ووجهت
الحداثة منذ ولوجها الأول الى العالم العربي مطلع القرن
التاسع عشر بأشكال شتى من الممانعة، تراوحت بين رفضها
بالكامل او قبولها مجتزأة مبتورة من سياقها التاريخي،
وصولا الى محاولات تأصيلها في التراث العربي الاسلامي
بإسناد القيم والمبادئ التي بشّرت بها الى أصول ثاوية في
هذا التراث تؤكد اسبقيته وريادته وتبرر تاليا تبنيها
والأخذ بها لا باعتبارها حديثة ووافدة، بل بوصفها وجها من
حضارتنا المتعددة الوجوه والجوانب والحاوية لكل القيم
والمبادئ الانسانية والاجتماعية والفكرية.
في هذا الاتجاه التأصيلي ذهب بعض النهضويين الأوائل، فقال
رفاعة الطهطاوي «إن الافرنج يعترفون لنا بأننا كنا
أساتيذهم (هكذا) في سائر العلوم وبقدمنا عليهم، ومن المقرر
أن الفضل للمتقدم»، ورأى خير الدين التونسي ان «مخالطة
الأوروباويين (هكذا) للأمة الاسلامية المتقدمة عليهم في
التمدن والحضارة كان ابتداء التمدن عندهم». واعتبر فرنسيس
المراش ان كل ما يفخر به الغرب من علوم وآداب وطب وحساب
وعمران وزراعة، إنما أخذ عن العرب سرقة واختطافا. وذهب
محمد عبده الى أن مدينة الاسلام كانت السبب الرئيس في نهوض
أوروبا من عثرتها وكبوتها. ورأى رشيد رضا ان الحكم
الدستوري «هو أصل من أصول ديننا فنحن قد استفدناه من
الكتاب المبين، ومن سيرة الخلفاء الراشدين لا من معاشرة
الأوروبيين».
إذا كان لهذا الاتجاه ما يبرره في مرحلة بدايات النهضة
العربية نظرا للوعي الشقي الذي أحدثه تفاعل العرب مع
المنظومة الحضارية الغربية المتفوقة والمختلفــة في الفكر
والــرؤى والأهداف، الا ان استمرار المراوحة في التعامل مع
الحداثة والقيم الحداثية على النمط المعهود، من مرحلة
البدايات أوائل القرن التاسع عشر الى نهايات القرن الماضـي
وبداية هذا القرن، واستعادة ردود الفعل الاشكــالية
نفســها، يكشف عن خلل عميق في بنيتنا الحضارية وعجزها عن
استيعاب مقولات الحداثة والاتجاه في الوقت نفسه الى
المشاركة الفعلية في توجهاتها وإبداعاتها. فالشيخ راشد
الغنوشي ذهب في «العلمانية والممانعة الاسلامية» 1999 الى
أن قيم الحداثة ما هي الا «بضاعتنا رُدّت إلينا»، وأحمد
شكر الصبيحي رأى في «مستقبل المجتمع المدني في الوطن
العربي» أن «التجربة التاريخية في العصر النبوي تعتبر أول
تجربة في التعاقد المدني عرفها التاريخ وسبقت نظرية «العقد
الاجتماعي» لروسو. وهذه التجربة تكشف ان مفهوم الاجتماع
المدني ليس البتة غريبا عن ثقافتنا العربية الاسلامية»،
وذهب حسنين توفيق ابراهيم في «النظم السياسية العربية»
2005 الى ان مفهوم المجتمع المدني له دلالاته في الاسلام،
بل ان القيم التي يستند اليها هذا المجتمع، قيم الحرية
والمساواة والقبول بالتعدد والاختلاف موجودة في الاسلام.
وثمة من لا يزال يرى الى الآن، ان الديموقراطية الليبرالية
ما هي الا شكل من أشكال الشورى الاسلامية، فأحمد الموصللي
في «جدليات الشورى والديموقراطية» ,2007 اعتبر ان حقوق
الانسان في الاسلام سبقت المنظومة الغربية لحقوق الانسان،
وأن الأسس النصية المستمدة من القرآن والسنة لا تتعارض مع
أشكال الحكم الديموقراطي ومناهج حقوق الانسان، وأن
التفسيرات الحديثة للشورى تستوعب الديموقراطية ومبادئ
القانون الطبيعي والتعددية. وهذا ما كان الأفغاني
والكواكبي ورضا قد سبقوا الموصللي اليه بقرن او أكثر
باعتبارهم الصيغة البرلمانية مساوية في مضمونها وجوهرها
لصيغة أهل الحل والعقد التراثية.
