v إلى كل من آمن بالحق و ناضل من اجله.
v كل من قاوم ادلجة الدين باعتبارها منكرا.
v كل من صمد على موقفه من اجل أن يصير الإنسان إنسانا و لا شيء آخر.
محمد الحنفي
آفاق تجنب التوظيف الأيديولوجي للمعروف و المنكر :
و لتجنب التوظيف الإيديولوجي للمعروف و المنكر الذي قاد إلى القيام بالعمليات الإرهابية على المستوى العالمي و القومي و القطري و المحلي في البلاد العربية و باقي بلدان المسلمين على الخصوص نرى :
1) العمل على تحقيق الحرية، حرية الإنسان و الأرض عن طريق تمكين الشعوب من التمتع بالتعبير عن رأيها في مختلف القضايا الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و تمكينها من حقها في إنشاء التنظيمات الحزبية و النقابية و الجمعوية التي تراها مناسبة لها، و وضع دستور ديمقراطي يمكنها من المشاركة في انتخابات حرة و نزيهة لاختيار من يمثلها في المؤسسات المحلية و التشريعية، و في اختيار من يحكمها في كل بلد على حدة، و عن طريق تحريض الأراضي المحتلة أو الأجزاء التي لازالت محتلة من كل بلد من بلدان العرب و المسلمين حتى تتحقق الحرية الكاملة للمجتمع على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. تلك الحرية التي تمكن الجميع من تحقيق ما يريد انطلاقا من القوانين و من الدستور الذي يضمن تلك الحرية و يحميها.
2) ملاءمة القوانين الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية مع للمواثيق الدولية المتعلقة بالحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية حتى تضمن تلك القوانين لجميع الناس و على أساس المساواة فيما بينهم، التمتع بتلك الحقوق التي تجعلهم يساهمون مساهمة فعالة في البناء الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي بما يتناسب مع ما تقتضيه الحياة المتطورة باستمرار في اتجاه تحقيق كرامة الإنسان التي بدونها يفقد هذا الإنسان إنسانيته و يتحول إلى مجرد كائن لا يساوي إلا ما يقوم به لصالح من يستغله في المجالات الخدماتية أو يشتري ضميره في المحطات الانتخابية، أو يجيشه للقيام بالعمليات الإرهابية. فملائمة القوانين مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، تساهم إلى حد كبير في حماية الشعوب من مختلف الآفات الناجمة عن سيادة الخروقات المختلفة لدرجة أن ممارسة الخروقات تتراجع إلى الوراء.
3) اجراء انتخابات حرة و نزيهة تحت إشراف هيئة مستقلة تقطع الطريق أمام أشكال التزوير التي تعرفها مختلف الانتخابات المحلية و التشريعية في كل بلد من البلدان العربية و في باقي بلدان المسلمين. كما تقطع الطريق على شراء الضمائر من قبل البورجوازية الهجينة و الإقطاع المتخلف، و اليمين المتطرف المؤدلج للدين الإسلامي. و أمام ما تقوم به السلطات المحلية و الإقليمية و الوطنية من تزوير على مستوى كل بلد من البلدان العربية و باقي بلدان المسلمين، وصولا إلى إيجاد مؤسسات محلية و وطنية منتخبة انتخابا حرا و نزيها، و تعكس إرادة المواطنين، و تعمل على تحقيق ما يسعون إلى تحقيقه في كل بلد عربي على حدة، حتى يتمرس الناس على التربية على الديمقراطية التي هي المدخل لاقامة مجتمع متقدم و متطور يحتل فيه كل فرد مكانة متميزة.
