تجميد حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي نشاطه في إعلان دمشق اثر انعقاد "مجلسه الوطني" لا يمكن المرور عليه وتجاهله، فحزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي اكبر أحزاب التجمع الوطني الديمقراطي والممثل الأبرز القومي العربي في الإعلان، واتخاذه هذا الموقف بعد ما اسماه من ممارسات سلبية استمرت طوال العام الماضي واستمرت خلال جلسة المجلس الوطني يدلل الى أن هناك إشكالية عميقة تجاوزت الخلاف داخل اجتماع المجلس الوطني والذي كما ظهر من مضمون الحوارات خلاف على مواقف سياسية هامة ترتبط برؤية متباينة للمخاطر التي تتعرض لها سورية لم تستطع العبارات التوافقية التي نص عليها البيان الختامي تجاوزها رغم ما بدا من رغبة أكيدة لدى أكثر من طرف لتقديم نصوص تشكل الحد الأدنى للتيار القومي العربي والحدّ الأقصى للتيار "الليبرالي" وشملت عبارات "الخطر الصهيوني المدعوم من الإدارات الأمريكية" بتجاوز صريح لخطر المشروع الأمريكي – الصهيوني على المنطقة وعلى العالم من خلال أطماعها المباشرة في المنطقة إضافة لشراكتها الكيان الصهيوني في العدوان على الأمة العربية واحتلالها لدولة عربية مجاورة لسورية، يضاف الى ذلك مسألة الهوية الوطنية لسورية التي يجري التشكيك بعروبتها عبر مدخلين:

الأول: التأكيد على هوية سورية القطرية وان الانتماء العربي هو انتماء جغرافي أو انتماء لغوي على شاكلة "الكومونويلث".

الثاني: عبر طرح أن سورية متعددة أو ثنائية القوميات وان الشعب في سورية هو شعبين على الأقل، وبما تستلزمه هذه المقولة من اعتراف بحقوق قومية لأكثر من شعب قد تصل الى حدّ الانفصال المبطن اليوم تحت شعار الدولة الثنائية القومية، متجاوزا بذلك مفهوم الدولة الوطنية التي تمنح مواطنيها حقوقا متساوية وإزالة الغبن على بعض فئات المواطنين وتحديداً الكرد بسبب اللون أو الجنس أو المعتقد.

المسألة البارزة الأخرى ترتبط برؤية مختلفة لقواعد العمل الجبهوي الوطني الديمقراطي فهناك من يريد أن يفرض تيار سياسي وإيديولوجي موقفه وسياساته ونهجه على الآخرين بعيدا عن سياسة التوافق وعبر مناورات انتخابية وشعارات محاربة ومناهضة الحزبية، وهي مناهضة موجهة أساسا نحو أقوى الأحزاب المؤمنة بالقومية العربية بعد أن ضمن "كوتا" لأحزاب الأقليات الاثنية، بينما يؤكد النهج الآخر الذي يمثله التيار القومي على منهجية التوافق في العمل الوطني والديمقراطي كمدخل الى تحقيق الديمقراطية عبر الاحتكام الى المواطنين الذين يجري الترفع عنهم بدعوى "مناهضة الشعبوية" [وتعليقه من شأن "النخبوية" المؤهلة لقيادة وتعليم الشعب الذي لا يدرك حقوقه وواجباته بالضرورة!].

وفي كثير من الأحيان تطرح هذه المنهجية الاقصائية بدعوى (مناهضة الشمولية)، في الوقت الذي يجري العمل على تكريسها، أو بدعوى منع الإعاقة التي يمكن أن يفرضها التوافق، رغم أن التوافق يوفر مسيرة جماعية وخصوصا انه مرتبط بالقضايا الأساسية أو ما ترى فيه القوى المشتركة قضايا أساسية.

في عام 1973 خرج حزب الاتحاد الاشتراكي العربي (الديمقراطي) من الجبهة الوطنية الديمقراطية وترك جميع المناصب الوزارية والمواقع التنفيذية لان الجبهة سارت يومها خارج إطار الشراكة وكرّست احد أحزابها حزبا قائدا للدولة والمجتمع وللجبهة الوطنية منطلقا من عدم استعداده ليكون مجرد جرم في فلك الآخرين، وهو على استعداد ليكرر هذا الموقف في كل مرّة يحاول فيها البعض تصور إمكانية أن يتحول حزب الاتحاد الاشتراكي وبما يمثله من فكر قومي تقدمي وطني ديمقراطي الى مجرد تابع في هيكلية أية قوة أو تيار والمسألة هنا تتجاوز تقاسم الحصص والمكاسب فقد تقدم بتخلي طوعي عن المناصب عندما كانت هناك فعلا شبهة وجود مكاسب وهو يستند في موقفه هذا الى حرصه على مبدأ الشراكة ذاته، شراكة في العمل الوطني وفي تحمل المسؤولية وخصوصا أن تاريخه كله مليء بالتضحيات سواء على المستوى الحزبي العام أو على مستوى أعضائه وكوادره وقياداته.

أن الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي لم ولن يتخلى عن عمله الوطني الديمقراطي ولا عن دعوته من اجل التغيير الوطني الديمقراطي ولا عن إيمانه بالتعددية السياسية والحزبية وعن الحوار كمقدمة للعمل فتاريخه كله منذ عام 1966 حتى اليوم هو تاريخ الدعوة والعمل من اجل تجميع الصف الوطني ومن اجل التغيير الوطني الديمقراطي، وهو لا يزال متمسكا بهذا النهج وسيبقى الى أن يتحقق التغيير الوطني الديمقراطي والى أن يتم مواجهة المخاطر الداخلية والخارجية وستبقى يده ممدودة لكل من يؤمن بالتعددية وبالحوار وبالمشاركة ولكل من يعمل للتغيير الوطني الديمقراطي ولكل من يؤمن بمناهضة ومقاومة المشروع الصهيوني الأمريكي.