المقاطعة هي عملية تحول المُنتج والمستهلك والمستورد من التعامل مع سلعة (سلع) او خدمة (خدمات) لدولة (دول) تعمل ضد المصالح العليا للوطن او ضد اهداف المجتمع وقضاياة الاستراتيجية. لذلك تقوم الدول والشعوب بالمقاطعة عندما تشعر ان اهدافها الوطنية والقومية فى موضع تهديد.
وتعتبر المقاطعة أسلوبا نموذجياً كأحد أوجه المواجهة والمقاومة المشروعة ضد الاحتلال كي تنال الشعوب حريتها واستقلالها. المقاطعة الاقتصادية بمفهومها العام تعني، إيقاف التبادل السلعي والخدماتي بشكل كلي أو جزئي مع الطرف المراد مقاطعته بما يخدم مصالح وأهداف الطرف الداعي للمقاطعة، ويشمل التعامل الاقتصادي والخدماتي بكافة أشكاله أي وقف التبادل السلعي والخدماتي مع الطرف المطلوب مقاطعته وخاصة في أوقات الأزمات بهدف التأثير عليه سياسياً أو أضعافه عسكرياً واقتصادياً، وغالباً ما يتم اتخاذ قرار مقاطعة طرف أو أكثر في حالة وقوع الأزمات السياسية أو حتى الحروب أو الاختلافات العقائدية بهدف إحداث الضغط والتأثير على الطرف الآخر بما يخدم المصالح العليا العامة وليس مصالح بعض الأفراد الذاتية.
والمقاطعة جزء مما يعرف بالمقاومة اللاعنفية، وتعتبر من أفضل صور مقاومة الشعوب للمحتلين من خلال حقهم في الامتناع عن شراء منتجاته من جهة وتنشيط التعامل مع المنتجات الوطنية من جهة أخرى واعتبار هذا واجب وطني وأخلاقي يجب تحقيقه شعبيا ورسمياً.
وقد شهد التاريخ الفلسطيني احد اهم صور المقاطعة بالتاريخ الحديث (إضراب عام 1936) الذي قام بتنفيذه الشعب والثوار الفلسطينيون ضد اليهود والاحتلال البريطاني وقد استمر هذا الاضراب لمدة ستة أشهر مسجلا أطول وأفضل إضراب (مقاطعة) في التاريخ، وكان ذلك رغبة منهم في التعبير عن رفضهم للاحتلال وممارساته والضغط عليه لنيل التحرر والاستقلال. تبنت الجامعة العربية قرار المقاطعة عام 1945، حيث انتقل بذلك القرار من كونه قراراً شعبياً الى المستوى الرسمي العربي، لكن هذا القرار شهد تراجعاً كبيراً او بالاحرى تلاشى، على اثر بعض التحولات والتغيرات الاقليمية و الدولية مثل: حرب 1967 و احتلال بعض الاراضي العربية وحرب الخليج الثانية التي ارست انقساماً عربياً جديداً وضعفا في الانظمة العربية، وصعود الولايات المتحدة لتمتطي سدة النظام العالمي وظهور ما سمي بالنظام العالمي الجديد وافرازاته على الوطن العربي.
كذلك كانت
الانتفاضة الفلسطينية المباركة عام 1987، والتي شكلت نموذجاً
بطولياً في المقاومة
ومقاطعة المنتجات الصهيونية، حيث اعتبرت تكتيكا ضمن أوجه
المقاومة الأخرى التي كانت معتمدة، الى ان جاءت مبادرة مدريد
التي ادخلت الصراع الى دائرة التسوية، وتوقيع اتفاق اوسلو على
اثرها والذي كان له تبعاته على هذا الموضوع.
لم يكن الشعب الفلسطيني وحده من تبنى هذا النهج، فكذلك كانت
التجربة
الهندية التي نفذها الشعب الهندي بزعامة غاندي ضد المستعمر
البريطاني "للقارة الهندية"، ومقاطعة الشعب الفيتنامي ضد
المحتلين الأمريكيين والفرنسيين حتى نالوا حريتهم.
سياسة المقاطعة الفلسطينية الحالية
شكلت المقاطعة شكلاً من اشكال المقاومة المفروضة مبدئياً على
الشعب الفلسطيني فالمقاومة مشروع متكامل له عدة جوانب و
المقاطعة جزءاً ليس ببسيط من هذا المشروع، نظراً لأنها تعبر عن
الرفض للهيمنة والسرقة والاستغلال، فالمواد التي ينتجها
الكيان الصهيوني هي اما من اراضي مسروقة اوتستغل عمالنا
ومواردنا.