4) إنشاء هيأة مستقلة من مختلف الأحزاب تعتبر بمثابة هيأة للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لمراقبة ما تقوم به المجالس المحلية، و أعضاء البرلمان في كل بلد على حدة، و تبث في الشكاوى التي تتلقاها بعد البحث الميداني، و التحقق من الأفعال، و إحالة مرتكبي الخروقات على القضاء الجنحي، أو الجنائي أو الإداري، لاتخاذ القرارات اللازمة حتى لا تتحول المجالس المنتخبة إلى مجال لتحقيق تطلعات المنتخبين التي يترتب عنها ارتكاب خروقات تلحق الأذى بالمواطنين. و هذه الهيئات تتشكل على جميع المستويات المحلية و الإقليمية و الجهوية و الوطنية. و تختص كل هيئة بالمجلس الذي يتواجد في ترابها، و تمتلك الحق في أن تكون على بينة مما يجري، و ترفع تقارير عن كل ذلك إلى القضاء الذي له الحق وحده في البث في تلك التقارير.
5) إنشاء حكومة وحدة إنقاذ وطني في كل بلد من البلدان العربية، و من بلاد المسلمين، و تكون مهمة هذه الحكومة هي معالجة المشاكل الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية المتردية القائمة في الواقع عن طريق تشغيل مئات الآلاف من العاطلين عن طريق إقامة مشاريع اقتصادية و اجتماعية و ثقافية تساهم في إنشاء حركة اقتصادية و اجتماعية و ثقافية متطورة حتى يتم تحديث البلاد العربية و باقي بلدان المسلمين على التصنيع الثقيل الذي يحدث ثورة صناعية رائدة، كما تساهم في تعميم التعليم على جميع مواطني كل بلد على حدة و محاربة الأمية، و العمل على القضاء عليها، و إنشاء شبكة من المستشفيات و المراكز الصحية و المستوصفات في جميع مناطق كل بلد على حدة حتى يستفيد جميع المواطنين من المراقبة الصحية، و العمل على تمكين جميع المواطنين من السكن المناسب لتحقيق كرامة الإنسان، و إنشاء المؤسسات الثقافية في جميع المناطق السكنية، و تشجيع إنشاء الجمعيات الثقافية و التربوية و الحقوقية و الترفيهية و غيرها حتى تتمكن من العمل على بث القيم الثقافية الإيجابية و المتعارف عليها في كل بلد من البلدان العربية و من باقي بلدان المسلمين و يساهم كل ذلك في وجود إنسان جديد، و حديث فعلا يستطيع أن يقتنع بالاختلاف، و أن يقر بالممارسة الديمقراطية من الشعب و إلى الشعب. و حينها تعمل حكومة الإنقاذ الوطني في كل بلد على حدة على وضع دستور ديمقراطي عن طريق مجلس تأسيسي منتخب انتخابا حرا و نزيها، و يصادق عليه الشعب بعد مناقشته جماهيريا حتى يصير دستورا رسميا تقرر من خلاله الجماهير الشعبية مصيرها عن طريق اختيار نظام الحكم الذي تريده لوضع حد لنظم الاستبداد القائمة في البلاد العربية و في بلدان المسلمين لتحل محلها أنظمة ديمقراطية. و بعد ذلك تعمل حكومة الإنقاذ الوطني في كل بلد على إجراء انتخابات حرة و نزيهة لإيجاد مجالس محلية و إقليمية و جهوية و وطنية في كل بلد تعكس إرادة مواطني ذلك البلد، و تقوم بتقرير و تنفيذ ما يخدم مصالح الجماهير الشعبية التي اختارت تلك المجالس. و يقوم المجلس الوطني (البرلمان) بتكوين حكومة من أغلبيته، تقوم بتطبيق القوانين القائمة أو القوانين الصادرة عن البرلمان و تحت مراقبته، حتى لا تتصرف الحكومة في كل بلد من البلاد العربية و من بلاد المسلمين بعيدا عن القوانين و القرارات التي يصادق عليها البرلمان، لأن الديمقراطية تقتضي ذلك.
