يمثل استخدام العنف ضد المرأة الوجه الأكثر بشاعة للتخلف الاجتماعي والثقافي سواء كان ذلك العنف على الصعيد الجسدي أو النفسي أو الجنسي ، ولا يمكن تبريره طالما انطلق من التمييز الذي يفصل بشكل قسري ومتعمد بين حقوق المرأة وحقوق الرجل ويضع النساء في مرتبة أقل من الرجل بفعل الثقافة أو العادات والتقاليد أو الدعاوى الدينية وغير ذلك من الأسباب ، وقد حرصت كل المنظمات الدولية وفي مقدمها الأمم المتحدة وأقسامها المختلفة كما آلاف الجمعيات والهيئات المدنية والمؤسسات الأهلية على محاربة العنف ضد المرأة ووضعت البرامج ووفرت الإمكانيات للتقليل من هذه الظاهرة التي لا تستثني أي دولة على طريق إنهاءها كظاهرة تؤدي إلى عواقب وخيمة على المجتمع وعلى مستقبل العالم وتطلعه نحو حياة أفضل ، بل قد نجزم بأن الأمر مرتبط بهذا القدر من القوة أو ذاك بعنوان السلم العالمي  .

إن تخصيص اليوم العالمي للقضاء على العنف في الخامس والعشرين من تشرين ثاني نوفمبر والأيام التي تليه وحتى العاشر من كانون أول ديسمبر يؤشر إلى الأهمية التي يوليها المجتمع الدولي لهذه الظاهرة الخطرة . ولعل صدور قرار بهذا الشأن منذ العام 1981 عن الجمعية العامة للأمم المتحدة يؤكد على ما ذكرناه بهذا الصدد . كما أن الجمعية العامة للأمم المتحدة اتخذت القرار 48 / 104 بشأن القضاء على العنف ضد المرأة وفيه فصلت بطريقة واضحة أشكال العنف المقصودة وحددت مستلزمات العلاج وطرق التخلص من الظاهرة ، كما نوهت بالدلالات والمؤشرات على العنف والعقوبات الواجب اتخاذها بحق ممارسي هذا العنف سواء كانوا أفراداً أو هيئات أو حتى حكومات .

إن انخراط العديد من المؤسسات الدولية في ملاحقة الظاهرة كمنظمة العفو الدولية والبنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية وصندوق الأمم المتحدة للإسكان ومفوضية شؤون اللاجئين وغيرها العديد من هذه المؤسسات يعني فهماً متوافقاً عليه لأخطار الظاهرة ونتائجها السلبية .

ربما تختلف تعريفات العنف ضد المرأة وربما تأخذ معاني متنوعة في هذا المجتمع أو ذاك تبعاً لثقافته وتقاليده لكن كل التعريفات والتوصيفات تجمع على أن العنف ضد المرأة يرتبط بكونها أنثى ليس لها حقوق الذكر وهي في المكان الأضعف في حسبة المجتمع وعلاقاته الداخلية . ان تعريفاً صادراً عن الجمعية العامة للأمم المتحدة من المفيد ذكره في هذا السياق ويقول : " "أي فعل عنيف تدفع إليه عصبية الجنس ويترتب عليه، أو يُرجح أن يترتب عليه، أذى أو معاناة للمرأة، سواء من الناحية الجسمانية أو الجنسية أو النفسية، بما في ذلك التهديد بأفعالٍ من هذا القبيل أو القسر أو الحرمان التعسفي من الحرية، سواء حدث ذلك في الحياة العامة أو الخاصة." وربما يكون مهماً التنويه بأن العنف ضد المرأة ليس له عنوان محدد أو مجال معين كما ليس له أماكن يمارس فيها ، وقد تراه في الاقتصاد كما السياسة والإعلام وفي أماكن متنوعة كالبيت والشارع وال! مدرسة ، وقد تتلمسه ظاهراً على جسد المرأة أو نفسيتها أو مستواها المعيشي أو مكان سكنها ، وصحتها البدنية والفرص المتاحة لها ... إلى آخر عناوين الحرمان والعوز التي تمثل العنف الأكثر إيذاءً للمرأة والمجتمع وتتسبب في أفدح الأضرار بمستقبل أجياله وصحتهم النفسية والبدنية . إن الانطلاق في دراسة الظاهرة ومن ثم وضع المناسب لطرق المعالجة يجب أن ينطلق من إدراك عميق وإيمان أعمق بدور المرأة الأم والمرأة الزوجة والأخت والابنة والزميلة والحبيبة والصديقة وكل صور الشراكة الإنسانية التي تمثل وترمز لحياة ممكنة وجميلة وتستحق العيش فقط بتوحيد الفهم حول المساواة التامة بين المرأة والرجل لأنه لا جنس على سطح الأرض غيرهما ، وقد قال من سبقنا كلمات عظيمة بهذا الشأن حيث " وراء كل رجل عظيم امرأة " كما لكل رجل عظيم أم ربته وجعلت منه هذا العظيم .