أن
الوضع القائم حاليا منذ انتفاضة الأقصى 2000، وما
ترتب عليها من نتائج قاسية نتيجة الاعتداءات والممارسات
والتجاوزات الوحشية
اللاأخلاقية من قبل الكيان الصهيوني وما رافقها من إفراط
المحتل في استخدام أقسى
درجات العنف المبرمجة ضد شعبنا الفلسطيني مما فرض شرعية
مقاومة الاحتلال
بكافة الوسائل منها النضالية التصعيدية و اللاعنفية المتمثلة
بالمقاطعة الاقتصادية.
فقد ادارت اللجان الشعبية والمؤسسات والجمعيات الاهلية والقوى الوطنية والاسلامية مع بدء الانتفاضة حملة مقاطعة المنتجات والسلع الصهيونية، ومجمل هذا الجهد هو شعبي وليس حكومي، حيث تقوم الجمعيات والمنظمات الاهلية بدورها الارشادي التوعوي لتحفيز الجمهور على تشجيع المنتجات الوطنية وانجاح حملة مقاطعة المنتجات الصهيونية.وقد كان لهذه السياسة نتائجها المثمرة، والتي اثرت على الاقتصاد الصهيوني تأثيراً جدياً مباشراً، حيث كان لهذه السياسية صداها على جمهور المستهلكين الفلسطينيين، فالسوق الفلسطيني يمثل ثاني اكبر سوق للمنتجات الصهيونية وخسارته ليست بقليلة الاثر على الاقتصاد الصهيوني.
وقد صدرتقرير في جريدة (يديعوت أحرونوت) في نهاية شهر اذار 2001 يشير إلى انخفاض يصل لحوالي 50% على الصادرات الصهيونية الى مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية وقد احتج وزير الصناعة والتجارة الصهيوني لوزير الاقتصاد والتجارة الفلسطيني مشتكيا من تنامي المقاطعة الفلسطينية للمنتجات الصهيونية متذرعاً أن المقاطعة هي عملاً مخالفاً ومنافياً للاتفاقيات الموقعة بين السلطة الوطنية و الكيان الصهيوني.
المواقف العربية
لقد كان لانتفاضة الاقصى وللممارسات الوحشية و اللااخلاقية
للاحتلال تأثيرها على الشارع العربي الشعبي، والذي احس بضرورة
مناصرة الشعب الفلسطيني ودعمه في النضال ضد الاحتلال، ورفض كل
ما يمارس عليه من اشكال العنف والقهر اليومي. فقد جرت العديد
من المظاهرات الشعبية المطالبة بوقف التطبيع مع الكيان
الصهيوني، وطرد سفراءه من العواصم العربية و اغلاق المكاتب
التجارية الصهيونية. وكان هناك ايضاً بعض حالات المقاطعة مثل:
قرار جمعية
الصرافين الأردنيين وقف التعامل بالشيكل، شن التجار وعمال
الموانئ
المصريون حملة شعبية لمقاطعة السفن والسلع والمنتجات والبضائع
الصهيونية، اضافة الى تراجع الإقبال على المنتجات الأمريكية في
بعض الأقطار العربية وخاصة الخليجية
منها(عدا الكويت) بأكثر من 45%.
وقد تم ايضاً إقفال العديد من المحال والمطاعم الأمريكية
والبريطانية أو بعضاً من فروعها في عدة بلدان عربية نظراً
للتراجع الواضح في
مبيعاتها.
المواقف الاوروبية
قام الاتحاد الاوربي بمقاطعة منتجات المستعمرات الصهيونية والامتناع عن استيرادها باعتبارها منتجات لا تخضع لاتفاقية التجارة الحرة بين الكيان الصهيوني والاتحاد الأوروبي علماً بأنه في العادة يتم تزييف شهادات المنشأ لمنتجات المستوطنات على أنها منتجة بالكيان الصهيوني ولهذا اعتمدت المجموعة الأوروبية إطاراً قانونياً خاصاً بمنع تسريب منتجات المستعمرات الصهيونية إلى المستهلك الأوروبي باعتبارها مستعمرات غير قانونية وغير شرعية.
وقد ظهر نوع اخر من المقاطعة الاوروبية للكيان الصهيوني وهو
المقاطعة الاكاديمية والتي ظهرت في بريطانيا. حيث أعلن
الاتحاد الرئيسي لاساتذة الجامعة في بريطانيا،
أنه وافق على طلب فلسطيني من مجموعة من الاكاديميين
الفلسطينيين لمقاطعة اثنتين من الجامعات الصهيونية، قد تنضم
اليهماجامعة ثالثة، حيث اعلن عن تجنب كل اشكال التعاون
الاكاديمي او الثقافي
مع
جامعتي حيفا وبار ايلان في تل ابيب.