6) إخضاع تاريخ الشعوب الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي للدراسة و التقويم من اجل الوقوف على التطور الذي عرفته البلاد العربية و باقي بلاد المسلمين، و طبيعة ذلك التطور، و ما هي القوانين التي تحكمت فيه، و هل هي قوانين موضوعية أم لا ؟ و ما هي التشكيلات الاقتصادية الاجتماعية التي عرفها كل بلد من البلاد العربية و في باقي بلاد المسلمين ؟ و ما طبيعة كل تشكيلة على حدة؟ و هل كانت البنى الفوقية في تلك التشكيلات تعبر فعلا عن طبيعة البنى التحتية ؟
إن دراسة التاريخ دراسة علمية دقيقة تحدد لنا إلى أي حد يمكننا ادراك طبيعة التطور الذي عرفته التشكيلات الاجتماعية في كل بلد، و ما يجب عمله لتفعيل القوانين المتعلقة بتشكيلة معينة من اجل تسريع التطور من اجل تحقيق أهداف معينة. يسعى إلى تحقيقها حزب معين في بلد معين من البلاد العربية أو من باقي بلدان المسلمين.
و لذلك فالأحزاب المنسجمة مع نفسها تبني تصورها على أساس دراسة تطور التشكيلة الاجتماعية لمعرفة القوانين التي تحكمت في ذلك التطور حتى تستحضره في صياغة برامجها الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية و حتى تكون تلك البرامج فاعلة في تسريع تطور المجتمع في اتجاه التاريخ الصحيح.
7) إخضاع واقع الشعوب للتحليل العلمي الدقيق لمعرفة التشكيلة الاقتصادية-الاجتماعية القائمة ، و ما يتفاعل في إطار تلك التشكيلة من ظواهر مختلفة و متناقضة و ما هي الطبقات الرئيسية القائمة فيها، و ما هي الطبقات الثانوية ؟ و ما هي التناقضات الرئيسية و الثانوية ؟ و هل يوجد صراع طبقي معين ؟ و ما درجة حدة هذا الصراع ؟ و هل هو صراع تناحري، أم صراع ديمقراطي ؟ و هل تحترم الممارسة الديمقراطية الحقيقية ؟ أم إنها مجرد ديمقراطية الواجهة ؟ و هل تتناسب البنيات التحتية و الفوقية في هذه التشكيلة أم لا ؟ و هل هي تشكيلة عبودية ؟ أم تشكيلة إقطاعية أم تشكيلة رأسمالية تابعة، أم تشكيلة رأسمالية، أم تشكيلة اشتراكية ؟ أم إنها تشكيلة متعددة أنماط الإنتاج ؟
إن دراسة الواقع دراسة علمية دقيقة تساعد على تكوين نظرية معينة عن ذلك الواقع، يمكن اعتمادها لرسم ما يجب عمله على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية من اجل التسريع بعملية التطور الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي، باعتبار ذلك التطور ضرورة تاريخية، و باعتباره وسيلة لتحقيق الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية التي يمكن اعتبارها نتيجة للتطور الطبيعي للمجتمع. كما يمكن اعتبار الحرمان منها نتيجة لوجود عراقيل تحول دون قيام التطور الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي، تلك العراقيل التي تستهدف غياب الديمقراطية بصفة عامة او التعويض عن ذلك الغياب بقيام ديمقراطية الواجهة بسبب سيادة الاستبداد في جميع مستوياته التي لا حدود لها ؟ و هل توجد حركة نقابية تقود النضالات المطلبية للعمال و الأجراء أم لا ؟ و هل توجد حركة جماهيرية تسعى إلى بث وعي معين في صفوف الجماهير الشعبية الكادحة ؟ و هل توجد أحزاب سياسية تمثل الجماهير و تؤطرها فعلا ؟ و هل تتوفر على برامج تسير في اتجاه قيام نضال ديمقراطي، و قيادة ذلك النضال ؟ أم أنها مجرد أحزاب لتكريس ديمقراطية الواجهة ؟
و كيفما كان الأمر فالمعرفة العلمية للواقع تعتبر ضرورية بالنسبة لكل من يسعى سعيا حقيقيا إلى تغيير الواقع بكل تجلياته وصولا إلى صياغته ليكون في خدمة الإنسان عن طريق تحقيق الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية.