وفق هذا المنحى الذي لا يزال يبدي قدرة استثنائية على
الاستمرارية، طرح محمد عابد الجابري في «المستقبل العربي»
12/2007 وجوب العمل على «تبيئة وتأصيل قضايا الحاضر، قيم
الحداثة وأسس التحديث في ثقافتنا، وذلك بإيجاد أصول لها
تستطيع تأسيسها في وعينا». أما التأصيل الثقافي الذي
يقترحه، فيتعلق أساسا ببناء جسور تنقل «الحاضر» الى الماضي
ليتأصل فيه، وذلك إنما يتم بإعادة بناء تاريخنا الثقافي
بصورة تجعله يستجيب لاهتماماتنا المعاصرة ويكون مرجعية لنا
في الاتفاق والاختلاف، في الاقتباس والابداع. وفقا لذلك
اعتبر الجابري ان الأسس النظرية التي تقوم عليها حقوق
الانسان في الثقافة العربية الاسلامية لا تختلف جوهريا عن
الأسس الفلسفية التي قامت عليها حقوق الانسان في الثقافة
الغربية، وأن الاختلافات ترجع الى اختلاف «أسباب النزول»،
أي المعطيات الظرفية التي توخاها الشارع من نوع الحكم الذي
أصدره في هذه القضية او تلك. ومن هذا المنظور الايديولوجي،
فإن النظرة الرشدية الى العلاقة بين الدين والفلسفة «نظرة
صائبة فعلا، ملهمة حقا».
من المفارقة فعلا أن يطرح صاحب مشروع «نقد العقل العربي»
وأحد رموز الفكر الايديولوجي العربي الراهن، الماضي مرجعية
للحاضر، وأن يرى ان لا امكانية للتجديد إلا من داخل التراث
وبالاحتكام اليه، مستخدما كلمة «النزول» المرتبطة بالثقافة
العربية الاسلامية، المختلفة بأسسها الفلسفية اختلافا
جوهريا عن الثقافة الغربية التي أناطت كل القيم السياسية
والاجتماعية والأخلاقية بالانسان وحده، باعتباره المرجعية
الأولى والأخيرة، وليس بأية مرجعية خارجة عنه متعالية
عليه.
لكأنما الزمن الايديولوجي العربي، كما يقول الجابري نفسه،
«زمن جامد ميت»، زمن يدور في حلقة مفرغة مقيتة، يكرر ذاته
على الدوام، مستعيدا مقولاته إياها من قرن الى قرن، ومن
حقبة الى أخرى، يلوك قضاياها وإشكالياتها من دون أن يقوى
على كسر استبدادها المرجعي وثقلها التاريخي. فهل يجوز بعد
كل الثورة المعرفية التي لا تفتأ تحطم كل المسلمات ان يبقى
التراث، على غناه وأصالته، مرجعية لحاضرنا في زمن العولمة
والانترنت والثورة الجينية؟ وهل يمكن حل العلاقة بين الدين
والفلسفة كما انتهت الينا اليوم، بالعقل الرشدي نفسه؟ وهل
الأسس التي قامت عليها حقوق الانسان في الفلسفتين الغربية
والعربية الاسلامية هي حقا واحدة؟ وهل يصلح التراث فعلا
لإبداع ما نحن بحاجة اليه من قفزات حضارية كبرى لتغطية
عجزنا وتخلفنا التاريخي عن ثورة الحداثة؟
ان الاصرار على تأصيل الحداثي في التراثي والقول بأصول
مزعومة له فيه إنما يدل دلالة محزنة على محنة الحداثة
العربية ومخاضها العسير. وليس هذا المنحى في رأينا سوى رهن
التاريخ بتصور ستاتيكي يرى اليه ثباتا وسكونا وتكرارا
أبديا، لا تبدلا وتحولا وتطورا وصيرورة، ما يحول الابداع
اجترارا لا إنجازا، والتقدم تطلعاً الى الماضي لا الى
المستقبل.
هنا بالذات مكمن الخطأ في اعتبار الديموقراطية وحقوق
الانسان وسواهما من قيم الحداثة، ذات أصول في الماضي تجعله
مرجعية للحاضر، بينما الفضاء المرجعي التي تنتمي اليه هذه
القيم يختلف جذريا عن الفضاء التراثي العربي الاسلامي، إذ
هي تكونت وتبلورت في الفكر الغربي نتيجة تطورات غير مسبوقة
طاولت الانسان وموقعه في الكون، والعقل الانساني وأولويته
وحريته، والسلطة وشرعيتها، ما شكل عالما جديدا بكل أبعاده
السياسية والاجتماعية والفكرية، نشأت معه المفاهيم المؤسسة
للمجتمع الحديث، مفاهيم الفرد والمجتمع المدني والعقد
الاجتماعي التي تتناقض بالكامل مع مجتمع ما قبل الحداثة،
والتي لا يمكن ان نقحمها جنبا الى جنب مع مفاهيم الشورى
والتسامح والتكافل، كما مفاهيم الانسان والعدل والحق
والحرية، التي لها جميعا في المرجعية التراثية دلالات
مختلفة، بل متناقضة مع المرجعية الحداثية.
ان استمرار سجال الحداثة والتراث الى بدايات هذا القرن
واستعادة مقولات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين
التوفيقية والتأصيلية، ما هو إلا دليل مأساوي على المخاض
العسير للحداثة العربية التي لن تتم ولادتها، من دون
الخروج من أوهام التأصيل والافلات من أسر المرجعيات
واستبدادها، لمعانقة روح التجدد والابداع، وخوض مغامرة
المستقبل بكل ما تنطوي عليه من مفاجآت معرفية قد لا يبقى
معها ثابتا كل ما عد حتى الآن فوق التحول او فوق التاريخ.
([) كاتب لبناني