وقد صوت مجلس رابطة اساتذة الجامعات لصالح
مقاطعة جامعة بار ايلان، لانها تنظم دورات في كليات في الضفة
الغربية المحتلة "وهي
بذلك تشترك بشكل مباشر في احتلال اراض فلسطينية، بما يتعارض مع
قرارات الامم
المتحدة".
كذلك قاطعت الرابطة جامعة حيفا، لانها عاقبت استاذا جامعيا
بسبب
دعمه طالبا كتب عن اعتداءات شنها ارهابيون يهود ضد فلسطينيين
خلال تأسيس الكيان
الصهيوني.
واشارت الرابطة الى انها ستمعن النظر في دعوة لمقاطعة جامعة
ثالثة، هي جامعة القدس العبرية، بعدما تردد انها صادرت اراض
لعائلات فلسطينية في
القدس المحتلة.
عملية تفعيل المقاطعة
إن المناخ والأجواء مهيئة لإنجاح حملة مقاطعة المنتجات الصهيونية وخصوصاً أن الحالة العدائية للكيان الصهيوني نتيجة للهجمة الشرسة ضد شعبنا متمثلة بمجمل الجرائم التي طالت كل الشعب الفلسطيني، فمن هنا نوضح بإمكانية نجاح حملة المقاطعة. لذا يتوجب التخطيط الجيد وإعداد المواطن نفسيا ووطنيا لكي تكون مقاطعة منتجات الكيان الصهيوني أسلوب ونهج حياة وعند الحديث عن مقاطعة المنتجات الصهيونية يجب التأكيد على النهوض وتشجيع الصناعات الوطنية والارتقاء بمواصفاتها لكي ترقي وتحظى بثقة المستهلك الفلسطيني والعربي في حال تصديرها بشرط مطابقتها للمواصفات والمقاييس الجيدة وتثبت قدرتها على المنافسة.
الترشيد الاستهلاكي في كافة أوجه متطلباته الحياتية اليومية والاعتماد على سلم الافضليات عند اتخاذ قرار الشراء والاستغناء عن السلع الكمالية والتحول من الاستهلاك الترفي الى استهلاك الصمود والمقاومة وخاصة السلع الكمالية القادمة من الكيان الصهيوني و الاقبال على شراء المنتجات الوطنية والجيدة والتأكد من جودة السلع لأن الجودة هي من حقوق المستهلك الواجب توفرها في المنتجات والبضائع التي يقدم على شرائها وبهذا نضمن فعالية دور المستهلك في إنجاح حملة المقاطعة بحيث أنه يبتعد عن شراء المنتجات الصهيونية.
ان مقاطعة الشعوب لها فاعليتها وجدواها، بالرغم من ذلك فإن عملية التكامل بين الحكومات والمجتمع المدني لها ضرورتها ما دامت الحكومات هي المسيطرة على الاقتصاد، وهي التي تعزز او تنفي ثقافة الاستهلاك و التبعية الاقتصادية. وهي التي يعزز او تفشل اي مشروع تنموي وثقافي، فالحكومات عندما تنصاع لنمط انتاجي يهيمن على العالم، تنفي اي وجود ثقافي فكري للانسان العربي نظراً لاحلال ثقافة المهيمن مكانها، فالضعيف دائماً يميل الى ثقافة او تقليد الاقوى حسب النظرية الخلدونية.
فالشعوب العربية تقف امام منعطف تاريخى هام وخطير وهو الانسياق وراء المصير المجهول الذى ترسمة الحضارة الغربية، فتوجه العولمة الاخطر الذي نواجهه هو هيمنة اميريكية بالاساس وليس بإمكاننا مقاومتها بإغلاق الباب على انفسناو انما علينا المساهمة فيها للتغيير من طبيعتها، لأن مقاومة العولمة مهمة كما مقاومة الاحتلال (فهما مصطلحان لنتيجة واحدة)، ولا يمكن لنا فرض وجودنا في هذا العالم او ان تكون لنا مساحة فيه ما لم نكن مبدعين وخلاقين في منجزاتنا وفي مواجهتنا للتحديات التي تحيط بنا حتى نفرض وجودنا بين هذا الكل العام، ويجب ان نخلق في مقابل مرحلة الهزيمة التي نعيشها فكراً مقاوماً يستطيع ان يخرج بنا من حالة الهزيمة، ويجب ان نتفق ايضا ان للشعوب خياراتها و للحكومات خياراتها بمعنى انة بدل ان نتباكى على حال الحكومات العربية علينا ان نستثمر ما بأيدينا من اسلحة ونستخدمها حتى نكون قد ادينا ما علينا من واجب على الاقل امام انفســنا.


