يقولون بأن الفساد ظاهرة متفشية في العالم الثالث لا تكاد تبارحه حتى تبدأ من جديد وبعنفوان أكبر من سابقه، وتاريخ المنطقة العربية ربما كان أو هكذا أعتقد المسرح الأوسع للفساد الإداري والمالي والسياسي والنفاق الاجتماعي والثوري وحتى الاكاديمي والمهني. 

وإذا ما أردنا تحليل الظاهرة فربما نستنتج بان للفساد جذور مرتبطة بالعادة الاجتماعية في عالمنا العربي المثقل بالعادات والتقاليد لا سيما البالية منها، وبعضها ارتقى إلى درجة التشريعات الدينية والمدنية، وتأثيراتها ودرجة التقيد ربما تأخذ الحيز الاكبر في سلوكنا وممارساتنا اليومية. 

ويعتقد البعض بان الفساد سمة ملاصقة للوطن العربي وعلى كافة المستويات والصعد، وما يهمنا هنا هو الفساد الاحمر، فمن المتوقع ان يكون الثوريون الحمر (اليساريون) الاكثر انضباطا والاكثر مصداقية وشفافية بالاستناد الى التنظيرات الثورية التي يسوقونها في كل مناسبة وحديث. ومن المؤكد ان الحديث هنا لا يعني الجميع من الثوريين الحمر. فكثيرون رحلوا وقدموا دمائهم وآلمتهم أصفاد السجان في الاكياس الحجرية وبقوا صامدين لم تفتنهم الاموال والمناصب وبقوا اوفياء للفكر الذي حملوه وآمنوا به، واذا ما اردنا تقريب الصورة اكثر لنطل عبرها على اليسار الفلسطيني الذي حجز مساحة له على الساحة الفلسطينية السياسية والاجتماعية  التي باتت مقسمة بين اليمين والوسط والمطبعين دون ان يمارس دوره فيها بشكل فعال فاننا نلحظ بان هذا اليسار اليوم بحاجة الى عملية غربلة لاسقاط العوالق التي إما هي كانت بالاساس منحرفة او انحرفت فيما بعد وشدتها الاغواءات والمناصب والمصالح المتقاطعة مع آخرين كانوا بالامس يوصمون من قبلهم بالمفرطين والفسدة.

وللحق والتاريخ فان كثيرين من مناضلي اليسار الفلسطيني المقاتل  مضوا تاركين ورائهم مآثر صمود واعتزاز يفخر بها الشعب الفلسطيني واحرار العالم والقائمة طويلة. يساريون ثوريون آخرون وصل بهم الحال وتقدم العمر وحالة الحراك السياسي داخل الاطر التنظيمية التي كانوا يقودونها او ينتمون اليها الى خروجهم من دائرة العمل والفعل المباشر فيها ولكنهم بقوا اوفياء لما آمنوا به وناضلوا من اجله دون ان يبدلوا تبديلا لا في مواقفهم ولم تسلب لبهم لا الاموال ولا المناصب وما يمكن ان يجنوه من مماشاتهم للواقع السياسي الفلسطيني الراهن. بقوا مبدئيين رغم تعاور الالم والامل معا في كوامنهم لان اليسار الفلسطيني ليس بعاقر وان كان هنالك آخرون وهم ليسوا بقلة انحرفوا ولكن ما يميز هؤلاء انهم لا زالوا يتاجرون بالقيم والمباديء الحقيقية في تبرير انزلاقاتهم. ليس هذا وحسب بل ويعطون انفسهم الحق في تقييم الاخرين ونعتهم اما بالتحجر او حتى يصفونهم بغياب الديناميكية في فكرهم وانجازاتهم او حتى يتجرا بعضهم لوصف هذا بالبخل الاقتصادي وذاك باستثمار نضالاته ورصيده المقاوم في الهجوم على المنحرفين بدون وجه حق. 