8) الاهتمام بتطور أداء الجمعيات الثقافية، و التربوية و الترفيهية و التنموية و الحقوقية.
فالاهتمام بالجمعيات الثقافية يقودنا إلى القيام بدراسة الواقع الثقافي دراسة علمية دقيقة. و هل هي ثقافة جادة و مسؤولة و هادفة، تعمل على نشر القيم الإيجابية في الواقع حتى يتحول في الاتجاه الصحيح انطلاقا من تلك القيم الإيجابية ؟ أم أنها مجرد ثقافة تضليلية تسعى إلى جعل الناس يغيبون عن واقعهم، و يسعون إلى الانشغال بأمور غيبية، في مقابل القبول بالاستغلال الممارس عليهم على انه قدر من عند الله ؟
فالتمييز بين الثقافات المتناقضة في المجتمع يعتبر مسألة ضرورية، حتى يتبين المثقفون المخلصون، ما هي الثقافة التي يمكن اعتمادها لجعل الجماهير الشعبية الكادحة تنخرط ايجابيا في الحياة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و العمل على تطويرها إلى الأحسن في إطار التحول الذي يعرفه الواقع، لأن للثقافة دور إيجابي، و دور سلبي، فإذا كانت الثقافة جادة و هادفة و تقدمية، فإنها تستطيع أن تبث بين أفراد المجتمع القيم الإيجابية و الجادة و الهادفة. أما إذا كانت رجعية و متخلفة، و ظلامية، و توفيقية تلفيقية، فإنها لا تمد المجتمع إلا بقيم التضليل و الوهم، و كل ما يجعل الكادحين يقبلون ما يمارس عليهم من استغلال مادي و معنوي.
أما الاهتمام بالجمعيات التربوية فإنه يدفعنا إلى العمل على دراسة التربية السائدة في المجتمع في كل بلد من البلاد العربية و في باقي بلاد المسلمين. و الوقوف على واقع التربية و ما هي الغاية منها ؟ و هل هي تستهدف إعادة إنتاج نفس الهياكل الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، أم أنها تسعى إلى أن تكون متحررة و قادرة على إعداد أجيال قادرة على الانخراط في الحياة من بابها الواسع، و تسعى إلى إنتاج هياكل جديدة تناسب مع ما يقتضيه التطور الذي تفرضه حركة الحياة التي لا تتوقف.
فالتمييز بين التصورات التربوية يصير ضروريا و واجبا في نفس الوقت. فهناك التصور الإقطاعي، و هناك التصور البورجوازي، و التصور البورجوازي الصغير و تصور الطبقة العاملة للتربية. و هذا التمييز يقودنا إلى معرفة ما هو التصور الرجعي ؟ و ما هو التصور التقدمي ؟ و ما هو المقياس الذي يمكن اعتماده لمعرفة الفرق بين التصور الرجعي و التصور التقدمي ؟ و دور التصور الرجعي في إنشاء أجيال متخلفة ؟ و دور التصور التقدمي في إنشاء متطورة، و ما هو هدف التصور الرجعي ؟ و ما هو هدف التصور التقدمي ؟ حتى نستطيع التمييز بين الجمعيات التي تعمل على نشر القيم الإيجابية و المتطورة. و الجمعيات التي تنشر القيم الرجعية و المتخلفة، حتى نحدد ما هي الجمعية التربوية التي نتعامل معها و نسلم إليها أبناءنا الذين يهمنا مصيرهم الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي.