إن ما تقدم يدفعنا للبحث بطريقة خلاقة وعلمية عن الأسباب الحقيقية للعنف ضد المرأة ودراستها بعقل مفتوح من أجل الحد منها وتقليل مخاطرها ولعل بعض الإحصائيات والأبحاث تساعد في هذا المجال ، ومن هنا دعوتنا لمراكز الأبحاث لعمل الدراسات اللازمة للأسباب والمخاطر والعلاج . إن نسبة لا يستهان بها من النساء الفلسطينيات يتعرضن للعنف في الضفة وغزة وقد أشارت احد الإحصائيات إلى أن 52 % من نساء فلسطين قد تعرضن للضرب ولمرة واحدة على الأقل في العام 2000 ، وكما نلاحظ فان العنف هنا اقتصر في الإحصائية على الضرب ، أي الشكل الشائع للعنف الجسدي .

وفي الأردن على سبيل المثال فان نصف النساء تقريباً (47 %) يتعرضن للعنف بشكل دائم .

إن أعلى أشكال العنف كما نعرف هو القتل وفي هذا الإطار نلاحظ أن نسبة كبيرة من جرائم القتل تطال النساء ومن الأقربين على وجه الخصوص وتحت مسميات مختلفة ، أكثرها مدعاة للسخرية ما يطلق عليه جرائم الشرف ، وحيث تنتهك حرمات الأوطان والمقدسات في فلسطين وغيرها ولا ينبري هؤلاء الممارسون لجريمة القتل للدفاع عن هذه الأوطان وهذه المقدسات .

إن مجتمعنا الفلسطيني ومجتمعاتنا العربية بالعموم أمام خيارات صعبة في هذا الأمر فنحن نعرف تقاليدنا جيداً ونحترم بعضها ، لكن استمرار التعامل مع نساءنا بهذه الكيفية ووضع الحواجز والعراقيل أمام لعب دورهن الطبيعي في الحياة وكبح انطلاق المرأة بقدراتها من أجل التكامل مع شقيقها الرجل ولتعبيد الطريق أمام مستقبل واعد وجيل معافى من الكثير من الأمراض سيكون خياراً من أجل الدمار والبقاء في قعر التطور الحاصل على سطح المعمورة ، أما تمكين المرأة وحفظ حقها عبر مساواتها بالرجل وفتح الطريق أمامها وتغيير بعض عاداتنا ومفاهيمنا البالية ووقف العنف ضدها والتخويف والضغط ، إن هذا كله سيجعل المجتمع أكثر تماسكاً وصلابة وسيجعل الحياة أكثر يسراً ونضارة ، كما سيجلب السعادة لأبنائنا وأجيالنا اللاحقة . نعرف كلنا صعوبة التكيف مع مفاهيم جديدة وتقدمية كالتي ننادي بها لكن لا مناص من فهمها والقناعة بها حتى نتقدم ونتبوأ ! مكاننا اللائق بين الأمم ، وبالمعنى الإنساني فان العنف ضد المرأة هو انحطاط أخلاقي بالدرجة الأولى وجريمة يجب أن تتوقف سواء في مجتمعاتنا العربية المحافظة أو في المجتمعات الغربية والشرقية المنفتحة والحرة .