ما يهمنا هنا اولئك الذين اثقلوا اليسار الفلسطيني بالفساد فشقوا قواهم التنظيمية لا لشيء الا ليكونوا قادة " لفسائل" لا ادري حجمها الحقيقي على الساحة النضالية ولا رصيدها في المقاومة التي جاوزت العقود الاربعة. لدرجة ان بعضهم يفتتح دكاكين فصائلية ويسعى لتجنيد اتباع بعرض مناصب على الاخرين تصل لدرجة العضوية في اللجنة المركزية أو المكتب السياسي في فصائلهم التي يتزايد عددها يوما بعد اخر.

 ولكن الاخطر فسادا الى جانب من تقدم ذكرهم والذين تسيطر عليهم افكار جنون العظمة والبحث عن دور في المسيرة الفلسطينية من يدعون بانهم مثقفون واكاديميون لا يشق لهم غبار، فهؤلاء اما تنكروا لفصائلهم وباتوا لا يكلون ولا يملون من العمل ليل نهار لشطب هذه الحقبة من حياتهم رغم ان فصائلهم لم تتخلى عنهم في يوم من الايام. وربما يكون دافع هؤلاء دخولهم في حسابات اقتصادية وجدوا بها انفسهم وكما يقولون كمن خرج من المولد بلا حمص، وهؤلاء اما اتجهوا يمينا او انحازوا لخيارات لم تكن يوما تصنف حتى لديهم بانها نظيفة او امينة على الوطن والمواطن فاستوظفوا لدى هذا او ذاك او باتوا من دعاة التعايش مع المحتل "مطبعين" دروا ام لم يدروا.

الخطر والفساد الاحمر  الذي يشكله هؤلاء عظيم جدا. فهم اليوم مرهنون باجندة من يشغلهم من الفلسطينيين الذين كانوا بالامس الخطر المحدق بقضيتنا الوطنية حسب ما كانوا يقولون دون ان يفكروا بانهم ارتموا في الحضن الامريكي كونه الممول لاتشطة المنظمات والمؤسسات التي يعملون بها بقصد التكسب حتى لو اضطروا للدوس على القيم والمثل التي لطالما نظروا لها.

أن تعمل في مؤسسة تمول من الامريكي الامبريالي فهذا يعني احتكامك الى شروطه واجندته وان لم تكن انت عزيزي المثقف من وقع الاتفاق. وبالتالي ممنوع عليك تصنيف الاخرين ويجب عليك الكف عن الدس في غير مناسبة ضد هذا الملتزم او ذاك الذي لا زال نظيف اليد والفكر. كما انه من العار على الفاسد الاحمر تخريب الاخرين بجرهم الى المستنقع الذي غاص فيه بالقول لفتى ندي هذا الرجل سيوفر لك العمل ولن يتركك تتوه في دهاليز الحياة. 

ومن العجب العجاب ان من وقع في براثن الفساد المالي والفكري من الحمر الثوريين قيامهم  بالإشادة بأعلام فلسطينية في العلن بينما كان هؤلاء ممددين على طاولة التشريح والتشريج في الدوائر المغلقة. اوحتى ابعد من ذلك فمن تحولوا اليوم في نظرهم الى حماة للوطن وامناء على القضية في احاديث المنزلقين في آتون الفساد كانوا بالامس عندما لم تكن هنالك جوامع اقتصادية ومنفعية يشكلون الوبال على المستقبل الفلسطيني. وعليه فان من سبقت صفاته من الفاسدين الحمر لا يجوز ولا يجاز لهم أن يتراقصوا على الحبال السياسية والمنفعية حتى وان كانوا يرون بانفسهم عظاما في الفكر والنضال والادب لان الآخرين ربما لا يرونهم كذلك.

ومن هول المشهد أن هؤلاء يكونون أكثر حدة في كيل التهم بالعجز والتقصير للأوفياء والأمناء وربما يمكن القول في عجالة بأنهم يتبارون مع الفاسدين أصلا من الأطياف الأخرى كي يثبتوا جدارتهم وولائهم للسيد الجديد فانزلاق الأحمر في وحل الفساد اشد مضاضة من فساد الالوان الأخرى.