و فيما يخص الاهتمام بالجمعيات الترفيهية فإنه يدفعنا إلى دراسة أشكال الترفيه المتبعة في المجتمع، و هل هي مفيدة في إنتاج القيم الإيجابية بالنسبة لعامة أفراد المجتمع في كل بلد من البلاد العربية، و في باقي بلدان المسلمين ؟ و هل تلك الأشكال الترفيهية لها علاقة بالتنوع الطبقي في المجتمع ؟ و ما هو الشكل الترفيهي المناسب للطبقة الإقطاعية ؟ و ما هو الشكل الترفيهي المناسب للأقنان ؟ و ما هو الشكل الترفيهي المناسب للبورجوازية ؟ و الآخر المناسب للبورجوازية الصغرى ؟ وما هو الشكل الترفيهي المناسبة للطبقة العاملة و سائر الكادحين ؟ و ما هو الشكل الترفيهي المناسب لكل فئة عمرية على حدة وماهو الشكل الترفيهي المناسب للرجال ؟ و الآخر المناسب للنساء ؟ و ما دور الترفيه في إعداد الناس إعدادا جيدا لمواجهة متطلبات الحياة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية ؟ و هل يمكن أن يبقى الترفيه بعيدا عن إنتاج القيم المضرة بالمصالح الفردية و الجماعية و الطبقية و أشياء أخرى ؟ و هل ينتج القيم المضرة بالمصالح الطبقية ؟ و ما مدى مساهمته في جعل أفراد المجتمع ينسحبون من الواقع ولا يساهمون في النشاط الجماهيري، الجمعوي و النقابي، و لا في النشاط الحزبي و لا يسعون إلى تحمل المسؤوليات العامة ؟
إن الترفيه و كيفما كان مستواه، و مهما كانت الطبقة التي يستهدفها أو الفئة العمرية التي تهتم به فإنه يبقى مصدر القيم التي تبعد المتفاعل معها عن التأثر بمختلف عوامل التوتر القائمة موضوعيا في الواقع. فالتأثر بما يحدث في الواقع مما يتعارض مع طموحات و تطلعات الأفراد و الطبقات الاجتماعية يحدث توترا نفسيا و اجتماعيا قد يقود إلى حدوث أمراض نفسية و اجتماعية قد تؤثر على مسار الإنتاج الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و على مسار الممارسة السياسية في نفس الوقت. و لذلك كان الترفيه بأشكاله المختلفة ضروريا، و كان إنشاء جمعيات خاصة بالترفيه ضروريا حتى نضمن قيام صراع اجتماعي طبيعي يساعد على التطور الطبيعي للواقع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و السياسي، و الذي بدونه سيبقى المجتمع سجين الرؤى الرجعية و الشوفينية التي تفرض لجوء الطبقات الحاكمة في البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين إلى سجن الشعوب داخل تصورات غير منسجمة مع طموحات و تطلعات الشعوب التي تعاني الويلات من الحكام باسم الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر باسم الدين الإسلامي وقهر الشعوب و تضليلها حتى لا تسعى إلى تحقيق الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية. و الترفيه قد يمهد الطريق لأجل ذلك لأنه يحرر العقل، و ينتج التفكير السليم مادام منتجا للقيم المناسبة للطبقة المعنية، أو للعمر المعني، و التفكير السليم يوصل دائما إلى تحديد الهدف الذي يبعث على العمل بسهولة.