إن أطفالنا وطلابنا وكل المرحلة العمرية قبل الشباب تتأثر بموقف الرجل من المرأة ولو أردنا سرد المخاطر الناجمة عن استخدام العنف ضد المرأة على هؤلاء ومستقبلهم فإننا في حاجة لمجلدات ، ناهيك عن المخاطر الناجمة عن هذه الظاهرة على العلاقات الأسرية وارتفاع نسبة الطلاق وما يحدثه ذلك من دمار للأسرة وكذلك على الاقتصاد والصحة العامة ، وفي مجمل الحياة بتنوعها ستجد أن تمكين المرأة من ممارسة حقها كشريك حقيقي للرجل وفي إظهار قدراتها سيعطي نتائج معاكسة لما ذكرنا وستتحسن الحياة ومستوى المعيشة على كل صعيد .

إن الخيار هنا يجب أن يكون محسوماً في أذهاننا وعقولنا أولاً ، ثم تعميقه بالدراسة والتجربة وتقديم الدليل من خلال نتائج مقارنة وواضحة . وفي التغلب على المفاهيم البالية والتقاليد الزاجرة للمرأة والتي تصور العنف ضد المرأة باعتباره حقاً مكتسباً للرجل أو حتى للمرأة على المرأة بحكم بعض الصلات ، لابد من دحض ذلك عبر تغيير تدريجي في واقعنا المعاش مع توجيه فكري ثقافي يواكب ذلك ويبرره ، ونحن نعلم صعوبة الأمر لكن خطورة الهدف وأهميته تجبرنا على الشروع الآن في ذلك وليس في أي وقت آخر .

إن عنف الاحتلال الصهيوني لوطننا يقع أيضاً وخصوصاً على المرأة الفلسطينية ، وفي هذا الشأن لابد أن نظهر بشاعة الاحتلال من هذا المنظور، وقد تعرضت آلاف النساء الفلسطينيات ومن كل الأعمار ومن كل المستويات الاجتماعية لعنف إجرامي من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي ، ولهذا فرادة وخصوصية في العالم أجمع ، ذلك أنه لم يبق أي بلد أو شعب تحت الاحتلال مع نهاية القرن العشرين ، ولعل الدرس البارز في تناول العنف ضد المرأة على هذا الصعيد هو لفت انتباه الرجل الفلسطيني في كل مواقعه من المرأة أباً أو زوجاً أو أخاً وغيرها إلى أهمية تمكين المرأة وحماية خياراتها ووقف العنف والزجر ضدها لتلعب الدور المفترض لرفع المعاناة عن كاهل شعبها ولوقف العنف الاحتلالي ضدها وضد شريكها الرجل الفلسطيني .

في اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة نناشد كل الرجال وكل النساء للوقوف بأمانة وبحزم أمام هذه الظاهرة الخطيرة لوأدها ، ولنجعل من حياتنا المشتركة ونضالنا المشترك نموذجاً نقدمه باعتزاز لفلسطين الوطن الذي ينتظر منذ ستين عاماً ولامتنا العربية ونسائها الصابرات . دعونا نقدم كل التقدير والاحترام الممزوج بالحب لكل سيدة ولكل رجل عمل وسعى وقدم من جهده ووقته للحد من العنف بكل أشكاله وأخص هنا تلك النساء الرائدات في هذا المضمار الإنساني الرفيع ، وليكن خيارنا دائماً حرية المرأة لان حريتنا رهن بها وعليها .

زياد ابوشاويش

Zead51@hotmail.com

صوت النساء – رام الله