحية أو القبول بها هو فتح الطريق أمام التسابق على نيل الرضى الأمريكي بين بعض من في السلطة وبعض من في المعارضة على حساب القضايا الوطنية والقومية والأمن القومي العربي.

وهي سياسة تساعد عليها عمليات قمع المعارضين وتوسيع حملات الاعتقال والاستدعاءات ويعززها ذلك النهج الذي يسدّ المنافذ أمام تغيير وطني ديمقراطي سلمي وتلك السياسة الاقتصادية التي تساعد على تفاقم سوء الواقع المعاشي لكتلة واسعة من المواطنين وتنامي وتغوّل قوى الفساد والاستغلال...

إن وعي خطورة هذه التحية والمرامي التي تهدفها وما يمكن أن تحدثه في صفوف المعارضة ذاتها، وما يمكن أن تساهم فيه من إعطاء تبريرات غير صحيحة لعملية القمع ومحاربة الرأي الآخر يصبح أكثر من ضرورة في هذه الأوقات الصعبة التي تمر على الوطن وعلى مجمل الحراك الوطني الديمقراطي، والطريق السليمة لتجاوز مخاطرها يتركز على:

1)  ضرورة إيقاف النهج الأمني في حلّ الأزمات الداخلية وإحداث انعطاف ديمقراطي جدي يبدأ من إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين وخصوصا الذين جرى اعتقالهم على خلفية مطلب التغيير الديمقراطي، وإجراء حوار وطني واسع لمحاصرة بؤر التوتر الداخلية.

2)  القطع الجماعي مع المشروع الأمريكي – الصهيوني، والابتعاد عن سياسة الصفقات واحناء الرأس وتقديم التنازلات لهذا المشروع من قبل الجميع وتحديد سياسة واضحة لمواجهة ومقاومة هذا المشروع والبحث عن توافق وطني حول السياسات الخارجية بما يخدم المصالح الوطنية العليا، وعدم الرهان على أية مواقف من قبل الإدارات الأمريكية ومن يجري في فلكها، والخروج من دائرة وهم إمكانية توظيفها في خدمة المصالح الوطنية أو التغيير الديمقراطي.

3)  تعميق السلم الأهلي عبر سياسة اقتصادية تأخذ بعين الاعتبار مصالح الطبقات العريضة من المجتمع وترفع شبح وحدّة العوز الذي أصاب قطاعات واسعة من المواطنين وتكافح سياسة الفساد وتحدّ من تفاقمه.

وإذا كانت الإدارة الأمريكية معنية فعلا بانجاز تحولات ديمقراطية في سورية أو في غيرها وهي حتما غير ذلك، فان الطريق الى هذا الهدف يأتي من خلال سحب قواتها من العراق والمحافظة على وحدته وعروبته، والتراجع عن دعم الإرهاب الصهيوني، وسحب قواتها وقواعدها من المنطقة ورفع أياديها عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، وقبل ذلك تبقى تلك التحية مردودة وغير مقبولة من الرجال الشجعان الذين يناضلون ضد الاستبداد والفساد وضد الاحتلال والهيمنة التي يمارسها التحالف الصهيوني – الأمريكي.