و عندما يتعلق الأمر بالاهتمام بالجمعيات التنموية فإن هذا الاهتمام يقودنا إلى دراسة مفهوم التنمية بصفة عامة، و مفهوم العمل الجمعوي في مجال التنمية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية، و هل تخلت الدولة القائمة في كل بلد من البلدان العربية و في باقي بلدان المسلمين عن دورها في التنمية ؟ و هل تخلي الخواص عن دورهم في هذا المجال ؟ و ما هي الخلفيات التي تحكم تخلي الدولة عن الاستثمار في المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية ؟ و لماذا عجز الخواص عن القيام بالدور اللازم في مجال التنمية ؟ و هل تتناسب برامج الجمعيات التنموية مع حاجيات المجتمع في كل دولة على حدة ؟ و هل تملك هذه الجمعيات الإمكانيات المالية الضخمة التي تمكنها من إحداث تنمية حقيقية ؟ أليست الجمعيات التنموية التي تكاثرت بدون حدود وسيلة من وسائل تحايل المسؤولين الجمعويين على الأموال المرصودة من جهات معينة من اجل تحويلها إلى جيوبهم ؟ أليست الجمعيات التنموية الممولة من جهات خارجية، و المنتشرة في البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين، وسيلة لبناء شبكة من الجواسيس في كل بلد على حدة، و من أبناء ذلك البلد لصالح تلك الجهات، مما يسهل أمر التدخل الخارجي في أي بلد يتبين ضرورة التدخل في شؤونه إذا تبين للرأسمالية ضرورة حماية مصالحها الاقتصادية في ذلك البلد ؟ و ما العمل من اجل حماية كل بلد من تحويل الجمعيات التنموية إلى وسيلة من وسائل الإعداد للتدخل الخارجي ؟ و هل تلعب الدول في كل بلد دورا رائدا لحماية البلاد من التدخل الخارجي ؟ و لماذا لا تقوم بمنع التمويل الخارجي للجمعيات التنموية ؟ بل لماذا لا يقع ذلك التمويل تحت إشراف الدولة و بموافقتها و تحت مراقبتها ؟
إننا في الواقع عندما يتعلق الأمر بالجمعيات التنموية نجد أن الطبقات الحاكمة في البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين تسمح بها لايهام الناس في كل بلد ، بأن التنمية العامة ليست من مسؤولية الدولة التي صارت في إطار التوجه العام الذي أعطى للدولة و الذي صار يقتصر على حفظ الأمن فقط، و ما سوى ذلك يترك للخواص أو لمنظمات المجتمع المدني التي صارت تشرف على بعض ما كان من مهمات الدولة.
و ما نخافه هو أن تتحول المشاريع التي تنجزها الجمعيات التنموية إلى ممتلكات عامة تستولي عليها الدولة أو تحولها للخواص بمقابل رمزي كما يحصل في العديد من ممتلكات الشعوب التي حولت للخواص بقيمة مالية رمزية بدعوى عجز الدولة عن تسييرها، و عن التكلفة الكبيرة التي صارت تتحملها الدولة في الإشراف عليها. و هي مبررات صارت واهية تلجأ إليها الدولة في كل بلد لتبرير قيامها بخوصصة الممتلكات العامة.
و لذلك صار من اللازم الانتباه إلى ما تقوم به الجمعيات التنموية، و رصده و تتبعه، و إخضاعه للدراسة و فضح الخلفيات التي تحكمه حتى لا تتحول تلك الجمعيات إلى منظمات مافياوية، تستغل من قبل جهات معينة، حتى يتم حفظ البلاد من كل ما يجرها إلى ما حدث في بعض البلدان العربية و في بعض بلدان المسلمين. و لقطع الطريق أمام التدخل الخارجي، خاصة و أن البلاد العربية و باقي بلدان المسلمين تنمو فيها طبقة بورجوازية طفيلية تستطيع فعل أي شيء من اجل تحقيق تطلعاتها الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية لتأبيد سيطرتها على البلاد العربية و باقي بلدان المسلمين، و الحيلولة دون حدوث تطور يتناقض مع مصالحها الطبقية التي تكونت لديها بسبب علاقتها بالمؤسسات المالية الدولية، و بالشركات العابرة للقارات.
و فيما يتعلق بالجمعيات الحقوقية فإننا نجد أن الإلمام بالوضعية في البلاد العربية، و في باقي بلدان المسلمين يصير ضرورة أساسية حتى نتعرف على ما يجب عمله لإشاعة حقوق الإنسان الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و توعية الناس بها، و جعلهم يناضلون من اجل تحقيقها.
فما هي الجمعيات التي تلعب دورا أساسيا و رائدا في إشاعة الوعي الحقوقي ؟ هل هي الجمعيات التي تقف الدولة وراء إنشائها؟ هل هي الجمعيات التي تقوم التنظيمات الحزبية كتنظيمات متفرعة عنها، و موازية لها أو تابعة و خاضعة لتوجهاتها ؟ و هل هي جمعيات للنخب التي تسعى إلى تحقيق أهداف محددة عن طريق النضال الحقوقي ؟ و هل هي جمعيات مبدئية ديمقراطية تقدمية جماهيرية مستقلة، شمولية و كونية ؟ و هل لها برامج تتبعها في نضالها الحقوقي أم لا ؟ و هل لها بعد وطني و إقليمي و دولي ؟ أم أنها مجرد تنظيمات حقوقية محلية ؟ و هل حققت مكاسب حقوقية في نضالها الطويل و المرير أم لا ؟ و هل في الإمكان أن تحقق مكاسب مستقبلية أم لا ؟ و هل ترتبط هذه الجمعيات بالجماهير الشعبية أم لا ؟ و هل تتلقى تأييدا من قبل الجماهير المحلية ؟ و هل تتلقى تأييد من قبل المنظمات الحقوقية الدولية ؟ هل يمكن أن تحتل مكانة معينة على المستوى الدولي ؟ هل تتلقى دعما ماديا من الدولة ؟ هل تتلقى دعما من المنظمات الدولية الرسمية و غير الرسمية ؟ و هل توظف ذلك الدعم في إشاعة حقوق الإنسان في المجتمع ؟ أم أنها تستغله لحسابات غير حقوقية ؟ و ما هي مساهمتها في مناهضة مختلف الخروقات التي تتعرض لها حقوق الإنسان في مختلف القطاعات و على مستوى كل بلد عربي و في باقي بلدان المسلمين ؟ هل استطاعت أن تفضح تلك الخروقات على المستوى الدولي ؟ و هل حققت مكاسب معينة في هذا المجال ؟
و كيفما كان الأمر فإن الاهتمام بالمجال الحقوقي و بالجمعيات الحقوقية على مستوى كل بلد، يمكننا من جعل ذلك الاهتمام في حد ذاته منتجا للقيم التي لها علاقة بحقوق الإنسان مما يجعل الشعوب في البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين تمتلك الوعي الكافي بحقوقها الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و تناضل من اجل التمتع بتلك الحقوق مما يمكنها من التمتع بحقها الأساسي و المصيري المتعلق بتقرير مصيرها على جميع المستويات، و في جميع المجالات.
و انطلاقا من وقوفنا على البحث في آفاق تجنب التوظيف الإيديولوجي للمعروف و المنكر، فإننا نرى أن العمل في هذا الاتجاه سيؤدي إلى تحقيق شيئين اثنين :
الشيء الأول و يتجسد في امتلاك الوعي بتلك الادلجة و خطورتها على مستقبل الشعوب المستهدفة بها من امتلاك أدوات محاربتها حتى تختفي من ممارسة الأفراد و الدول و التنظيمات المتطرفة، لأن محاربة تلك الادلجة يدخل في إطار محاربة عوامل الإرهاب المادي و المعنوي، و الإرهاب الجسدي الذي قد يقود إلى التصفية الجسدية في أي بلد من البلاد العربية و من باقي بلدان المسلمين.
و الشيء الثاني اعتماد مختلف المنظمات القائمة بمثابة هيئات الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، تجعل من مهامها محاربة ادلجة المعروف و ادلجة المنكر باعتبار تلك الادلجة سطوا و سرقة لوجدان الناس و لعقولهم، و مصادرة لعقيدتهم لصالح طبقة معينة، حتى تتمكن تلك الهيئات من تحقيق الأهداف المرسومة التي تجعلها في مستوى تحملها لمسؤوليتها التاريخية التي تفرضها الشروط الموضوعية القائمة في كل بلد من البلاد العربية، و من باقي بلدان المسلمين حتى نضمن قيام شروط موضوعية لانجاز التطور المناسب في كل بلد على حدة، و في أفق أن يكون للعرب و المسلمين شأن إنساني، بدل أن تبقى هذه البلاد المتنوعة الخيرات المادية و المعنوية بعيدة عن الاستمرار في إنتاج الإرهاب المادي و المعنوي الذي عانت منه البشرية في العقود الأخيرة، و باسم الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر الذي يتحول إلى "جهاد".


